..

..

19 0

{يارب الجبال الرأسية و القلوب القاسية و العباد العاصية أن يسخر جنود في أرض وملائكة في السماء لكن من صوت و علق}

بخطواتٍ بطيئة، عاد إلى المنزل بلا طاقة.

كانت أشعّة الشمس تحرق جلده، وكل خطوة أثقل من التي قبلها.

وحين وصل أخيرًا، لم يشعر بالراحة...

لكن الجدران على الأقل ستحميه من الشمس.

لم يكد يقترب حتى لاقاه ماريان عند الباب.

لم يسمح له بالدخول.

- «نظّف السيارة. هيا.»

قالها بلهجةٍ آمرة، دون أن ينظر إليه.

ابتلع إيرل تعبه، وقال بصوتٍ خافت:

- «حسنًا... لكنني جائع. سأغيّر ملابسي فقط، ثم آكل شيئًا بسرعة وأنظّفها.»

رفع ماريان حاجبه ببرود.

- «لا.»

تجمّد إيرل لثانية، ثم تجرّأ وهمس:

- «أرجوك... على الأقل أغيّر ملابسي فقط.»

اقترب ماريان خطوة، وصوته صار أقسى:

- «ألا تفهم؟ قلت لك لا. نفّذ الأوامر فقط، يا مسخ.»

وقبل أن يستوعب إيرل الكلمة الأخيرة،

سكب ماريان دلو ماءٍ بارد عليه دفعة واحدة.

تجمّد جسده من الصدمة.

الماء انساب على شعره وملابسه، واخترق عظامه كالإبر.

لم يصرخ.

لم يتحرّك.

وقف هناك، مبلّلًا، جائعًا، ومتعبًا...

كأن الاعتراض لم يعد خيارًا،

وكأن

الطاعة أصبحت الشيء الوحيد المسموح له به.

بدأ بتنظيف السيارة.

الماء البارد يلسع جسده المبتلّ، كأنه عقاب إضافي لم يُطلب منه.

كان جائعًا إلى حدٍّ مؤلم.

معدته تنقبض، ورأسه يخفق بثقلٍ حاد تحت أشعّة الشمس الحارقة.

كل حركة تتطلّب جهدًا مضاعفًا،

وكل نفس يخرج بصعوبة.

تعب.

ليس تعب الجسد فقط...

بل تعب من كل شيء.

ومن أعماقه، دون صوت، تساءل:

متى سيتحرّر؟

أخيرًا انتهى.

شعر بسعادةٍ بالغة، سعادة قصيرة ومخجلة،

فقط لأن العمل توقّف.

دخل المنزل.

بدّل ثيابه المبتلّة، واستحمّ بصمت،

كأن الماء وحده يفهم تعبه.

حين دخل المطبخ، وجد أمه وزوجها قد انتهيا من الغداء.

الطاولة شبه فارغة.

لم يُتركا له شيئًا...

سوى الأطباق المتّسخة في الحوض.

لم يقل أحد كلمة.

ولم يُنظر إليه حتى.

غسل الأطباق.

الماء الدافئ هذه المرة لم يكن رحيمًا،

فقط يمرّ فوق يديه بلا معنى.

وعندما انتهى، أدرك أمرًا بسيطًا:

لم تعد لديه طاقة لأي شيء.

لا للجوع.

لا للتفكير.

ولا حتى للشعور.

/////////////////////

ولأن إيرل بقي في الخارج طويلًا وهو مبلّل،

أصابته الحُمّى.

بدأ يشعر بحرارةٍ غريبة تتسلّل إلى جسده،

كأن النار تسري في عروقه ببطء.

رأسه ثقيل، وأنفاسه متقطّعة،

وعيناه تحترقان... تدمعان دون أن يبكي.

كان الضوء يؤلمه،

والأصوات، حتى الخافتة منها،

تخترق رأسه كأنها أقسى مما تحتمل أذناه.

جلس متكئًا على الحائط،

يضمّ ركبتيه إلى صدره بلا وعي،

يرتجف أحيانًا، ثم يحترق في اللحظة التالية.

لم يشتكِ.

لم ينادِ أحدًا.

كالعادة...

تحمّل بصمت.

جاء الليل، والبيت غارق في سكونٍ خانق.

خرج إيرل من غرفته بحذر، جال بعينيه في المكان... لا أحد.

أمّه وزوجها غير موجودين.

دقّ قلبه بعنف.

هذه فرصته.

أخرج حقيبته ونسئ الحمة وآلام ، جمع ما تيسّر من أغراضه، وتوجّه نحو الباب.

مدّ يده لفتحه-

وفجأة، انغرست أصابع قاسية في شعره.

صرخة مكتومة خرجت منه وهو يُسحب للخلف.

ارتطم جسده بالحائط قبل أن يُجرّ إلى الحمّام.

أُجبر على الانحناء، ثم دُفع رأسه بقوة داخل المرحاض.

الماء القذر ملأ أنفه وفمه.

اختنق.

رُفع رأسه فجأة.

شهق بعنف، عيناه دامعتان-

ثم أُعيد غمره مرة أخرى.

مرة...

ثم أخرى.

لم يكن يريد قتله، فقط أن يراه ينهار.

حين رُفع أخيرًا، كان جسده يرتجف، وقدماه بالكاد تحملانه.

كانت أيما واقفة قرب الباب، تتابع المشهد بوجهٍ جامد.

قالت ببرود:

«كنت أعرف أنه سيحاول الهرب.»

لم تقترب.

لم تمنع.

أُمر إيرل أن ينزع حذاءه.

ارتجفت يداه وهو يتمدّد على الأريكة.

أُمسك أنبوب حديدي.

ضُرب به باطن قدميه.

ضربة.

صرخة.

ضربة ثانية.

الثالثة.

العاشرة.

كان يعدّها في رأسه رغم الألم.

عشرون...

ثلاثون...

//////////////////////

عند الأربعين، لم يعد صوته يخرج.

تُرك يتلوّى، جسده يتشنّج، وقدماه تحترقان كأن النار سُكبت فيهما.

أيما أدارَت وجهها قليلًا، لكنها لم تغادر.

بعدها، اقتيد شبه محمول إلى الإسطبل.

دُفع إلى الداخل، وسقط على الأرض الموحلة.

أُغلق الباب من الخارج بإحكام.

حلّ الظلام.

البرد.

الرائحة.

انكمش إيرل على نفسه، أسنانه تصطك، وقدماه لا يشعر بهما.

لم يعد يفكّر بالهرب.

كان يفكّر فقط... كيف ينجو حتى الصباح.

///////////////////////

كان إيرل يرتجف ويبكي بصمت.

جسده الصغير منهك، ودموعه تنساب دون مقاومة.

اقترب أحد الخيول ببطء،

كأنه شعر بحزن الطفل.

مدّ عنقه نحوه،

ولمس برأسه كتف إيرل برفق.

توقّف إيرل عن البكاء لثانية،

ثم رفع يده المرتجفة ومسح رأس الحصان.

كانت لمسته دافئة… صادقة.

لا تؤلم.

لا تأمر.

لا تضرب.

في تلك اللحظة،

وجد عزاءه الوحيد

في كائنٍ لا يعرف القسوة.

وخلد إلى النوم بصعوبة،

جسده يحترق بالحمّى، وألمه ينهش عظامه.

حتى أنفاسه كانت ثقيلة، متقطّعة،

لكن الإرهاق غلبه أخيرًا.

مع أول خيوط الصباح، استيقظ على وجعٍ حاد.

قدماه تؤلمانه كأنهما ليستا له،

رأسه يدور، ورؤيته مشوشة.

حاول أن يقف… فترنّح وسقط جالسًا.

عندها تذكّر المدرسة.

الاختبار.

اليوم مهم.

تقدّم نحو الباب ببطء،

مدّ يده وفتحه—

لم يتحرّك.

شدّ المقبض.

دفع الباب.

لا شيء.

ماريان أغلقه عليه من الخارج.

طرق الباب بقوة،

مرة… ثم أخرى.

صوته ارتدّ إليه فقط.

لا أحد جاء.

لا أحد فتح.

حاول مجددًا، رغم الألم،

لكن دون فائدة.

عاد وجلس على الأرض،

أنفاسه متسارعة،

وعيناه معلّقتان بالفراغ.

اليوم لديه اختبار.

وسيفوته.

بدأ بالبكاء.

لم يكن هناك شيء آخر يستطيع فعله.

لا قوة ليغضب،

ولا طاقة ليقاوم.

البكاء كان الشيء الوحيد المتاح.

تسلّل التعب إلى جسده المنهك،

وأثقل جفنيه شيئًا فشيئًا.

حاول أن يقاوم النوم…

لكنه لم يستطع.

لم يكن نومًا حقيقيًا.

كان أقرب إلى الغياب.

مرّ الوقت دون أن يشعر به،

حتى اخترق الصمت صوتٌ حاد.

صراخ.

فتح عينيه بفزع،

وقلبه يخفق بعنف.

الصوت يأتي من داخل المنزل.

شيء ما كان يحدث.

(840 كلمة) اتمنى ان يعجبكم

باي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إيرل لوسيان

المؤلف 𝓓𝓸𝓪𝓪𝓝𝓪𝓰𝓮💓
2026/04/04 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة