الفصل الاول

الفصل الاول

13 0

#مملكة_أحفاد_الجبالي

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل الاول<<<

في قلب لبنان، على قمة تلة خضراء تحيط بها أشجار الزيتون والصنوبر، كأن الطبيعة نسجت حولها لوحة من السكينة، كانت فيلا حجرية هادئة تطل على منظر يبعث السكينة في النفس.

في الطابق العلوي، داخل غرفة غمرتها أشعة الصباح المتسللة من بين الستائر، كانت آسيا نائمة بعمق. انسدلت خصلات شعرها الذهبي على وجهها، بينما ساد الهدوء المكان للحظات.

لكن الهدوء لم يدم طويلًا.

فُتح باب الغرفة، ودخلت زينب بخطوات معتادة. توقفت لحظة تتأمل آسيا، وقلبها ينقبض كلما تذكرت كم تغيّرت تلك الفتاة خلال السنوات الماضية.

تحدثت بنبرة جمعت بين الحنان والحزم:

- آسيا! قومي بقى، الكل تحت ناطرينكِ، وأسر الصغير مو راضي يفطر بلاكِ!

رفعت آسيا الوسادة فوق رأسها وتمتمت بنعاس:

- ما بدي أقوم... خَلّيه أسر ينطر شوي.

وضعت زينب يدها على خصرها وقالت:

- لا، ما في شوي هال! قومي، وإذا ما قمتي، لا تلومي إلا حالك! قمر عم تقول انو وراكن مشوار، يلا فوقي!

ابتسمت آسيا بخفة وهي تتذكر علاقتها بقمر، تلك الفتاة التي أصبحت أقرب إليها علي مرّ السنين.

قمر، البالغة من العمر واحد وعشرين عامًا مثلها، كانت تشارك آسيا كل شيء: أسرار، ضحكات، وحتى لحظات الصمت.

أما أسر، ابن أخ قمر، لم يكن يفارق آسيا أبدًا، يحيطها بمحبة طفولية لا تعرف القيود.

غادرت زينب الغرفة، بينما بقيت آسيا مستلقية لثوانٍ تحدّق في السقف. ثم زفرت بضيق ونهضت ببطء.

وقفت أمام المرآة وهي ترتدي ملابسها. بدت ملامحها هادئة كعادتها، لكن عينيها كانتا تخفيان شيئًا أثقل من التعب. منذ تلك الحادثة التي غيّرت حياتها، اعتادت أن تخفي ألمها خلف ابتسامة مطمئنة، حتى أقرب الناس إليها لم يعودوا يرون سوى ما تسمح لهم برؤيته.

وعندما نزلت إلى الطابق السفلي، استقبلتها رائحة الإفطار وأصوات العائلة التي ملأت المكان دفئًا وحياةً.

كان الجميع بانتظارها حول مائدة الإفطار. وما إن ظهرت حتى اندفع أسر نحوها بذراعين مفتوحتين.

- آسيا! كنت عم استنّاك.

ضحكت وانحنت لتعانقه بقوة.

- أسر، حبيبي هلّق رح نفطر سوا، تمام؟

هز رأسه بحماس، فجلست بجواره وربّتت على شعره بحنان.

للحظة، تجمدت يدها فوق رأسه. مرت أمام عينيها صورة قديمة حاولت تجاهلها، فخفضت نظرها سريعًا وأكملت حديثها معه كأن شيئًا لم يكن.

على مقربة منهما، كانت قمر تقف بجوار زينب تراقبان المشهد.

تمتمت قمر بمزاح:

- شكلك ناوية تسرقي أسر مني!

رفعت آسيا رأسها نحوها، فابتسمت لها ابتسامة صغيرة سرعان ما قابلتها قمر بأخرى مشابهة.

وقبل أن ترد، قالت زينب وهي تهز رأسها:

- لك بخاف ع هالصغير منكن!

ضحكت آسيا، فيما تشبث أسر بيدها وكأنه يعلن انحيازه الكامل لها.

في الليڤينج روم.

كان زياد يحمل كتابًا بين يديه، لكنه بدا منشغلًا بأفكاره أكثر من انشغاله بالقراءة. جلست يارا بجواره تتصفح هاتفها، بينما كانت قمر وآسيا تتبادلان الهمسات حول خططهما للخروج.

أما حسام وزينب فكانا يراقبان الجميع بهدوء، في حين انشغل أسر باللعب على السجادة القريبة.

تحدثت قمر بنبرة مستفزة:

- زياد، عن جد، كيف قدرت تقنع يارا تتجوزك؟ شو عملت؟ هددتها ولا سحرتها؟

ضحكت يارا وقالت:

- لا والله، هو تسلل لقلبي مثل الفايروس... ما حسّيت إلا وأنا موافقة!

اعتدل زياد في جلسته وقال بثقة مصطنعة:

- لأني كنت الثغرة يلي بتكسر ملل الحياة.

رفعت آسيا أحد حاجبيها وقالت:

- ثغرة؟! كنت مفكرة إنك نسخة من الملل، مو مخلّص منه!

انفجر حسام ضاحكًا:

- لا تحكوا هيك، الولد قلبه أبيض... بس مخه بحاجة لضبط مصنع!

اتكلمت زينب وهي تبتسم بهدوء:

- الله يعينك يا ابني… واضح إن اليوم البنات متفقين عليك.

أجاب زياد وهو بيحاول يظهر الثقة:

- على فكرة، كل وحدة فيكن بتتمنى تكون محل يارا.

قالت قمر بنظرة درامية:

- زياد؟! لااا، خليها إلك. نحنا بدنا رواية تانية، أبطالها upgraded"النادر" شوية.

هتفت يارا وهي تضحك بخبث:

- بس لا تنسي قمر... دورك جاي، ويمكن يطلع لكِ نسخة عن زياد

ضحكت آسيا بصوت عالي:

- بس أهم شي ما يكون عنده نفس كمية الدراما يلي عايشاها يارا!

صاح زياد بغضب مصطنع:

- خلص آسيا، اليوم بتنامي برا القصر!

هتف زينب بحزم:

- برا القصر؟ نسيت إنها بنتي؟ هي بتنام وين ما بدها، وانت بتطلع تحرس برا!

قالت قمر بجدية مصطنعة:

- شو رأيكم نرميه هو برا؟ نرتاح شوية من فلسفته.

أجاب زياد بسرعة:

- ماشي، بس إذا يارا نامت معي!

ضربته يارا بخفة وهي تضحك:

- إحلم! رح تنام لحالك، ومعك مخدة عليها صورتي إذا اشتقت لي!

قال حسام بضحك:

- خلاص خلاص، زياد رح ينفجر من كتر الحب!

رفع زياد يده أخيرًا باستسلام:

- بحبكن، بس يوم بيجي ويصير عندي ملف علاجي منكن!

تعالت الضحكات من جديد، وتبادل حسام وزينب نظرة رضا وهما يتابعان أبناءهما.

شاركتهم آسيا الضحك، لكنها سرحت للحظة وهي تنظر أمامها. شعرت بانقباض خفيف في صدرها، ذلك الشعور الغريب الذي يسبق حدوث شيء لا يمكن تفسيره.

هزت رأسها وطردت الفكرة سريعًا، ثم عادت إلى حديثهم وكأن شيئًا لم يكن.

لكنها لم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستحمل لها أكثر مما تتوقع.

                        -☆☆☆☆☆-

في القاهرة، يقع قصر فخم الطراز خلف بوابات حديدية ضخمة، تحيط به حديقة شاسعة تملؤها نباتات نادرة.

كان القصر كبيرًا، تحرسه مجموعة من الحراس المنتشرين في كل زاوية. الطراز الكلاسيكي، بجدرانه العالية وأثاثه العريق، يجعل منه مقرًا لعائلة عريقة تعيش فيه منذ عقود.

في القاعة الكبيرة، كانت ناهد تجلس على أريكة مريحة، تحمل كوبًا من الشاي الساخن، وعيناها تحدقان في النافذة، كأنها تبحث في الأفق عن ذكرى ضائعة من أيام صداقتها مع زينة وجهاد وسميرة، لكن ذاكرتها عادت بها إلى ما قبل أحد عشر عامًا.

في ركن هادئ من النادي، جلسن ثلاث نساء حول طاولة بعيدة عن الأنظار.

نظراتهن كانت حذرة، وكأنهن يخشين أن يراهن أحد سويًا.

كانت تلك واحدة من اللقاءات النادرة التي جمعت بين زينة، جهاد، وناهد، بعد سنين من القطيعة والخلافات بين العائلات.

تحدثت جهاد بصوت منخفض فيه حذر:

- هنفضل كده لحد إمتى؟ كل مرة نتقابل فيها وكأننا بنرتكب جريمة.

هتفت زينة، وهي تحرك فنجان القهوة بتوتر:

- والله لو إبراهيم عرف إني عم شوفكن هون... ما بعرف شو رح يعمل.

قالت ناهد، بإحباط:

- بس ليه؟ ليه بيكرهنا كده؟ ما بينا كان ود ومحبة، فجأة قلب علينا.

نظرت زينة إلي الأرض بشرود، قائلة:

- هو طمّاع... وقت شاف شركتكن كبرت ونجحت، صار يكره النجاح اللي مش بإيده. بس في شي تاني... مش واضح، بس قلبي مش مرتاح

تنهدت جهاد، ثم قالت:

- طب ما نحاول نحلها؟ نرضي بعض؟ نتفاهم؟ كفاية بعاد.

اتكلمت ناهد بهدوء:

- هو مش ناوي يسامح. بس إحنا لازم نكون جاهزين لو حصل أي فرصة تخلي الأمور ترجع زي الأول.

هتفت زينة، بابتسامة خفيفة فيها أمل:

- مشان هيك... عم فكر نحل الخصومة بزواج.

نظرتا إليها بدهشة، فقالت بسرعة:

- ما فيّي قول أكتر من هيك، بس رح إجي بكرا، لما إبراهيم يسافر الصبح، ونقعد نحكي سوا مع الحاج عتمان... ومع زواجكن.

هزّت الاثنتان رأسيهما بالموافقة، بصمت.

ابتسمت جهاد ابتسامة دافئة رغم توترها:

- طب جيبي معكِ عيالك، وحشونا اوي. رجعت آسيا الشقية من عند عمها؟

ضحكت زينة بخفة، وقالت:

- رجعت، بس كانت عاملة بلاوي! ما بدها ترجع، وكل اللي شاغل بالها عيد ميلادها بكرا. قلت ما فيّي ما جمّعن بهيك يوم!

هتفت ناهد بهدوء، ثم أكملت بحماس:

- بسم الله ما شاء الله كبرت آسيا... إيه رأيك نعمل عيد ميلادها بكرا في القصر؟

أومات زينة برأسها بهدوء، بينما تضيف جهاد:

- وابقي هاتي معاذ وسيران... فارس زعلان على الآخر.

ضحكت زينة، قائلة:

- كيف فيّي ما جمّعن بهاليوم؟ آسيا رح تزعل مني! وسميرة؟ بعدها سايبة فارس…

قالت ناهد بحزن :

- عديمة الإحساس سابت ابنها لينا بكل برود ، أنا مش عارفة هي جايبة جبروت ده منين.

هتفت زينة بشرود:

- فارس متعلّق فيكن... أما هي، الله يهديها. فرّقتنا بحقدها. الله يرجّعها لعقلها قبل ما يفوت الأوان.

أمّنوا على كلامها.

                       -☆☆☆☆☆-

وفي اليوم التالي في القصر، كانت التحضيرات على قدم وساق لعيد ميلاد آسيا، والأجواء مليئة بالحركة والحماس.

اقترب فارس من ناهد وقال بحماس:

- ماما ناهد، هي سيران جاية؟

هتفت ناهد بحنان:

- أكيد جاية، إزاي ما تحضرش عيد ميلاد أختها؟

تساءل فارس بتردد:

- أنا شُفت أختها كذا مرة، بس ليه ما كنت بتيجي كتير؟

ردت ناهد:

- هي كانت صغيرة، وبتتعب من أقل حاجة، ومامتها كانت بتخاف عليها. أما معاذ وسيران، فهما كبار.

أومأ فارس، وفجأة نظر خلف ناهد وقال بفرحة وحماس:

- جُم!

ركض هو وناهد لاستقبال سيران ومعاذ.

ناهد تنظر حولها، ثم سألت باستغراب:

- فين زينة وآسيا؟

أجاب معاذ:

- جايين في الطريق، بس سبقناهم عشان لو محتاجين مساعدة.

قالت ناهد بابتسامة:

- تسلموا، كل حاجة جاهزة، ناقص بس صاحبة عيد الميلاد.

حضنت ناهد سيران بحب، وأكملت حديثها:

- بسم الله ما شاء الله، كبرتي وبقيتي عروسة زي القمر.

هتف فارس بخفة دم:

- انتِ زي القمر يا سيرو.

احمرَّ وجه سيران خجلًا.

أما معاذ، فأخذ فارس على جانبًا وتحدث بغيرة:

- إيه يا عم روميو؟ مش قولتلك ميت مرة تبطل تعاكس أختي قدامي؟ أنا بغير عليها، ولو ما كنت بعرفك كنت قتلتك.

قال فارس بمزح:

- اهدأ يا أبو النسب، انت عارف إني بحبها.

نظر له معاذ بغيظ وقال:

- وكمان بتقولها قدامي؟! والله ما أنا سايبك.

وركض خلفه وسط ضحكات الجميع.

ضحك فارس وقال:

- يابني احترمني شوية، ده أنا أكبر منك.

رد معاذ مبتسمًا:

- ما بيناش غير سنة يا عم الحج.

ثم تبادلا العناق، ضحكاتهما كانت تعلو، مليئة بالفرح والراحة.

                        -☆☆☆☆☆-

في الحديقة الخلفية للقصر، كانت الضحكات تتعالى من الشباب، بينما ناهد تتحدث مع جهاد وهي تنظر إليهم بابتسامة:

- أحلى حاجة في العيال إنهم إيد واحدة... الحب بينهم ممكن ينهي أي خلاف.

هتفت جهاد:

- صح، هما اللي ممكن يوحدوا العيلتين من جديد.

في تلك اللحظة، اقترب سيف ومازن ومعهم عصام ومالك من معاذ وفارس.

تحدث مازن:

- نفسي أشوف أختك آسيا، ما شوفتهاش من زمان من وهي صغيرة.

قال معاذ ضاحكًا:

- ما تشوفش وحش.

تحدثت سيران من خلفهم وبزعل مصطنع:

- ليه كده يا معاذ؟ آسيا نسمة بتاعتنا.

أجاب معاذ بمزاح:

- بهزر...

نظرت له سيران بعتاب، ثم قالت:

- بس لو سمعتك، هتزعل ومش هتكلمك تاني.

اتكلم سيف بتعجب:

- ليه بتتكلم عنها كده؟

رد معاذ:

- هي شقية وتجنّن العقلانيين! مش هقدر أوصفها... لازم تشوفها بنفسك.

قالت نور بهدوء:

- أنا شفت صورة ليها وهى صغيرة، كانت قمر، شبه طنط زينة. يا ترى دلوقتي شكلها عامل إزاي؟

ضحكت سيران ضحكة خفيفة، ثم قالت:

- كل اللي بيشوفها من صحابي بيقول: "نفسي آخدها لأخويا!" أو "لو عندي أخ كنت جوازته ليها."

وهنا…

سيف كان واقف يشاهد ويسمع، وقلبه يخفق… ذلك الإحساس لم يكن جديدًا عليه، بل يسكنه منذ كان طفلًا في الخامسة، يوم حملها لأول مرة بعد ولادتها.

كان صغير، لكن حضنها وقتها شعر بإحساس كبير... فيه دفا، حنية، ارتباط غريب.

كانت أصغر منه بخمس سنين، وفضلت تكبر أمام عينيه كل يوم.

كل مرة كان يراها، حتى لو من بعيد، كان قلبه يخفق، وعينه يتأملها.

آسيا كانت الطفلة التي كانت تركض نحوه، تنده له بحماس، وهو يرد بابتسامة وحب.

مرّت سنين وهو لم يكن يراها كتيراً، لكنه صورها كانت بتوصل.

معاذ أوقات كان بيبعت له صورها لجميع العائلة، وكان سيف يرى هذه الصور ويضحك:

- "آسيا كبرت، بس لسه دلوعتنا."

وسيف، كلما رأى ابتسامتها، شيء في داخله كان يتحرك.

مشاعر بريئة، كبرت مع الوقت، بقت حب حقيقي.

زينة، كأم، كانت شايفة التعلق من الطرفين.

آسيا تسأل عليه بخجل، وسيف يعاملها بحنية واضحة، لكن الجميع فسرها على إنها حنية أخ.

وسيف كان يقنع نفسه أن هذا طبيعي، لكن الحقيقة إن قلبه كان يضطرب كل مرة يسمع اسمها.

عندما وصلت كلمات سيران إلى مسامعه… اشتعلت في داخله نار لم يعرفها من قبل.

- "آسيا؟ حد تاني؟ لا... مستحيل."

لم يكن هو نفسه يفهم لماذا وجّعه الكلام بهذا الشكل.

لكن فكرة أن هناك شخصًا آخر يفكر فيها… كانت مرعبة بالنسبة له.

نظر لها من بعيد، لكن هي لم تظهر بعد، لكن اسمها يتردد في المكان، وقال في سره:

- "كفاية يا قلبي... كفاية. هي لسه صغيرة، ولسه الطريق طويل ليها... بس ليك حق تخاف، لأنك خلاص، بقيت بتحبها بجد."

فجأة، قال فارس:

- يلا تعالوا سلموا على جدي.

ذهب الجميع إلي الحاج عتمان، الذي كان جالس على مقعده وبيضحك.

هتف عتمان مازحًا:

- نفسي أشوف أختك... لو أنت قمرين، تبقى هي كام قمر؟

قالت سيران بمرح:

- لو أنا قمرين، هي أربع قمرات!

ضحك الجميع، وسيف ابتسم رغم التوتر الذي في داخله.

ضحك عتمان، ثم قال بنظرة مليانة حنية:

- أنا حجزتها لواحد من أحفادي، زي ما حجزتك انتِ.

ضحك الجميع، لكن سيف شعر إن الكلام ليس هزار...

شعر بهمس قلبه: "هي ليك..."

ورغم المشاكل التي بين العائلتين، عتمان دايمًا كان شايف أولاد زينة زي أحفاده بالضبط.

ومن داخله، كان نفسه يلم الشامل من جديد… وكان يرى أن زواج سيران ممكن يكون بداية النهاية للخلاف، لكن لا يعلم انها سوف تكون بداية الخلاف.

هو يعلم بحب فارس إليها منذ زمان، رآه في عيونه، حتى لو لم يقال.

وعندما نظر إلى فارس، راه ينظر إلي سيران وهو يبتسم، ابتسم هو الآخر… بحنان ورضا.

أما سيران، فوجهها أحمر بخجل، وابتسامتها الصغنونة خرجت رغمًا عنها.

وسيف؟ سيف ابتسم بهدوء…

كأن داخله يقين اتولد في تلك اللحظة، إن آسيا فعلاً ممكن تكون من نصيبه.

سمع الجميع صوت رن هاتف لم يكن غير هاتف معاذ الذي رد بابتسامة:

- أيوة يا ماما؟... قربتوا؟... تمام... احنا مستنينكم.

أغلق الخط، ثم رفع صوته:

- قربوا... يلا نطفى النور!

انطفأت الأنوار…

ثواني، ودخلت آسيا وهي تمسك يد والدتها زينة، خطواتها خفيفة على الأرض... كانت لابسة فستان أحمر ناعم، شعرها الذهبي منسدل بطول ظهرها، وعلى راسها طوق ورد بسيط... كانت تشبه ملاكًا صغيرًا.

وفجأة...

اشتعلت الأنوار، وهتف الجميع بصوت واحد:

- كل سنة وأنتِ طيبة يا آسيا!

شهقت آسيا بحماس وحضنت والدتها:

- أنا مبسوطة أوي يا مامي، شكرًا!

ردت عليها بكل حب وهي تبادلها الحضن.

ركضت على إخوتها، حضنتهم بحب قائلة:

- أنتم أحلى أخوات في الدنيا!

نزل معاذ لمستواها وبادلها الحضن، ثم رد بحب:

- عشان تعرفي قد إيه احنا بنحبك.

بادلتها الحضن سيران وقالت بحنان:

- إحنا عندنا كام آسيا.

اتكلمت زينة بهدوء وحنان:

- تعِي، في حدا مستنّيكي.

أخذتها إلى عند الحاج عتمان، الذي أمسك يدها وقال بابتسامة:

- أهلاً آسيا... كنت دايمًا أسمع عن مواهبك، واليوم شفت النور اللي فيكي.

احمرّ وشها بخجل طفولي، وشكرت الجد بهزة رأس هادية، وهو قال:

- لا كدا كتير.

لعب في خدودها، ثم قال:

- يلا روحي مع سيران.

اومات براسها بكل هدوء وخجل، ثم ذهبت مع سيران لعند الشباب... وسلّمت على الجميع.

والجميع أخذ يمدحها، ثم وصلت عند سيف…

كان واقف بعيد، لكنه رآها من اللحظة الأولى.

عينيه اتسعت، كأن الزمن رجع بيه فجأة، رأي الفتاة التي كانت طفلة في حضنه من سنين... هي موجودة أمامه، تلك الطفلة ذات العشر سنوات التي كانت بين ذراعيه يومًا، ملامحها بريئة وجميلة وعيونها الزرقا تلمع تحت الضوء فيها سحر.

رفعت آسيا عينيها بسرعة، لمّحته ينظر إليها. نظرة سريعة، خجولة، اتبعتها ابتسامة صغيرة، ثم بسرعة أدارت وجهها في والدتها.

همست زينة لها وهي بتضحك:

- شكلك مكسوفة يا قمري.

همست آسيا وهي تمسك الطوق على شعرها بخجل:

- هو سيف... لسه بيبصلي؟

ابتسمت زينة، وهي تشعر بشيء بتتكوّن داخل ابنتها الصغيرة.

أما سيف... فكان في حالة من الذهول الصامت.

ابتسم، ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه، لكن في داخله... نار، لهفة، وهدوء غريب.

نظراته إليها ما زالت نظراته مثبتة عليها، والجميع لاحظ...

لكن لم يقدر أحد ان يتكلم، لأن القلوب كانت بتتكلم بصوتها الهادئ.

عندما سلّمت عليه، قال سيف بصوت هادئ:

- انتِ قمر... وأحلى من الصور بكتير. الفستان عليكي تحفة.

آسيا لم تنطق، لكن خدودها احمرّت، وانخفض نظرها إلى الأرض، وسيف، في تلك اللحظة، شعر بإحساس غريب… لم يكن حنان... ولا مجرد ارتباط قديم.

هذا إحساس أعمق... بدأت من حضن قديم، وكبرت بصمت، وحفلة مثل هذه... كانت البداية الحقيقية.

بعيدًا عن ضجة الشباب، كانت زينة تتكلم مع الجد وأصدقائها وأزواجهم في موضوع مهم ومعهم الجد.

تحدثت زينة بصوت خافت حزين:

- أنا كشفت... والدكتور قال فعلاً إنّي تعبانة. وعلاجي مش موجود هون... لازم أسافر.

تساءلت ناهد بقلق:

- يعني هتسافري فعلاً؟

وأكمل الجد:

- وعيالك؟

نظرت زينة لأولادها ولضحكتهم، ثم ابتسمت ونظرت إلي الجد و قالت:

- وهاد لانا جايه مشانه.

تنهدت وكملت قائلا:

- أنا جاية اليوم مشان اطلب منكن طلب...

أنا رح سافر، وحسام رح يسافر معي، بس ما بقدر اترك آسيا. هي بعدها صغيرة، وما فيها تعتمد ع حالها متل إخواتها. وكمان ما رح طمّن عليها إذا ضلّت مع إبراهيم.

وما بعرف إمتى رح أتعافى وإرجع، كرمال هيك بدي منكن شغلة وحدة... سيران وفارس لازم يتجوزوا. هيك بكون مطمنة ع سيران، وبتنتهي الخلافات بين العيلتين للأبد.

وأنا بعرف إنكن ما رح تخيبوا أملي، ورح توقفوا حدّن وتتمموا هالزواجة.

نظر الجميع إلى بعضهم بحيرة وزينة كانت تنظر إليهم بأمل وقال الجد:

- تيجي بالسلامة، سيران ومعاذ أمانا عندنا، وهنخلي بالنا منهم، متخافيش لكن جوزك ها يوافق ان فارس يتجوز سيران .

تنهدت زينة:

- لو سيران وقفت قدّامه، ما رح يقدر يرفض... لأنو ما إلو مصلحة من ناحيتها.

تساءلت جهاد:

- وسميرة؟ مش هتوافق.

اتكلم يحيى:

- مالهاش حق، هي سابت ابنها، اتجوزت، وعاشت حياتها، وفارس له حق الاختيار، يعيش حياته مع اللي بيحبها.

قال ياسين بحيرة:

- بس صعب تفرقي بين العيال، وتاخدي آسيا أنا شايف انهم متعلقين ببعضهم اوي.

ردت زينة ببعض الحزن:

- بعرف... بس مضطرة. آسيا بعدها صغيرة وبتحتاجلي، وما بقدر اتركها.

أما سيران رح تتجوز، ومعاذ صار كبير ومسؤول عن حاله. وبظن إبراهيم رح يحاول يضحك عليها ويقول لها: خليكِ معي لحتى ترجع أمك، وهو بيعرف إني رح غيب فترة قبل ما أرجع.

وكمان ممكن ياخد مصاري من خيي بحجة إنو عم يصرف عليها، بينما الحقيقة غير هيك، ويعمل مشاكل متل عادته. بس ما رح يقدر يسيطر على معاذ ولا على سيران، وكرمال هيك أنا مطمنة.

جهاد وناهد وقفوا وذهبوا اليها لكي يحضنوها وقالوا إليها:

- متقليش هتخفي، وهترجعي إلي حضن عيالك، وها ترجعي اقوى لينا، وما تخافيش علي عيالك هم أمانة في رقبتنا عبال ما ترجعي لينا.

باك

دخلت سيران بابتسامة مشرقة على الجلسة وقطعت أفكارها عندما قالت:

- صباح الخير.

ردت ناهد بابتسامة خفيفة:

- صباح النور.

تساءلت سيران:

- إيه مالك يا ماما ناهد؟ سرحانة في إيه؟

ردت ناهد بتنهيدة حزينة:

- ولا حاجة، بس بفكر في الأيام اللي عدّت.

تدخل جهاد عليها، وعلقت على حديثهما:

- أكيد بتفكري في الماضي، صح؟

ابتسمت ناهد ابتسامة خفيفة:

- طول عمرك فاهماني.

هتفت جهاد ضاحكة:

- ما بقاش صاحبتك لو مفهمتكيش!

ضحكوا علي حديثها.

قالت سيران بحزن:

- كان نفسي نرجع أحد عشر سنة ورا، واشوف ماما. مش معقول لسه ما اتعالجتش، مش معقول.

ردت ناهد بحزن:

- إن شاء الله يرجعوا.

اغرورقت عينا سيران بالدموع، وانسابت على وجنتيها، ثم قالت بصوتٍ متأثر:

- نفسي اطمن عليهم، واشوفهم بخير. مش قادرة أتحمل فكرة إنهم بعيدين عني.

اتكلمت جهاد بهدوء:

- إحنا كلنا معاكي وجنبك، أكيد هيجي يوم ونشوفهم، إن شاء الله.

نزل فارس الدرج وهو يستمع إلى حديثهم، فابتسم وقال بمرحٍ محاولًا كسر الأجواء الحزينة التي خيّمت على المكان وإدخال البهجة إلى قلب زوجته:

- أنا خوفي من تجمّع الستات ده!

ردت جهاد بغيظ:

- انت وولاد خالك بتعملوا اجتماعات كمان، يعني ما جاتش علينا يا بن سميرة الهبلة.

قالت ناهد ضاحكة:

- خليكي هادية يا جهاد!

ضحك فارس وقال:

- بتعزّني زي ما بتعز أمي.

قالت سيران بضحك:

- لو تبطل تدخل في اجتماعاتنا شوية ما كانش حالك بقى كده.

ضحك الجميع، ظلوا يضحكون ويمزحون محاولين إخراج سيران من حزنها، وبعد ذلك ذهب فارس إلى مقر عمله، حيث هناك يلتقي بصديقه مازن.

                      -☆☆☆☆☆-

في لبنان، فيلا حسام

نظرت آسيا إلى باب مكتب خالها بتوتر، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولةً استجماع شجاعتها. كانت ترغب في التحدث معه بشأن أمر تخشى أن يرفضه خوفًا عليها، لكنها كانت عازمة على المحاولة مهما كانت النتيجة.

أخذت نفسًا عميقًا بتوتر، قبل أن تطرق الباب بخفة.

ازداد ارتباكها حين سمعت الإذن بالدخول، فدفعته ببطء، وتقدمت حتى وقفت أمام خالها الذي كان جالساً خلف مكتبه…

وما إن رفعت عينيها نحوه بعدما أخبرته بما تريده، حتى انفعل حسام بغضب، قائلًا:

- شو عم تقولي؟ في حد زعلك؟ في شي؟

ردت آسيا بخوف وبجمود:

- ما حدا زعّلني، بس بدي سافر عالقاهرة لدوّر ع إخواتي. صار لي أحد عشر عامًا عايشة ع ذكرياتن. ورغم إني كنت بتمنّى أرجع مع ماما، بس ما في مشكلة. بروح لعندن وبجمعن بالأول، لحتى ترجع ماما وتفيق من الغيبوبة.

قال حسام بشك:

- انتِ بدّك ترجعي لهونيك كمان كرمال إخواتك ولا في شي تاني…

ابتلعت ريقها بتوتر، وردّت بانفعال:

- لا طبعًا يا خالي، شو عم تقول؟

رد حسام بخوف:

- أنا خايف عليكِ، ما بتعرفي حدا هونيك، وعم يضايقني لما قلتي إنك رح تروحي عند باباكي… كأنك عم ترمي حالك عالنار.

هتفت آسيا بابتسامة مطمئنة:

- ما تخاف عليّ، فيّي احمي حالي، ورح ضلّ على تواصل معكن. أنا بدي أعمل مفاجأة لماما لما ترجع بالسلامة.

قال حسام بخوف:

- أبوكي ما رح يسيبك بحالك.

أجابت آسيا:

- بعرف، ما تخاف عليي... فيّي اتولّى حالي، وحتحمّل كل شي بيصير معي.

- انتِ أمانة أختي، كيف فيّي خلّيك تروحي بهالسهولة؟

قالت آسيا بجدية:

- أنا مش صغيرة، فيك تتواصل معي. وماما كانت موصّيتني. لو صار لها شي، بجمع إخوتي ومنبقى إيد وحدة.

تنهد حسام وتوقف عن الكلام لبضع دقائق ليفكر بالأمر جيدًا، وبعد تفكير قال لها:

                      -☆☆☆☆☆-

تفتكروا اي اللي حصل في الماضي والذي بسببه حصل العداوة بين العائلتين؟

وحسام كان قصده باي خلي أسيا تتوتر؟

ورد حسام اي علي سافرها؟

توقعوه الأحداث الجاية وانتظروني كل الاتنين والأربعاء الساعة ١١ المواعيد دي مؤقتا حاليا

منتظرة رايكم ف روايتي الجديدة

متنسوش تعملوا لايك ومستنية تعليقاتكم وآراءكم بكل حب 🤍

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مملكة أحفاد الجبالي

المؤلف Hager Saeid
2026/04/03 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة