فخ الصمت

فخ الصمت

95 0

الهدوء الذي تركه "سامر" خلفه لم يكن سكينة، بل كان "فخاً".

في اليوم الثامن، لم تدخل الممرضة إلا لتبديل المحاليل. وفي المساء، لم يطرق أحد الباب.

شعرتُ بجدران الغرفة البيضاء تضيق عليّ، وكأنها تضغط على صدري.

أمسكتُ بهاتفي بيد مرتعشة. كتبتُ رسالة لمجموعة الأصدقاء (ياسين، سارة، خالد): "هل سيأتي أحدكم اليوم؟ أشعر بضيق شديد".

مرت ساعة.. ساعتان.. "تمت القراءة" من الجميع، لكن لا رد.

في تمام العاشرة ليلاً، وصلتني رسالة من ياسين: "آدم، اعذرنا، أنا وخالد لدينا عمل متراكم بسبب الأيام الماضية، وسارة مريضة قليلاً. غداً سنحاول المرور بك".

كلمة "سنحاول" كانت كافية لهدم كل ما بنيته من أمل. "سامر" لم يكن بحاجة لاستخدام القوة هذه المرة، بل ترك الواقع يقوم بالمهمة القذرة بدلاً عنه.

نظرتُ إلى انعكاسي في زجاج النافذة المظلمة. لم أكن أرى وحشاً، بل كنت أرى إنساناً "منتهياً".

بدأتُ أتساءل: هل أنا فعلاً شخص يستحق البقاء؟ لماذا يهرب الجميع مني دائماً؟ هل الخلل في عقلي أم في روحهم؟

وفجأة، شعرتُ بحرارة مألوفة في مؤخرة رأسي.

لم يكن صداعاً، بل كان "حضناً" دافئاً ومخيفاً.

"ألم أخبرك يا آدم؟" جاء الصوت ناعماً كالحرير، مليئاً بالشفقة المصطنعة.

"أنا الوحيد الذي لا يملك خيار الرحيل.

أنا الوحيد الذي يراك وأنت حزين، وأنت قبيح، وأنت منكسر.. ومع ذلك، أبقى."

"لقد وعدتَ بالرحيل يا سامر،" همستُ بمرارة.

"وعدتُ بالصمت لأريك الحقيقة، وقد رأيتها.

هم يملكون (حياة)، وأنت بالنسبة لهم (واجب ثقيل).

بمجرد أن تنطفئ نار الحريق، يبرد اهتمامهم. هل تريد أن تعيش بقية عمرك تتسول اهتمامهم؟"

"ماذا تريد مني؟" صرختُ في الغرفة الفارغة.

"أريد أن نغادر هذا المكان. المصحة النفسية هي قبر للأحياء. الطبيب يريد (قتلي) بالأدوية، وهذا يعني قتل (قوتك). أنت بدوني مجرد جثة تتنفس، تنتظر رسالة من ياسين أو نظرة عطف من سارة."

نهضتُ من السرير، وشعرتُ بقوة غريبة تسري في قدمي. لم تعد يداي ترتجفان.

"وكيف سنخرج؟" سألتُ، وكنت أعرف أنني في هذه اللحظة، وقعتُ عقداً جديداً مع الشيطان.

"اترك لي القيادة لعشر دقائق فقط.

سأقنع الممرضة أنك بحاجة لدخول الحمام، وعندما تغفل.. سنخرج من باب الطوارئ.

لديّ خطة، ولدينا (حساب) قديم لنصفيه مع خالد.. هو الوحيد الذي يعرف سر (سامر) الحقيقي، أليس كذلك؟"

تجمدتُ مكاني.

"ماذا تقصد؟ خالد يعرفك؟"

"خالد لم يكن صديقك يوماً يا آدم.. خالد هو من دفعنا من فوق سطح المدرسة حين كنا في الحادية عشرة، هو من تسبب في الصدمة التي جعلتني أخرج للوجود لأول مرة لأحميك من السقوط.

هل نسيت؟"

ومضت في عقلي صورة قديمة، باهتة، دماء على قميص مدرسي، ووجه خالد وهو ينظر للأسفل بذعر.

لقد مسحت ذاكرتي ذلك الحادث، لكن "سامر" احتفظ به كخنجر مسموم.

"خالد.. دفعني؟"

"نعم.. والآن هو يدعي الصداقة ليداري ذنبه. افتح لي الباب يا آدم.. ودعنا نذهب لنذكره بما نسيه."

في تلك اللحظة، انطفأ وعي "آدم" تماماً. لم يغِب بسبب الصدمة، بل غاب لأنه أراد "الانتقام".

تحرك الجسد من فوق السرير، ملامح الوجه تبدلت، والابتسامة الساخرة عادت لتستقر على الشفاه.

خرج "سامر" من الغرفة بخطوات هادئة وواثقة، متجنباً كاميرات المراقبة بحس غريزي، متوجهاً نحو مخرج الطوارئ.. ونحو منزل "خالد".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بداخلي يعيش وحش

المؤلف Maro lol
2026/04/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة