على المقعد رقم سبعة

على المقعد رقم سبعة

17 0

نبدأ..


كانت الرياح الباردة تعانق وجه "لين" برقة، بينما ارتفعت خصلات شعرها الكستنائي بلطف مع كل نسمة بحرية تمر، لتختلط برائحة القهوة الداكنة في كوبها الورقي. جلست على المقعد الخشبي رقم سبعة المطل على البحر، كما تفعل كل أحد، تحضن بين يديها كتابًا عتيق الغلاف 

— رواية نادرة من القرن التاسع عشر وجدتها بين أكوام الغبار في متجر كتب مهمل في كوفنت غاردن.


أغمضت عينيها لوهلة، تشرب من سكون اللحظة أكثر مما تشرب من قهوتها. 

كان كل شيء كما تحبه: الهدوء، صوت الأمواج، صوت صفحات كتاب يتقلّب، والعزلة… 

حتى سمعت فجأة خشخشة خطوات غاضبة.


دون أن يلتفت أو يعتذر، جلس رجل بثقله إلى جانبها على المقعد الضيق، حتى كادت تسقط قهوتها من يديها.


"عذرًا؟!" قالت وهي تحدق فيه بدهشة، بينما تراجع جسدها قليلاً من المفاجأة.


لم يجب، فقط زم شفتيه وأدار وجهه نحو البحر بعينين ملبدتين بالغضب، كما لو أن الدنيا بأكملها أغلقت في وجهه هذا الصباح.


راقبته بذهول. لم يكن يبدو مشردًا أو سائحًا ضائعًا. سترته السوداء الرسمية، تلك التي تكاد تخفي آثار سلاح خلفها، لم تناسب المكان ولا الهدوء. ولا حتى لندن.


قالت بهدوء وسخرية خفيفة:

"يبدو أنك معتاد على الاستيلاء على الأماكن دون دعوة."


لم يجب. مرّت لحظات طويلة من الصمت، قبل أن يزفر بعمق، كأنه يدفع غيمة من داخله، ثم قال بصوت منخفض:


"لو علمت أنكِ هنا، لما جلست."


نبرته لم تكن اعتذارًا... بل اعترافًا. صوته بدا كأنّه خرج من بئر قديم. ووجهه

— على الرغم من الغضب — 

كان مشوشًا بتعب خفي، كأن النوم هجره منذ زمن بعيد.


"من أنت؟" سألته، وقد بدأ فضولها يتغلب على تحفظها.


لم ينظر إليها، فقط قال:

"رجل عالق بين البحر والظل."


رفعت حاجبها، ثم ضحكت بخفة:

"جميلة. شاعرية. وغامضة جدًا. هل تعمل في المسرح؟"


أخيرًا، التفت نحوها. عيناه كانتا رماديتين كالسحب الممطرة. قال:

"أنا أعمل في شيء... لا يُعلن عنه في الصحف."


صمت مجددًا. لين فتحت فمها لتسأله شيئًا، لكنها تراجعت. هناك شيء في هذا الرجل... شيء مكسور لكنه لم يسقط بعد.


"وهل البحر يهدئك حين تغضب؟" سألته.


"لا." أجاب. "لكنه المكان الوحيد الذي لا يسألني أحد فيه من أكون."


1

أغمضت كتابها بهدوء، ووضعت كوب قهوتها جانبًا.


"إذن، لن أسألك. لكن... المقعد رقم سبعة عادة ما يكون لي، فقط للأحد."


ابتسم لأول مرة، وكانت ابتسامته صغيرة، بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتذيب بعض الجليد.


"إذن، هل تسمحين لي بأن أشاركك به... كل أحد؟ فقط الأحد؟"


نظرت إليه، ثم إلى البحر، ثم عادت بعينيها إليه:

"طالما لا تأخذ نصفي من القهوة، فربما."


ضحك بخفوت هذه المرة، وهو يمد يده دون أن ينظر إليها:


"آدم."


ترددت للحظة، ثم مدت يدها تصافحه:


"لين."


ومن ذلك الأحد، بدأ كل شيء يتغير...


يتبع..



الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على المقعد رقم سبعة

المؤلف victoria_19_61
2026/04/17 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة