وينغِن حيثُ بدأَ كُل شيء.

وينغِن حيثُ بدأَ كُل شيء.

10 0

لَِا المَكَانُ يَحْتَوِينِي، وَلَا الدِّيَارُ تَئْوِينِي، فَمَا أنَا بِفَاعِلٍ؟...

----•••----

_______________________________

بين أروقةِ القصرِ الهادئةِ، وتحديداً داخلَ حجرةٍ شاسعةِ المساحةِ فارهةِ الأثاثِ، تردَّد صريرُ القلمِ في أركانِ الحجرةِ الساكنةِ. أناملُهُ تنتقلُ من ورقةٍ لأخرى بانسيابيةٍ؛ اعتادَها ذلك الذي يقفُ أمامَهُ بخمولٍ، فقد نخرَ الخدرُ ساقَهُ كلدغِ العقاربِ لفريستِها.

​اعتدلَ في وقوفِهِ حينَ لمحَهُ يضعُ قلمَهُ مِعلناً تفرُّغَهُ للحديثِ، رفعَ رأسَهُ، جاذباً الأنظارَ إلى ملامحِهِ البهيّةِ؛ خُصلاتُ شعرِهِ البلاتينيِّ مصففةٌ للخلفِ بدقةٍ، تشي بكونِهِ رجلاً يهوى الانضباطَ والتأنُّقَ. عيناهُ بدتا كمستنقعٍ مخضرٍّ، تخلو من أيِّ شوائبَ.

​لم يكن يبدو كرجلٍ فقدَ زوجتَهُ منذُ أسبوعٍ، بل كان مُحيَّاهُ مشرقاً كشابٍّ في أوجِ زواجِهِ؛ ارتفعَ ثغرُهُ في اشمئزازٍ من سرعةِ التخطِّي التي لدى والدِهِ، أينسى رفيقُ العمرِ كعابرِ سبيلٍ ماضٍ؟ سؤالٌ لطالما تقاطعَ مع دربِهِ في كلِّ مفترقٍ.

​" ألم أبلغكَ مسبقاً أن تُخفيَ تعابيرَ وجهِكَ؟ إنها كالصفحةِ البيضاءِ، تفضحُ كلَّ ما فيكَ."

انتشلَهُ صوتُ والدِهِ الساخرُ قبل أن يغوصَ مجدداً في هواجيسِ الحياةِ، زمَّ شفتيهِ ببطءٍ، غيرَ متقبّلٍ لتنمُّرِ والدِهِ الدائمِ على كلِّ شيءٍ يخصُّهُ، تنحنحَ مسترسلاً بنبرةٍ فاترةٍ:

" لا أعلمُ... لا أتذكرُ... ربما لأنَّ ذاكرتي لا تحتفظُ بالهراءِ لأكثرَ من ثوانٍ؟"

​رأى ابتسامةَ أبيهِ تتسعُ شيئاً فشيئاً، حتى تحولت إلى قهقهاتٍ عمَّت أركانَ المكتبِ. هزَّ رأسَهُ بقلةِ حيلةٍ، لقد سلَّمَ واستسلمَ؛ فوالدُهُ لن يرى في أقوالِهِ سوى تهريجٍ مُضحكٍ.

" أتريدُ أن ترثَني مبكراً؟ إذاً، فِلمَ تُحاولُ قتلي ضحكاً؟ إنَّ التواجدَ حولَكَ لَممتعٌ حدَّ الموتِ... هذا يجعلُ الأمورَ أصعبَ عليَّ؛ لا أريدُ أن أدعَكَ ترحلَ بعيداً عن عينيَّ، سيل."

​أدارَ حدقتيهِ يتفحَّصُ الأرجاءَ بمللٍ، كم مرَّ هذا النوعُ من الأحاديثِ على مسمعِهِ، ألفٌ؟ أم ألفانِ؟ لا علمَ له، فلقد توقفَ عن العدِّ منذ أمدٍ بعيدٍ، إلا أنَّ كلماتِ والدِهِ الأخيرةَ اجتذبت انتباهَهُ، مَن سيرحلُ هو أم هذا 'العجوز'؟

" أراحلٌ قبلي! ماذا عني أنا، يا لمحالةِ مبتغايَ البعيد."

​تلاشتِ البسمةُ من مُحيَّا والدِهِ، وحلَّ تقاسيمَهُ جمودٌ مرعبٌ تقشعرُّ له الأبدانُ، باستثناءِ بدنِهِ، فهو معتادٌ على ردّةِ فعلِهِ الباردةِ هذه، لاسيما أنَّهُ أوحى بكسرِ قانونِ المحظوراتِ الثلاثِ. في أسوأِ الأحوالِ قد يتلقى لكمةً ساحقةً، لكن... لا بأسَ، سيزولُ الألمُ وكأنْ لم يشعرْ به قطُّ.

​قطَّبَ حاجبيهِ في حيرةٍ من مخيبِ توقعاتِهِ، لِمَ لم يُحرِّك والدُهُ ساكناً؟ أم أنَّ أحداً اختطفَ والدَهُ، وهذا بديلٌ مستنسخُ الشكلِ؟ كلا، ما من مجنونٍ سيتجرأُ على الاقترابِ من مختلٍّ، والمقصودُ بالمختلِّ هنا هو هذا 'العجوز' الخرِف.

​أحسَّ بضيقٍ مفاجئٍ يتصاعدُ إلى صدرِهِ، حينما أبصرَهُ يُخرجُ سيجارةً من جيبِهِ، مشعلاً فتيلَها بهدوءٍ تامٍّ، أدركَ في تلك اللحظةِ أنَّ القادمَ لا يصبُّ في مصلحتِهِ مطلقاً، فسكينةُ والدِهِ تُدفعُ من حسابِ راحتِهِ النفسيةِ.

" كلا. لم أعنِ بكلماتي الرحيلَ الأخيرَ، إنما كان مقصدي هو الإرسالَ. سيل، احزم أمتعتَكَ، فإني مُرسلُكَ إلى عائلةِ والدتِكَ في ويغن."

​إرسال؟ مَن؟ هو؟ لِمَ؟ كان عقلُهُ يحاولُ معالجةَ كلماتِ والدِهِ العجيبةِ. مهلاً... أكان لوالدتِهِ الراحلةِ عائلةٌ؟ لِمَ لم تُخبرهم بأمرٍ بالغِ الأهميةِ كهذا؟ لا، بل لِمَ يحاولُ والدُهُ إرسالَهُ إلى أُناسٍ يجهلُهم؟ عَقَصَ أنفَهُ بعدمِ رضا:

" أظنُّ أنَّكَ تهذي من آثارِ الشيخوخةِ؟ فلِمَ قد أتخلى عن نعيمِ زيورخ الرغيد، وأختارُ العيشَ في قرى قحطٍ كويغن؟"

​ثبتَ بصرَهُ عليهِ يحثُّهُ على الإجابةِ، حقيقةً هو لا يهتمُّ بنعيمِ الحضارةِ المزعوم، أو بقحطِ القرى البدائيةِ الكئيبِ، إنما يمقتُ أن يُساقَ إلى أمرٍ دونَ تراضٍ أو مقابلٍ، وهذا "العجوز" يحفظُ معتقداتِهِ العتيقةَ أكثرَ من أحدٍ آخرَ:

" لستَ بِمُسيَّرٍ إنما أنتَ بِمُخَيَّرٍ، والقرارُ بينَ يديكَ، إن وافقتَ لَكَ عهدٌ مقطوعٌ منِّي -أنا سيدريك فون بيرغ- بتحقيقِ ثلاثِ أمنياتٍ لكَ مهما كانَ تحقيقُها مستحيلاً."

​شدَّ على قبضتيهِ بانتصارٍ، وكأنما كان ينتظرُ جواباً مرضياً كهذا، رفعَ حاجبَهُ مستفسراً:

" حتى وإن تمنيتُ نحركَ؟"

​ارتفعت زوايا فمِ سيدريك، مُجبراً ثغرَهُ على الابتسامِ، واقتربت حدقتاهُ من الانحناءِ:

" كلا، بموتِ المانحِ تبطلُ الأمنياتُ."

همهمَ بتفهُّمٍ، فلم يكُ هذا مبتغاهُ، لِمَ يرغبُ بحياةِ "عجوزٍ" قد توافيهِ المنيةُ في أيِّ لحظةٍ؟

​رفعَ سبابتَهُ مفصحاً عن أمنيتِهِ الأولى:

" كراساتُ رسمٍ بأحجامٍ مختلفةٍ، وعددٌ كبيرٌ من الألوانِ الزيتيةِ والمائيةِ، ولا تنسَ الفُرَشَ بجميعِ أشكالِها."

كانت أمنيةً متوقعةً لشخصٍ يهوى الرسمَ على اللوحاتِ، أومأ سيدريك يُدوِّنُ أمنيتَهُ على ورقٍ كي لا ينساها:

" حينما أصلُ إلى ويغن، ينقطعُ حبلُ الوصلِ بيننا، لا أعرفُكَ ولا تعرفُني، هل فهمت؟"

استرسلَ مُصرِّحاً بكلِّ شفافيةٍ، قاطعاً آخرَ خيطٍ قد يربطُهما.

​مهما فكَّر بالأمرِ مراراً وتكراراً، يجدُ ذاتَهُ في نعمةٍ عظيمةٍ، سيدريك ذاك الجاهلُ ألا يعلمُ أنَّهُ يعتقُهُ من عذابِ التواجدِ حولَهُ؟ المعيشةُ في ويغن لن تكونَ بذلكَ السوءِ، الطبيعةُ الخلابةُ ستكونُ على مرأى من ناظرِهِ طوالَ الوقتِ، والبشرُ هناكَ مسالمونَ؛ كلٌّ في حالِ سبيلِهِ.

​" أمّا الثانية... دَعْهُ يزورُني كلَّ شهرٍ... فإني لا أطيقُ عالماً لا يتواجدُ فيهِ..."

إن كانَ هنالك عيبٌ واحدٌ في معيشةِ القرى، فسيكونُ لعدمِ لُقياهُ فيها، لكن... لا بأسَ، بهذِهِ الأمنيةِ سيستطيعُ ضمانَ تواجدِهِ الدائمِ حولَهُ.

لمحَ ذاك التعبيرَ المبهمَ يعتلي مُحيَّا سيدريك لِبَهْرَةٍ، قبل أن يُغمغمَ موافقاً على تحقيقِها.

ابتسامةٌ مريبةٌ شقَّت طريقَها إلى وجنتِهِ، قبل أن يبوحَ بأمنيتِهِ الثالثةِ؛ أمنيةٌ كانت سبباً في وجودِ مغزىً في حياتِهِ الخاليةِ من المعاني، ما كان سببُ استحالتِها سوى أنها كانت ضمنَ قائمةِ المحظوراتِ الثلاثةِ:

" البندُ الثالثُ من المحظوراتِ الممنوعةِ؛ اجعلْهُ يوافقُ على مَنْحِهِ إليَّ."

​لمحَ جفونَهُ اللينةَ تحتَدُّ إثرَ ما بلغَ مسمعَهُ. بالطبعِ سيشعرُ بالغدرِ، فهو الآن يستغلُّ عهودَ لطفِهِ في أمرٍ يعارضُهُ حدَّ الموتِ. رفعَ حاجبيهِ في فضولٍ مترقباً جوابَهُ:

" سأودُّ تحقيقَ الأمرِ إن كان لي عليه سلطانٌ. ألم تعلمْ؟ المانحُ يمنحُ ما بين يديهِ، لا أن ينتزعَ ما تقبضُ عليه الأكفُّ الأخرى."

هزَّ كتفيهِ متظاهراً بقلةِ الحيلةِ؛ هاه! أيحاولُ التراجعَ عن كلمتِهِ بهذا المسلكِ الوضيعِ؟

​كلا، ليس بعد أن وجدَ السبيلَ إلى حلمِهِ المنشودِ يتراجعُ. تقدَّم إليهِ بوأدٍ صامتٍ:

" لا أهتمُّ... دبِّر الأمرَ بطريقتِكَ."

انعقدت ملامحُهُ في تجهُّمٍ ثقيلٍ حالما أبصرَهُ يستندُ إلى مكتبِهِ بهدوءٍ مريبٍ، وقد غزا الغموضُ ملامحَ وجهِهِ:

" حتى وإنِ اضطررتَ إلى اللجوءِ إلى حيلِكَ الخسيسةِ... وإلا فلن تطأَ أقدامي تلك الأرضَ الخاويةَ... كفاكَ تظاهراً بانعدامِ الحيلةِ."

​خيَّم صمتٌ ثقيلٌ حولهما، هرشَ طرفَ شفتِهِ مرتبكاً؛ هل بالغَ في حدةِ كلماتِهِ؟ صحيحٌ أنَّ علاقتَهما ليست بوطيدةٍ كي يتحدثَ معهُ بتكلفٍ واحترامٍ، إلا أنَّهُ يبقى في مقامِ الوالدِ.

" أنتَ... حقاً... "

نطقَ سيدريك جُملَهُ بنبرةٍ تنذرُ بانفجارٍ وشيكٍ... انفجارٍ من الاستلطافِ! استقامَ من مقعدِهِ، ناثراً خصلاتِ أصغرِهِ بلطفٍ عنيفٍ:

" تُشبهني... يا إلهي! هل عليَّ أن أصبغَ شعرَكَ أيضاً كي يكتملَ التشابهُ؟ كلا، لا زالت ملامحُكَ بارزةً أيضاً... هل أُخضعُكَ إلى

عمليةِ-"

بُترت أحرفُهُ من قِبلِ ابنِهِ الذي أبعدَ يدَهُ بجفاءٍ، قائلاً بنبرةٍ قارسةِ البرودةِ كالجليدِ:

" سيدريك... اختصرْ."

زالَ الدفءُ وحلَّ الجمودُ على تعابيرِهِ، وكأنْ لم تزرْها حِنيةٌ قطُّ.

​ارتسمت ابتسامةٌ جافةٌ على وجهِهِ، مردفاً بصوتٍ يقطرُ خبثاً:

" حسناً، إن كان ابني مستميتاً لخرقِ أمرٍ محظورٍ، ألا يجبُ على هذا الوالدِ أن يعملَ على تحقيقِهِ؟ لا بل أن يحققَهُ جبراً أو قسراً."

هذَّب خصلاتِ شعرِهِ المتمردةِ، ارتفعَ إبهامُهُ ببطءٍ بإشارةٍ راضيةٍ عما سمِعَ، ثم استدارَ هاماً بالمغادرةِ.

​إلا أن استوقفَهُ صوتٌ ماكرٌ من خلفِهِ:

" ألن تسألَ عن سببِ إرسالي لكَ إلى ويغن؟ ألا تظنُّ أني نفيتُكَ إلى تلك الأرضِ البعيدةِ؟"

استدارَ بكليتِهِ نحوُهُ محملقاً فيهِ، باعدَ شفتيهِ متلفظاً بلهجةٍ خاليةٍ من الاكتراثِ:

"أسبابُكَ السخيفةُ ليست من شؤوني، وإن شئتَ النفيَ فافعلْ، سأعتبرُها نعمةً لا نقمةً."

بمجردِ أن أتمَّ حديثَهُ، أغمضَ عينيهِ بتركيزٍ حادٍّ، قبل أن يُطلقَ بصرَهُ على ذلك المنظرِ البديعِ أمامَهُ.

جِبالٌ شاهِقَةُ الطولِ مُزَيَّنَةٌ بالخُضرةِ من كلِّ جانبٍ. تلك الشلّالاتُ التي تهوي من أعالي لوتربرونين، تسقي الزرعَ والمراعي بدموعها، استقرّت أكواخٌ عشوائيّةٌ في كل زاويةٍ من الأراضي المزدهرة، بدا كمشهدٍ خياليٍّ في إحدى الأفلام التاريخيّة.

إلّا أن صليلَ القطارِ على السكة، كان يُفسدُ انغماسه في المشهد باستمرارٍ، حسنًا، لا عتب، في النهاية هو يركب قطار لوتربرونين المؤدي إلى محطته الأخيرة ويغن.

كانت رحلةً قاسيةً بحقٍّ، فمن محطة زيورخ الفارهة بصخبها وترفها، كان عليه النزول في محطة إنترلاكن؛ بوابة الجبال، كي يصل إلى لوتربرونين، قاع الوادي السحيق. ومن هناك استقلّ متن قطارٍ صغيرٍ، تموّجت صفرته وخضرته كأنه جزءٌ من المروج التي يتسلّقها.

هذا يفوق احتماله، فبالنسبة لشخصٍ لم تطأ قدماه عتبات السفر قطّ، كانت أقصى حدود عالمه لا تتجاوز متجر الحيّ؛ لذا بدت له المحطات كدوّاماتٍ من البشر والحديد، حتى إنه كاد يضلّ طريقه ويفوّت القطار مرارًا.

انعكس طيفُ وجهه على زجاج النافذة الواسعة، حتى تراءى له شكلُه المثير للريبة؛

استقرّت قبعةٌ رماديّةٌ دائريّة الشكل فوق رأسه، كما احتضنت كمّامةٌ بيضاء تقاسيم وجهه السفليّة، تبوّأت نظّارةٌ سوداء مقعدها على جسر أنفه.

لم يكن مرتاحًا مع كل هذه التغطية الكاتمة للنفس، إنما لم يكن لديه خيارٌ آخر، فهذه ضريبة أن تولد بمظهرٍ غريبٍ ملفتٍ للأنظار،

جالت حدقتاه في أرجاء القطار ملاحظًا ازدحامه الخانق، ألم يكن من المفترض أن يكون خاوياً من البشر؟

فعلى حد علمه ليس من الطبيعي وجود الكثير من الزائرين إلى هذه القرية المنعزلة على الجبال، حتى أن السيارات تخلو منها، ثم ما خطب تلك الأزياء الرسمية القاتمة! أقرّر الجميع صدفةً أن يرتدوا السواد في هذا اليوم؟ كلا، لا بد من وجود سببٍ أعمق... كجنازةٍ مثلًا!...

انعقد جبينه تلقائيًا ما إن راودته تلك الفكرة، والآن أصبح يمتلك مهمتين في يومه؛ أولًا الالتقاء بعائلة والدته.. المتوفاة.. ثانيًا زيارة المتوفّى الحديث في ويغن، وإن كانت عائلة والدته متهاونةً بما يكفي، سيبيت في المرسم خارج المنزل.

ما إن أحسّ بسكون القطار معلنًا وصوله إلى ويغن... بسلامٍ، حتى اجتثّ حقيبته البنيّة من الأرض معلّقًا إياها على كتفه، انتصب من مكانه مغادرًا بسرعة، قبل أن يتدارك خطأه الجسيم، ويجثو على أرضية القطار محاولًا تهدئة نبضات قلبه المضطربة.

إلّا أن البشر لم يكن لديهم مراعاة لوضعه الطارئ، إذ كان كلّ همّهم في المغادرة، وكأن الوقت سيطير من بين أيديهم إن تأخروا، تأوّه بألمٍ حين لامس ظهره زاوية المقعد الحادّة، أولئك الأوغاد الجامحون دفعوه من طريقهم بقسوة، وكأنه مجرد عقبة في الطريق.

دلك ظهره برفقٍ، وقد طغى العبوس على ملامح وجهه، متأكدٌ بأنها ستترك أثرًا لا يُمحى، لكن هذا ليس ما يهم هنا، منذ متى وهو يرى بهذا الوضوح! سحقًا لقد أضاع نظارته، التفت يمينًا وشمالًا باحثًا عن فقيدته.

لولا أن يدًا حنطية البشرة كفّت أنامله عن تلمّسه المرتبك، لم يلبث ثوانٍ حتى أدرك أن النظارة التي بين يدي الغريب تعود إليه، فاختطفها بسرعة، وارتداها في لمح البصر،

صعّد نظراته بفضولٍ نحو صاحب تلك اليد.

ليلتقي بزيٍّ أزرق داكنٍ محكم التفصيل على جسد الغريب، وعلى كتفه الأيمن تربّعت شارةٌ سوداء وُسمت بحروفٍ ألمانيّةٍ صارمة.. آه، ليس سوى شرطيٍّ! تجابهت عدساتهما المختلفة لوهلة، استشفّ فيها ذلك الخواء الجامد الذي يلفّ ملامح الرجل.

انتفض واقفًا ينفض ما علق بثيابه النقيّة من غبارٍ، وقبل أن يدير له ظهره، التفت قائلًا بجرأةٍ لم يحسب لها حسابًا:

" عند انقضاء ساعات العمل، لا داعي لتقمّص دور الحامي، فهذا الزي يخنق أنفاسي."

ولّى أدباره دون أن يلقي نظرةً للخلف حتى، لا شأن له بالتعبير الذي قد يحمله، المهم هنا أنه باح بما يعتقده عن أولئك "المزيّفين".

فورَ انعتاقه من جوف القطار، لفحت وجهه المتعب نسماتٌ واهنة، وتسللت رائحة التربة المضمخة بالمطر إلى مشامه برفق؛ قطَّب جبينه حين أبصر تلك السحبَ الثقيلة وهي تُطبق على صدر السماء بتملكٍ عنيف.

​ستُمطر... كم سيكون منظرها بديعاً في وسط هذه السهول الخلابة! جال بصره في الأرجاء، ينبش في زواياها عما يلفتُ انتباهه؛ كانت القرية مملوءةً بالمنازل الخشبية كالمعتاد، لا شيء يميزها بعضها عن بعض سوى اختلاف الألوان والزينة، إذ تتدلى من بعضها أزهارُ النرجس البرية.

​الأمر الوحيد الذي يستدعي الإعجاب في هذه القرية المنعزلة هو أنها تقع عند أقدام ثلاثةٍ من أشهر جبال العالم: إيغر، مونك، ويونغفراو. تُحيط هذه الجبالُ بويغن كحراسٍ عملاقين، مما يضفي عليها مشهداً يسحر الأعين.

​دلك ما بين أصابعه بلطف، فالعملُ الشاق يبدأ من هذه اللحظة. ما حدث قبلاً كان مجرد تحميةٍ خفيفة. عليه أن يجد المنزلَ المنشود من بين مئات المنازل، باستثناء المنتجعات بالطبع.

​أولاً، سيبدأ بالطرق على الأبواب المجهولة: ذكرُ اسم العائلة، ثم السؤال عن الموقع. هذا أمرٌ سهل كشرب ماء... شرب ماء؟، يجب أن يقتلع عقله الذي تجرأ على الاستهانة بأمرٍ بالغ الصعوبة كهذا.

​الشمسُ على وشك الغروب، وهو يتنقل من منزل إلى آخر منذ ساعةٍ ونصف. كلما قرع باباً، استقبلته ابتساماتٌ بشوشة من كل فج، إلا أنَّ تعابير وجوههم تنقلب إلى أخرى مسودّة عند ذكر اسم العائلة المنشودة. رمق البابَ بحنق؛ سيعيد الكرَّة للمرة الأخيرة.

​وقبيل أن يطرق، انفتح الباب من تلقاء نفسه. أعاد كفَّه إلى الخلف، مدركاً أنه كاد يطرق أنفَ الرجل المغادر. كان رجلاً نحيل البنية، أصلع الرأس، يرتدي بذلةً بيضاء بلا أكمام. انقبض أنفه نفوراً حين غزت رائحةُ الخمر جيوبه الأنفية.

​" عذراً! ألك علمٌ بعائلة فالدن؟"

سحقاً! لقد هذّب نبرته قدر المستطاع، إلا أنَّ لسانه خانه في صياغة السؤال؛ عليه أن يسأل عن موقعهم لا عن سمعتهم.

اتسعت عيناه متفاجئاً من انفجار النحيل في وجهه؛ برز عِرقه واحمرَّ جلده، متمتماً بجملٍ عشوائية أثر الثمالة:

" فالدن... مختلون عقلياً... لمَ... تعكر... صفو مزاجي... بذكرهم...؟"

​جفل حين أُغلق البابُ في وجهه بقوة. تنهد بعمق؛ فما بال هؤلاء السكان المنغلقين؟ ولمَ ينعت هذا النحيل عائلة فالدن بالمختلين، بينما هو فاقدُ العقل على مدار الأربع والعشرين ساعة؟ مضى في طريقه، ريثما يتأمل المنازل؛ بيوتٌ ذات أشكال لطيفة، على نقيض الشناعة القابعة خلفها.

​لفتت انتباهه كرةٌ حمراء مستقرة عند قدمه، فانحنى ملتقطاً إياها عن الطريق، متسائلاً عن هوية مالكها. أحسَّ بإصبع صغير ينقر كتفه بخجل طفيف، فالتف قليلاً مقابلاً تلك الهيئة الصغيرة؛ فتاةٌ في الثامنة من العمر، شعرها الكستنائي ملتصقٌ بوجهها، بينما فستانها الأبيض ملطخٌ بالأتربة.

​" تفضلي."

نبس بصوت هادئ، مسلماً إليها كرتها الحمراء. أخذتها في حضنها، ثم زمَّت شفتيها، مظهرةً انتفاخ وجنتيها. أشارت له بالاقتراب، فلبى طلبها باستغراب. لامست أنفاسُها الساخنة شحمة أذنه، حاملةً رائحة رقائق البطاطس المقلية:

" لأنك عمٌ لطيف، سأخبرك بسر... عليك العودة إلى المنزل قبل المغيب، وإلا فستُؤكل على يد قاتلٍ متسلسل طليق في الأرجاء."

​هاه! لهذا هو يعارض قراءة الروايات للأطفال دون العاشرة؛ فإنَّ خيالهم الجامح يغريهم بتطبيق ما يقرؤونه. أمال رأسه، وتقلصت عيناه بخبثٍ من خلف النظارة:

" ولمَ تخبرينني؟ ألا تخشين أن أكون القاتلَ المتسلسل المقصود؟!"

راقب شفتيها ترتجفان شيئاً فشيئاً، قبل أن تنفجر بكاءً مناديةً أمها. شاهد ظهرها الصغير يتلاشى بعيداً... بتمتعٍ بارد.

​" يا لها من فعلةٍ بشعة لشاب يافع مثلك."

رنَّ صوتٌ متحسر في أذنه اليمنى، فكاد يقفز من هول الصدمة. فما الذي يفعله هذا الغريب بقربه المريب هذا؟ لا، بل منذ متى وهو هنا دون أن يشعر بوجوده؟ رمقه من الأعلى إلى الأسفل بتقييمٍ حذر.

​كان شاباً في مثل سنّه أو أصغر، إذ كان يميل إلى ارتداء الثياب الفضفاضة التي تقلل من حجمه. شعره البني المجعد يعانق جبينه بعشوائية، أما عيناه فكانتا كفيروزٍ مستخرج من أعماق المحيط.

" أعاني من متلازمةٍ تُسمى حبَّ رؤية دموع الأطفال... وللأسف، لا دواء لها حتى الآن."

​عمَّ صدى ضحكات الشاب الصاخبة الأرجاء، تحت نظراته الفارغة. لم يلبث أن تخلص من سيدريك، حتى قابل نسخةً أخرى منه هنا. كيف يطفئه الآن؟ أيوجد زرٌ لإيقاف التشغيل في جسده؟.

​" وافدٌ أنت أم مواطن؟ لم أبصر ملمحك في الجوار مسبقاً."

آه الحمد لله، أطفأ نفسه بنفسه، فغَر فاه ناوياً الإجابة، لولا أنَّ هذا الأحمق قاطع نفسه مجدداً. ما خطبه يقفز من موضوع إلى آخر كالضفدع؟.

​" آه، نسيتُ أن أعرف عن نفسي، أنا ليوناردو، يمكنك مناداتي بليون إن أردت ذلك. أبلغني إن كنت في حاجةٍ للمساعدة."

كتف ذراعيه حين عرض عليه الآخر المساعدة، كان عليه أن يقولها مبكراً بدلاً من أن يتفوه بالترهات قبل قليل:

" لا، لا أريد... سأكتفي بليوناردو. ونعم، إني بحاجة إلى مساعدة. أيمكنك إخباري عن موقع عائلة فالدن؟ لديَّ رسالةٌ أريد إيصالها إليهم."

​لمح تعابيره الليّنة تتصلب لثوانٍ، قبل أن يستعيد السيطرة عليها، شاهده يخرج شريطاً من جيب سترته، ثم التف يميناً وشمالاً كأنما يتأكد من عدم وجود أعينٍ دخيلة، ماذا؟ أينوي اغتياله بهذا الشريط، ويموت شنقاً، هذه ميتةٌ مؤلمة لا تستهويه.

​" لا تقلق لست بغدارٍ لأقتلك بغتة، إنما أحتاج عينيك لأحجب عنهما الرؤية بهذا الشريط."

راقبه بحذر وهو يشرح إليه بتأنٍّ، تنهيدةٌ يائسة غادرت ثغره عندما قوبل اقتراحه بالرفض القاطع من الأخير، قبل أن يهمَّ مجدداً في التفسير إليه، لكن بشكلٍ أوضح من ذي قبل.

​" هناك قاعدةٌ في عائلة فالدن، تنصُّ على عدم إطلاع ساعي البريد أو الغرباء عن القرية على الموقع المحدد بالدقة، حفاظاً على خصوصية وأمان العائلة."

ساعي بريد؟ فليظنَّ ما يشاء، فلا نية له بالشرح لأحد، خصوصاً هذا الكائن، نزع نظارته، ووضعها في حقيبة كتفه، ريثما كان يوازن الشريط، تصادفت عيناهما، فجعل ذلك ليوناردو يشهق متمتماً بدهشة.

​" أنت تمتلكُ أعيناً جميلة."

زجره بنظرةٍ حادة من خلف الشريط، ما كان للآخر أن يشعر بها، إذ أحاط كتفه بيده بينما يوجهه إلى الموقع المنشود، ساد الصمتُ بينهما لدقائق، قبل يكسره ليوناردو بأسئلته التي لا تنتهي:

" لكن، ما خطبُ هذا الزي، أأنت مشهورٌ سابق أو ما شابه ذالك! سمعتُ أنهم يتوارون عن الأنظار بهذه الطريقة."

​أكلُّ من لا يحبون لفت الأنظار مشاهير، ماهذا المعيارُ السخيف، كان يتمنى لو يلتزم الصمت، لكن ما أدراه بطباع هذا الشاب، قد يتركه خلفه إن لم يواكب أجواءه التافهة:

" كلا، إنما أرتديه لأنَّ لي مظهراً غريباً، يمكنك القول بأنه يلفت الأنظار قليلاً."

سمعه يهمهم بفضول، وكم أراد خنقه بالشريط كي يخرس، ألا يمكنه أن ينعم بالهدوء للحظة؟.

​" لا أعلمُ إن كان ينبغي لي الإفصاح عن هذا."

" فقط لا تفصح."

أردف بنبرةٍ جاهد في تلطيفها، لكنَّ ليوناردو أبى الإنصات لحديثه، ضارباً كلماته في عرض الحائط:

" اسمي الكامل هو ليوناردو فالدن، وأنا حفيدُ عائلة فالدن الأصغر، قد لا تتاح لي الفرصة مجدداً، فلقاءُ شخص في مثل سني، أمرٌ لا يحدث سوى مرة في السنة."

​هل يعاني من أعراض الوحدة؟ كلا، فهو أيضاً لم يمتلك صديقاً واحداً منذ أن ولد، لكنه لا يزال بخير، ثم لمَ يحدث مرةً في السنة فحسب! ما أكثر الخلائق في الأرض.

" لمَ مرةً واحدة!، أيخلو محيطك ممن هم في مثل عمرك؟ أم أنك منتقٍ في ما يخص الأصدقاء؟"

​حلَّ الصمتُ بينهما، لم يُكن يُسمع في الجوار سوى صدى الأقدام وهي تخطو على البلاط الأملس، ما الخطب مع هذا الليوناردو؟

" آه نسيت... لم أتعرف اسمك بعد؟"

مرةً أخرى يغير الموضوع حسب توافقه الشخصي، بجدية هذا مزعج، الشيء الذي يثير استياءه أكثر من هذا، هو حقيقة أنهم يتشاركون ذات الدماء.

​" لقد وصلنا أتمنى أن توصل رسالتك بأمان، وأيضاً... نصيحةٌ إضافية مني، احرص على تجنب الرُّجّل الجالس بجانب جدي."

رفع يديه محاولاً حل عقدة الشريط، إلا أنَّ يد ليوناردو أوقفته، قائلاً بصوت هادئٍ غيرَ معهود:

" انتظر، ليس قبل أن يأذن جدي."

ماهي إلا ثوانٍ حتى أحسَّ بكف تدفعه، إلى مكان بارد يضاهي مخازن المثلجات، لحظة واحدة! المنازل الخشبية لا تحظى بنظام تهوية متطور كهذا، إلا... إن كان منتجعاً.

​من دون أن ينتظر الإذن من الجد المزعوم، قشع شريط الأعين عن عينيه برفق، لم يصادفه ضوءٌ ساطع كما تصور، بل كان خافتاً، بالكاد يرى يده فيه، كما توقع، لقد كانت حجرةً فاخرة في منتجع، رائع، للتو علم أن عائلة والدته.. المتوفاة.. ثرية.

​" يالك من بجيح... لم تنتظر الإذن حتى لخلع الغطاء... أراهن أنك موظفٌ مبتدئ في شركة الشحن..."

اتبع مصدر الصوت، حتى وقع بصره على رجلين يجلسان في آخر الحجرة الواسعة، كان الأول يمسك حاسوبه بانغماس، موبخاً إياه بين الحين والآخر، لاحظ أنَّ وصف ليوناردو ينطبق على هذا الرجل.

​إذ إنَّ الرجل الآخر يجلس بوقار، بينما يسند ذقنه إلى عكازه، بسكون مريب يسبق العاصفة، رفع إصبعه مطبقاً فاه الآخر، ثم استرسل بنبرةٍ عملية تطابق خاصة سيدريك:

" إن جلبت الرسالة فضعها على المنضدة وعُد أدراجك."

​تجمد في مكانه لوهلة، ليس من نبرة جده المخيفة، إنما لأنه أدرك الحلقة المفقودة بعد فوات الأوان، والده، كلا، بل ذلك العجوز لم يبلغ جده بقدومه، قيل حتى إنه لا علم له بوجوده، كيف غفل عن أمر مهم كهذا! هذه هي مشكلة الذين يعانون من المبالغة الزائدة في الأفكار.

​" ألن تجيب أيها الشاب الوقح؟"

صاح الرجل من خلف حاسوبه بغل غريب، أسدل جفنيه في حيرة من أمره، ما الذي سيفعله والده في هذا الموقف المربك؟ ما التصرف الذي قد يرتكبه كي يخرج من مأزق كهذا؟

​رفع جفنيه كاشفاً عن حدقتيه الثابتتين، اتخذ بضع خطوات متزنة نحو المنضدة المذكورة، وفي حركة مفاجئة تربع فوقها، واضعاً ساقه فوق الأخرى باستعلاء واضح، استقام الرجل من مجلسه كالثور الهائج:

" يا أبتي، لن أصمت على فعلة ازدراء صريحة كهذه، دعني ألقنه درساً بقبضتي الفتاكة."

​إلا أنَّ هدوء والده المعهود كبح جماحه، فرّق الوالد حاجبيه، معيداً حديثه السابق بلهجة أحدَّ من ذي قبل:

" ضع الرسالة على المنضدة، وعُد أدراجك."

هزَّ المعني كتفيه بقلة حيلة، ثم قال بكل صدق:

" أنا أفعل ذلك الآن بالفعل."

​مال برأسه متجنباً منفضة السجائر الطائرة، رمق الرجل الهائج بجفاء، سيضمه إلى قائمة المكروهين عما قريب إن استمر على هذا الحال، انبعث صوته ملتهباً بالغضب:

" كفاك كذباً! أتعلم مع من تعبث أيها الشاب؟ أظنك تتوق للموت المبكر."

​انتزع كمامته ملقياً إياها على الأرض بلا مبالاة:

" لكني لم أكُ كاذباً."

ولأول مرة بان العبوس على ملامح الوالد الساكنة، التزم الابنُ الصمت محاولاً التفطن في ملامح الغريب المألوفة بشكل مريب، لكنَّ الظلمة المخيمة لم تسعفه.

​باعد الشاب ذراعه اليسرى، مبقياً اليمنى على صدره بأناقة مصطنعة، قبل أن يصحح لهم وضعهم الملتبس، ويضع النقاط على الحروف.

"فأنا هو الرسالةُ."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رَأيُكُمْ فِيهَا كِبِدَايَةٍ؟

شَخْصِيَّةُ البَطَلْ؟

الشَّخْصِيَّاتُ الأُخْرَى؟

هَلْ مِنْ تَوَقُّعاتٍ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

The killer's shadow in the victim's body.

المؤلف Risenia_88
2026/04/09 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة