✿⸙ كُـنتُ أرِيـدُ أَن أعيـشَ فَقط ⸙✿

✿⸙ كُـنتُ أرِيـدُ أَن أعيـشَ فَقط ⸙✿

16 0

✿⸙ كُـنتُ أرِيـدُ أَن أعيـشَ فَقط ⸙✿

بسم الله الرحمن الرحيم

أرفع قلمي من جديد لا لأسرد حكاية جديدة فحسب بل لأُميط اللثام عن وجع آخر...

ها أنا أعود لأغوص في بحر الألم لكن هذه المرة من زاوية أخرى ومن بين صفحات امرأة أخرى.

ليست بداية لقصة جديدة بل امتداد لوجعٍ قديم... تكملة لحكاية سابقة تُروى هذه المرة بصوت البطلة الثانية بعينٍ عايشت التفاصيل وقلبٍ ذاق مرارة ما لم يُحكَ بعد.

꧁المقدمة꧂

العين الثالثة للألم

لا تُروى الحقيقة من لسانٍ واحد ولا يُوزن الظلم والعدل بكفِّ راوٍ منفرد...

ولست بشاهدة على كل ما جرى فما رأيته قليل وما سُرد لي كثير

لكنني أحمل في قلبي وجعًا لا يُكذِّبه غياب البصر عن بعض الوقائع

ما سأرويه لكم ليس حُكمًا ولا إدانة بل مرآة لما وصلني من صرخاتهم المكتومة

لأقربكم من حكاياتهم كما وصلتني

لنمضي معًا بين سطورها وننقّب عن ينبوع الألم المدفون في أعماقها

علّ في الحكاية عزاء أو في الصدق إنصاف.

"لطفولة المسروقة"

ماذا عن تلك الأعين البريئة التي شهدت على آلامٍ تفوق طاقتها

أعين لم تُمنح فرصة أن تُدهشها الحياة بل أرغمت على التأقلم مع قسوتها

أعين خبّأت في عمقها أسرارًا أكبر من أن تُفهم أعمق من أن تُحكى

فهل كانت الطفولة مجرّد مرحلة مسلوبة؟

أم أنها في بعض البيوت لا تعني إلا سلسلة من التحديات والعثرات؟

هل كان ذنبها أنها وُلدت حيث الألم هو اللغة الأم

وحيث الحواجز تُبنى لا لتُجتاز بل لتُورّث؟

"حين تتكلم الذاكرة فصول لم تُروَ بعد"

أنا سميرة ابنة بدرة وحفيدة لالة

لستُ بطلة الحكاية بل إحدى تفاصيلها المؤلمة

وهنا لا أكتب لأروي فصلاً من حياتي فقط بل لأكمل ما لم يُقال

لأعيد رسم الصورة من زاويتي بوجعي بذاتي بصوتي الذي طالما خنقته الصدمة

قد لا أكون الراوية منذ البداية

لكنني الآن من تحمل الحكاية على أكتاف ذاكرتها

"طفولة بين الظل والنور"

من بين ركام الذكريات أمد يدي لطفلة كنتها

هادئة خجولة تحمل من الطيبة ما يجعلها فريسة سهلة لكل يد تمتد بالأذى ولكل لسان يلوك السخرية

كنت نقيض أختي تماما هي الصلبة القوية وأنا الضعيفة التي لا تعرف كيف تدافع عن نفسها

أمي كانت غارقة بين المرض ورعاية إخوتي الصغار وأبي تائه في لجة العمل بحثا عن لقمة كريمة

نعم كنا فقراء لكننا كنا نضحك رغم كل شيء

كنت تلميذة نجيبة لا يغلبني الخجل في دراستي كما يغلبني في حياتي

ورغم ضعفي وجدت لي صديقات بل حتى أشرس فتاة في صفي أصبحت رفيقتي بعد أن رأتني أدافع عن نفسي لأول مرة في لحظة شجاعة سرقها الألم من أعماقي

"هسة لم تشف منها الروح"

كنت طفلة صغيرة اعتدت زيارة بيت عمتي المتزوجة أجد فيه شيئا من الدفء واللعب

وفي أحد الأيام طلبت مني عمتي أن أذهب إلى الدكان لأشتري بعض البسكويت لضيوفها

لا زلت أذكر تلك الطريق الواسعة التي بدت لي حينها كوحش هائل يبتلع خطواتي الصغيرة

وفجأة تلاشى كل شيء

آه أين أنا؟ لماذا أشعر بدوار؟ ما هذا الدم

وجدتني في الجهة الأخرى من الطريق ملقاة كدمية مكسورة

سيارة صدمة صوت أبواق ورجل غريب يحملني نحو المستشفى

كان ذلك في زمن السبعينات حيث الطب لم يكن قد ارتدى بعد معطف التقدم

خاطوا جرحي كما يخاطون قطعة قماش واتصلوا بأبي

ثم انتهى الأمر كما ينتهي حادث عابر لا يدرك أحد كم يترك من وجع دائم خلفه

لكنه لم ينته بداخلي

"جراح لم تُروَ"

أتذكّر أنني كنت طفلة صغيرة سعيدة رغم ضيق الحال والفقر الذي كنّا نغرق فيه

أراقب أبي يعمل بجدّ يتصبّب عرقه ليؤمّن لنا ما تيسّر من لقمة وكساء

وبجانبه محمد أخي الأوسط كان صغيرًا لكنه ورث عن أبي عزيمته

يعود من المدرسة ليبدّل محفظته بعلبة أدوات العمل ويسير خلف والدي بكل صمتٍ وفخر

وربما لم تخبركم أمّي عن محمد عن كيف جاء إلى هذا العالم

كلّ شيء بدأ حين تشاجرت أمي مع أبي حين صدّق أحاديث عمّاتي وأكاذيبهن

غضبت أمي واحتمت بوالدتها بلالة جدّتي القاسية

قالت لها الأخيرة بلا رحمة"لا تلدي هذا الطفل أسقطيه"

ثم قدّمت لها بعض الأعشاب التي تعجّ بها الوصفات الشعبية لعلها تُنهي حملاً لم يُرحّب به

لكن الطفل تمسّك بالحياة وُلد في الشهر السابع سابقًا للميعاد

وكنت طفلة أسمع كلمات لا أفقه معناها

"هل فتحتِ رجليكِ له من جديد؟"

قالتها جدتي تقصد أبي...

كنت لا أفهم ولكنني شعرت بجرحٍ غائر يتكوّن في قلبي

فقد علمت أنها تهينه وهو أبي الرجل الذي يكدّ ليل نهار

فكنت أحزن كثيرًا بصمت الأطفال الذين لا يُجيدون سوى الحُب

"صوتُ أبي... وجلدةُ قلب"

لم يكن أبي سيئًا يومًا بل كان طيبًا يحمل في قلبه حبًّا كبيرًا لنا لكنه كان يؤمن أن الحزم أساس التربية

كان إذا أخطأ أحدنا لا يتوانى في العقاب لديه سوط خاصّ نعرفه جيدًا نخشاه أكثر من خطايانا

أنا كما قلت كنت هادئة... ربما إلى حدّ الغباء الطفولي

فبينما كان إخوتي يأكلون من الطعام خلسة كنت أُجرُّ معهم دون أن أذوق شيئًا

يبكونني ثم يضعون يدي على باب الثلاجة كأنني المرتكبة الوحيدة للجريمة

وكان أبي يكرر بصوته الجادّ:

"ممنوع لمس الثلاجة دون إذن!"

وحين يستفيق ويكتشف نقص الطعام

تبدأ المحاكمة

"من لمسها؟"

تتجه كل الأصابع إليّ

يقترب أبي أرتجف أصرخ قبل أن يضربني:

"أرجوك أبي أرجوك أنا لمستها بس مو أنا أكلت!"

يا لبراءتي

كان يقصد من أكل لا من فتح الباب

ومع ذلك كنت أُجلد في كل مرة

وإخوتي محمد ومنال يُنكرون

وأنا كنت الضحية التي لم تُدرك الفرق بين الفعل والنية

لكن رغم كل شيء من هذا المكان ومن هذه الذاكرة

أقولها:

"أحبك كثيرًا يا أبي رغم سوطك كنت الأمان وكنت الوطن"

"رضا سؤال مؤجل منذ الطفولة"

لم أخبركم بعد عن رضا أخي الذي كان في تلك المرحلة يدرس في سنته الثانية من التعليم الثانوي

لم يكن فقط تلميذا مجتهدا بل كان تاجرا ماهرا منذ نعومة أظافره

مارس التجارة كما لو أنها طقس مقدس لا يمس وكان شغفه بها يفوق الوصف

يتعامل مع المال والخطط والأرباح كأنها تفاصيل حياة لا غنى له عنها

رضا يكبرني بعامين لم أكرهه يوما ولا أكرهه حتى الآن

لكنني ما زلت عاجزة عن فهم سبب كل ذلك الحقد الذي خبأه لي في صدره

ما زلت أبحث عن تفسير لمحاولاته الدائمة في تشويه صورتي في نسج الأكاذيب حولي

لماذا؟

ما الذي فعلته ليكون قلبي هدفا مفضلا لسهمه؟

أريد فقط إجابة مجرد تفسير:

"رضا إن كنت تسمعني الآن فلتخبرني

لماذا كنت دائما تراهني على وجعي؟ "

"الرحيل إلى المجهول"

في ماض مثقل بالألم تحضرني الذكريات كما لو كانت حفرا لم تردم بعد

كنت حينها تلميذة في سنتي الأولى من التعليم الثانوي أعود كالعادة مع أختي منال من المدرسة

لم نكن ندري أن عودتنا تلك ستشبه وداعا لا يعلن

دخلنا منزل أهل أبي فإذا بالغرفة الصغيرة التي كانت تضم ذكرياتنا تفرغ من محتوياتها

الملابس ترمى جانبا والأغراض تزاح دون اكتراث

وقف أبي عند الباب لا يهتز له جفن ينظر إلينا بشموخ لا نعرف إن كان عزة أم قسوة

ثم نطق بصوته الجازم الحاد كالسيف:

"حان وقت الرحيل سننتقل إلى القرية بيت عمتكم الفرنسية سيكون لنا مأوى ريثما أشتري قطعة أرض هناك"

أعطانا بعض المال وقال:

"اشتروا ما تأكلونه والباقي للحافلة انطلقوا"

حاولنا أن نناقشه أن نفهم

لكنه صرخ في وجوهنا

"أنا رب الأسرة لا أنتم ومنذ متى يجادل الصغار الكبار؟ "

سكتنا لم يكن لنا خيار آخر

لكنني أنا ومنال كنا نعلم نعلم يقينا أن هذه الرحلة لم تكن سوى تنفيذا لرغبات أهله

وأن القرار لم يبنى فقط من أجل أرض أو منزل بل من أجل رغبات محمد ورضا

من أجل خنقنا بصمت بعيدا عن كل شيء

"بين الذئاب التي لبست وجوه الرفاق"

بعد رحيل جدتي وجدي خمد نور الحكمة في ذلك البيت وزادت وساختهم أكثر! تعاظمت ألاعيبهم القذرة وظهرت الوجوه التي طالما تخفّت خلف الأقنعة.

ربما الآن من يستمع إليّ سيقول: "نحن نعلم ألاعيب أهل والدك... لكن ما دخل إخوتك؟ ولماذا تتهمينهم؟" اسمحوا لي أن أشرح!

أخي محمد كان يعشق تربية الأغنام... ولكن بما أن منزل جدّي كان في المدينة كان حلمه مقيّدًا. أما منزل عمّتي الواقع في القرية فكان فرصة ذهبية لتحقيق ما لم يُمنح له يومًا.

وأخي رضا... كان يرافق أبي إلى القرية بحجّة متابعة الأوراق والملفّات على أمل أن يظهر اسم أبي ضمن قائمة المستحقين للأراضي هناك... لكن بين زياراته تلك سقط في هوى إحدى فتيات القرية...

عندما طرح أبي فكرة الانتقال المؤقت إلى منزل عمّتي ريثما نحصل على الأرض ونبني رفضتُ أنا وأمي وأختي الكبرى. رفضنا لأن القلب كان يصرخ: "ليس هذا هو المكان الآمن..."

لكن محمد أيّد الفكرة ودعمها. ورضا؟ دعمها بكلّ ما أوتي من قوة ثم وجّه سهمه نحوي وقال: "هي ترفض الانتقال لأنها تواعد أحدهم في المدينة!" هكذا... بكل سهولة جعلني المتّهمة وجعلني خصمًا له في مشهد لم أكتب له سطرًا!

"حين خفتت الأصوات... وعلت الوحدة"

عن ماذا نتحدث الآن؟

عن أجواء الانتقال؟ أم أسرار اختي؟ أم نتائج ما بعد الرحيل؟

ربما عن كل ذلك وربما عن شيء أعمق شيء لم يُحكَ بعد

عند انتقالنا تغير كل شيء

كان الجو مختلفًا لا يشبه المدينة التي ألفناها

بيئة ريفية هدوء ساكن مساحات شاسعة منزل كبير لنا وحدنا

لكنّه لم يعجبنا لم يكن يشبهنا ولا يشبه حكاياتنا التي تركناها هناك

كنت أتمتم:

"أفضّل زحام المدينة على هذا الصمت المُريب

أفضّل ضجيج الناس على أصوات الريح بين الأشجار"

كم كنت ساذجة

فالآن بعد كل هذا أشتاق لذلك الهدوء

ذلك المكان تغيّر كثيرًا لم يعد كما كان...

والحنين غريب يشتعل دومًا نحو لحظات لم نحبّها حين امتلكناها

بكيتُ كثيرًا...

أنا وأختي وأمي...

فكل شيء اختلف...

المباني تلاشت والناس اختفوا وضجيج الشوارع صار ذكرى

حتى الجيران الذين كانوا يملؤون أيامنا بالثرثرة... أصبحوا مجرد طيفٍ في الذاكرة

صرنا في مكان جديد نعيش حاضرًا بلا ماضٍ ونبحث عن ماضٍ لن يُخلق في هذا الحاضر

ذكرياتنا؟ أصبحت سرابًا

ونحن؟ نحاول أن نخلق من الرماد حياةً جديدة

"منال ظل القوة وخطيئة الضعف"

أظنكم متحمسون لأسرار منال

منال أختي الكبرى المفضلة لدى أبي

القوية في أعين الجميع لكنها لم تكن كما تبدو لم تكن يوما بتلك الصلابة التي ادعتها

في مرحلة الثانوية تغيرت منال

من تلك الفتاة الجميلة المجتهدة المتألقة

إلى فتاة أخرى

ما عادت تستر روحها بثوب الحياء بل غرقت في علاقات محرمة

تنتقل من اسم لآخر لا بحثا عن الحب بل هروبا من واقع أنهكنا جميعا

كان الفقر ينهش روحها أكثر منا جميعا

فخلق فيها شخصية تشبه من لا تشبهها

فتاة تتصنع القسوة وتراهن على الهدايا والمظاهر

لكنها لم تكن كما ظن الجميع لم تكن عاهرة بل كانت ضائعة

أتذكر جيدا

أحد أولئك الذين واعدتهم كان جارنا رجل في الخامسة والثلاثين

يكبرها بسنين ويحمل بداخله نوايا خبيثة

خدعها بوعود الخطبة لكنها ضحكت سخرت منه فاشتعل غضبا

لم يغفر لها الإهانة

صار يلاحقنا إلى بيت عمتي في القرية

يرمي صورها أسفل الباب واحدة تلو الأخرى

كنت أجمعها خلسة أخبئها وأركض لأمي بقلبي المرتجف

غضبت أمي ووبخت منال مرارا حاولت إصلاح الأمر لكنها عجزت

فما كان من القدر إلا أن يفتح بابا آخر أو ربما نافذة للهروب

عمتي القادمة من فرنسا قررت خطبة منال لابنها

وافقت منال لا حبا ولا قناعة بل هربا من فعلتها

هربا من ماض يلاحقها وعيون لا ترحم

"منال... الوجع الذي هاجر دون زفاف"

أتذكّر تلك الفترة جيدًا

زمن خطوبة منال التي كانت ترفض كل من يطرق باب قلبها

تردّهم بهدوء بحجّة أنّها "مخطوبة"

لكنّي كنت أعلم وأعلم جيدًا أنها لم تكن تخاف الارتباط

بل كانت تخشى من ظلّ ذلك الذكر الذي ما زال يلاحقها بالتهديد

تفكّر أحيانًا بالهروب منه وأحيانًا أخرى بالانتقام.

رحلت منال إلى فرنسا بلا زفاف بلا فرح بلا وداع...

وهناك ظنّت أنّ السماء ستمطر لها بداية جديدة

لكنّها وجدت صقيعًا آخر ينتظرها في منزل عمّتها.

قالت لي يوماً:

"وصلتُ عندها بجسدٍ هزيل وروحٍ مجروحة

فوجدتُ باب الثلاجة موصداً

والإهانة تفتح أبوابها كلّ صباح"

زوجها تجاهلها أهملها

عمّتها قست عليها لا دفء لا رحمة لا مأوى سوى الصبر

لم تُقَم لها حفلة زفاف لا في الغربة ولا في الوطن

تُرِكَت لتتآكل بصمت

تُجَاهَلَت حتى صارت ظلًّا باهتًا لفتاة كانت يومًا تعج بالحياة

كانت مريضة بفقر الدم منذ طفولتها

لكن التجويع أوجعها أكثر من المرض

رغم ذلك بدأت تعمل في أحد المشافي كمساعدة طبيب

تقاوم تنهض تخبّئ الألم بابتسامة باهتة

تقول دائمًا:

"كنتُ أتحمّل فقط لأنّني لم أرد أن يقال إن منال خذلتكم."

"حين انتهى البناء... ابتدأ الانهيار"

في تلك الفترة كأنّ الأقدار رقّت لنا أخيرًا

ظهر اسمنا في القوائم

اشترينا الأرض وبدأنا ببناء منزلٍ حلمنا به طويلًا

منزل كنا نظنه خلاصًا وملاذًا من تعبٍ طال

ولحسن حظّنا-إن جاز تسميته "حسنًا"-

كان منزل عمّي وزوجته يلاصقنا تمامًا

جدارنا يُلامس جدارهم

هربنا؟ بل لحقوا بنا كظلٍ لا ينفصل عن الجسد

كأذى يعرف جيدًا أين يسكن وجعنا

كانت منال تتحمّل كلّ ذلك الذلّ في غربتها

من أجلنا فقط

تُداري أوجاعها بكتمة قلب

وتجمع المال من تعبها ترسله إلى أبي ليكمل البناء

كانت تقول:

"فقط لينتهي هذا فقط لينتقلوا لمنزلهم بعدها أرتاح"

وقد انتهى البناء نعم

لكن المفارقة القاسية أن المعاناة ما كانت لتبدأ إلا حينها

"حين سُفكت الكرامة على عتبة البيت"

كان ذلك الرحيل لعنة تسللت إلينا على هيئة بداية جديدة

المدارس بعيدة والطرق وعرة والقلوب أثقل من الأمتعة

فُرض عليّ أن أتابع دراستي عند خالي عاشور

مع جدتي "لالة"

بينما توقّف رضا عن الدراسة

وتنازل محمد هو الآخر عن مستواه العلمي

أما أنا كنت في سنتي الأخيرة

لكن الطريق إلى النجاح انكسر فتوقّفت وعدت إلى بيتنا

أتذكّر ذاك اليوم جيدًا كان عاديًا صامتًا

أبي يجلس أمام الباب كعادته

عيناه تحملان حسرة لا تُقال

ثم توقّف الزمن..

سيارة مألوفة تقترب..

ينزل منها أعمامي وعمّاتي...

بأيادٍ مسلّحة

قوارير زجاجية عصيّ خشبيةقطع من الحديد...

لا أعلم أيّ شيطان لبسهم ولا ما دار في عقولهم ليشنّوا هجومًا علينا في وضح النهار

انقضّوا على أبي كذئاب جائعة

لا رحمة فيهم ولا دم في عروقهم

كنت وحدي

أحاول الصمود بجسدي النحيل لأحمي أبي

لكن بلا جدوى

أما إخوتي الكبار فكانوا غائبين عن هذا المشهد الكارثي

دخلتُ مع أمي مذعورتين

ركضت أمي تحمل عصًا لأبي...

ربما كانت ستحميه لكن يدها لم تصله

كادت أمي تُضرب لكنها أغلقت الباب في اللحظة الأخيرة

وهدأ كل شيء فجأة

دخل أبي محطّماً جسده مزرق

يده مكسورة

جلس في الصالة يبكي كطفل فقد أمه

وأمي بجانبه تبكيه وتبكي معه

أما أنا فركضت أبحث عن رميس وفيصل

وجدتهما خلف الباب يرتجفان

واختي منال كانت على الأرض تبكي ترتجف

كلنا كنّا نتشظى ولا أحد منّا استطاع أن يرمم الآخر

"ابتسامة الوداع حين غادرت أختي دون أن تودّع"

ذاك الشجار لم يكن لحظةً ومرّت

بل نارًا زرعها الزمن في صدري

كانت تحرقني كلما رمقت وجه أبي يتألم

وكانت تلتهمني كلما رأيت أختي

التي سقطت يومها كجسد بلا روح

وظلّت هناك على الأرض

كأن موطنها الجديد صار بين الرعشة والجمود

لم تعد قادرة على المشي

وضعها ازداد سوءًا

أتذكّرها بوضوح كأنها الآن أمامي:

جميلة شعرها أصفر طويل

بشرة كأنها ورق الزنبق

وجه يزهر بالحياء

كانت تحلم بالدراسة

أن تمشي بثبات كما كانت

لكن للقدر رأي آخر

وكان هذا الرأي قاسيًا حد الفجائع

في إحدى الليالي

اشتدّ المرض بها

واشتدّ الألم في قلوبنا

تقيّأت دمًا

وقطعًا لم نفهمها

كأن أحشاءها كانت تتمزّق في يديها

ركضت أمّي بها

جسدها الهزيل يحمل جسدًا أنهكه الألم

من مستشفى إلى آخر

من طبيب إلى من لا يعرف الرحمة

والليل لا ينتهي

والبرد لا يرحم

ووجعها يتضاعف

أدخلتها أمّي أحد أسرّة الطوارئ

تقول إن أختي ابتسمت لها

ابتسامة شاحبة

مليئة بكل ما لم تستطع قوله

ثم تقيّأت من جديد

لكن هذه المرة لم تخرج فقط دماءها

خرجت روحها أيضًا

رحلت أختي

قبل أن تمشي

قبل أن تذهب إلى الجامعة

قبل أن نُشبِع من ضحكتها

غادرت دون أن تودّعنا

وسلبها الموت منّا كما تسلب الرياح دفءَ شمعة في ليلة شتاء

رحلت ولم ندرِ حقًا أننا فقدناها

إلا حين صار البيت بلا ظلّها

وبلا صوتها

"خيانة الأخت... حين أصبح الستر عبئًا"

في رحلة إخوتي كانت لكل واحدة منهنّ حكاية

أما منال أختي الكبرى فكانت حكايتها الأقسى عليّ

منال التي كنت أراها قدوتي ذات يوم

منال التي تغيّرت عليّ كثيرًا

بل تغيّرت عنّي تمامًا

بعدما توقّفتُ عن الدراسة التحقتُ بمعهد لتعلُّم حرفة الحلاقة

كنت أحاول أن أجد لنفسي مكانًا وسط هذا العالم القاسي

لكن حتى ذلك الحلم لم يكتمل

أتذكّر جيدًا

عندما كانت منال تزورنا

تقترب من أبي وتخبره بأكاذيب قاتلة:

أنني أرفض مرافقتها أنني لا أذهب إلى المعهد

وأنني أواعد الشباب!

زرعت الشك في قلب أبي

ذاك القلب الذي لم يحتج كثيرًا ليصدق

وأمرني أن أتوقف عن الذهاب

وانكسر شيء في داخلي

ثم قالت له إنها ستأخذني معها

وأنه لا خوف عليّ طالما كنت برفقتها

فأمرني بالخروج معها

رغبة منه في "تقويمي"

وإيهامًا لنفسه أنها حامية أخلاق ابنته

خرجتُ معها

لكن يا ليتني لم أفعل

لم تكن تذهب حيث أخبرت أبي

بل كانت تسلمني للمكان وتسلّم نفسها للهوى

كنت أُرسل إلى صالون أو حمّام أو حتى مقهى

أما هي

فتمضي ساعاتها بين صفقات غرامية ومواعيد

وحين نعود

نبتسم أمام أبي كأننا قضينا يوما معًا

نخبئ الخراب تحت رداء الأخت الكبرى

وأنا

أخفي أسرارها

أحمل عبء كذبها

وأصمت!

وأصمت!

ظننت أنني أحميها

لكنني كنت فقط أذبح نفسي بصمت

كانت تلك أسوأ أخطائي

أنني سكتُّ كثيرًا

وسكوتي قتلني أكثر من كل الأكاذيب

"وصمة المشعوذ: ليلة لم تُغادر الروح"

لم تكن محنتي مع أخي الأكبر رضا مجرد همسات اتهام، بل طعنات تجاوزت حدود الروح بوشوشة منه أقنع أبي أن نور بيتنا بحاجة لظلام ساحر لِـمَن يدّعي علاج الأرواح بجهل لا أدري كيف تمكن هذا الغريب من دخول حرمنا ليبدأ بالهمس بطلاسم غريبة أشار إلى فتاة تمر خلف الستار وسأل أبي: "هل ترون تلك الفتاة؟" فأومأ أبي: "نعم" قال المشعوذ: "تلك هي نبع اللعنة! سأصنع لك خلطة لتغتسل بها روحها" كانت تلك الخلطة مزيجًا من العجب والغربة أذكر منها ذيل ذئب وبقية المكونات تتوارى خلف حجاب الألم لا أود أن أُعيد تذكير الراوية بلحظات الحارقة ثم أمر المشعوذ أخي: "أحضرها لي وإن عجزت فامنحني المال لأشتريها أنا" وتمامًا كما أراد انحنت الرقاب وأُعطي المال

في اللقاء التالي جلستُ أمامه وقرأ عليّ تعاويذ لم تُلامس عقلي ثم ناولني الخلطة ترددتُ فكانت رائحتها كالجيفة وتمنعتُ عن لمسها لكن أخي صرخ صرخة هزت أركاني: "لأنكِ مفتوحة!" شعرتُ بكلماته كسهام تخترق قلبي وحاول أبي أن يضربني خفتُ أن ينكشف "ما لا يُقال" فاستسلمتُ وقررتُ أن أغتسل بذلك السائل اللعين

ما إن انتهيتُ من الاغتسال خرجتُ من الحمام وجمعتُ ما تفرق من أغراضي وهرعتُ إلى صالة الرياضة كنتُ يومها أُحارب السمنة أبحث عن ذاتي في مرآة اللياقة رأتني صديقاتي وصرخن في ذهول: "واااي! من أنتِ؟" قلتُ بصوت خافت: "أنا سميرة" فأجبن بذهول أكبر: "مستحيل! انظري إلى وجهكِ كان شبيهًا بالكلب!" ركضتُ كالمجنونة نحو المنزل ركبتُ الحافلة ودخلتُ بيتنا صُدمت أمي وأبي من رؤيتي وكنتُ أبكي وأصرخ بأن تلك الخلطة هي من فعلت بي ذلك نمتُ في حضن أمي كنتُ خائفة أبحث عن أمان غائب

وبينما كنتُ في غفوة الألم شعرتُ بعضو ذكر يخترق مهبلي صرختُ وبدأتُ أُصارع لأُبعده عن جسدي لكن لا جدوى بدأت أمي تقرأ عليّ تراتيل طردت الظلام حتى تلاشى ذلك الشعور وتحسن وضعي اعتذر أبي كلمة لم تمحو آثار الروح لكن أخي بقلب لا يعرف الرحمة قال: "هذا دليل على أنكِ غير عذراء!" صرخ أبي بوجهه وتاهت القصة في غياهب النسيان كما تتلاشى الصفحات البالية

"نقمة الجوار"

كان كل شيء يبدو هادئا في ذلك اليوم إلى أن هاجت عاصفة لم تكن في الحسبان صديقي جارتي التي ظننتها الأقرب لقلبي ظهرت على حقيقتها التي لم أتوقعها أبدا كانت تمارس السحر

جاءت تهدر كالبركان صرخاتها تملأ المكان تقذف بيتنا بوابل من الشتائم والإهانات كنت أرتجف من الداخل ليس خوفا منها بل من الفكرة أن تُهان أمي أمام ناظري خرجت من البيت وكأني في داخلي غضب سنين اشتبكت معها كنت اجرها من شعرها بقوة لا كمن تقاتل فتاة بل كمن تدافع عن كرامة بيتها

لكن الأمور لم تتوقف عندهما خرج أهلها والدتها ووالدها تبعهم أقارب من الحي المجاور وتحولت الشجارات إلى حرب شوارع كنت من بين من جروا بعنف لا أزال أذكر كيف سُحبت أرضا حتى خرج كتفي من مكانه وكدت أفقد وعيي من شدة الألم

أما أبي فقد سقط تحت أيديهم مضروبا عاجزا عن الصراخ حين رأى أخي محمد المشهد لم يحتمل حمل سكينا وكان قراره لحظيا كمن لا يرى سوى شبح الموت أمامه طعن والدة الفتاة وهدأ كل شيء فجأة لحظة صمت أعقبتها عاصفة أخرى الشرطة التحقيق السجن

أُودع محمد خلف القضبان ولم يمكث طويلا قبل أن يُفرج عنه ولكن ظلت آثار تلك الليلة محفورة فينا صديقتي أو من ظننتها كذلك غادرت الحي بعد أن توعدتنا بالانتقام تاركة خلفها فوضى لا تمحى بسهولة من الذاكرة

"حين تمرد الأخ وأظلمت الطريق"

في مرحلة ما من فوضى حياتنا قرر أخي رضا أن يشق طريقا مختلفا التحق بالجيش وكان يحمل داخله غليانا لا يهدأ كثيرا ما هددنا بكلمات تنذر بالخراب سأسحقكم يوما ما كنا نخشاه لا لقوته بل لحقد غامض في نبرته

لكن خططه لم تكتمل في إحدى إجازاته التقى بفتاة ووقع في حبها ومنذ تلك اللحظة بدأ يتمرد لا على القوانين بل على أبي علينا كلنا أنكر والديه تنصل منا وأعلن أمامها أنه يتيم لا أهل له سواها وسوى عائلتها كانت حينها مجرد عشيقة لا أكثر لكنها أصبحت موطنه الجديد لم يكتف بالتمرد فقط بل استقال من الجيش وبدأ يعمل سائق أجرة يركض خلف قوته بعيدا عنا بعيدا عن ذاكرته

أما محمد وفيصل فقد اشتغلا في الحافلات كان محمد مجرد مساعد للسائق يوزع التذاكر يجمع المال لكنه كان يحب عمله كنت أراه يخبئ القليل من الدنانير كل يوم وكان يشتري الذهب يحتفظ به وكأنه كنز ظننت أحيانا أنه يحب فتاة ما لكنه لم يعترف يوما بل ابتلع السر بين صمت يديه

ثم حدث ما لم نتوقعه في أحد الأيام تغير محمد لا أحد يدري كيف أو متى لكنه بات غريبا خرج إلى العمل كعادته وعاد رجلا آخر صار يقول إنه رسول من عند الله يتحدث عن الطيران ويتهمنا بأننا أعداؤه اختلطت علينا الحقيقة بين الجنون أو المس أو أثر غامض لصدمات الحرب والإرهاب

بدأت رحلته في العلاج عند طبيب الأمراض العقلية وبدأت رحلة أمي في التيه كانت تصدق كلامه أحيانا تحت وطأة الوجع وأحيانا كانت تتشبث بوجود أبي قربها كحائط يرد عنها الهوس والانهيار

وهكذا لم تكن الحياة معنا عادلة كانت تغيرنا كل مرة تسحب أحدنا نحو الهاوية ونحن فقط نراقب بصمت ونتألم

"ركلة على الرحم وندبة في القلب"

بعد سبع سنوات من الصبر والكد توقفت أختي عن العمل ليس كسلا أو راحة بل كان جسدها يئن من سؤال يلاحقها" لماذا لا تُرزقين بطفل؟ " بدأت رحلتها مع الأطباء تحاليل لا تنتهي محاولات دموع وانتظار وكل مرة تعود النتائج لصالحها كانت سليمة بينما الحقيقة كانت مختبئة في الطرف الآخر من السرير زوجها هو المريض حيواناته المنوية غير مكتملة ضعيفة شبه عاجزة عن زرع الحياة

تعالج ومع الوقت جاء الفرج فحملت بابنتها الأولى أروى ثم سرور ثم جاء ضياء لكن ضياء لم يكن كما ظنت ففي شهور الحمل الأخيرة تفاقمت الخلافات بينها وبين زوجها حتى قرر أن يطلقها لكنه لم ينفذ بل جاء برفقتها إلى الجزائر في العام 2002 مدعيا أنه سيضع النقاط على الحروف مع أبي

لكن الصدمة كانت أقسى مما توقع الجميع لم يكن في انتظارهم إلا جنازة أبي مات مات حسرة على ابنته التي تنهار زيجتها بصمت وعلى ابنه الذي ضل الطريق ولوث اسم العائلة في عيون الناس سقطت نبضات قلبه وهو ساجد في صلاة الجمعة رحل وفي فمه آهات لم تُرو ودعاء لم يُستجب وغصة لم تزل

أما أختي فقد صُعقت بالخبر كما لو أن روحها انتُزعت معها صدمة وفاة الأب زلزلت ما تبقى من قوتها وأثرت على الجنين توقف نموه توقف الأمل لكن الكارثة لم تنته عند هذا الحد فقد ركلها زوجها ذات يوم على بطنها ركلة ظلت محفورة في رحمها وفي روحها سقطت تبكي وتتلوى تصرخ وجعا وخذلانا لكنه تركها كما يترك المرء قمامة على قارعة الطريق

ورغم كل ذلك لم تطلب الطلاق كانت تحبه تحبه رغم ركلته رغم خيانته رغم خذلانه

"ورقة في مهبّ الدموع"

أتذكّر يوم جنازة أبيحين ظهر أخي رضا لا بملامح الحزن ولا بظلّ الندم بل بشغف غريب لا يشبه الموقف ولا الزمان جاء يطلب من أمّي أن تذهب لخطبة حبيبته

قالت له وعيناها غارقتان في سكون الموت:"أما ترى أنها جنازة والدك؟ انتظر نهاية العزاء واحترام العدة وسنزفّها لك"

لكنه لم يحتمل التأجيل انتفض غاضبًا ورحل وكأن لا شيء يجمعه بالجسد المسجّى أمامه

بعدها بأيام سلّمت أمي كل الأوراق الرسمية والدفتر العائلي إلى خالي عاشور ليسجّل وفاة أبي لكنّه تراخى أو ربما نسي

مرّت الفترة القانونية وإذا بنا أمام أزمة قانونية، إذ تطلّب الأمر فتح تحقيق أمني

كان ذلك مؤلمًا بما فيه الكفاية لكن الألم الأكبر جاء حين تدخّل رضا مجددًا وهذه المرة بسمٍّ لا يغتفر اتّهمني أنا وأمّي بأننا سمّمنا أبي!

انفتح باب التحقيق وامتدّ كليلٍ بلا قمر

خالي الأصغر كان بالمانيا اما خالي عاشور انسحب بصمت أما أنا فقد كنت المسؤولة عن ملف الأوراق أتحمّل النظرات وأُعيد السرد وأشرح حتى سقطت ذات صباح أمام مركز الشرطة

لم يعد في الجسد قوّة

حُملت إلى الداخل وسقاني أحدهم الماء ثم أُدخلت إلى مكتب المدير

كان رجلًا وزوجته تجلس إلى جانبه سمعا حكايتي تأمّلا ملامحي المنهكة ثم قال لي المدير بصوت لا يخلو من مرارة

"سأساعدكِ بشرطٍ واحدانسوا أن رضا منكم لا ابنكم لا أخوكم هذا ثمن فعلته"

هززت رأسي ما عاد في القلب مكان لمزيد من الخذلان وافقت

وبعد أيام بينما لم يكن في جيبنا سوى ألف دينار أتت الورقة المنتظرة

رسالة رسمية تخبرنا أن باستطاعتنا الذهاب للبريد وسحب منحة العزاء وتقاعد أبي المنتقل لأمّي ولي

لم تكن ثروة لكنها كانت شريان حياة وسط خراب

بكينا بكينا كثيرًا لا من أجل المال بل من أجل تلك الورقةالتي جاءت بعد أن سُحقت الكرامة وشُكك في الوفاء،وتكسّرت الروابط

ورقة واحدة في مهبّ الدموع

"زفاف في زمن الحداد"

تزوج رضا أخيرا بحبيبته بدرة التي كان اسمها يشبه اسم أمي كأن للقدر سخرية خفية لم نشأ أن نفهمها

لكن الأكثر مرارة أنه لم يخبرنا لم يشركنا لم ينتظر

تم كل شيء في الخفاء برعاية خالي عاشور وزوجته وحتى جدتي لالة

كأننا غرباء عن حكاية أخي

كأن أمي لا زالت لم تفقد شريك عمرها

كأن العزاء لم يغلق بابه بعد وكأن الحداد لا قيمة له

لم ينتظروا حتى تنقضي العدة لم يسألوا إن كنا بخير لم يراعوا قلبا لا يزال يحترق كل ليلة على صورة أب كان الركن والسند

وهكذا

في الوقت الذي كانت أمي تلبس السواد كان رضا يرتدي الأبيض

وفي الوقت الذي كنا نحاول فيه دفن الحزن كان هو يبني لحياته بوابة جديدة لا مكان لنا خلفها

زفاف في زمن الحداد

جرح جديد يضاف إلى دفتر الخيبات الطويل

"حين اغتُصِبَت سُمعتنا بالكذب"

أتذكر تلك الأيام كما لو كانت مشيا على الجمر فترة التحقيق حين كانت أعين الناس تلاحقنا وقلوبنا تنهار بصمت لم يكن التحقيق وحده عذابنا بل كان رضا رضا الذي نفترض أن يحمل معنا ثقل المصيبة لا أن يكون مصيبتنا الأكبر

كان يسير في الطرقات يجوب المقاهي يتنقل بين الأقارب والأحياء كأنما يحمل راية الفضائح لا هم الحقيقة

كان يحكي بصوت متهكم قذر وكأن الشرف رخيص بين يديه

قال قال إنني أنا وأمي ندخل رجالا ليلا

قال إننا نمنحهم أجسادنا

قال إنه وجد أمي فوق جسد أحدهم

وقال إن احد رجال الغرباء كان يلاعب ثدياي امامه

يا الله

أية لعنة تلك

أي قلب يجرؤ أن يختلق مثل هذا السم في حق من حملته أمه وربته أخته

أقسم أن شيئا من هذا لم يحدث

أقسم أننا لم نفعل ما يشيع

لكن الكلمة حين تنطلق لا تحتاج دليلا بل جمهورا

وقد وجد رضا جمهوره

وشيئا فشيئا اغتُصبت سمعتنا وانكسرت أرواحنا وصرنا نُرمى بنظرات احتقار أينما مررنا

لقد شوهنا أمام الناس لا بخطيئة ارتكبناها بل بكذبة قالها أخونا

وأحيانا يكون الأخ عدوا يُوجع أكثر من غريب لا يعرف حتى اسمك

"جذور متشابكة... بين سطوة الأمومة وهشاشة الأبناء"

في عائلتي لم يكن العدل ضيفا دائما لطالما تحدثت عن عماتي وأعمامي لكن آن الأوان أن أنصف جداتي وخوالي فهم جزء من الحكاية التي ولدت بين طياتها

خالي عاشور الرجل الطيب الهادئ الذي كثيرا ما رأيته يبتسم رغم الهموم كان قريبا من القلب وجدتي لالة أمه كانت في زمن ما حنونة لكنها حين اشتد الصراع تحولت إلى نار تُشعل الخلافات

في زواجه الأول أحب عاشور فتاة حلمت أن تكون له وطنا لكنه ما إن ارتبط بها حتى طلبت أن يسكنا في بيت أهلها رفضت لالة رفضا قاطعا وهاجمت الزوجة بشدة فكان ما لم نكن نرجوه انقلب عاشور على زوجته ضربها وطلقها لم ينته عند ذلك بل في زواجه الثاني ازداد ظلاما فكان يضرب زوجته باستمرار وكلما أوجعها صفقت لالة له بحجة أنه يثبت رجولته هربت تلك المسكينة من البيت وحين حاول خالي كرم أخوه من أمه فقط أن يمنعه من الاستمرار أسكت بالصراخ واللوم

لكن الأمور لم تقف عند الهرب فعاشور لحق بها ضربها طلقها ثم أعيد ضربها من جديد لكن هذه المرة بأيد أخرى أيدي إخوتها والدها وحتى والدتي كانت صغيرة بالكاد بلغت السادسة عشرة لكن ذنبها في أعينهم كان أنها تُحب السينما وأن تخرج في مواعيد غرامية مع عاشور بينما هو يرفض كانت تحلم بحب بسيط لكنه انتهى بكوابيس لم تستفق منها

أما زواجه الثالث فكان أبشع ما رأت العائلة فرضت زوجته الجديدة نفسها على البيت بأكمله فأطاحت بكرامة لالة وجعلت من عاشور ظلا لما كان عليه حتى خالي كرم الذي طالما كان سندا قرر أن يرحل إلى ألمانيا هناك وجد مسافة من الجنون الذي أطبق على العائلة لكنه أيضا ابتعد عنا ابتعد حتى أصبح أقرب إلى زوجة أخيه وأخيه ووالدته أكثر مما كان لأخته وأولادها

رغم ذلك كانت علاقتي بزوجة خالي الثالثة جيدة كنت أظن أنها تراني كابنتها كانت تكره أمي نعم لكنها كانت تحبني أو هكذا كنت أظن أخبرتني يوما بسرا كبيرا وكنت أمينة عليه لم أخبر به أحدا لكن السر انكشف وبدل أن تحميني جدتي من الشك وجهت أصابع الاتهام نحوي بل زادت الطعنات حين قررت تبرئة قريبتنا ومسحت بي السكين أنا ابنة ابنتها

ومن هنا تغير كل شيء كرهتني زوجة خالي وغرست في قلبها حقدا لم يذب حتى بعد أن تعذب الجميع كأنها نسيت كل ما فعلته هي نفسها وألقت بكل الأوزار علي

ولم يكتف خالي عاشور بمآسيه داخل البيت بل أوقف ترقية أبي في عمله مستغلا منصبه كمدير أما كرم فواصل ابتعاده وتركنا كأننا لسنا من لحمه ودمه

هكذا عاشت جدتي تتأرجح بين القوة والظلم وأبناؤها بين الانكسار والتطرف عائلة تشابكت جذورها فاختنق كل من أراد أن يزهر

"حين ابتسمت لنا الحياة"

للمرة الأولى شعرت أن للحياة وجها آخر وجها لم نألفه ولم نتجرأ حتى على الحلم به

بدأ أخي فيصل يشق طريقه في ذات الشركة التي لطالما عمل فيها أبي وكأن القدر أراد أن يمنحه فرصة لم تُمنح لوالدي اجتهد وثابر وكان صادقا مع نفسه قبل أن يكون صادقا مع عمله حتى أصبح الرجل الغني الذي لم نكن نتصور أن أحدا منا سيكونه يوما

كان يأخذنا إلى أماكن لم تطأها أقدامنا من قبل أماكن كانت في مخيلتنا البعيدة مجرد أحلام لا تُلمس كنا نذوق طعاما جديدا نرتدي ما نشاء نضحك دون خوف ونحيا كما يجب أن تُعاش الحياة

في تلك الأيام أصبح الجو جميلا بحق لم يكن الجمال في الأماكن أو الطعام بل في لحظة الصفاء التي شعرنا بها جميعا

لقد ابتسمت لنا الحياة أخيرا

هدأت العواصف وذابت الغيوم

أخي محمد تحسنت حالته واستقرت صحته العقلية

أمي تخطت صدماتها واحدة تلو الأخرى حتى بدأت أراها تبتسم بصدق وتنام مطمئنة

وأنا؟

أنا كنت سعيدة

أما رضا فقد هجرنا منذ زمن لكنه لم يترك فراغا

فبوجود فيصل كان البيت مليئا بالسكينة والطمأنينة والشعور بالأمان

لم نعد نفتقد أحدا ما دمنا نملك قلبا واحدا صادقا مثل قلبه

"القرار الذي كلّفني ابتسامتي"

كنت أبلغ من العمر عشرين عاما حين خرجت ذات يوم لأتنزه وأتذوق من الحياة رشفة خفيفة من المتعة لم أكن أبحث عن شيء فقط أهرب من ضجيج الذكريات الثقيلة وهناك التقيت به رجل يكبرني بسبعة عشر عاما كان يبلغ السابعة والثلاثين تونسي الجنسية يعيش في الجزائر رجل أعمال ذو هيبة وحوله حراس شخصيون يُشعرون من حوله أنه ليس كغيره

كان طيبا يحدثني بلين واهتمام افتقدته طويلا أخبرني منذ لقائنا الأول أنه يريدني زوجة له واشترى لي عطرا وحجابا وقال سأجعلك تعيشين كأميرات الروايات وسأرسم على شفتيك ابتسامة لا تموت

أخبرني أيضا عن ابنته فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تعاني إعاقة حركية لم يكن يطلب مني أن أعتني بها بل فقط أن أكون طيبة معها وافقت قلبي كان مغمورا بفرح غامر وأملي كان يرتفع كالنخلة أخبرت أمي وأخواي وأتى لخطبتي محمل بالهدايا الحلوى والطعام كان يوما مشرقا يشبه حلما انتزع من حكاية

كنت سعيدة سعيدة حد الخوف لكنني نسيت أنني من عائلة لا تُترك فيها السعادة تمر مرور الكرام

دخل الوحش رضا

كسر كل شيء قلب الطاولة وأثار فوضى لا توصف أخرج فيصل من المجلس همس في أذنه وساوس لم أفهمها ثم عاد الاثنان بوجه لم أعرفه ليقولا بصوت واحد لن نزوج أختنا لهذا الرجل

حاول العريس الدفاع عن نفسه لكن رضا باغته بضربة لم تلبث أن توقفت حين أخرج حارسه الشخصي سلاحا وهدده دون تردد

تقدم مني أمسك بيدي وهمس في أذني

سميرة اختاريني إن فعلت سأمنحك زفافا لم تحلمي به سندعو أمك وأخاك محمد وكل من تحبين باستثناء هذين الاثنين فهما لن يكونا هناك

نظرت في عينيه وقلبي يتشظى ثم قلت

أنا لست ممن يدوسون كرامة إخوتهم ولا أتمرد على من رباني في الشدة

همس لي مجددا وكأن صوته نبوءة

أنت حرة لكن اعلمي أن هذا أسوأ قرار ستتخذينه في حياتك وسيجعل إخوتك يدفعونك ثمن سعادتك الضائعة

رحل ولم أره منذ ذلك اليوم

لكن كلماته لم ترحل

بل عاشت في كل لحظة شعرت فيها أنني لست بخير أنني اخترت التضحية على حساب الحياة واخترت الولاء على حساب الحب

ويبدو أنني عشت حقا ما قاله

"بين خيانة وذُعر... حين اختنقت أنفاسها في الظلام"

في حملها الرابع كانت أختي تتألق بجمال لا يُنكر نظراتها تسحر وابتسامتها تُشرق بها العتمة لكن زوجها لم ير فيها إلا شبهة صنعها عقله المتعب اتهمها قال إن ذاك الطفل لا يمت له بصلة ورغم العشرة رغم الذرية رغم قسم الحياة هجرها على الفراش وأدار وجهه عن طعامها بل بدأ يتنمر عليها كلما مرت أمامه سخر من جسدها من صوتها من وجودها وكأنها لم تكن يوما زوجته بل غريبة اقتحمت حياته دون إذن

تكسرت بداخلها أشياء كثيرة وشيئا فشيئا انزلقت إلى الهاوية

بحثت عن حضن عن كلمة عن رجل يعيد لها ما سُرق منها من أنوثة واهتمام فسقطت

دخلت علاقة محرمة مع رجل ادعى أنه من القوات الخاصة الفرنسية

سلب منها ثقتها بنفسها سلب صورها معلوماتها صور أطفالها وربطها به بوهم سماه الحماية والحب

اتفقا على موعد لكنها لم تأت

فانقلب ملاكه إلى شيطان

غضب وتوعد قال لها إنه سيحول حياتها إلى جحيم على الأرض

ومنذ تلك اللحظة لم تعد أختي كما كانت

أصبحت تتهامس مع نفسها وتلتفت فجأة خلفها تقول إن أحدهم يلاحقها

ترتجف كلما دخلت منزلها تؤكد أن أحدهم يختبئ خلف الستائر

تقول إن كاميرات تراقبها وإن رسائل تهديد تصل بريدها

لكن لم ير أحد غيرها شيئا

هربت ذات مساء من بيتها وذهبت للشرطة تطلب النجدة

لكنهم لم يصدقوها

اتهموها بالجنون وهددوها بأخذ أطفالها منها

أجبروها على تناول أدوية وألزموها بطبيب نفسي

لكنها لم تكن تتناول شيئا كانت تمثل

خدعت الجميع وأبقت أطفالها معها

نجحت في مسرحيتها لكنها لم تُشف

المرض بقي يسكنها يعوي في داخلها كذئب جريح

وكل هذا وزوجها لم يكن يومها موجودا

كان في بيت أهله غائبا عن كل ما تمر به

عاد لاحقا لكنه لم يلمس قلبها لم يقترب لم يُرمم ما تهدّم

ظل على حاله صامتا باردا هاجرا

وظلت هي رغم كل شيء أما تبتسم لأطفالها وقلبا ينزف بصمت

"حين أُغلقت الأبواب... وصرخت روحي في العدم"

في تلك الفترة الكالحة تسللت شروخ خفية إلى جدران بيتنا وبدأ كل شيء ينهار بصمت

أصيب أخي محمد بالهلع كلمات أختي المحملة بالذعر أثرت فيه كالسم

كان هشا مثل قلب مكسور في مهب العاصفة

ولأن أمي كانت وحدها معه في البيت ارتجف كيانها أيضا

أصبحت ترى ما لا يُرى تسمع ما لا يُقال وتخاف مما لا يُخاف منه

أما أنا كنت ما بين نزهاتي القصيرة التي أهرب فيها من ضجيج الجنون

وأخي فيصل غارق في دوامة العمل لا يدري ما يحدث خلف الأبواب المغلقة

فُرض علي أن أكون حارسة الجنون

أهتم بأمي التي تتخيل وأخي الذي بدأ يتهمني أنني عضو في العصابة الغريبة التي اخترعتها أختي

صار يرى عدوه في ي يراني شبحا يتلبس وجه أخته

وكلما حاولت طمأنته زاد ظنه بي وأمعن في اتهامي

وكأن ذلك لم يكن كافيا

ففي إحدى الليالي سرقت ملابسي الداخلية من على حبل الغسيل

بعدها بأيام بدأت رؤى سوداء تتسلل إلى واقعي

قطط ضخمة سوداء كالسواد نفسه

كانت تلاحقني بعينين حمراوين

ويد صخرية ذات مخالب تخرق جلدي

تصطك فوق صدري تهمس باسمي

هيا يا سميرة التفي نحوي وكفي عن الخوف

سأجعل منك ملكة هذه الأرض فقط استسلمي

كنت أرتجف أطلب النجدة

لكن لا أحد يسمع

أصرخ ولا من يُصغي

كانوا يرونني مجنونة

لكنني كنت أُدرك أنني عالقة في عالم لا يُشبه عالمهم

كنت أُغلق على نفسي

أضع الأثاث أمام الباب لأمنع دخول الكائنات

لكنها كانت تدخل دوما تدخل

كنت أهرب من غرفة إلى أخرى

أُزيح كل شيء ثم أرتطم بالجدران

أصرخ بأسماء الله الحسنى أرجو أن تُجاب روحي

لكن

كلما طلبت الأمان

وجدت أمي وأخي قد أغلقوا باب غرفتهم من الداخل

يختبئون مني

أنا التي كنت أختبئ من المجهول

لم أكن أملك شيئا سوى الهرب

هرب دائم داخل بيت واحد

وغرف كثيرة

لكن لا ملجأ منها ولا مهرب

"حين نطقت روحي بصوتٍ ليس لي"

أخذني رضا وفيصل إلى شيخٍ يقرأ القرآن كنت متعبة قلقة متورطة في صمت لا أحد يسمعه غيري وما إن بدأ الشيخ تلاوته حتى انطلقت مني كلمات بصوت لا يشبهني صوت غريب مبحوح كأنه يأتي من تحت الأرض

كانوا يضربونني لكني لم أشعر بالألم كان كل ما أشعر به هو يد ذلك الكائن تُطبق على جسدي وهمساته تزحف إلى أذني سأتحمل من أجلك لا تقلقي أنا هنا

وفي لحظة همس لي مجددا لم أعد أستطيع سيحرقني سأذهب الآن لكنني سأعود ورحل

في جلسة لاحقة همس الذي بذاخل بكلمات أربكت كل شيء قال إن من أرسله هذا هي بهجة زوجة عمي سأل الشيخ ما صلتها بي

وكانت المفاجأة أولادها معنا يسمعون فسكت الشيخ ثم قال بصوت خافت لا تحضروها إلي مجددا

هز رضا رأسه نظر إلي كأنني عبء وقال لنأخذها لمشفى الأمراض العقلية ما دامت الرقيا لم تنفع

وبالفعل نقلت إلى هناك أربعة أيام فقط وفي اليوم الرابع تلاشى كل شيء هدأت الأصوات تراجعت الظلال وعدت كما كنت ولم أكن أتناول الأدوية

لكن لم ينته الألم بعد

زارني عمي ذات صباح طلب من الممرضين أن يُجروا لي فحص حمل قالها في وجهي دون رحمة" أريد أن أتأكد ألست زانية؟ "

انطفأت روحي تكسرت من الداخل وفي صباح اليوم التالي عاد ذلك الصوت عاد لكنه لم يدم يأتي فجأة يهمس ثم يختفي

خرجت من المشفى خرجت بخطوات مترددة لكنني كنت بخير أو هكذا أقنعت نفسي

"عروس بلا ملامح"

في تلك الفترة من حياتي عام 2007 أتى رجل لخطبتي

كان في عمر أمي

وأنا لم أكن سوى فتاة شابة

تحاول النجاة من الظلال التي تطاردها

لم أكن راغبة

لكن إخوتي أجبروني

فتم الزواج

كان طيبا نعم

لكنه لم يتزوجني حبا

بل رضوخا لرغبة أهله

قلبه ظل معلقا بزوجته الأولى

أما أنا فكنت فقط زوجة أخرى

ظل إضافي في حياته

ذات مساء صامت جلس إلى جواري وقال

لا أريد أطفالا منك لدي اثنان

إحدى بناته كنت أكبر منها بخمس سنوات فقط

كلماته تلك نزلت كسكين في قلبي

أدركت حينها أنني كنت عروسا بلا ملامح

لا حب لا مستقبل فقط توقيع على حياة لم أخترها

أختي كانت تكرهه

تقول دوما

"إنه رجل من تلك العصابة"

لكني لم أكن أعبأ بكلامها

كنت أراها مجرد ضائعة في أوهامها

فكلامها لم يكن يُقنعني

أو ربما لم أكن أجرؤ على تصديقه

لكن الصمت كان أبلغ من كل شيء

أنا وهو غريبان تحت سقف واحد

يربطنا عقد

لا مشاعر

"حين كُسِر قلبي على يد أخي"

أتذكر حين همست أختي في أذن أخي فيصل

ووسوست له حتى تزوج من قريبتنا

تلك التي كانت يوما قريبة منا

ثم ما لبثت أن انقلبت

صارت تنعت أمي "بالمجنونة"

رغم أن حالتها كانت آنذاك مستقرة

رغم أن أخي محمد كان بخير

تغير فيصل

كأن زواجه جرفه إلى ضفة أخرى

أصبح قاسيا

ضربني

أهانني أمامها

أهان أمي

ولم يرف له جفن

جاء إلى بيتي

صرخ

سبني

قال إنني عاهرة

ساقطة

بنت شوارع

كلمات كالسكاكين

جرحت كرامتي

كسرت قلبي

شظاياه ما زالت عالقة في صدري

تذكرت حينها كلام ذلك الرجل

ذاك الذي خطبني وقال لي

"إن لم تختاريني ستندمين"

كم كنت أظنه متعجرفا

لكنني اليوم فقط فهمت

لو تمردت يومها

لو قلت "نعم" لذاك الرجل

ربما كانت حياتي مختلفة

ربما كنت ملكة في قصره

لا جرحى على عتبة بيتي

لقد شوه فيصل سمعتي أمام جيراني

وشوه سمعة الرجل الذي أجبروني على الزواج به

رغم أنه ما أحبني ولا أحببته

حتى اسمي لم يسلم

"الطفلة التي جاءت من الحافة'

أتذكّر

حين أوهمني أحد أقاربي بالحب بالزواج بالأمان

كنت ضعيفة تائهة بين خيبات الأمس وصدمات اليوم

تحدّث إليّ كما يتحدّث المنقذون

وصدّقته

طلب منّي الطلاق من زوجي

ففعلت

كان ذلك في عام 2010

عدتُ إلى بيت أهلي كمن يعود خالي الوفاض

لكن المفاجأة الكبرى كانت أنني لم أعد وحدي

في رحمي لعنة

طفل لا أعرف إن كان من صنع حب أم خطيئة أم ضعف

لم أكن مستعدة

ولا راغبة

أخبرتُ زوجي

فعُدت إليه دون عقد

دون دفتر عائلي

دون شيء

عدنا فقط لأننا لم نُنهِ أوراقنا

وكأن الحياة أعادتني خطوةً إلى الوراء

رغم كل جراح الأمام

انتهت علاقتي بذلك الذي خدعني

في شهر 5 ذهبت إلى المستشفى

أردت أن أرى حالة الجنين أن أعرف جنسه

لكن

نموه كان متوقفًا منذ شهر 3

أعطوني أدوية

قالوا لي الجنين لن يكتمل

لكني لم أتناول شيئًا

تركت الأمر لله

وفي شهر 7

شعرت بألم يشبه الطعن

نقلوني لقسم الأجنة الميتة

كانوا على يقين أنه سيموت

لكني رغم ضعفي

ولدت بشكل طبيعي

وخرجت إلى الدنيا

طفلة حية تتنفّس

لكنّي

أنا

كنت أكره صوتها

صراخها

وجودها

لا أدري إن كنت أكرهها هي

أم أكره ما تذكّرني به

꧁خاتمة꧂

"

أنا... النزف الباقي من الجميع"

أنا أنزف

أنا أنزف دون دم مرئي

أنزف من الروح من القلب من الأمل الذي أُنهِك

أنا أموت ببطء

كلما تذكرت من خذلني

من جعلني أحمل أوجاعهم ثم رحل

ليس عدلا

أن أشهد آلام الجميع

وأن يُدفن ألمي تحت رماد الصمت

ليس عدلا أن أفكر بالكل

وأن لا يخطر اسمي على بال أحد

أن أُستهلك أن أُنهك

أن أحبهم أكثر مما أحببت نفسي

ليتني فكرت بي لمرة واحدة

ليتني أحببت نفسي أكثر

ربما كنت أنقذتني من قدري اللعين

ربما كنت اليوم امرأة أخرى

لكنني الآن

أبكي وأنزف

عديمة الكرامة

فاقدة الصحة

أسيرة لندم يقتات على قلبي

لسنوات من جلد الذات

ومحاولات فاشلة لتضميد شيء

كُتب له أن يُنكأ كلما خِلت أنه شُفي

كلما حاولت إصلاح شيء

أُفسد أكثر

وكأن يداي خلقتا للهدم لا للبناء

وكأنني خلقت لأُخطئ

لا لأُغفر

أنا سميرة

بنت ذبلت من كثرة التضحية

امرأة لا تزال تنتظر يوما يكون فيه حبها لذاتها

أقوى من حبها لمن خذلوها

꧁تمهيد للبارت الجاي꧂

"أطياف لا تموت... وبسمة لا تُسكَت"

لا يمكنني تقبُّل بدايتي

كيف أتصالح مع طفلةٍ خُلقت من رحم الخيبة؟

كيف أتعايش مع آلامٍ كانت أولَ ما أحسّت به عظامي؟

أنا أسيرةُ أطيافٍ لا تموت...

أطيافُ ماضٍ لا يزورني بل يسكنني

ينهش روحي، ويمتص أنفاسي ويضحك على انهياري.

أريد أن أهرب

لكن لا ملاذ...

كل زاوية في هذا العالم تحمل رائحة وجعي

وكل باب يُفضي إلى ذاكرة أخرى...

ذاكرة لا ترحم ولا تنسى

أمي...

اللّعنة على ذلك الشعور الذي زرعتِه داخلي

ذلك الخوف وتلك الوحدة وذلك السؤال الذي لا إجابة له:

"لماذا جئتُ إلى هذا العالم؟"

أبي...

أكرهك

أكره غيابك

أكره حضورك في دمي

أكرهك لأنك كنت البذرة الأولى في قدري اللعين.

هل يمكنني تغييره؟

أم أن كل ما أفعله ليس سوى محاولة يائسة لتغطية الشقوق بطلاء رخيص؟

هل محاولاتي لجعل أطياف ماضٍ سلاحًا وقوة...

مجرد وهم؟

هل أنا أكذب على نفسي؟

هل سأظل إلى الأبد أسيرة؟

أنا تلك الجنين...

"بسمة"

بسمة التي يزعج صوتها الجميع

بسمة التي لم تُردها الحياة لكنها وُجدت...

وصارت عبئًا حتى على نفسها

لكن مهلاً...

ربما في أعماقي

في ذلك الركن الذي لم يطأه الانهيار بعد

لا تزال هناك شعلة صغيرة

نار لا تحترق بل تشتعل

ربما البارت القادم...

سيكون صراعي الحقيقي

ربما سيكون ميلادي من جديد

꧁روڨين꧂

✦ خِتام الجزء ✦

أعتذرُ على الغياب

لم أكن أبحث عن عذر

فلا حجّة تُبرّر التّأخر عن وجعٍ ينتظر أن يُروى

لكنني عدت

وها أنا أضع بين أيديكم جزءًا من "بسمة" من أنينها من تلك الطفلة التي سُرقت منها الحياة قبل أن تفهم معناها

أتمنّى أن كلماتي ولو للحظة

لامست قلوبكم، وأيقظت شيئًا في صدوركم...

ليس لأنّ الحكاية تحتاج تصفيقًا بل لأنّها وُلدت من جراحٍ حقيقية

لم يتبقَّ سوى جزءين ...

جزآن فقط، وسنُغلق أبواب هذه الرواية إلى الأبد

لكن، وقبل أن نمضي للنهاية...

سأترككم مع سؤال واحد:

هل ألم بسمة سيغيّر نظرتكم لما عشتموه بين السطور؟

أم أنّ المفاجأة الحقيقية تكمن في هوية صاحبة الألم...؟

من يا تُرى؟ من التي نزفت في الظلّ...

وكانت الراوية والجُرح في آنٍ واحد؟

انتظروني.

فالآتي... لن يكون مجرّد ختام.

الآتي... ولادة جديدة أو سقوط لا رجعة فيه.

-- الكاتبة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

​۝ خُيُوطٌ مِنْ سِيفُونِيَّةِ الرَّمَادِ ۝

المؤلف ⋆。°✩ 𝓡𝓸𝓿𝓲𝓷 ✩°。⋆
2026/04/23 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة