ضبابٌ كثيفٌ غطّى المكان،
يتسلّل بين سيقان الأشجار
الشاهقة حتى قممها،
ولم يكن يضيء المكان
سوى قمرٍ أحمر قاتم
يسكب نوره الغريب على
كل ما حوله.
في قلب ذلك السكون
وقفت شابة ذات شعر
رمادي طويل، تحدّق بعينين
متوهجتين بلون القرمز
الدامي. كان يحتضن جسدها
النحيل فستانٌ أسود بسيط
الملامح، وقد انشقّ
ظهره إلى فتحتين لا بأس
بحجمهما.
ومن هذين الشقّين اندفع
جناحان مظلمان هائلان،
التفّا حول جسدها وهما
يصدران خفقًا مدوّيًا مع
كل حركة عنيفة. فرضا
حضورهما المهيب، ثم اصطدما
بقوة حتى انكسر ظهر الشابة،
فسقطت جثةً هامدة في صمتٍ
مروّع.
تلاشى الضباب شيئًا
فشيئًا، وعاد القمر إلى
لونه الطبيعي، فيما تفتّت
الجناحان إلى رمادٍ أسود
تناثر على ملامح الجثة
التي برزت عروقها برعب،
وشحب جلدها تمامًا. تُركت
وحيدة هناك وسط حشدٍ
مهول يشاهد بصمت،
وامرأةٍ مقيّدة اليدين تبكي بحرقة.
•••
في إحدى حدائق "تارجو
موريش" الهادئة، كان صوت
قطرات المطر المنهمرة على
الأرض العشبية الملوّنة بالأزهار
الصغيرة يملأ المكان. جلست
فتاة وحيدة على أحد المقاعد،
تمسك بمظلّة بنية، بينما تتطاير
خصلات شعرها الطويل بفعل
نسمات الرياح الباردة. تحدّق
في الأرض بشرودٍ عميق، كأنها في
عالمٍ آخر.
سقطت بلورة ثلج صغيرة
ناصعة على كفّها، تأملتها
للحظات قبل أن يذوب الثلج
ويتوقف المطر، لتبدأ بالعودة
إلى منزلها بخطوات هادئة، تستمتع
فيها برائحة المطر ونقاء السماء.
•••
كيانٌ أسود يحلّق عاليًا في
سماء كاليفورنيا، يجوب بعينيه
الصغيرتين كل شبرٍ أسفله بحثًا عن
مراده. هذه المرة السادسة هذا
الأسبوع التي ينتقل فيها من بلدٍ إلى
أخرى دون أي فائدة تُذكر.
كان في نظر الناس وطواطًا
أسود مزعجًا يجوب السماء
بلا هوادة، لكنه حالما استقرّ
على أرضٍ خالية من البشر،
انقشع السواد عن جسده الصغير
ليغدو جسدًا بشريًا كاملًا.
أسرع في ارتداء ملابسه وغاص
بين أشجار الغابة، يتوارى
فيها ويسبّ كل ما يعيقه عن
نيل مراده. كان منزعجًا للغاية.
أمسك بصخرةٍ صغيرة ليقذفها
بكل قوته نحو إحدى الأشجار، فتجرّدت
الشجرة من أوراقها لتغدو قاحلة.
•••
وصلت إلى شقتها، وها
هي تنظف فوضى طعامها
بعدما امتلأت معدتها. دخلت
غرفتها واستلقت على سريرها
منهكة الجسد، لكنها تذكّرت واجباتها،
فنهضت على مضض وجلست إلى
مكتبها تراجع دروسها حتى
الثالثة صباحًا استعدادًا لبدء
الامتحانات النهائية.
مع الفجر، استيقظت على صوت
المنبّه. تفقدت الساعة، كانت
السادسة والنصف. جهّزت نفسها،
ارتدت زيّ المدرسة، وتناولت شطيرة
أعدّتها مسبقًا، ثم خرجت تنتظر الحافلة
المدرسية.
في المدرسة، جلست في آخر
الصف، وعندما تسلّمت ورقة الاختبار
أنهته سريعًا ورفعت يدها قائلة:
ــ لقد انتهيت.
وضعت رأسها على الطاولة
بعدما سلّمت امتحانها لتأخذ
قيلولة، وعندما استفاقت لاحقًا
وجدت الفصل خاليًا، فضحكت
باستهزاء. جمعت أغراضها وتوجهت
إلى المقصف، ثم إلى المقهى الذي
تعمل فيه بدوامٍ جزئي لتكسب قوتها.
استقبلها صاحب المقهى،
العم غابريال، بقلق وحنان كأبٍ
رؤوف. كانت طفولتها مؤلمة؛
وُجدت رضيعة أمام دار أيتام،
وتبنّتها لاحقًا أسرة محبة سرعان
ما فقدت الأم، فطُردت من المنزل
على يد زوجها. ومنذ الخامسة
عشرة تعيش وحيدة، يساعدها صاحب
المقهى ويوفّر لها مسكنًا مقابل عملها معه.
انشغلت أليس خلال الأيام الأربعة
التالية بين الدراسة والعمل، واليوم
هو آخر امتحاناتها. خرجت من
المدرسة، ثم أنهت عملها في الحادية
عشرة ليلًا.
وفي طريق عودتها، اكتشفت
أن اليوم يوافق ميلادها، 27
أغسطس. دخلت محلًا للحلوى
واشترت قطعة "كاب كيك"
صغيرة، ثم ذهبت إلى الحديقة
وجلست على مقعدها المعتاد.
أضاءت شمعة صغيرة، وأغمضت
عينيها متمنية:
ــ أتمنى... أن أجد عائلتي.
التقطت أذناها صوت تنفّسٍ
هادئ غريب - كان غير مسموع،
لكنها سمعته - ففتحت عينيها
لترى طفلًا صغيرًا يجلس
وحيدًا على العشب يحدّق
في الكعكة بين يديها. اقتربت
منه برقة، وربّتت على شعره، وقدّمت
له الحلوى. سألها الطفل بصوته البريء:
ــ هل هذه لي؟
أومأت بابتسامة، فأخذها فرحًا
وبدأ يأكلها، ثم سألها:
ــ هل هو يوم ميلادك؟
هزّت رأسها، فبدت عليه مشاعر
الحزن، وسألها إن كان قد تناول
كعكة عيد ميلادها، فأنكرت بلطف.
حينها أخرج من جيبه قلادة صغيرة وقال:
ــ عيد ميلاد سعيد لكِ، آنستي.
أمسكت بها أليس وقد اغرورقت
عيناها بالدموع. عانقته شاكرة وقالت:
ــ شكرًا لك... هذه أول هدية أتلقّاها
في حياتي.
ابتسم الطفل قائلًا:
ــ وأنا أشكركِ على الحلوى.
لكن عليّ الذهاب الآن. وداعًا!
عانقها برقة، ثم ركض مبتعدًا،
بينما جلست أليس تتأمل القلادة
بفرحة وامتنان لم تشعر بهما منذ زمن.
•••
كانت القلادة على شكل هلالٍ
فضيّ، مزيّنة بنقوشٍ حمراء
غريبة وجميلة، وسلسلتها مغطاة
بطلاءٍ فضي يتخلله لونٌ أحمر
قاتم. تأملتها مطولًا، ثم ارتدتها.
وما إن لامست بشرتها البيضاء
حتى تغيّر لونها فجأة إلى الأحمر
الدموي، واكتمل الهلال بدرًا يشعّ
بضوءٍ أحمر غريب.
ما إن استوعبت ذلك حتى
باغتها ألمٌ حاد في رأسها،
ودوارٌ شديد أفقدها توازنها،
فأغمضت عينيها ممسكةً برأسها.
هدأت الأرض تحت قدميها
تدريجيًا، وشعرت برياحٍ باردة
تلفح بشرتها كما لو كانت
في القطب الشمالي. فتحت
عينيها لتجد نفسها وسط
غابةٍ كثيفة موحشة يكسوها
السواد، ويخترقها صوت
البوم المرعب. ركضت خائفة
باحثة عن مخرج، متعثرة،
لكنها واصلت رغم الجرح
في كاحلها. وبعد مسافة طويلة
لم تجد إلا الأشجار، فسقطت
على الأرض باكية ترتجف من الخوف.
وفجأة سمعت خطواتٍ تقترب
منها. رفعت رأسها لترى صبيًا
قصير القامة يقترب؛ بدا مألوفًا..
إنه الفتى الذي أعطاها القلادة!
بدا شاحبًا، أنحف من ذي قبل،
وكأن دمه جفّ في عروقه.
- أنت...؟! كيف وصلت إلى هنا؟
أيمكنك أن تشرح لي ما يحدث؟
لكنه لم يجبها، بل التفت ومشى
في اتجاهٍ محدد، فتبعته.
كانا يخترقان الأشجار الشاهقة
وسط الظلام الدامس، ومن
الغريب أن الطفل كان يمشي
فيه دون أن يتعثر، بينما سقطت
هي مراتٍ عديدة، تنهض وتتابع
السير خلفه مستمرةً في سؤاله
دون أن تتلقى جوابًا. التزم الصبي
الصمت حتى وصلا إلى الشجرة
المقصودة، وضع يده عليها،
فاختفت فجأة، وتغيّر المشهد
من حولها... مبانٍ غريبة، وقصرٌ
ضخم يحيط به سورٌ مرصّع
بالجواهر، يحرسه رجالٌ ضخام
يحملون سيوفًا لامعة، ومظهرهم
يبعث على الخوف.
اقترب الصبي من القصر
دون تردد. حاولت آليس
منعه خوفًا عليه من الحراس،
لكنه أبعد يدها بسهولةٍ مذهلة
وسار دون اكتراث. فلحقته
آليس غريزيًا. أشار للحراس
لينحنوا لها فجأة، مما زاد
دهشتها. أمسك بيدها وجرّها
خلفه إلى داخل القصر رغم ألمها
من قبضته.
دخلت حديقة خيالية الجمال،
بأشجارها ونافورتها الفضية
وطيورها، لكنها لم تمكث
طويلًا قبل أن يُفتح باب
القصر بأمرٍ من الفتى. وللمرة
الثانية، انحنى الحراس أمامها
دون أن تفهم السبب.
داخل القصر، صعدت سلالم
كثيرة، ثم دخلت قاعة تعجّ
بأناس يكسوهم السواد،
يرمقونها بنظرات مرعبة.
وعلى منصةٍ مرتفعة وقفت امرأة
جميلة بشكلٍ لافت تُشبهها كثيرًا،
يعلو رأسها تاجٌ ذهبي مرصّع
بالجواهر، وترتدي ملابس
مبهرجة ثمينة. وإلى جانبها شاب
وسيم بشعرٍ أسود متوسط الطول،
يرتدي ملابس مزينة بالأحجار الكريمة.
كانت آليس على وشك الحديث،
لكن السيدة باغتتها بعناقٍ شديد،
تبكي وتضحك في آنٍ واحد:
- آليس، ابنتي، اشتقتُ إليكِ كثيرًا!
ارتجف قلبها، وقالت بنبرةٍ
يشوبها الشك والأمل معًا:
- هل... قلتِ ابنتي؟!
ظلت المرأة تبكي وهي تضمّها
أكثر، وتمتمت بحرقة:
- يا حبيبتي، أنا والدتكِ، لقد عدتِ
أخيرًا.
حاولت آليس نفي الأمر:
- سيدتي، لا أظن أنكِ والدتي،
فأنا بلا عائلة...
لكن السيدة ازدادت بكاءً وقالت:
- أقسم لكِ أنني والدتكِ...
أمسكت بيديها بلطف:
- تعالي، لنتحدث قليلًا.
تنهدت آليس بضيق، ثم استسلمت
للاستماع.
- قبل ستة عشر عامًا، اندلعت
حربٌ ضارية بين السحرة ومصاصي
الدماء. تسلل بعض السحرة إلى
القصر لقتلكِ، كونكِ الوريثة
الوحيدة لوالدكِ الذي كان يقاتل
في الخارج. لجأتُ إلى صديقةٍ
ساحرة مسالمة، فعرضت مساعدتي
بتحويلكِ إلى بشرية ونفيكِ إلى
عالم البشر. وافقتُ فورًا، خاصة
بعدما عثر علينا السحرة وكدنا
نفقدكِ. كنتِ حينها في الثانية من عمركِ.
تحدثت السيدة بألم عن
مقتل الملك، ثم انتقامها لزوجها،
وقطع رأس ملك السحرة، وانتهاء
الحرب.
- طلبتُ من صديقتي أن تخبرني
بموعد عودتكِ، فقالت إنكِ
ستعودين عندما تبلغين الثامنة
عشرة، وتُفكّ التعويذة بقلادة
تُدعى "قلادة الدماء"، وهي
ذاتها التي أعطاها لكِ الفتى
... وها أنتِ هنا،
في موطنكِ يا عزيزتي.
احتضنتها السيدة وقد انفجرت
بالبكاء، فيما كانت آليس لا تزال
تحت وقع الصدمة.
- أأنتِ... والدتي؟
أجابت السيدة، ودموعها لا تزال
تنهمر:
- أقسم لكِ بذلك... أنتِ ابنتي، وقد عدتِ
إلى موطنكِ الحقيقي.
قالت آليس بصوتٍ متقطع،
ودموعها تنساب:
- لم أكن أعلم أن أمنيتي ستتحقق
سريعًا... أمي.
عانقت والدتها بشوقٍ طالما انتظرته. حتى
لو كانت هذه كذبة، فهي مستعدة
لتصديقها فقط لتشعر بدفء العائلة.
بعد لحظات، قالت مارثين،
والدتها، مبتسمة:
- لا أريد أن نقضي وقتنا في البكاء
. هيا، سأعرّفكِ على شعبكِ.
- شعبي؟!
- نعم، أنتِ أميرة مصاصي
الدماء، وقريبًا ستكونين ملكتهم.
شعرت الأخرى وكأن الأرض
تميد تحت قدميها؛ لا تريد ذلك
حتى وان كان مُزاح.
وقفت مارثين على المنصة
بعدما جرّت آليس خلفها أمام
هذا الحشد من الناس،
وأعلنت بصوتٍ عالٍ:
- يا شعب مملكة مصاصي الدماء،
أقدّم لكم ملكتكم المستقبلية!
انطلقت التصفيقات من
كل جانب، لتتابع مارثين:
- وفقًا للتقاليد، سيتم تحولها إلى
مصاصة دماء مكتملة في نهاية
الشهر الدموي لتتسلّم عرشها.
ارتبكت آليس وتراجعت
إلى الوراء:
- تحوّل؟! لا أريد ذلك! لا أريد
أن أكون مصاصة دماء!
تدخل جوناثان، الذراع اليمنى
للملكة والذي لمحته مسبقًا، قال مهدئًا:
- لا تقلقي، جلالتكِ. لن يحدث
شيء الآن.
- متى يحلّ هذا "الشهر الدموي"؟
- بعد ثلاثة أشهر.
تنفّست الصعداء، ثم سألته:
- وما هو هذا الشهر؟
- يأتي مرتين في العام، حين يكتمل
القمر بلونٍ أحمر، لذا يُسمّى "الدموي".
- حسنًا، شكرًا لك.
- يشرّفني أن أكون إلى جانبكِ،
جلالتكِ.
- رجاءً، لا تخاطبني بهذه الرسمية،
تحدّث ببساطة.
تبسّم بخفة وتابع مشاهدة الحفل.
وفي منتصف هذه الفوضى من
الاحتفالات، نزعت آليس قلادتها
لتتفقدها، فلاحظت تحوّل أعين
الموجودين إلى اللون الأحمر،
فقشعرّ بدنها خوفًا.
إلا أن
جوناثان تدخّل سريعًا وأعاد
القلادة إلى عنقها قائلًا بتحذير:
-
لا تنزعيها مجددًا، فهي تحميكِ
من السحرة ومصاصي الدماء.
بدونها، قد يفقد الجميع السيطرة.
- كيف ذلك؟
ــ انه موضوعٌ يطول شرحه،
ولكنها تحجب رائحة دماءك عن
العامه فدماؤكِ لازالت بشريه.
ــ فهمت، شكرًا..
صمتت لوهلة، إذ كانت تجهل
اسمه حتى الآن. لاحظ ذلك، فصرّح:
- جوناثان.
- شكرًا لك، جوناثان.
- هل ما زالت الرسميات ممنوعة؟
- تمامًا، تكلّم بتلقائية.
- إذن... نحن أصدقاء.
ابتسمت له، وشعرت بدفء
لا تدري مصدره.
- أصدقاء.
انتهى الحفل بعد ثلاث ساعات
من الاحتفال الحافل. وبعدما
اصطحبتها والدتها إلى غرفتها،
فوجئت آليس بجمال الغرفة المصبوغة
بالرمادي الداكن، بتفاصيلها الغامضة
ذات الطابع الملكي.
احتضنتها مارثين مرة أخرى:
- اشتقتُ إليكِ يا صغيرتي...
وبعد حمامٍ دافئ، تمددت آليس
على السرير متأملة السقف، غير
معتادة على هذا الهدوء.
- رأيتُ حديقة خارج القصر...
لمَ لا أزورها؟
شقت طريقها في الأروقة
حتى وصلت إلى الباب
الخارجي. سألها أحد الحراس
عمّا ترغب، فأخبرته برغبتها
في زيارة الحديقة، فقادها إليها.
جلست قرب نافورة الحديقة،
والتقطت كتابًا لتقرأه، لكن
خطواتٍ مقبلة قطعت تركيزها.
التفتت، فإذا بشخص يرتدي
عباءة سوداء، وجهه مخفي،
يبتسم بشرٍّ بالغ.
قال بصوتٍ أجوف:
- إذن... أنتِ الأميرة الضائعة؟
ما رأيكِ باللحاق بوالدكِ الملك؟
ارتجفت أطرافها، لكنها جاهدت
لتسأله بصوتٍ مرتعش:
- مَن أنت؟
- أنا جحيمكِ، عزيزتي.
وما إن أنهى عبارته حتى وجّه
عصاه نحوها وتمتم بكلماتٍ
غريبة. حاولت الصراخ، لكن
صوتها اختفى، وكأن لسانها انعقد.
ثم هوَت مغشيًا عليها.
•••
استفاقت ببطء، وعلى وقع
صداعٍ عنيفٍ في رأسها، بدأت
تتذكّر: الرجل.. الحديقة.. العصا..
ثم الظلام.
انتفضت من على السرير
مذعورة:
- أين أنا؟! ماذا حدث؟
جاءها صوت من خلفها:
- اهدئي يا فتاة.
استدارت بسرعة، والهلع
يسيطر على ملامحها:
- من أنت؟
- أوه، أنسيتِني بهذه السرعة؟
إنه أنا، جوناثان.
تنفّست الصعداء وجلست تحاول
تنظيم ضربات قلبها المرتعبة، لتلاحظ
كتابًا مفتوحًا على الطاولة بجانبه، ما
يدلّ على أنه كان هنا منذ مدة.
- لقد كدتُ أُصاب بنوبةٍ قلبية!
الرجل في الحديقة... كان مرعبًا!
- كان ساحرًا.
- ألم تقل إن القلادة تمنعهم
من معرفة مكاني؟
- نعم، لكن سحرها يختفي إن خُلعت.
وأنتِ خلعتِها في الحفل... فاستشعروا
دمكِ الملكي. جاء ثلاثةٌ منهم، قتلتُ
اثنين، بينما هرب الثالث عبر بوابةٍ سحرية.
- ويلي! شكرًا لك.
- دائمًا لحمايتكِ، ولكنكِ من
اليوم الأول وتقعين في المشاكل.
- لستُ كذلك!
مرّت لحظة صامتة استطاعت
فيها آليس ملاحظة شيءٍ غريب
وهي تُمعن النظر في عينيه؛ كانت
تحيط بحدقتي عينيه دائرةٌ رفيعة
مشعّة باللون الأحمر.
- عيناك!
- لاحظتِ؟ هذه تُسمّى
"السانيوس"، تظهر لدى أي
مصاص دماء نقي.
أطالت التحديق بعينيه، تبصر
هذا الشيء لأول مرة، فقاطعها بنبرةٍ ممازحة:
- أتعُضّين شفاهكِ عادةً عند التركيز؟
- أ-أجل... أعتذر إن أزعجك.
ثم سألته سؤالًا عشوائيًا
لتغيّر الموضوع:
- لماذا، عندما نزعتُ القلادة، تحوّلت أعين
الجميع إلى اللون الأحمر عداك؟
ضحك وقال:
- أتودّين سماع القصة؟
- بالطبع!
فروى لها عن ماضي مصاصي
الدماء، وأن علاقتهم بالبشر
كانت ودّية، لكن أحد مصاصي
الدماء المتهورين أقدم على
قتل إنسيّ، فساءت العلاقات.
حكى لها عن الحروب الدامية
التي تلت ذلك، وعن الاتفاق
الذي عُقد لاحقًا بين الطرفين،
ثم عن الحاجز السحري الذي
يفصل العالمين. وأخبرها أنه
تدرّب منذ صغره على كبح
غرائزه كمصاص دماء،
ليتمكن من زيارة عالم
البشر متى شاء دون
أن يُكتشف أمره.
نظرت إليه بدهشة:
- هل هذا... حقيقي؟! كنتُ
أفكر بالاختبارات والمستقبل،
والآن أكتشف أنني أميرة لمملكة
مصاصي دماء؟!
تبسّم جوناثان وهو يصرّح
بغموض:
- هناك الكثير لتكتشفيه، فقط ثقي بنا.
نحن عائلتكِ.
- شكرًا لك، جوناثان.
- هذا واجبي، آليس.
ثم تذكّرت فجأة:
- قلتَ إنك كنت تزور عالم
البشر؟ إذن... هل يمكنني زيارته
أيضًا؟
- بهذه السرعة؟ يمكنكِ
بالطبع، ولكن برفقة أحدنا.
- لأصدقك القول، أشعر بالغرابة
والخوف هنا. ولكن إن ذهبت،
هل ترافقني أنت؟
- أكيد، لكن ليس الآن.
أستأذنكِ للذهاب.
- تصبح على خير.
قهقه بإستمتاع ليصرّح:
-
مصاصو الدماء لا ينامون.
نستعيد طاقتنا بالدماء فقط. ننام
حين توشك حياتنا على الزوال.
- حسنًا، ليلةً سعيدة.
- ولكِ أيضًا.
خرج من الغرفة واتّجه
إلى شرفته، يحتسي كأسًا من
الدماء بصمت، بينما استلقت
هي في سريرها، تغطّي رأسها
بالبطانية، وقلبها مثقل بالهموم.
•••
في مكانٍ آخر، دوّى صوتٌ غاضب:
- أيها الأحمق! لمَ لم تُحضرها؟
- سيدي، كدتُ أنجح، لكن
أحد مصاصي الدماء هاجمني،
أظنه من العائلة الملكية.
قتل رفيقيّ، وهربت بصعوبة.
- اغرب عن وجهي حالًا.
وبعد مغادرته، همس الظلّ القابع
في الغرفة المظلمة:
- تستنفذين الكثير من القوى يا
فتـاه.
•••
في المملكة، فتح جوناثان
الباب بهدوء، يتأكد من أنّ آليس
قد غفت. لكن فجأة:
- ما الذي تفعله هنا؟
التفت بسرعة:
- وأنت؟ ماذا تفعل هنا؟
- بل أنت، أيها النبيل، واقفٌ
أمام غرفة الأميرة! أوقعت
في غرامها بهذه السرعة؟
صفعه الآخر على رأسه
قائلًا بغضب:
- أريك، كفّ عن الهراء. كنت
فقط أطمئن عليها.
- لماذا؟
- حاول أحد السحرة اختطافها.
تبدّلت ملامح أريك إلى الصدمة:
- ماذا؟! ألم تكن القلادة تحميها؟
- نزعتها للحظات في الحفل،
فاستشعروا دمها الملكي.
صمت أريك للحظات، ثم قال:
- هيا، لنحتسِ بعضًا من دماء
الأرانب ونتحدث. لديّ ما أناقشه معك.
وفي نهاية المطاف، كان جوناثان
يقف وحيدًا في شرفته يتأمل
المملكة بهدوء. لم يكن عقله مشغولًا
بالسماء جميلة الشكل ونجومها
الخلابة، بل بالمستقبل.. وبالعرش.. وبآليس.
•••
صباح اليوم التالي،
تسللت أشعة الشمس الذهبية
إلى غرفتها، تداعب وجهها
بلطف. فتحت عينيها بتثاقل،
لتقابلها ظلال السقف الرمادي.
نهضت ببطء، تفرك عينيها،
وشعرها مبعثر، ووجنتاها منتفختان
قليلًا، ما أضفى عليها ملامح
طفولية جذابة، جعلت مارثين
- التي دخلت مسبقًا حاملة
صينية الإفطار - تنفجر ضاحكة.
- ما المضحك؟!
- تبدين لطيفة جدًا، عزيزتي.
ابتسمت آليس بخجل، فاحتضنتها
والدتها بعدما استقرّت
على السرير بجوارها، ثم قالت:
- اغتسلي سريعًا وتعالي لتناول
الإفطار، فلدينا جولة حول المملكة.
- فكرة رائعة!
بعد مرور عدة دقائق، خرجت
مرتدية ملابس دافئة
لبرودة الطقس، ثم جلست
أمام المرآة تتناول شطيرتها،
بينما مارثين تمشّط شعرها
بحنان. أنهت تسريحتها بجديلة
ناعمة وربطتها بشريط أبيض،
ثم بدأت تزيين وجهها بمستحضرات
التجميل. لم تعترض آليس؛
فقد كانت تتوق لقضاء وقت
مع والدتها. نظرت إلى المرآة
بعد انتهاء الزينة، فابتسمت
وهي ترى الشبه بينهما.
- أشكركِ.
- لا داعي صغيرتي، هذا اقل ما
سأفعله، والآن حان الوقت. جوناثان
ينتظرنا.
- جوناثان؟ سيأتي معنا؟
- نعم، هل يزعجكِ؟
- أبدًا، يسعدني ذلك.
أمسكت مارثين بيد آليس
وغادرتا القصر. كان جوناثان
ينتظرهما عند الأسوار، فانحنى احترامًا.
انطلقوا في جولتهم، جوناثان
يقودهم، وآليس تمشي بعينين
تفيضان دهشةً وانبهارًا. بدت
المملكة كأنها مشهد من العصور
القديمة؛ المباني متراصّة، والثلج
يغلف الأرض، والملابس أنيقة
يغلب عليها الأسود والأحمر.
لفت نظرها نافورة ضخمة
تتوسط الساحة، يتدفق منها
الدم بدل الماء، فشحب وجهها،
لكن مارثين سارعت إلى طمأنتها:
- لا تقلقي، دماء حيوانات فقط.
- أنا فقط... أخاف الدم قليلًا.
- ستعتادين ذلك.
قال جوناثان:
- هذه النافورة مصدر حياتنا.
يُجلب الدم إليها من حيوانات
مخصوصة، ثم يُوزَّع على المنازل.
قالت آليس بدهشة:
- رائع!
تابعت مارثين الجولة:
- هذا متجر الأزياء الملكية،
وسنحضر لكِ فستانًا منه.
وهنا دارت الحرب بين
مصاصي الدماء والسحرة.
وهنا قُتل والدكِ.
أشارت إلى بقعةٍ جفّت
عليها الدماء، مشكلةً أثرًا
أحمر داكنًا مائلًا للسواد،
أُحيط بإطارٍ ذهبي تكريمًا
له. لم تعلم آليس إن
كان لون دمائهم هكذا أم أن
الزمن غيّره.
قالت مارثين بصوتٍ حنون:
- كان يحبكِ كثيرًا.فعيشي
حياتكِ بسعادة لأجله.
- أعدكِ، أمي.
وفجأة سُمِع صوتٌ ينادي من بعيد:
- جلالة الملكة!
ظهرت فتاة تُدعى ڤيولا
أمامهم في لحظة، وقد
بدا عليها الذعر، بينما
كان أريك يركض خلفها.
قال أريك:
- كانت معي، وفقدت وعيها،
استيقظت وركضت إلى هنا فورًا!
قالت ڤيولا وهي تلهث:
- لم أرَ شيئًا، لكن قواي
توقفت، وهذا لا يحدث إلا عند
وجود تعويذة لإخفاء المستقبل.
يبدو أنهم يخططون لأمرٍ ما!
سألت مارثين بقلق:
- لكن كيف علموا بقدوم آليس؟
قاطعهم جوناثان موضحًا:
- لقد حاول أحد السحرة مهاجمتها
البارحة.
انكمشت ملامح مارثين، وقالت
وهي تضغط على أسنانها غضبًا:
- ولمَ لم تخبرني؟
- كنت سأتحدث في المساء،
لم أتوقع تحركهم بهذه السرعة.
تساءلت آليس بحيرة:
- هل سيهاجمون ثانيةً؟
تقدّم أريك قائلًا بابتسامة:
- لا تقلقي، سنتولى زمام الأمور.
تسائل جوناثان:
- ألم يعد جاك من رحلته؟
ردّت آليس بفضول:
- ومن هو جاك؟
- ليس موجودًا الآن، ربما
ستجدينه لاحقًا.
- حسنًا.
وبينما كانوا يستعدون للمغادرة،
اخترق سهمٌ مشتعل الساحة،
فذعر كل من كان موجودًا. تحرك
جوناثان بسرعةٍ تنافس الرياح
وأمسك بالسهم. وجد ورقةً مثبتة
عليه كُتب فيها:
" استسلموا وسلّموا الفتاه
، وإلا تعلمون ما سيحل بكم.
وليّ مملكة ألترايس
مملكة السحرة "
ابتسم جوناثان بسخرية،
فقالت مارثين وهي تضحك:
- أيريد الحرب إذن؟
نظر إليها بابتسامة مماثلة وقال باستهزاء:
- فلنعطه حربًا لم يرَ مثلها قط.
قال أريك:
- جلالتكِ، غرفة الاجتماعات
ستكون جاهزة خلال دقيقتين.
أومأت مارثين برأسها، ثم اتجهت
نحو آليس لتعانقها وتهمس:
- لا تقلقي، سأحميكِ ولو كلّفني ذلك
حياتي.
بادلتها آليس العناق، وعيناها
تلمعان بالدموع:
- أريد العوده للديار.
- هذه ديارك يا بُنيتي.
ولن اسمح لمكروهٍ ان يصيبك.
تقدّم جوناثان بابتسامة مطمئنة:
- لا تقلقي، آليس، كل شيء
سيكون على ما يُرام.
تلفّظت مارثين بصرامه:
- اذهبي الآن إلى غرفتكِ
، ولا تغادريها مهما حدث. نحن سنتكفّل
بالأمر، مفهوم؟
أومأت موافقة، فقادها أريك إلى
غرفتها، بينما توجه كلٌّ من جوناثان
ومارثين إلى قاعة الاجتماعات لمناقشة
خطة الحرب الطارئة.
قال أريك عند الباب:
- تفضلي، جلالة الأميرة. نرجو
منكِ البقاء هنا حفاظًا على سلامتكِ.
- شكرًا لك.
- العفو، جلالتكِ.
أغلق الباب خلفه. اقتربت آليس
من النافذة المطلة على حديقة القصر،
ثم جلست على السرير، أغمضت عينيها،
وتمنّت من أعماقها أن تمرّ العاصفة بسلام.
•••
في قاعة الاجتماعات، جلست
مارثين على رأس الطاولة،
وعن يمينها جوناثان، وعن يسارها
أريك، يناقشون خطة الحرب التي
وضعها جوناثان ونالت إعجاب الجميع.
قال أريك:
ــ لكن، ماذا لو أقاموا حاجزًا
سحريًا لا يستطيع مصاصو الدماء اختراقه؟
أجابته مارثين:
ــ السحرة لا يمكنهم التحرك
بحاجزهم؛ إن خطوا خطوة
واحدة، انهار الحاجز.
ــ صحيح، اعذريني مولاتي.
ــ لا بأس يا أريك.
قال جوناثان:
ــ جهّز جيشك، لم نرسل ردّنا بعد،
وقد يهاجمون في أي لحظة.
أجاب أريك مبتسمًا:
ــ لا تقلق، سنتخلّص منهم سريعًا، أرى
أنه ليس بالضرورة تجهيز الجيش.
ــ بلى إنه ضروري، للعرض لا أكثر.
أنهى جوناثان كلامه ساخرًا
وعلى شفته ابتسامة تشي بمدى سهولة
الأمر، وقد غادر أريك لإبلاغ الجيش.
لاحظ جوناثان مرض مارثين حين
وضعت يدها على رقبتها، فهرع إليها:
ــ مولاتي؟!
ابتسمت قائلة:
ــ لا تقلق، أنا بخير.
ــ ينبغي أن تستريحي، سأهتم بكل
شيء.
ــ أنا لا أقلق وأنت بجواري، أعلم أنك
ستحمي آليس ولو كلّفك ذلك
حياتك، لكنني بخير، لا تقلق.
ابتسم، وساعدها على الوقوف
متجهين إلى اجتماعهما مع كبار المملكة.
•••
في الجهة الأخرى، كانت آليس
مستلقية بملل على سريرها،
غير مدركة أن ما ينتظرها
خارج هذه الجدران سيفوق خيالها.
نهضت بخمول، ووقفت عند
النافذة تتأمل الزهور خلف السور
العالي، ثم سمعت فجأة صوتًا
مروعًا، كصراخ وحوش انطلقت من
سجنٍ أبدي، يقترب شيئًا فشيئًا.
•••
ــ هل أنتم مستعدون؟
ــ نعم، جلالتك.
ــ إذن، لنُرِ هؤلاء الحمقى مصير
من يتجرأ ويأخذ ما هو ملكُنـا.
•••
على بُعد أميال من المملكة،
كان جيش هائل من السحرة
واقفين عند نقطة معينة ملتحفين
بالسواد، وكان يقودهم شاب ذو
ملامح حادة، صاح عاليًا:
ــ اليوم ننتقم. اليوم سننتصر!
هتف الجنود بحماسة، وفي مشهد
عجيب بدأوا بالاختفاء واحدًا تلو الآخر
مستخدمين سحرهم ليظهروا في بقعةٍ
أقرب للمملكة حيث سيلتحم الجيشان.
•••
ارتعد قلب آليس من الشيء
الذي أبصرته، وصوت السحرة
وهم يهتفون بدا كزئير مخلوقات
خرافية، ورأت من نافذتها والدتها
وجوناثان يغادران بوابة القصر
متجهين نحو ساحة المملكة، حيث
وقف جيش السحرة وخلفهم عدد
لا بأس به من مصاصي الدماء.
كانت الساحة ذاتها التي شهدت
مقتل والدها، والآن تشهد معركة
جديدة.تحرّك جيش مصاصي الدماء
واصطفّ خلف جوناثان. أما مارثين
، فاضطرت للانسحاب فجأة بعدما فقدت
طاقتها، وأخذت جرعة من الدماء
لتستعيد قوتها.
وقف الجيشان وجهاً لوجه،
ونطق ملك السحرة بنبرة ساخرة:
ــ ألا تجرؤون على التقدّم؟
أتخشون الموت؟
ــ لا نخاف التقدم ولكننا نشفق
عليكم، فالذي سيحل بكم ليس هينًا.
ــ ما هذا الذي تراه عيناي؟ أ جوناثان
بهذا الضعف أم أنني أتخيل؟
أنهى حديثه بضحكةٍ عالية
تشوبها السخرية، ليبادله
جوناثان سخريته قائلاً:
ــ أخشى أن جوناثان سيفقد
أعصابه ولن تسرّك نتيجة ذلك.
عادت مارثين بعد أن استجمعت القليل
من قواها لتقف بجانب جوناثان
في المقدمة، وحينما نظرت إلى ملك
السحرة تجمدت أوصالها من الصدمة.
•••
كانت آليس تجوب الغرفة ذهابًا
وإيابًا، تفرك يديها بقلق، يشتعل
فضولها لمعرفة ما يجري في الخارج،
لكن تحذير والدتها من النزول يمنعها.
وبعد تفكير طويل، قررت النزول
دون تجاوز سور القصر.
خرجت بخطوات حذرة، فاعترضها
أريك في نهاية الممر وقد وُكّل بمراقبتها،
قال باحترام:
ــ جلالتك، لمَ أنتِ خارج غرفتك؟
ترددت لحظة ثم قالت:
ــ أنا قلقة، أريد رؤية الأوضاع،
وأيضًا ألم تقل أنك قائد الحرس،
لِمَ لست معهم؟
أجابها بصرامة:
ــ لا يمكنني السماح لكِ بالمغادرة،
ومن ثم فإن الأمر لا يستدعي وجودي.
همّت بالرجاء، لكن فجأة هبّ ضباب
كثيف حجَب الرؤية. سعلت
آليس، وفقد أريك تركيزه بسبب
الظلام، لتُسحب آليس فجأة إلى
مكان بعيد. كان متوقعًا هجومًا كهذا؛
لذلك تحرك في الظلام مستخدمًا
قوته، ثم أحست بارتخاء اليد التي
كانت تسحبها، صفّق كفيه بقوة
لتتشكل رياح تبدد الضباب، كاشفةً
عن جثتين مقطوعتي الرأس. قال
بجدية وهو يساعدها على النهوض:
ــ هذا ما قصدته بالخطر، السحرة يستهدفونكِ.
ارتجفت ملامحها واقشعر بدنها
من المشهد أمامها، فحملها بسرعة
خاطفة إلى غرفتها، وحاول تهدئتها
من نوبة الفزع التي أصابتها،
لكنها أصرت على النزول فلم
يعترض كالسابق، بل اقترح أن
يريها ساحة القتال من نافذة سرية
فوافقت. حملها مجددًا وبنفس
سرعته خاطفة الأنفاس، حتى
وصلا إلى شرفة تطل على
ساحة المعركة حيث وقفت
مارثين جامدة أمام رجل أسود الرداء.
قال أريك:
ــ ذاك جاكسون أوليفير، ابن
ملك السحرة الذي قتلته الملكة، جاء
لينتقم بمقتلكِ.
في الأسفل، انتقل جاكسون أمام
مارثين مستخدمًا سحره، متهمًا
إياها بتمزيق مملكته وأنها سبب
في اختفاء والدته، وهددها بقتل
وريثة عرشها. ابتسم أريك بجانبية بسبب
إدراك جاكسون مكانهم، فقد
أخبره شخصٌ خفي، فقام بفتح
بوابة سحرية سحبتها داخلها
فلحقها أريك بدون تفكير، وظهرا أمام
جاكسون الذي ابتعد بها للخلف. حاول
خنقها فقام أريك المتخفي بالظهور
وراءه دافعًا آليس بعيدًا عن متناول
يد جاكسون لتمسكها مارثين القلقة.
قام جاكسون بشلّ حركة أريك
بتعويذة، لكن كلمة من مارثين
أوقفته وهي إعلانها بدء التحام الجيشين.
انقض مصاصو الدماء على
جيش السحرة، لكن مارثين
صرخت محذّرة:
ــ تحالف جاكسون مع قبيلة الجان!
اختُطفت آليس مجددًا وظهرت
بين يدي جاكسون وسط
هالة سوداء تمنع الاقتراب
منه، بينما حوله قتالٌ مرير
وكل شخص حاول الاقتراب
احترق، هدد بنفيها باستخدام
سحره إن تحرك أحد. تبادلت
مارثين نظرة حاسمة مع جوناثان،
فتقدّم نحوه وقد احمرّت عيناه
وبرزت عروقه، قال بصوت جهوري غليظ:
ــ أنت من اخترت نهايتك.
ــ سأقتلها أولًا وأحضر الجحيم إن أردت.
كان هذا جاكسون، فأجابه
جوناثان بنبرة ساخرة:
ــ ستجلبه آليس لك لا تقلق.
شتت انتباه جاكسون رمحٌ اخترق
جسده، فانكسرت التعويذة حوله،
واندفع أريك راميًا الرمح من يديه ليبعد
آليس. أمسك بها جوناثان وهمس:
ــ ستُنهينه أنتِ يا آليس، لا تهرعي، حسناً؟
حلّق عاليًا، وبدأ شكله يتغير
بشكل مخيف، فسأل قائد الجان:
ــ ما الذي يحدث؟
فجاءه الجواب:
ــ يستدعي قوة السحر القديم،
أجهل كيف حصل على التعويذة.
أصدر زمجرة عالية فأبصرت آليس
المذعورة أنيابه البارزة ومخالبه
الحادة التي مررها على معصمه
فتدفقت دماؤه بغزارة، عيناه
تلمعان بإصرار وهو يتلفّظ:
ــ لتُدمِي القلادة بدماء مصاصٍ
نقي، أطلقي العنان لقوّتك.
بعد نطقه بتلك الكلمات أصبحت
دماؤه تتوهج بقوة، وبدلاً من أن
تسقط قطرات الدماء لأسفل
أصبحت تطفو لعدة ثوانٍ، ولكن
بعدها بدأت بالهبوط لأسفل
تدريجياً، وكانت تتجه لشيءٍ
ما تعرفه جيداً.
كان قلبها يخفق بقوة وأنفاسها
تتسارع وهي تبصر قطرات
الدماء تتجه إليها. توقفت عن
حركتها أمام عنق آليس،
وتحديدًا قلادتها، وفجأة
وبدون مقدمات دخلت إليها
بقوة، مما أدى إلى ارتداد
عنق آليس، ومن ثم بدأت
روحها تُسلب منها تدريجيًا.
_ انسحبوا بسرعة!
كان هذا جوناثان، وتبعه
الآخرون منسحبين بعيدًا، تاركين
آليس في مواجهة أفراد السحرة
الذين بدأ الرعب يتسلل إلى فؤادهم.
أغمضت آليس عينيها باستسلام
للقوة المهيبة التي استولت
على جسدها.
سرت دماء جوناثان في
النقوش الفارغة للقلادة،
واكتمل تشكل الهلال ليغدو بدرًا
مشعًا.
أحست قبائل الجن بالرعب
فاختفت سريعًا، وتبعها
بعض السحرة بعدما تمتم
جاكسون بشرود:
ــ قلادة الدماء ... ليبيكا الوحيدة
القادرة على فعلها.
بدأ جسدها يطفو تدريجيًا،
وتسارعت الدماء في عروقها.
لهيبٌ أسود حاوط جسدها
الذي ابتعد عدة أمتار عن
الأرض. تبصر عيناها - برغم
إغلاقهما - اختفاء السحرة واحدًا
تلو الآخر. نما شعرها بطريقةٍ
سحرية واصطبغ باللون الفضي،
برزت أنيابها التي لم تكن
موجودة يومًا، وشحبت بشرتها
بطريقة غير مسبوقة.
هذه حتمًا لم تكن آليس.
_ جلالتك، لم يتبقَّ إلا القليل،
يجب علينا الانسحاب فورًا.
قال أحد أعوان جاكسون،
الذي كان يناظر آليس بهيئتها
المهيبة، ولا يزال غير واعٍ لما
حوله. تفكيره منصب في شيءٍ
آخر. اشتد غضبه فجأة، وتكونت
شرارات طائرة بين يديه، ليصرخ عاليًا
والغضب يعتريه:
ــ هي لا تزال حية، واللعنة!
أين هي يا مارثين؟!
ابتسمت المعنية بجانبيها،
فقد تدارك الحقيقة للتو،
ولكن بعد فوات الأوان.
صرخ جاكسون بسرعة في
وجه آليس:
ــ لا تتخلي عن قواكِ، ابدًا.
طبقت آليس - والتي لم
تكن في وعيها حينها - كفيها
معًا ثم فرقتهما بهدوء
شديد، وكلما تباعدت المسافة
بين كفّيها ازدادت تلك الكرة
المشتعلة بين يديها. تجمعت
السحب واشتد البرق فوقها،
وسرعان ما اتسع ظل الكرة
على الأرض أسفلها، وحينها.
قامت بإلقائها نحو العدد
القليل من السحرة المتبقي،
ليختفوا سريعًا بعد سلسلة
من الصرخات المرعبة، حيث
كانت أجسادهم تحترق. كانت
هذه الكرة لعنةٌ تنقل كل ما
تصيبه إلى قاع الجحيم.
كانت مارثين تشاهد كل هذا،
وفي قلبها بعض الخوف
لسببين؛ الأول خوفها على آليس،
فلا تعلم ما سلوك جسد آليس مع
هذه القوة الكبيرة التي اجتاحته
فجأة، والثاني مجهول.
هدأت الأوضاع واستقر
جسدها على الأرض فاقدًا
للوعي. أسرعت مارثين نحوها،
وكذلك كلٌّ من جوناثان وأريك.
تم نقلها بهدوء إلى غرفتها.
•••
بعد مرور عدة ساعات،
استفاقت وجسدها يشتعل!
تشعر بحرارة لم تشعر بها قبلًا.
تمتمت بخوف وهي تلمس
جسدها فتجده ساخنًا:
ــ جسدي.. ما باله يحترق؟!
امتدت يدٌ على رأسها،
تمتمت مارثين بهدوء:
ــ لا تقلقي، هذا طبيعي.
دقائق وسيهدأ الألم.
ظلت مستلقية إلى أن
هدأ الألم قليلًا، ولكن لا يزال
جسدها ساخنًا.
تمتمت بصوت يشوبه الإرهاق:
ــ هل لدي حمى؟ إلهي، أنا بخير
ولكن لماذا هذا؟
ساعدتها مارثين في الاعتدال
وقامت بتخفيف ثقل ملابسها
قليلًا، وقالت بينما تربت على رأسها:
ــ عندما يتم استخدام قوة
القلادة لأول مرة، ترجع لكِ
بعض من صفات أبناء جنسك،
أي أن هذه الحرارة طبيعية عند
مصاصي الدماء. تُسحب حرارة
الوسط المحيط لتسكن دماؤُك ويبقى
الجلد باردًا. ببطء سوف
تعتادين الأمر.
ــ لم يحن الشهر الدموي بعد!
ــ لا تصرخي - قالت من بين
ضحكاتها - لم تتحولي بالكامل.
جسدك لن يتحمل إذا تغيرت
طبيعته مرة واحدة. هذا
فقط تمهيد لما ستشعرين به.
لا يزال الهلع يتملكها، ولكنها
استرخت قليلًا، حيث أثناء
انفعالها زادت حرارة جسدها.
تلفظت مارثين:
ــ عند انفعال مصاص الدماء يكون
هذا لاستخدامه قوته، والتي يتفاعل
معها الجسد بالحرارة الشديدة.
سيهدأ ثوران جسدك قريبًا.
قاطعتها حين تلفظت وهي
تصب جمّ تركيزها عليها:
ــ ما الذي حدث؟ لا أستطيع
تذكر شيء.
ــ لم يحدث شيء. فقط تم تفعيل
قوة القلادة، وتصرفنا نحن مع السحرة.
قد كذبت مارثين عليها، فلم
ترد أن تصاب بالذعر؛ فقد
نفت ما يقارب المئتي
فرد من جيش السحرة إلى
قاع الجحيم. لن يكون ذلك
سهلًا عليها لتسمعه دفعةً واحدة.
قاطعهما دخول جوناثان
بهدوء. انحنى باحترام ليتلفظ:
ــ كيف حالكِ، آليس؟
ــ بخير، شكرًا لك.
ــ جلالة الملكة، بدأت
هالتها تتغير بالفعل!
شرحت مارثين لآليس:
ــ لكل مخلوق أسطوري هالة
تميزه، كما في البشر، ولكن
هالتهم ضعيفة. أنتِ هنا بدأت
هالتك في التمدد، أي بدأتِ في
طور التغير.
أومأت بفهم وهي تستقيم
بعدما استقرت حرارة جسدها.
طرقٌ خفيض اخترق سكون
الغرفة ليظهر أريك. استأذن
بالدخول وتحدث:
ــ جلالتك، لقد أتم جايكوب
مهمته، وأحضر بعض الطعام
لجلالتِها.
أخذت مارثين صينية الطعام
من أريك وهي تتلفظ:
ــ ألا يزال غائبًا عن المملكة؟
ــ أجل، مولاتي.
أومأت بالموافقة وقدمت
صينية الطعام لآليس، التي
شرعت في الأكل نظرًا لجوعها
الشديد. لم تتناول الكثير،
حيث آلمتها معدتها، فتركت الطعام.
غادر كل من جوناثان وأريك الغرفة.
استأذنت مارثين بالذهاب.
بقيت آليس وحدها تناظر
بشرود الطعام الذي لم تأكل
منه الكثير. لا تزال جائعة،
ولكن الألم منعها من تناول
الطعام. أرخت جسدها على
السرير لتسمع صوت خطوات
قادمة من خلف الباب.
لمحت ظلًا ارتكز خلف
باب الغرفة المغلق، فاعتدلت
في جلستها، وحينما فعلت
اختفى الظل في لمح البصر.
عقدت حاجبيها وهمّت بالنهوض
مغادرة الغرفة، تشق خطواتها
بين ممرات القصر وكانت
تتأمل المكان بهدوء.
ظهر أمامها فجأة شخص تعرفه
سابقًا:
ــ أنت مجددًا!
ــ بالمناسبة، أدعى أندرو، وأجل، أنا
الصبي الذي قابلته في الحديقة.
أمسكها من معصمها جارًّا إياها
وراءه، وأفصح:
ــ لدي ما أريه لكِ.
كانت ستعترض، ولكن قوة
سحبه لها لا يُستهان بها:
ــ إلى أين؟
ــ ستعلمين.
وصلا خارج القصر، نظر حوله
إلى عدد الحراس الكبير:
ــ أغمضي عينيكِ.
وفورًا فعلت، ليس بإرادتها
ولا تعرف كيف. وفي لحظة أمرها
بفتحهما، ونفس القوة الغريبة
تتحكم بها. قالت بضيق وهي
تبتعد عنه عندما رأت انتقالهما
لمكانٍ آخر خالٍ:
ــ ما الذي تفعله؟
ــ أريكِ الحقيقة.
وضع يده على عينيها ليردد:
ــ عيناكِ هي السر.
سمعت تلك الكلمات سابقًا.
فجأة داهمتها ذكريات من
طفولتها؛ الميتم، المدرسة
الابتدائية، موت السيدة
التي تبنّتها.. إلى هذه اللحظة.
ــ أترين شيئًا غريبًا؟
ــ أنا... الميتم، ومهلًا، هل هذه أنا؟
ــ أجل. لم يجدكِ الميتم عند
محطة القطار كما قيل لكِ،
بل وضعكِ أحدهم عند باب
الميتم. تم الخلط بينكِ وبين
الطفلة التي وُجدت عند
محطة القطار،
والتي توفيت، فظنوا أنكِ
المتوفاة.
نزع يده وأمرها بفتح عينيها،
وتلفظ بجدية:
ــ أود أن تركزي معي جيدًا في
كل كلمة سأقولها، مار-
ــ ما الذي يحدث؟
ظهر جوناثان من العدم، لتختفِ
تلك القوة التي كانت تسيطر على عقلها.
ظلت صامتة للحظات، تستوعب
ما قيل لها.
ــ أندرو، ما لي أراك جلبت جلالتها هنا؟
ــ أعتذر منك، كنت أجلب بعض
السوائل لجلالتها، فتعلم أنها لن
تستطيع الأكل.
قدّم لها بعض العصائر المعلبة
التي لم تكن بحوزته سابقًا. صرّح
جوناثان:
ــ شكرًا على اهتمامك.
ــ هل ظننتم أني متُّ؟
نطقت فجأة، وعلى إثر كلماتها
نظر جوناثان لأندرو بحدة،
ليختفي أندرو فورًا.
صرّح جوناثان بعدها:
ــ ليس تحديدًا، ولكن كنا
نجهل عواقب القلادة لا أكثر.
أمسك بيدها لينتقلا سويًا إلى
ساحة المملكة. ظلّا يتمشيان معًا.
تلفظت آليس وهي تقطع طريق سيره:
ــ جوناثان، من هي ليبيكا؟
ــ من أين عرفتِ بأمرها؟
ــ قالها المدعو جاكسون قبل أن أفقد الوعي.
تبسّم بخفوت وهو يصرح:
ــ ليبيكا هي الساحرة التي
حولتكِ إلى إنسية ونفتكِ إلى
عالم البشر.
ــ وأين هي؟
ــ لا أحد يعلم أين هي. منذ أن
ذُيِع لنا أنكِ توفيت، اختفت
منذ ذلك الحين، أي بعد
عامين من رحيلكِ.
صمتت لبرهة تحلل كلماته،
ثم تابعت أسئلتها:
ــ ومن هو الطفل أندرو؟
ــ أندرو ليس طفلًا، بل جريفون
- كائن أسطوري نصفه
الأمامي نسر ونصفه الخلفي
أسد - . بعثته ليبيكا ليتكفل
بمراقبتكِ عندما كنتِ صغيرة،
ولكن عندما علمنا أنكِ
توفيت، تخلّت عنه ليبيكا.
من المعروف اختفاء الجريفون
عند إتمام مهمته، وهي إعطاؤكِ
القلادة على هيئة طفل، لكنه
لم يختفِ لأنكِ كنتِ لا تزالين
حية. والآن، بعد أن أتمّ مهمته،
لا يزال موجودًا، وهذا شيء
عجيب نحاول التوصل لتفسير له.
ــ ولماذا تفعل ليبيكا كل هذا لأجلي؟!
كان سؤالًا طبيعيًا؛ فمن غير
المعقول أن تقوم صديقة والدتكِ
بكل هذا لأجلكِ. أجاب جوناثان:
ــ ليبيكا شخص طيب القلب. لم
تعرف والدتكِ كيفية التصرف
حينها، فكان بالها مشغولًا بالفوضى
داخل المملكة نظرًا لموت الملك،
فتولت ليبيكا حمايتكِ وتأمين
حياتكِ.
أومأت بتفهم، بالرغم من
عدم اقتناعها كليًا. أبصرت
قدوم شخص من بعيد بسرعة
خارقة اعتادت عليها،
كان أحد جنود المملكة.
تقدم إليهما وهو يقدم
لها ورقة، وقال:
ــ هذه من غابريال ميزور.
التقطت آليس الورقة؛ فقد
كانت من العم غابريال صاحب
المقهى.
ــ ماذا كُتب في الورقة؟
كان المتحدث جوناثان،
لتجيبه بشرود:
ــ ذكر أن رجلًا ما زاره وطلب
بعضًا من حاجياتي. صرّح أن اسمه
أندرو، ولكنه قال إنه رجل وليس طفلًا.
صرّح جوناثان بنبرة جادة:
ــ يستطيع الجريفون التشكل
بأي هيئة يريد. لا أريد إخافتكِ،
ولكن كائن الجريفون إن لم يُوجَّه
له هدف معين - أي بعد
تخلّي ليبيكا عنه - يستطيع
الجن السيطرة عليه بسهولة.
ــ أتقول إن العم غابريال
في خطر؟
ــ أتوقع ذلك. قبائل الجان
تحالفت مع جاكسون، واختفى
عدد كبير منها مع السحرة.
يستطيعون الانتقام، ولكن لا أعلم
لماذا لم يؤذكِ عندما كنتِ معه.
ــ يجب أن نذهب إلى عالم
البشر، لا أستطيع ترك العم غابريال.
ــ هناك عقبات لذهابنا: تغير
طبيعة جسدكِ، أي لن تستطيعي
التحكم بغرائزكِ. من غير الممكن
الذهاب وسط البشر هكذا، حيث
لم يُدرَّب هذا الجيل على التحكم
بجوعهم.
ــ بسيطة، نذهب نحن فقط.
ــ يستحيل هذا.
زفر جوناثان بضيق،
لتتلفظ ثانيةً:
ــ ومن هذا جايكوب؟ الذي زار
العم غابريال ليأخذ منه طعامًا لي؟
قد ذكر هذا في رسالته.
ــ هو نفسه جاك الذي حدّثكِ
عنه أريك. لم يعد بعد من عالم البشر.
ــ أهو بشري مثلي؟
تلفظت وفي نبرتها بصيص
أمل، قطعه جوناثان بقوله:
ــ لا... والآن اذهبي إلى غرفتكِ،
وأنا سأتكفل بالباقي.
كانت وجهتهما الحاجز
السحري الفاصل بين العوالم،
المسمى بـ "Gaius's Barrier"
نسبةً إلى منشئه غايوس رومانوف
- صاحب أكبر عشيرة سحرة
على مر الزمان. موقع الحاجز
هو نفس الغابة التي انتقلت
إليها يوم مولدها، ونفس
الشجرة التي عندما تم
لمسها من قبل جوناثان هذه
المرة، انتقل بها إلى مدينة
"تارجو موريش".
استقبله أريك في منتصف
الطريق، وهمّا في الذهاب إلى
مقهى ذلك الرجل.
استقبلهم العم غابريال في
مقهاه استقبالًا حارًا، لينتهي
بهما المطاف جالسين على
إحدى الطاولات. شرع جوناثان
في الحديث، ومعالم
وجهه تشي بجدّيته:
ــ إذًا صف لي كيف كان
الشاب أندرو.
ــ شاب حسن المظهر، قد
انتقى بعضًا من متعلقاتها.
ــ هل كانت نيتك إعطاؤه إياها؟
ــ لا، ولكنه أقنعني بذلك.
فرقع جوناثان أصابعه لتحطّ
موجة من الضباب حولهم، وكانت
هذه إحدى الحيل لإيقاف
تدفق الثواني:
ــ أمامنا عشر ثوانٍ. الجريفون
استخدم قواه في إجباره على الموافقة.
تابع أريك بنبرة حادة وعينان
تفيضان كرهًا وغضبًا:
ــ وأراهن أن قبائل الجان ستستخدم
متعلقاتها في أعمال السحر.
ــ وما الذي سنفعله؟
ــ بسيطة، نعزز قوة مصاص الدماء لديها.
ــ إذًا هيا إلى المملكة.
مع ختام جوناثان لحديثه
عادت الحياة للمكان حولهم.
تلفظ غابريال:
ــ عذرًا يا شباب، ولكن أين
ستسكن آليس؟
ــ خارج البلاد أيها العم، نحتاج
للذهاب الآن.
غادرا المكان. تلفظ أريك بينما
يشقان طريقهما بين المارة عودًا للغابة:
ــ وما علاقة تعزيز القوة بالأمر؟
ــ ليس من السهل على ساحر
السيطرة على مصاص دماء،
ولا حتى أن يتلبسه جني،
وخصوصًا أننا نستخدم سحرهم،
وهي القلادة. استخدام القلادة
يُظهر القوة الكامنة في دمك،
وبهذا نأمن ألا يصيبها مكروه.
هذا هو تعزيز القوة.
أنهى جوناثان حديثه ليصلا
إلى مكان خالٍ، ومنه انتقلا
- بقوة التنقل الخاصة بجوناثان -
إلى حيث الحاجز السحري.
قاطعهما ظهور طائر غريب
من اللامكان، ذو حجم
صغير أسود اللون، استقر
على الأرض قريبًا منهما
ولكن ليس في مجال بصرهما.
كان هذا الكائن وطواطًا،
وسرعان ما تمدد جسده في
مشهد مهيب ليتشكل في هيئة
بشري طويل القامة، كسا نفسه
بعباءةٍ سوداء، وسرعان ما انضمّ
لرفيقيه.
لمس جايكوب الشجرة
لتتبدد الأشجار حولهم
وتُستبدل بمباني المملكة.
استقبلتهم آليس.- التي كانت
تعلم مكان ظهورهم مسبقًا -
بملامح قلقة. روى لها جوناثان
ما حدث وقدّم لها الضيف الجديد.
تقدم الشخص الغريب ليستقر
أمامها، قابلتها عيناه ذاتا
اللون المميز: اختلاط الأزرق
مع الرمادي في حدقتيه الضيقتين،
وبؤبؤه الثابت على وجهها.
ملامحه مرسومة بحدة وتفاصيل
مميزة. وبابتسامة مريحة زينت
ثغره، تلفظ بهدوء:
ــ سررت بلقائكِ، جلالتكِ. أدعى
جايكوب لاغول.
ــ سررت بلقائك أيضًا، جايكوب.
استغرقت آليس قليلًا في
تحليل عينيه، وهذه عادة
تكرهها بشدة. وقد لاحظت
عدم وجود الـ "ساينوس"
حول حدقتيه، فكل شخص
قابلته هنا يمتلكها وقد
اعتادت على رؤيتها.
بتر أريك هذا الصمت:
ــ هناك مواضيع هامة قد فاتتك،
جايكوب.
همست بصوت خفيض:
ــ عيناك!
استطاع الثلاثة سماعها
بوضوح. صرّح جوناثان:
ــ أتقصدين الـ "ساينوس"؟
جايكوب لا يمتلك تلك الميزة.
ــ لماذا؟
ــ هذا موضوع يطول شرحه،
سيخبركِ جايكوب بنفسه.
استأذن كلٌّ من أريك وجوناثان
بالانسحاب، تاركين جايكوب يلقي
حديثه على مسامع آليس:
ــ أتودين سماع قصتي؟
ــ بالطبع.
ــ لم تصطبغ عيناي بالـ "ساينوس"،
فهذه ميزة لدى مصاصي الدماء
ذوي النسل النقي، ترمز إلى
"النقاء الدموي" و"البصيرة العتيقة".
أما أنا فلست نقيًا.
ــ لِمَ؟
ــ كنت يومًا ما إنسيًا ضعيفًا،
ولكن تم تحويلي من قبل
جوناثان، صديقي. إنها
قصة طريفة، حيث كاد
أريك أن يتسبب بموتي عندما
جردني من دمائي، وكنت
لأفارق الحياة لولا إنقاذ
جوناثان لي وتحويلي
لمصاص دماء، لذا فدمائي
ليست نقية.
لقد كذب. لم يُرد لها معرفة
ماضيه، ولا يريد أن يتقرب منها
حتى؛ يكفيه كرهًا لتلك العائلة.
ــ بالطبع كان فراقك لعائلتك صعبًا.
ــ لم يكن لدي عائلة، كنت وحيدًا.
اختفت عائلتي في ظروف غامضة.
صمتت آليس محاولةً مواساته،
بينما بدا هو شاردًا ولم ينبس
ببنت شفة. صعدت سلالم القصر
العملاقة لتستلقي على سريرها في
غرفتها. أخرجت دفتر مذكراتها لتبدأ
بالكتابة:
"منذ أن وطأت قدمي هذا العالم
وأنا أشعر بالغربة. أحاول إخفاء
شعوري وطمسه تحت قناع
الود واللطافة، ولكني لست
على طبيعتي. لا أصدق أن والدتي
معي في المكان نفسه، أو أن
لدي أمًا أصلًا! هذا الشيء
الوحيد الذي يبقيني هنا.
جميع الأشخاص هنا غرباء،
وبدأت أشعر بأني غريبة
مثلهم. هل حقًا تغيرت طبيعة
جسدي وبِتُّ أتحول ببطء
إلى مصاص دماء؟ لا
أعلم وأخاف أن أعلم. هل
هذا وطني؟ وهل هذه
حقيقتي؟ أخاف التصديق،
ولكن هذا ما أردته: أم لطيفة
تحبني، وها هي. سأحاول
التعايش مع العالم المحيط بي."
أغلقت المذكرة، ليُفتح باب
الغرفة وتطل مارثين
بابتسامتها المشرقة. تبسمت
آليس لا إراديًا لتتربع بين أحضان
والدتها. قالت مارثين بنبرة
هامسة، تبعثر بيديها خصلات
شعرها بلطف:
ــ أطلعني جوناثان على
المستجدات. سيكون غابريال
بخير، وأيضًا أنتِ، فلا تقلقي،
لن يمسك مكروه طالما بقيتُ حية.
ابتسمت بصدق، وغمر
قلبها شعور بالارتياح،
ولكنه سرعان ما تحول
إلى احتراق؛ فقد كان
جسدها تسكنه حرارة كبيرة
كالمرّة الأولى، وأقوى بكثير.
لاحظت مارثين تألمها الشديد،
فعقدت حاجبيها بعدم رضا.
من المفترض ألا يصل
جسدها إلى ذلك الحد
من الحرارة، ولم تتدرب
بعد على التكيف مع طبيعة
جسدها.
استدعت جوناثان سريعًا،
وعندما ظهر في الغرفة
من العدم أبصر جسد آليس
المتعرق وهي تئن بألم. قال بإنفعال:
ــ كيف حدث هذا؟ طاقتها
ترتفع لمستوى خطير، وهي
لم تستخدم قواها أو تبذل
مجهودًا! يجب علينا
تدريبها بأقصى سرعة يا مولاتي.
ــ هالتها غير مستقرة، جوناثان،
لا نستطيع. وما هذه الطاقة الهائلة
التي وصلت إليها؟
تقدم جوناثان، وبحركة
سريعة انتزع القلادة من عنقها،
لينتزع معها وعيها المتبقي،
فتغدو فاقدة الوعي. صرّح بجمود:
ــ اللعنة، قبائل الجان قد
سيطروا على القلادة، ودمها
لا يزال بشريًا. سيفقد الكثير
من مصاصي الدماء قدرتهم على
التحمل. يجب تحويلها!
ــ جوناثان، ما الذي تهذي به؟
أجابته بنبرة غاضبة، فقد يفسد
ذلك كل شيء بنته منذ سنوات. تلفظ
جوناثان بصرامة، متقدمًا ليحمل
آليس بين ذراعيه:
ــ لا أهتم لخطتكِ. ستموت الفتاة
إن ظلت هكذا. يجب عليكِ
الخوف عليها، والدتي العزيزة!
أنهى حديثه باستهزاء ليغادر
الغرفة. انتقل إلى منزل
آخر بعيد عن القصر بأميال.
استدعى شخصًا عبر
التخاطر، ووضع آليس على
الأريكة بهدوء. طرقٌ خفيض
على الباب كان كافيًا لظهور
الضيف داخل الغرفة
باستخدام قوته، وكان
جايكوب. جلس بمحاذاة
جوناثان ليطلعه الآخر على ما حدث.
ــ تحويلها ليس ضروريًا.
يمكنها التحمل حاليًا لحين
بدء تدريبات تعزيز القوة لديها.
خيار تحويلها إلى مصاص دماء
لن يكون مفيدًا لها الآن.
ــ ولكني أريدها أن تتحول.
قاطعه جوناثان بصرامة.
كان جايكوب يعلم
السبب، ولكنه بدا غير موافق:
ــ ليس قرارًا سديدًا.
ستبقى بعيدًا عن المملكة هذه
المدة، ويجب أن تستخدم قوة القلادة.
انتشلها جايكوب من يدِ جوناثان
بحركةٍ سريعه. البسها القلاده.
ــ إذًا علينا القضاء عليك ابعاد
الجان عن طريقنا، لأن القلاده
تزود جسدها بالحرارة وهذا
يمكن ان ينهك طاقتها، واقترح
انها ستظل نائمه.
ــ سأتخلص منهم.
وتحديدًا أندرو.
•••
في جوف الصحراء، بعيدًا
عن مملكة الدماء، بُني
منزل صغير معزول،
ومحيطه لا يحتوي على أي
سبيل من سبل العيش.
تواجدت بداخله فتاة فاقدة
للوعي، وشخص يقف
أمامها يناظرها بجمود.
حرّك جسده لتستقر كفه
على جبينها متمتمًا ببعض الكلمات،
وعلى إثرها فتحت عينيها بفزع.
ــ مرحبًا، آليس.
ــ أ-أندرو؟!
قالت بخوف، ولم تستطع
الحراك بسبب قوة خفية
تقيدها، ولا تزال تلك الحرارة
تستوطن أعماقها. تبسّم أندرو
بجانبيه لينقر بأصابعه على
معدن القلادة، وفورًا سُحبت
كل الآلام والحرارة من
جسدها لتُستبدل برياح باردة.
انتفض جسدها عندما
استطاعت الحراك، فدفعته بعيدًا
متخذة أحد الأخشاب درعًا لها.
ــ لم آتِ لأؤذيكِ، أود
الحديث معكِ.
ــ فقط اصمت، سئمت من
كل هذا، ماذا تريد مني؟
ــ أود إطلاعكِ على الحقيقة.
ــ وما هي الحقيقة؟ هل
ستخبرني أنني ميتة؟
ــ لا، بل سأخبركِ بأن
كل من حولكِ كاذبون.
صمتت لبرهة، تحلل كلماته داخل
عقلها، لتتلفظ بنبرة أقل عدوانية:
ــ ولماذا سأثق بك؟ الجان
يسيطرون عليك، وأنت المخادع هنا.
ــ لستُ تحت سيطرة أحد.
الجريفون لا يخضع لأحد طالما
ما زال تحت إمرة باعثه.
ــ ماذا تقصد؟
ــ أقصد أنني لا أزال تحت
إمرة ليبيكا جوزال، لم تنتهِ مهمتي
بعد. وبالمناسبة، ليبيكا تربطها
علاقة دم بمارثين جوزال.
تيبست أطرافها، وزيّنت معالم
الدهشة وجهها. أكمل أندرو:
ــ مارثين جوزال، الشقيقة الصغرى
لليبيكا جوزال. هربت ليبيكا
من القصر الملكي بسبب
عشقها لأوليفير نيث، ملك
السحرة القديم. أنشأت
ليبيكا أكبر سلالة سحرية على
مر التاريخ، نظرًا لأنها من
سلالة ملكية ذات دماء نقية.
كان أصغر أبنائها جاكسون أوليفير،
الذي نُفيته إلى الجحيم.
كان جاكسون أقواهم، وإن
حرر قواه كساحر ومصاص
دماء لن يُقهر، ولكنه لسببٍ ما
لم يؤذكِ، واكتفى بالانصياع
لتعويذة القلادة.
كانت الأسئلة تتراكم داخل عقلها،
واستنتجت أنه كذب عليها في بداية
حديثه. تلفظت بشك وهي
ترفع العصا نحوه:
ــ ماذا تقصد بأنك ما زلت
تحت إمرة ليبيكا الساحرة،
والتي تزعم أنها شقيقة أمي؟
قال لي جوناثان إنك أديت مهمتك،
ولسببٍ ما لم تختفِ.
ــ لم أُتم مهمتي بعد، لا يزال
ينقص الأحجية قطعة لتكتمل.
ــ لا تتلاعب بالكلمات وحدثني بوضوح!
ــ في العجلة الندامة... إزولينا.
ــ من إزولينا يا هذا؟!
أجاب ببرود:
ــ أنتِ إزولينا، ولستِ
آليس كما يدّعون.
وفي لحظة اختفى من أمامها،
واستُبدل بجوناثان وجايكوب،
وكأنهما شعرا بما حدث. وقعت
عيناهما عليها وقد ثبتت نظرها
على الأرض حيث كان أندرو يقف.
تقدم جوناثان بقلق:
ــ آليس، هل هناك خطب ما؟
رفعت مقلتيها بهدوء،
وانسابت الكلمات من فمها:
ــ من إزولينا؟
اتسعت عينا جوناثان بدهشة،
بينما ظل جايكوب يتأمل
الوضع بهدوء. لم يجبها جوناثان،
فصرخت وقد سقطت العصا من
بين يديها لتنكسر على الأرض
كما انكسرت ثقتها بهم:
ــ من إزولينا واللعنة؟!
أجابها جايكوب بنبرة حيادية:
ــ أنتِ إزولينا، ولستِ
آليس. آليس اسم اختارته لكِ-
ــ مديرة الميتم. ومن ثم، من أخبرك بذلك؟
بتر جوناثان حديث جايكوب،
لتستشيط غضبًا:
ــ وما شأنك أنت؟! أنت
كاذب، وجميعكم مخادعون!
من أنا بحق الإله؟!
ــ أنتِ آليس، وهذا موطنك.
لا وجود للخداع هنا!
رصّت على أسنانها بغضب،
وقد اكتست الحمرة
جسدها. همس جايكوب:
ــ هالتها تزداد سمكًا بعد
كل ثانية، عليك التصرف!
ــ آليس، ثقي بي واهدئي،
متأكد أن أندرو هو من أخبركِ بهذا.
لا تثقي به، فالجان يسيطرون عليه!
ــ اصمت! ابتعد عني ولا تقترب!
أغمضت عينيها بعنف، تتمنى
لو كان بإمكانها الخروج من
هذا المكان.
وفجأة
لم تعد موجودة
في الغرفة. اختفت تمامًا،
وما بقي هو طيفها وهالتها
غير المستقرة التي أخذت
تتلاشى تدريجيًا.
ــ كيف اختفت؟! لم تتعلم
بعد التحكم في قواها!
صرّح جايكوب ببرود:
ــ يبدو أن رغبتها كانت
شديدة... كرغبتي في صفعك
الآن.
غادر جايكوب المكان،
تاركًا جوناثان الذي
حاصرته مخاوفه:
ــ ماذا لو انتقلت إلى مكان خطير؟
بالتأكيد لم تفكر بمكان محدد.
سحقًا.
•••
فُتح الباب العملاق، لينفذ منه
رجل ابتلعه السواد والشيب.
تقدم بخطوات مدروسة،
كاشفًا عن وجهه:
ــ التقينا مجددًا، مارثين
جوزال. ستيفان، مبعوث
الملك ريكوود العظيم.
استقامت مارثين من على
كرسيها الملكي، وبدت
ملامح القلق على وجهها:
ــ طمئنّي يا ستيفان، فمجيء
مبعوث من المستبصرين غير
مبشّر البتة.
ــ لم يستطع جلالته القدوم،
ونأمل ألا تشركينا بمشاكل. لدي
رؤية، ولا تقاطعيني أثناء سردها.
ــ بالطبع.
فتح عينيه - اللتين لا
يفتحهما إلا في حالات خاصة -
وكانتا بيضاء تمامًا.
ــ نُبصر فتاة حسناء قوية،
بدماء ملكية سوداء قرمزية.
تقبض بيمينها الأرض الندية
وبيسراها تاجًا من السحاب
رجل تمكن من الرجوع
لدمه المحمّل بلعنة دراكولا،
وتُكشف الحقيقة المخفية لمملكة
الأرض المستقبلية.
•••
ظهرت في قلب الغابة
التي عبرتها سابقًا بين العالمين.
كانت في حالة من التشتت العقلي،
فأخذت تبكي بلا توقف.
قاطعها ظهور أندرو المفاجئ:
ــ إزولينا، هل أنتِ مستعدة
لسماع الحقيقة كاملة؟
لم تجبه.
ــ مارثين جوزال ليست
والدتكِ، بل والدتكِ هي ليبيكا
جوزال. حاول أخوكِ جاكسون
التواصل معي، ويريدكِ أن تطلقي قوة
الساحرة بداخلكِ، فهي ستجعلكِ
أقوى لتستلمي العرش بأسرع وقت.
تجمدت أوصالها من الصدمة،
وداخلها صراع مميت. جسدها
هنا ولكنّ عقلها ليس هناك.
زفر أندرو بضيق، فرقع
بأصابعه، لتلتصق الكلمات بعقلها
، تعويذةً واضحة المعنى:
ــ إزولينا، ليبيكا هي
والدتكِ، وقد سخّرتني
لإعادتكِ إليها. هي الآن
محتجزة في مكان لا يعرفه
سوى شقيقتها. قوة السحر
المُصلحة وقوة مصاصي
الدماء المدمرة يُستحيل
أن تجتمعا داخل إنسي. ولكنكِ
تتحكمين بهما. يمكنكِ تدمير
قارات دون أن تشعري. لذا
يجب أن نعزلكِ عن الجميع
لحين تدريبكِ على التحكم بهما.
صمت لحظة، ثم
جذبها خلفه:
ــ واللعنة، ابن خالتك بدأ
يفكر واقترب منا.
ــ من ابن خالتي؟
ــ جوناثان! والآن سأذهب
لألهو به قليلًا.
•••
كيانٌ غريب يظهر في
أماكن عشوائية
من الأرض ويختفي
بسرعةِ البرق، عقله مشغول
بشيء واحد وهو
إيجادها. فكّر في العديد
من الأماكن ومنها الغابة التي
ذهبت إليها مسبقًا،
وقد شعر بهالتها
هناك! ولكن لم يجد أحدًا.
ظلّ يكرر محاولاته مليًا
دون ملل إلى أن تلاشت قوته
وسقط أرضًا في آخر
مكان وطئته قدمه. ظلت
أنفاسه تتلاحق بصعوبة
إلى أن وجد شيئًا يقذف
عليه، لقد كان كيسًا باللون ا
لأحمر الدامي. انقض
عليه يتناوله مستعيدًا
طاقته، وحين فطن لماهية
هذا السائل لعن نفسه
ولعن تهوره وهو يفقد
وعيه ببطء، يرى
وجه آندرو وهو يبتسم
بجانبيه.
•••
تُركت في كهفٍ مظلمٍ كي
لا يعثر عليها أحد. كانت
ملامحها جامدة، وكأن شيئًا
لم يحدث. يدور الحديث في
عقلها كالفراشة المزعجة،
وتغلي دماؤها وهي تريد
إبادتهم جميعًا.
سمعت صوت
حركةٍ في المكان، فتحركت
العبرات من عينيها بعدما
استعادت تركيزها. نهضت
بخوفٍ تتفحص المكان
لتسمع صوتًا لا تعرفه يتمتم:
ــ لا أعلم لِمَ أبحث عنها،
ألا يعرفون أن لا علاقة لي
بالأمر؟! اللعنة عليك جوناث!
اختبأت خلف إحدى الصخور
الضخمة، وأصبح أمام مرأى
عينيها. لقد كان جايكوب، أحد
الكاذبين عليها. نظرت إليه
بحقدٍ تشع من عينيها شرارات
الغضب، وسرعان ما تغيرت
نظرتها لأخرى خائفة حينما
وجدته قد هوى على
الأرض وهو يصرخ بألم.
لحظات وعاد لطبيعته،
قال بصوتٍ لاهث وهو يستعيد
قوته:
ــ إزولينا، قوتكِ تبهرني،
ولكنني لست المقصود لتوجهي
غضبكِ عليه.
أكانت هي من فعل هذا؟
تبسمت بجانبي فمها
وأعادت تكرار ما فعلته، حيث
تخيلت لوهلةٍ أنسجة عقله
وهي تغلي، وبالفعل
بدأ بالأنين بألم مرةً أخرى.
ــ حسنًا، ح-حسنًا، كفي عن هذا
ولنتفاهم، أ-أنا لست معهم،
صرخته مع اختتام حديثه
أفقدتها تركيزها لثانية،
اختفى الألم في لحظة ليسقط
أرضًا ممسكًا برأسه. تلفّظ بغضب:
ــ اللعنه.
نهض ببطء وهو يتقدم
نحوها، باتجاه الصخرة
المختبئة خلفها. صرّحت بتهكم:
ــ إن اقتربت، سأعيد ما فعلته
مجددًا!
ــ لن تفعلي، أنتِ خائفة وأستطيع
قراءة ما بداخلك. أتعرفين
ما تودين القيام به؟ إنه الانتقام،
وأنا أيضًا أود ذلك!
ــ عن ماذا تتحدث؟
ــ أكره هذا العالم،ما رأيك
بتدميره؟
ــ وضّح حديثك!
في مشهدٍ سريع تبدلت
حدقتاه إلى السواد،
أحاطته هالة سوداء وكأنها
غبارٌ ينبع من أعماقه، والتف
حول نفسه ليتقلص حجمه
متحولًا بذلك أمامها إلى
وطواط . شاهدت
ذلك بأعينٍ متسعة، تبعتها
صرخة فرّت من ثغرها،
حيث قام بحملها من ملابسها
بسهولةٍ شديدة لا تتناسب مع
حجمه الصغير.
ــ جايكوب، أنزلني، إني أخشى
المرتفعات!
حطت جناحاه الصغيرتان
على عينيها ليلامس ريشه
اللطيف بشرتها. قال
وهو يقودهما لخارج الكهف:
ــ هكذا لن تضطري للخوف،
أمامنا شوطٌ طويل لخوضه
في رحلة تعليمك.
استقرت أقدامها الحافية
على أرضيةٍ عشبية في مكانٍ
لم يسبق لها رؤيته من قبل.
كانت الأشجار تحيط بالمكان،
حيث كانت بمثابة درعٍ
عازل في أعمق نقطة من الغابة.
ظهر أمامها بهيئته البشرية
يعاين المكان حوله ليصرّح:
ــ موقع جيد، الضباع وحدها
من تأتي هنا. والآن إليكِ قصة
قصيرة قبل غفوة بداية الطريق.
حط يده على رأسها بقوةٍ متوسطة،
وعلى إثرها ارتمت على
الأرض غارقةً في عالمٍ نسجه
لها بدقة، ليفتح آفاق وعيها
على الحقيقة كاملة.
وكأنها سقطت. ليس سقوطًا
جسديًا، بل انزلاقًا بطيئًا داخل
شيء أعمق.الظلام هنا لم يكن أسود،
بل متشكلًا في هيئة ساحة
فسيحة وغبارٌ متصاعد. نارٌ
هنا وثلجٌ هناك، سيلٌ من
الدماء يغلف الأرض وأنيابٌ
تخترق اللحم بلا رحمة.
رياحٌ سرعتها تفوق احتمال
البشر وأجسام تتخللها كنسمة
غاضبة توجه سخطها نحو
عدوها ذا العيون الحمراء
التي تتعطش لسفك دمائهم المزيفة.
صوت صراخٍ سبق الصورة.
هتافات عديدة لرجال يعانون
وصوت حديد يصطكّ،
نار تلتهم الهواء، وأرض
شاهدة على قيام أعظم
الحروب.
لم تكن معهم، بل تمرّ من
خلالهم، كأنها طيفٌ سابح
في خيال مؤلف مريض.
حينها رأت مارثين
شعرها مبعثر، ويداها تحيطان
بطفلة صغيرة. الطفلة!!
خلفهما امرأة أخرى... امرأة
ذات عينين خلابتين وشعرٌ
أسود كسواد عينيها وهي
تدافع عن أختها. كان الشبه بين
المرأة هذه والطفلة يفوق
توقعات البشر، وكأنها نسخة
مصغرة منها.
ورأته أيضًا، رأت جايكوب
وهو يصرخ بجانب جثة
فتاة يحاول إيقاظها بشتّى
الطرق. كان يجرح ساعده
بأنيابه البارزة ويطعمها
من دمائه. كانت الفتاة
الصغيرة شاحبة ونحيلة للغاية.
كان المشهد جنونيًا وسرعان
ما تبددت الصورة أمامها
على آخر صادم. قائد
المعركة والذي يكون
والدها، الملك الذي كان
يحارب ببسالة وفمه ممتلئ
بدماء السحرة المقززة، رأته
يقع أرضًا وعيناه جاحظتان
من هول ما رأى؛ يدٌ امتدت
عبر لحمه مرورًا بصدره
وها هي اليد تخرج حاملةً
قلبًا أسود نابضًا. كان قلب
الملك.
وكانت مارثين تمسك به
وهي في أوج سعادتها.
وحلّ الظلام بعدها.
كانت غارقةً في نومها،
أو ربما في كابوسٍ أراد
جايكوب من خلاله أن
يريها كل شيءٍ؛
فلو أخبرها حقيقة الأمر
بنفسه لما صدقته.
حين وقعت تلك الحادثة،
لم يكن أحدٌ يراها سواه،
فقد كان الجميع منشغلين
بالقتال، وكان الوقت هو الأنسب
لـمارثين لتنفيذ خطتها.
أما تلك الفتاة التي كان
يحترق حزناً لغيابها،
فكانت أخته؛ أخته
الإنسية التي قام هو
بحماقته بتحويلها إلى
مسخٍ يشبهه. كم
يفتقدها الآن، ويتمنى
لو يرى طيفها فقط.
بالعودة إلى ماضي جايكوب:
كان شاباً إنسياً بسيطاً يحلب
الأبقار في مزرعة جده
الحبيب. كانت حياتهما
مثالية في قريةٍ مسالمة،
ولكنبين ليلةٍ وضحاها،
استيقظ ليجد جده مفقوداً،
ووجد نفسه في زنزانةٍ
عفنة وسط أناسٍ ذوي
وجوه مخيفة وأنيابٍ
حادة كأنياب ضبعٍ
مفترس. أبصر موت
جده بأبشع طريقةٍ ممكنة،
حيث مزق هؤلاء جسده
وصفّوا كل قطرة دمٍ
من أوردته. وهناك، لُقّن
الفتى الصغير حقيقة عائلته؛
فجده لم يكن مجرد
مزارعٍ مسالمٍ كما عُرف
عنه، بل كان أحد مصاصي
الدماء المتوحشين الذين
بحثت عنهم المملكة لأكثر
من خمسمائة عام. لقد صنع ذلك
العجوز المستحيل؛ فكان
أول مصاص دماء في الخليقة
يحوّل دماءه إلى دماءٍ
بشرية وينبض قلبه بالحياة
مجدداً.
كان كارهاً لأبناء جنسه،
وأقسم أن يتخلص
من لعنة الدماء التي وُلد
بها، وعندما أصبح إنسياً
هرب من ذلك العالم
بأسره وأسس حياةً
في عالم البشر. وها هم
بعد خمسمائة عام يعثرون
عليه، ويخلّصه الملك من
دمائه غير النقية، مقسماً
على إبادة نسله بأكمله.
عُرف مكان والديّ جايكوب
وابنتهما التي لم تجتمع
بأخيها أبداً، إذ كان والدا
جايكوب قد تخليا عنه؛
فعندما علم ابن العجوز
بحقيقة والده هجره، وترك
معه جايكوب ليبدأ حياةً
جديدة مع زوجته وطفلته
حديثة الولادة. قُتل الابن
بنفس طريقة أبيه، ولقيت
زوجته حتفها أيضاً بلا رحمة.
أما جايكوب المسكين، فكان
عقابه وأخته مختلفاً؛
لم يُقتلا ولم يُعادا
لأصلهما كمصاصي دماء،
فوفقاً للأساطير: إن عاد
مصاص دماءٍ للحياة وتجددت
لعنته، فاقت قواه قوى أبناء
جنسه ومُيّز بعلامة. لذا،
ظلا أخوين إنسيين يعيشان
وسط مجتمعٍ من مصاصي
الدماء، دمهما حلالٌ لكل
من أراده.
قطع سيل ذكرياته المؤلمة
اهتزاز المكان من حوله
بقوةٍ غير طبيعية؛ فزع
واستقام يتفقد إن كان
زلزالاً قد قرر التدخل فجأة،
لكن الأمر لم يكن كذلك.
كانوا قد استقروا في
منزلٍ قديم آيل للسقوط
في أي وقت، خاصة مع
هذا الاهتزاز العنيف. التفت
إلى النائمة على الأرض
فجأة عندما زارته فكرة: قد
تكون هي من تسببت في
هذه الفوضى! فقواها لا
حدود لها، ومع اضطراب
مشاعرها يمكن لهذا أن
يحدث. بدأ سقف المنزل
يتهاوى فوق رؤوسهم،
فسارع جايكوب بهز جسدها
لتستيقظ:
ــ إزولينا، اللعنة.. استيقظي!
لم تستجب. ارتطمت
إحدى الأخشاب بجسده
ليسقط جانبها متألماً.
أمسك بجسدها بيد،
وبالأخرى أخذ يزيح
الصخور من طريقه،
وما إن خرج من المكان
حتى انهار المنزل تماماً.
أسقط جسدها على
الأرض بإهمال، وأخذ
ينظف ملابسه من الغبار
العالق بها، ثم سخر من
القدر واستخدم قواه
لينسج لها حلماً يأمرها
فيه بالاستيقاظ.. وقد
تحقق مراده.
ــ سحقاً لكِ، أين سنمكث الآن؟
قالت بضياع وهي تجهل
ما حدث، وعيناها تغرورقان
بالدموع:
ــ ماذا حدث؟
تأفف بضجر وتمتم في
داخله:
ــ لماذا ورطتُ نفسي معها؟
•••
مرت الأيام تليها الأسابيع،
ليكمل التدريب شهرين
كاملين. شهران من البكاء،
والذكريات السيئة، والاعترافات
الغريبة والصادمة. شهران
تطورت فيهما قواها بفضله
حتى أصبحت متمكنة منها،
وشهران من الهرب من
جوناثان الذي لا يمل من
البحث عنها، وأخيراً.. شهران
من ترديد هذه الكلمات التسع:
ــ إما أن ننتقم أو نُدفن
.. إما المجد أو الموت.
ــ صحيح يا جايكوب،
أخبرتني بماضيك، ولكنك
لم تخبرني كيف تحولت إلى
مصاص دماء؟
قالت إزولينا ذلك بعدما
أنهيا تدريب اليوم، وتربعت
بجانبه على إحدى الصخور
المطلة على نهرٍ تعكس
مياهه زرقة السماء
وشمسها بين الأمواج الجارية.
زفر بخفة والكلمات تنساب
من فمه:
ــ عندما يتحول إنسي إلى
مصاص دماء، تفوق قواه
أبناء جنسه ويصبح مميزاً
وغير قابل للقتل. كنت قد
قضيت في المملكة ست
سنوات، وتحولت بأمرٍ من
الملك في فترةٍ صعبة
للمملكة لاستخدامي كجندي
لا يُقهر في معاركهم. كانت
صفتي المميزة هي التحول
إلى وطواط؛ فلا يوجد
مصاص دماء في عصرنا
هذا يمتلك هذه الميزة سواي،
لذا تُعد علامةً فارقة لي.
هذه هي قصة تحولي يا آنسة
إزولينا، أي أسئلة أخرى؟
ــ أجل.
ــ ما هو السؤال؟
ــ متى سنتحرك؟
ابتسم بجانبية وقال بحماس:
ــ لقد اكتملت تدريباتكِ
وأصبحتِ جاهزة، إن أردتِ
فلنزر المملكة غداً!
ــ هذا ما تطيب له نفسي.
•••
وسط ضجيج المكان
المكتظ بذوي القلوب الميتة،
كان هناك تائهٌ ذا جسدٍ
نحيل لم يتغذَّ منذ أشهر،
وتحديداً منذ شهرين؛ وهي
المدة التي قضى أيامه
يبحث عنها بلا انقطاع.
لام نفسه على ما حدث وما
سيحدث، فعندما لم يجدوا
جايكوب أيضاً علم أنه معها،
وكان موقناً تماماً بما سيفعلانه.
الآن وقد أدركت الحقيقة،
فهي ستسعى للانتقام،
ورفيقها يسعى له هو
الآخر. الخراب سيعم هذه
المملكة المتوحشة، وستنقسم
الصفوف، و مارثين تنتظر يوم
عودتها بفارغ الصبر.
حاول بشتى الطرق ردع
مارثين عن خطتها للتخلص
من قوى السحر لدى إزولينا
ثم التخلص منها لاحقاً.
فـمارثين والدته، ولكنه
يمقتها لأفعالها هذه.
خطط مسبقاً لليوم الذي
سيعودان فيه، وفكر في
طريقة لردع والدته؛ فكر
في قتلها، لكن قلبه لم يطاوعه..
ما الذي يفعله بحق الخالق!
لقد كان تائهاً بالمعنى الحرفي.
اختفى ليظهر في شرفة
جناحه الخاص المطلة على
ساحة المملكة. كان الصباح
قد حل بالفعل، وقواه قد
فارقت جسده. ترنح
بتعب ليلتقط كأساً يسكب
فيه بعض الدماء ليغذي
جسده قليلاً، ووسط محاولاته
لعدم الإغماء، لمح طيف
شخصين ملتحفين بالسواد
يخترقان بوابة القصر..
وخُيّل له أنه رأى إزولينا!
طاش النعاس من عينيه
وتبخر تعبه في لحظة،
ليختفي ويظهر أمام
بوابة القصر. رآهما في
الجهة الخلفية، فتحرك بسرعة
ليتلمس كتفها. استدارت،
ليرى ملامحها عن قرب،
ومن فرط سعادته غمرها بين
ضلوعه بقوة، مستنشقاً عبيرها
الذي افتقده.
ـ، آليس، أهذه
حقاً أنتِ؟ أنتِ بصحة جيدة، كان
القلق ينهشُ اضلعي.
تمتم بكلماته بسرعة
وهو يتفحص وجهها
بين يديه وعلامات
السعادة بادية عليه.
ابتسمت بخفوت وهي
تحيط كفيه المستقرتين
على وجنتيها، وقالت بصوت
حنون:
ــ انه إزولينا يا جوناث.
آسفة لإقلاقك، أنا بصحة جيدة،
فقد اعتنى بي جايكوب جيداً.
ــ جايكوب أيها اللعين! أقسم
أني سأقطع أحشاءك الملوثة.
قال جوناثان ذلك بغضب
وهو يبتعد عنها مكشراً
عن أنيابه، جاهزاً للهجوم،
لكن إزولينا منعته بهدوء قائلة:
ــ توقف يا جوناثان، هو
لم يفعل شيئاً خاطئاً،
بل أراني فقط ما كنت تخشى
قوله لي. وأنا أعلم أنك
بريء منهم، سأصفي
حسابات قديمة. فقط أريد
منك أن تستدعي مندوب
الملك ريكوود الملقب بـ
ستيفان، وتخبره بأننا
نحتاج لحكمهم، أيمكنك
تنفيذ ذلك؟
صمت الآخر قليلاً وهو يحلل
حديثها، وما إن استوعب الفكرة
أومأ بطاعة قائلاً:
ــ أمركِ.. أيتها الملكة المستقبلية.
اختفى من مجال بصرها،
فقال جايكوب:
ــ المستبصرون سيحكمون
بالعدل، وستكون الليلة
حليفتنا.. أيتها الملكة
المستقبلية.
ــ أعجبني اللقب، هيا لنقابل
صاحبة الأوجه المتعددة.
تحركت بطاقة زائدة،
ولحق بها جايكوب
بأعين تحكي هموماً
أثقلته؛ فبالرغم من أن الليلة
ستنتهي في صفها، إلا
أنها ستكون ضده،
فهو عليمٌ بمصيره منذ الآن.
•••
النيران تُضرم هنا وهناك
استقبالاً لموكب الملك
ريكوود. شعب المملكة
احتشد أمام القصر غير
مدركين لما يحدث، بينما
كانت إزولينا تخوض
مشادة كلامية مع من ظنتها
والدتها.
ــ لقد كذبوا، اللعنة على
الأوغاد الكاذبين يا آليس!
أنتِ ابنتي أنا ولستِ ابنتها.
لم أقتل الملك، فقد كنت
أحبه وكان يسكن أضلعي..
هذه اتهامات باطلة.
قالت مارثين ذلك
بصراخ وقد فقدت صوابها،
ثم تابعت بانفعال شديد وهي تحتجز
جسد الأخرى بين يديها:
ــ أنتِ ابنتي، أنتِ آليس
ولستِ إزولينا! كلهم كاذبون،
أريدكِ أن تصبحي من
نسلي وتستلمي عرشكِ.
الليلة هي ليلة اكتمال
القمر الدموي يا عزيزتي،
وستصبحين اليوم ملكة
البلاد رسمياً. أعدكِ أن تصبح
أيامنا القادمة أفضل،
وسأحاسب كل من كذب
عليكِ ولفق الأكاذيب ليهز
صورتي أمامكِ.
هبطت دمعة من عين
إزولينا اليسرى؛ كانت
تحاول ألا تصدقها، فإن
فعلت ستنهار كل دفاعاتها.
شجعت نفسها ورسمت ابتسامة
مزيفة قائلة:
ــ أعلم يا أمي، أنتِ بريئة
من الأكاذيب.. أنا مستعدة
لأتحول. هيا بنا، فموكب
الملك أوشك على اختراق حدود
المملكة.
غادرتا القصر لتقفا في
الساحة حيث احتشد الجمع،
وأصبح موكب الملك
على مرمى بصرهم. ظهر
جايكوب بجانب إزولينا
ليغلف يديها بكفيه الباردتين،
محاولاً مواساتها، ومدركاً
أنها المرة الأخيرة التي سيراها فيها.
هبطت قدما الملك على
أرض المملكة، ووجه
حديثه لمارثين التي تقدمت
مرحبة به، لكنها صُعقت لقوله:
ــ أخبرني ولدُكِ بما يريد،
وقد قبلت بالتحكيم. أيها الجنود،
أوصِدوا مارثين بالفضة.
اسودّت عيناها وكادت
أن تعترض، لولا سلاسل
الفضة التي كبلت جسدها
لتضعفها وتطرحها أرضاً؛
فالفضة تعكس الحرارة في
دمائها وتمتصها، مما يجعل
دمها يتعفن ببطء قاتل.
كان الجميع يترقب الحكم.
تقدم الملك بثبات، وكل
خطوة منه تدب الرعب في القلوب
الميتة المنتظرة. قال بصوت جهوري:
ــ مارثين جوزال.. وفقاً لماضيكِ
السيئ من كذب، وقتلك
لزوجكِ ملك هذه الأراضي،
وحبسكِ لأختكِ، واختطاف
ابنتها، واستغلالكِ لثروات
هذه البلاد، حُكم عليكِ بالموت
حرقاً، وهذا حكمٌ لا نقاش
فيه. وولدُكِ، نظراً لقتله
جريفون، فعقابه النفي
خارج البلاد لمدة سبع
سنوات. أما أنتِ يا إزولينا،
ابنة الملك الراحل، فقد
تقرر تنصيبكِ ملكةً لهذه
البلاد وعدم سحب قوى
السحر منكِ ولا القلادة؛ فأنت
نوعٌ جديد على الخليقة، ونود
أن نرى إلى أين سيصل منتهاكِ.
وستقرر القلادة مصيرك.
كانت الأوضاع مشحونة،
والسخط واضحاً في أعين
مصاصي الدماء تجاه مارثين
التي أحنت رأسها باستسلام.
كانت الأوضاع بالنسبة
لإزولينا مثالية، إلى أن
نطق الملك بما جعل
الدماء تثور في عروقها:
ــ لم ينتهِ الحكم بعد.. جايكوب
لاغول، نظراً لنسلك الملعون
ودمائك غير النقية المشوبة
بلعنة لن تستطيع محوها أبد
الدهر، ولخطأ الملك السابق
في الحكم عليك، فعقوبتك
هي البقاء في هيئتك الأخرى
ما حييت؛ أي ستُلعن
بالبقاء خفاشاً إلى أن تُقتل
برمحٍ ملكي.
•••
ضباب كثيف غطى المكان،
يتسلل بين سيقان الأشجار
الشاهقة حتى قممها، ولم
يكن يضيء المكان سوى
قمر أحمر قاتم يسكب
نوره الغريب على كل ما حوله.
في قلب ذلك السكون وقفت
شابة ذات شعر رمادي
طويل، تحدق بعينين متوهجتين
بلون القرمز الدامي.
كان يحتضن جسدها النحيل
فستان أسود بسيط،
انشق ظهره إلى فتحتين كبيرتين.
ومن هذين الشقين اندفع
جناحان مظلمان هائلان،
التفّا حول جسدها وهما
يصدران خفقاً مدوياً مع
كل حركة عنيفة. فرضا
حضورهما المهيب، ثم اصطدما
بقوة حتى انكسر ظهر
الشابة، فسقطت جثة
هامدة في صمت مروع.
تلاشى الضباب شيئاً
فشيئاً، وعاد القمر إلى
لونه الطبيعي، فيما تفتت
الجناحان إلى رماد أسود
تناثر على ملامح الجثة التي
برزت عروقها برعب وشحب
جلدها تماماً. تُرِكت وحيدة
هناك وسط حشد مهول يشاهد
بصمت، وامرأة مقيدة
اليدين تصرخ بحرقة، وامرأة
أخرى تكسر قيدها الفضي لتختفي
في لحظة.
•••
تــــمـــــــــــــــــت