أوتار مكسورة

أوتار مكسورة

8 0

نارين مشت ورا يامن، وكان كعب جزمتها بيخبط في الأرض برنة واثقة، رغم إن قلبها كان بيترعش من جواها. يامن كان ماشي قدامها، ظهره مفرود وخطواته فيها هيبة تخلي الموظفين يوسعوا له الطريق من غير ولا كلمة.

دخلوا غرفة الاجتماعات الكبيرة، كان فيها ترابيزة إزاز طويلة وشاشات عرض، وقاعد مستني شخص لابس بدلة غالية جداً وباين عليه الثراء الفاحش.

يامن قعد على رأس الترابيزة وشاور لنارين تقعد جنبه، وبدأ يتكلم بصوت هادي ورسمي:

- "أستاذ فريد، دي المهندسة نارين، المساعدة الجديدة ومسؤولة قسم التصميم في مشروعك.. نارين، أستاذ فريد صاحب مجموعة فنادق (المنشاوي) وعايز يهد الجناح الشرقي للقصر عشان يوسع الجاردن."

نارين أول ما سمعت جملة "يهد الجناح" حست بكهربا في جسمها، بس قبل ما تنطق، فريد اتكلم بغرور:

- "أيوة يا بشمهندس يامن، الجناح ده قديم ومتهالك، وملوش أي لازمة غير إنه مضيق المكان، كدا هيريحنا كتير."

يامن بص لنارين ببرود، كأنه بيقولها: "وريني هتعملي إيه في الواقع اللي قولتِ عليه".

نارين فتحت اللابتوب بتاعها وعرضت التصميم اللي كانت شغالة عليه طول اليوم، وقالت بنبرة هادية بس قوية:

- "حضرتك يا أستاذ فريد، الجناح ده مش مجرد حيطان قديمة.. ده فيه أعمدة منحوتة يدوي مش موجود زيها دلوقتي، ولو اتهد، القيمة التاريخية للقصر كله هتنزل للنص.. أنا عدلت في التصميم بحيث نفتح الجناح ده بفتحات زجاجية واسعة ، تربط بينه وبين الجنينة، كدة هتاخد المساحة اللي عايزها وفي نفس الوقت القصر هيفضل محتفظ بقيمته."

فريد بصلها بسخرية:

- "وإنتي بقا يا شاطرة فاكرة إن شوية إزاز هيعوضوني عن المساحة؟"

هنا يامن اتدخل، وصوته كان زي السيف:

- "أستاذ فريد، المهندسة نارين مش بتقول رأي شخصي، هي بتتكلم في (بيزنس).. القصر ده لو فضل بقيمته التاريخية، سعره هيتضاعف بعد سنتين، لو هديته، بقى مجرد فيلا عادية في التجمع.. فكر في المكسب مش في المساحة."

فريد سكت وبدأ يبص للتصميم بتركيز، يامن استغل السكوت ده وبص لنارين بلمحة إعجاب داراها بسرعة. بعد نص ساعة من النقاش، فريد اقتنع ووقع على التصميم ومشي.

أول ما الباب اتقفل، يامن فضل قاعد مكانه ونارين بدأت تلم حاجتها وهي حاسة بانتصار.

يامن قال وهو باصص في الملفات:

- "مكُنتش متخيل إنك هتعرفي تسكتي فريد.. هو صعب ومبيقتنعش بسهولة."

نارين بابتسامة ثقة:

- "قولتلك يا بشمهندس، أنا بعرف أتعامل مع الروح.. سواء مبنى أو بني آدم."

يامن قام وقف وقرب منها خطوة، المسافة بينهم بقت قريبة لدرجة إنها شمت ريحة عطره القوية، وقال بصوت واطي:

- "بلاش الثقة دي زيادة عن اللزوم يا نارين.. البشر أصعب بكتير من الحجر، الحجر لو انكسر بيترمم، بس البشر لو اتكسروا.. بيتحولوا لرماد."

نارين حست برعشة خفيفة من نبرة صوته، وسألته بفضول:

- "إنت ليه ديماً بتتكلم عن الكسر والوجع؟ إنت حد كسر روحك قبل كدة؟"

يامن ملامحه اتصلبت ورجع لبروده في ثانية:

- "الساعة بقت ٦.. ميعاد الشغل خلص. تقدري تروحي."

نارين اتغاظت من تهربه، لمت حاجتها وخرجت بسرعة. وهي نازلة في الأسانسير، حست بتعب مفاجئ، الدنيا لفت بيها وسندت راسها على الحيطة.. "مش وقته، مش وقته خالص" همست لنفسها وهي بتحاول تظبط نفسها قبل ما تخرج للشارع.

يامن كان واقف ورا شباك مكتبه، بيراقبها وهي خارجة من الشركة وبتمشي بخطوات تقيلة، لاحظ إنها وقفت ثواني وسندت على شجرة كأنها دايخة، بس رجعت كملت مشي.

قلبه وجعه للحظة، مسك موبايله وكان هيتصل بيها أو ينزل يوصلها، بس عقله وقفه: "إنت هتعمل إيه؟ إنت مش عايز تتعلق بحد تاني.. كفاية اللي ضاع."

رمى الموبايل على المكتب بعنف، وقعد على الكرسي وغمض عينيه، وصوت عقارب الساعة في المكتب كان بيزيد كأنها بتعد عليه الفرص اللي بيضيعها وهو بيهرب من مشاعره.

نارين وصلت البيت، دخلت أوضتها وقفلت الباب ورمت نفسها على السرير بتعب، مكنتش قادرة حتى تغير لبسها. فجأة موبايلها رن، كان رقم غريب.. ردت بصوت مجهد:

- "ألو؟"

- "نارين.. أنا يامن."

نارين قامت اتنفضت من مكانها: "بشمهندس يامن؟ فيه حاجة في الشغل؟"

يامن سكت ثواني وبعدين قال بنبرة غريبة، مش برود ولا أمر، كانت نبرة فيها ريحة اهتمام مخفي:

- "لا.. بس نسيتي ملف مهم في المكتب.. والملف ده فيه غلطة صغيرة كنت عايزك تشوفيها بكرة أول ما تيجي. نامي كويس عشان تركزي."

قفل يامن السكة قبل ما ترد، نارين بصت للموبايل باستغراب.. هي عارفة إنها منسيتش ملفات، وعارفة إنها مغلطتش.

يامن كان بس عايز يتطمن إنها وصلت، بس كبريائه منعه يسأل بشكل مباشر.

نامت نارين وهي مبتسمة لأول مرة من سنين، ومكنتش تعرف إن المكالمة دي هي أول عقرب من عقارب الندم اللي هيقرص يامن بعدين.. لما يتمنى يكلمها تليفون واحد بس، وميلاقيش غير جرس بيرن في أوضة فاضية.

اتمني تنضموا ل قناتي علي الواتساب

https://whatsapp.com/channel/0029Vb7nswCHrDZjQvs9CB0u

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عَقَارِبُ النَّدَمِ🦂 ⏳

المؤلف aml Mohammed
2026/03/23 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة