ظلال العقل

ظلال العقل

21 0

- إهداء- إلي القلب الذي أحرقته رصاصة العدو الغاشم و الروح التي أرتقت و هجرت روحي وحيدة. -أهداء- إلي الصدفة الأجمل و الأصدق بحياتي وإلي القلب الذي ينبض بالمحبة و صديقي الوحيد/ عبدالله قصّار -المقدمة- هنا، حيث لا فرق بين الواقع و الوهم. بمكان ما داخل ظلام عقلي و ظلاله أمتزج اليأس بالأمل و زابت الفرحة و بقي الآلم. في عالم منسي ، حيث ينصب الجنون حاكما ، وسط تلك اللاشيئه، حيث تتلاعب الأحلام بالوقائع، وتلتقي حدود الواقع بأبعاد الخيال. في عالم لا يعترف إلا بالجنون، حيث يتأرجح العقل بين الخيال والواقع، وتتلاشى حدود المنطقية هنا، في زمن الهوامش والشكوك، التقيت بروح مضللة بين تيه العقل ومتاهات الجنون، تحوم كظلال في دهاليز عقلي المظلم و كانت حادي دربي في ظلام عقلي و ظلاله. _______________ لم تكن رحلتي طويلة وليست مليئة بالأنجازات. فما أوصلني إلي هنا هو الفشل، لكنه ليس مكاني ولا يناسبني فالأموات عادتنا يكون مكانهم المثالي القبور. لكن لا بأس، أربعة حوائط أسمنتية ذات الوان شاحبة و باب حديد تراكم عليه الصدا يكفو ليكون قبراً. الأيام هنا متشابة أو بالأحرى هو يوم واحد له نفس الملامح يتكرر، لكن بالرغم من ذلك أستطعت أن أحصي كم مر من الوقت، أنا حبيسة غرفتي منذ قرابت شهرين. شهرين ولم يتغير شئ عقلي يرفض أني مازالت جزء من هذا العالم، وهم لا يفهموا أني لم أعد على قيد الحياة، لكن مع الأسف ما يفصلني عن الموت هو تصاعد أنفاسي وقلبي الذي ينبض بالآلم ، حتى أن الجميع هنا أصابهم اليأس من تحسن حالتي او تقبلي لما جرأ، لكنهم رغم ذلك يحرصوا على العناية بي وتفقد حالي من وقت إلي آخر. لكن يبدو أن أحدكم يتسأل ، أين أنا؟ وما هذه الحال التي بقيت عليها أنا؟ ومن المؤكد أن الكثير خلف هذا الباب لديهم الأسئلة ذاتها لكن مع الأسف حالتي لا تسمح أن أخرج و أجيبهم بنفسي ، لذا قد تنابو عني بالأمر وبما أني قد أستيقظت من رقود نومي جراء الجلبة التي يصدرها رفاقي من الغرف المجاورة و أحتمالية عودتي لنوم تساوي صفر. فسوف أسرد لكم ببضع سطور هذا الدفتر الذي وجدته بأحد أدراج الحكأ المجاور لفراشي حكايتي كاملة. لا لا داعي للقلق، لن أطيل ، فأنا لست من هواة الكتابة لكن هذه وسيلتي الوحيدة حاليا لأخبركم بما جرأ. نهضت عن فراشي وجلست على الأرض مفترشها لأضع الدفتر على ركبتي، تحسست غلافه قاسي الملمس بأطراف أصابعي المرتعشة، فأنا منذ فترة أعاني من بعض الأضطرابات بالأعصاب، خلعت غطاء القلم وأمسكته بصعوبة بين أصابعي المهتزة لأكتب السطر الأول بتعثر، فرجاء سامحوني عن الخط السئ. أسمي هاجر، عمري ستة وعشرين عام، أعمل محررة أخبار لدى قناة الحقيقة الأخبارية. مهنتي تتطلب دوما أن أبحث عن الخبر حيثما كان و تحت أي ظرف، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، لا يهم حالة الطقس بارد أو حار لايهم وضع المكان سلم أو حرب. ما يهم أن تنقل الصورة كاملة وبأحر دقة وشفافية، والأهم أياك أن تجعل مشاعرك الأنسانية جزءً من نقلك للخبر. يفرض علينا العمل أن نكون مثاليين بالمحايدة، أي كن أشبه بالأنسان الآلي؛مبرمج ولا يملك مشاعر أو تفاعل الأ بسياق ما طلب منه. لكن هذه لم تكن مشكلتي مع طبيعة عملي فأنا أحبه وأخترته بملئ أرادتي، صحيح أنني كنت أعاني كوني مضطرة أن أقف بجمود أشبه بالصخرة الناطقة و أنا أنقل الأخبار للقناة ببرنامج معياد التغير بتمام الساعة صباحا دون أن أذرف الدموع، قد نقلت الكثير من المآسي أبرزها الثورة السورية و أنفجار مرفأ بيروت كلها مآسي راح جرأها الألف الأرواح لكنها قد أنتهت، لكن الماساة الأبشع حتى الأن التي كنت أنقلها لنشرة الأخبار على مدار الساعة،هو ما يحدث بقطاع غزة، كنت أتعمد أظاهر رفضي لتلك الأبادة الجماعية من قبل محتل غاصب وغاشم تفاقم الوضع بالحصار إلي أن وصل إلي نبشهم قبور الأموات وتباهى الجنود بأغتصاب النساء بالشوراع و رغم تشديد رئيس التحرير علي بالحيادية لكني كنت أصمد قدر المستطاع أمام الكاميرات وأظهر بحيادية أعلامية كاذبة وعقب أنتهائي من نقل الأخبار أتجه للحل البديل وهو مواقع التواصل ملايين المتابعين يعيدوا مشاركة تغريداتي و منشوراتي و تصريحاتي التي ترفض وتشجب الوضع الراهن بقطاع غزة وبسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة. حينها عندما كنت أوشك على الأنهيار والتخلي عن الحياة، كنت أتامل مظاهر الحياة تشعل قلوب الناجين من بين الركام، فأستحي أسفا أن أعلن أستسلامي ويأسي من التغير. كانت رحلة محفة بالمخاطر وحذرني الجميع من خوضها مثل ما حذروني من السفر إلي سوريا قبلا، فمصير من بقطاع غزة معروف. أما الموت تحت القصف المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 إلي الآن. أو يجبر على أن يرئ الموت بكل أنواعه ولا يذوقه ليرتاح. بدقيقة واحدة تحولت من محررة أخبار إلي خبرعاجل. الفارق أني من ذاع الخبر عبر البث المباشر بملامح بلاستيكية ونظرة فارغة من المعاني وبلامبالاة، كتب أسفل منتصف الشاشة باللون الأحمر " خبر عاجل قصف طاقم تصوير قناة الحقيقة ومات جميع الفريق وأحتمالية ضعيفة لنجاة المحررة" كانت هذه أخر كلماتي قبل أن تحترق الكاميرة وينقطع البث، لا لم أقتل. بعد أن غبت عن الوعي وأنا أدفن نفسي بين التراب هروبا من أصوات الأنفجارات أنشتلني أحدهم. كلا، لم أنقل إلي المشفي فكلها هنا قصفت تبعا. كلا، الجاور بالكامل شبه خالي من البيوت والخيام بسبب أستمرارية القصف. أستيقظت بعدها بحوالي خمس ساعات لأجد نفسي بأحد الأنفاق القديمة التابعة للمجاهدين. أهتموا بحالي و أنقذوني من موت محتم، وبعد أن نشر خبر وفاتي بكل المواقع والقنوات وبعد أن تلقت عائلتي عزائي أوصلت إليهم خبر نجاتي ومرت أيام قليلة وغادرت بعد أن تماثلت الشفاء لأعود إلي بلدي. رحلتي بالنفق لم تكن أمانه من المخاطر كما قد تظنوا فمثل ما كان الخطر موجود على سطح الأرض، فهو موجود بباطنها فبأي لحظة قد يقصف النفق لندفن أحياء. وهناك كانت أصوات الأنفجرات لا تهدأ على مدار الساعة. أجل لا ندري قد نموت بأي دقيقة. "يا صغيري، أن كنت ترى في عيني غزة اليوم مدمرة اليوم، فإني أرى في عينيك الأقصى محررا غدا" تلك كانت أخر كلمات قالها أحد المجاهدين لولده الصغير ذو التسعة أعوام قبل أن يلتقط أنفاسه الأخير لينال الشهادة. فكيف أن ينال منك الأكتئاب وأنت محاط بمنبع للطاقة الأيجابية! تعبت أناملي من الكتابة، فأنا لست من محبيها كما قلت سلفا. لذا أعذروني عدت لفراشي محاولة أن أعود للنوم لكن أصوات ضجيج رفاقي لم تسكت بعد، لا أدري صحيح أني لم ألتقي أحدهم حتى الأن لكن حقا لا أجد مبرر أن يكون زمرة من المجانين بكل هذا النشاط. أزحت غطائي وقمت عن الفراش و الغضب يملئني وبخطوات متمايلة غير متزنة أقتربت من الباب وضربته بقوة بكلاتا يداي - طفح الكيل، أريد أن أنام. سكت صوتهم لثواني ثم أجاب أحدهم من وراء الباب بصوت خفيض - المعذرة يا جارتي، أخدتنا حماسة اللعبة. بالرغم من كون صاحب الصوت كان سببا كافي لأزعاجي و تعكر صفو رقودي إلا أنه كان لديه شئ ما بصوته، أستشعرت فيه الدفئ والطمئانينة. بعد ما قدم من أعتذار عاد الهدوء إلي المكان، أي أنهم أكتفو من اللعب. لذا عادت فرصتي لأنام هاربة من واقعي وحياتي إلي أن يأذن بساعة مامتي. غفت عيناي وأرتخت أوصالي وأختلط الواقع بالوهم، الظلال السود تحوم حول بصري لتشكل تفاصيل أعرفها ولا تغادر خاطري وترفض أن تكون جزء من النسيان. تحولت الظلال إلي صور ترصد ما مضى،وجهي وعيني ملطخة بالدماء أقف عاجزة ويقتلع الخوف قلبي من بين ضلوعه، الأرض من حولي محرقة ويتصاعد منها الأدخنة وجميع من على الأرض أموات غارقين ببحر من الدماء. أركض يمين ويسار أبحث عن طريق ثم أتعثر بحفرة ،الأرض تهتز من تحتي أي أنها تستعد لسقوط قصفا جديد، أن لم أكن سأعيش ، لأغلق قبري بيدي الأن. جلست على الأرض بتلك الحفرة التي تعثرت بها قبل دقائق و جمعت التراب ليغطي قدامي وأغلب جسدي ولأستلقي هنا إلي أن أموت و تنقطع أنفاسي أو ليسقط فوقي صاروخا ويلحقني برفاقي. كل ما سمعته بعد هذه اللحظة كان إنفجارات الديناميت ولا أدري, هل مت أم غفت عيناي؟ لكن أتضح فيما بعد أني كالعنقاء، أدفن بالرماد لأخرج بعدها وأعود من جديد. كغروب الشمس ليضئ القمر ليلاً حالك السواد، يمضي ويزيد من المرار بتكرره و يجدد الآلم الجرح ولا يمكن نسيان ________________ لكنه مضى، وجاء النهار متوهما أنه قادر أن يتسلل نوره بداخل ظلال عقلي بين ظلامه. فبرغم من أكتفاء جسدي و عقلي من النوم، لكن ليس لدي أي جهد أو عزيمة أن أبرح شبراً بعيد عن فراشي، ما الداعي أصلا؟ واقعيا ليس لدي ما أفعله، و علميا أنا مريضة أكتئاب حاد وهذا يبرر رفضي للحياة. لكني تذكرت بعض الأشياء التي أريد أن أدونها بالدفتر، لذا نفضت الغطاء عني وفتحت درج الحكأ وأخرجت الدفتر من حيث كنت أضعه. أمسكت القلم بين أصابعي ذات الأعصاب المرتعشة، و وضعت سنه على بداية السطر. بالسابق و فالبدايه حكيت لكم عن حياتي العملية و سبب أزمتي التي تلازمني والتي أنحصرت هنا بسببها، والآن سأكتب بضع سطور عن حياتي العائلية. ولدت في القاهرة بحي الجمالية، لوالدين لبنانيين على العقيدة الدرزية التوحيدية، لكن بحكم جواري لأهل السنة بمصر غيرت ديانتي كوني وجدت بالأسلام الوسطية والأنضباط العقائدي. لدي أخ واحد يكبرني بعشر سنوات وهو تابع لنفس الطائفة الدينية. وبالرغم من الشقاق العقائدي بيننا إلا اننا دائمين السؤال على حال بعضنا. حسب عقيدة أهلي ، أن الروح لا تصعد لسماء بعد الموت، ففور خروج الروح من الجسد بوقوع الموت تعود لتخلق مرة أخرى بجسد طفل وليد. فالجسم بمثابة قميص تلبسه الروح لفترة معينة وهي العمر حسب أختلاف مدته ثم عندما يبلى القميص تنتقل الروح إلي قميص آخر ولا يشمل ذلك التقمص الحيوانات أو الجماد. و أنتقال الروح يكون فوريا وسريعا من الجسد الميت إلي جسد المخلوق الجديد. قد يتسلل إلي خاطركم وما الحكمة من هذا الأعتقاد الغريب و المبهم! حسب عقيدة الدروز فالعدل الألهي بحساب الناس عن أغلاطهم وأعمالهم يكون بمرور الروح بشتى الأحوال والظروف البشرية أي انه مرة يخلق الأنسان غنيا فأن أحسن و كان كريما و عطوفا على الفقراء يكافئ على ذلك بحياته التالية وأن كان العكس أي متجبر ظالم يعاقب بحياته التالية بالفقر و الشح وإلي أخره من الصور و الأمثال بالصحة والمرض وتمام الخلقة أو التشوهات والأعاقات الجسدية و غيرها و بالنهاية يحصى الله كل مجموع تلك الحيوات للأنسان يوم القيامة فأن كانت روحه أستوفت كل شروط تدخل الجنة و أن لم تكن قد نجحت بكل تلك الأختبارات المتفاوتة يدخل النار مخلد وهذه المحاكمة يخضع لها سائر البشر يوم القيامة فحسب عقيدة الدروز فالبشر متساوين من شتى وكافة الأديان. وأصلا يرجع أساس تاسيس عقيدة الدروز منذ الأزل و أعتنقوا كثيرا من الديانات على مر الدهور، وأعتنقوا الأسلام في مرحلة من مراحل تشكل وتكوين العقيدة ، أي أنهم قد تحولوا عن الأسلام إلي دين أخر مستقل لكن فسالف الأمر كانت ضمن المذاهب الأسلامية. ومن فترة إلي أخرى يقوم أقطاب العقيدة بتجديد بعض الأمور التي قد تواجه صعوبة بالفهم و التقبل بالزمن، فالدرزية دين متطور يتطورمن زمن إلي آخر. وهذا ما كان يبث الخوف بداخلي فكيف للأنسان أن يواكب و يواجه دين يتغير بتغير الزمن ولا يربطه أصل ثابت سوا بضع أساطير تتحاكي إلي الأطفال على أرض جبل لبنان ليلأ تحت السماء المليئة بالنجوم. فالأنسان يحتاج إلي دين قوي يملك الحجة و البيان ليقف قويا يقاتل ظلال عقله و ظلامه. و بالرغم من غرابة الفكرة و أستحالة عقلانيتها إلا أن جزء بداخل ظلال عقلي يلوح بتقبل الفكرة، قد يكون بعض تأثير تلقيني تعاليهم بصغري أو ربما محاولة من عقلي بأن يحميني من أكون على شفير الجنون بسبب فرط الظلم وغياب العدالة وما يتعرض له الأبرياء من قهر. صحيح أن الله قد وعدنا نحن المؤمنين بالنصرة والكثرة و رد الحقوق إلي أصحابها بدار الحق أي يوم القيامة. ولكن النفس البشرية الطامعة تسعى دوما أن تغلب و تنتصر بحلبة صراع الحياة، فكم من ظالم هلك دون أن يتجرع كأس ظلمه بالحياة الدنيا! لكن من منظوري الخاص والذي هو سبب أنسلاخي عن عقيدة أهلي، أيماني إنا لم نخلق لغاية التوهان والغربة داخل عقولنا و الخضوع لتجارب الحياة العبثية. إنما خلقنا لغاية واحدة وهي العبادة وأن نخلف بعد موتنا عبرة حسنة وليتباهى بنا الخالق أمام ذرية إبليس يوم القيامة ونحقق حكمته من أن نستخلف فالأرض، فكيف يمكن أن يتحقق هذا الشرط ويكون مبدئي أن أعيش راضية عن حياتي بعيوبها على أعتقاد أن لروحي رجعه بعد موتي و زوال جسدي لاحقق ما لم أحققه بحياتي الأولى أو الثانية إلي ما لا نهاية...... صحيح أن الروح أزلية ولا تفنى، لكن لها نطاق و دار ذو نطاق محدد ذكره الله بصيغ شتى بالقرآن الكريم. فكل الأرواح التي تفارق أجساد بعد موتها تصعد السموات الدنيا وصولا إلي حياة البرزخ حتى قيام الساعة ويبعث الناس إلي حسابهم ثم جنة ونار. لذا لا أجد صعوبة فيما يخص ردع عقلي عن الفكرة، لكن أحيانا يميل فكري إلي إستحسان ولكن باللحظة المناسبة أكبح و أعود لرشدي مستغفرة. عشت قرابت تسعة عشر سنة بمصر ثم عدت إلي لبنان لدخولي الجامعة ومن بعدها بدأت مسيرتي الأعلامية كمحررة أخبارية لدى القناة المصرية الحقيقة. وهذا يعتبر أختصار وجيز و كافي لما أنا مررت به. ________________ مرت ساعات لا أعرف كيف أحصيها فلا يوجد أهمية لمعرفة كم الساعة فكل شئ حولي متشابه وأنحصرت بداخل عقلي بين ظلامه وظلاله، أجد منقذ أو منفذ. ولا أريد أن أجده فخلف هذه الجدران لا ينتظرني غير تكرار للمآسي و تجديد الآلام. جلست في زواية مظلمة ومهملة من غرفتي الصغيرة بالمصحى العقلي، أجلس وحيدة، محبطة فارغة الروح مليئة بالجروح. أتأمل الجدران ذات الألوان الباهتة رؤيتي مشوشة و لا أرى سوا ضباب، أتحسسها لتلامس تلك النقوش التي تزينها، رسمت بأيدي أنصاف عقول ملحقة بعيدا، وكأنها تحمل أسرارا لا تكشف إلا للعيون الحزينة، التي تعكس ذكريات مؤلمة و أفكار متشائمة في عقلي المرهق. أغمضت عيناي و أرتسمت أبتسامة حزن تعكس على وجهي الكثير من الآلام والأسرار المدفونة بداخل ظلام عقلي بين ظلاله. أحاول جاهدة أن تختبئ كلها وراء قناع أضعه دوما، الهدوء والصمت. لكن بين الحين والأخر تشع بقوة أحزان غامضة وأمال محطمة. بداخلي كل المعاني وعكسها، لا فارق فأنا هلكت و ضعت بينها وغرقت ببحر من الضباب قسم روحي إلي أشلاء أو ربما بقايا إنسانة. أخترت البعد و خسرت الجميع، حتى نفسي فلا رجوع الأن ولا بأي أوان. ماذا كسبت، لا شئ. لا راحة ولا أمان. وفي لحظة هادئة و مكللة بالحزن، فتح باب الغرفة ببطئ ليدخل عمرو، الممرض المؤكل بالعناية بالقسم الذي أنا ضمنه. دخل بخطوات هادئة، ترسم قسمات وجه أبتسامة دافئة يتسلل منها الحنان الذي يبث إليك شعور الأمان ويغمر بالراحة. وبنظرة تتألق بعيناه عاكسة العناية والأهتمام الذي يغمر جدران قلبه. أقترب بلطف ونطق بصوت يبعث منه وجودا طيبا و كلماته التي تحفز للحيوية. عمرو: اليوم هو الخميس، ما رأيك أن تنضمي للجمع بغرفة الترفيه؟ كان لكلماته تأثير ليطغى على الصمت المحيط ويملأه بالتفاؤل والأمل، فقبلت الدعوة اللطيفة. لملم أوراق الدفتر المبعثرة على الأرض وساعدني على أن أقوم ليرافقني إلي غرفة الترفيه حيث ما يكون الأبتهاج والتسلية و تجربة أوقات مليئة بالحيوية والإيجابية. مررنا بالممر إلي أخره حيث غرفة الترفيه، صحيح المسافة ليست طويلة لكن راسي المشوش و وعي المضطرب يجعلني غير متزنة لذا عمرو كان يرافقني ممسك بمرفق زراعي الأيسر بلطف وحذر. هي ليست بغرفة،إنما قاعة تحتوي على عدت طاولات لأنشطة من بيها الرسم، تشكيل الصلصال، والقص والصق و أستخدام بعض الألات الموسيقية أو حتى الغناء ولا يهم أو يشترط أتقان أي من هذه الأشياء، فقط جرب وأخرج ما بداخلك. قد تكون أنشطة طفولية و ساذجة بعض الشئ لكن الغرض الرئيسي هو إن يشغر المريض عقله الباطن بمزوالة أنشطة بسيطة وسهلة غير معقدة. وما أن وصلنا إلي باب الغرفة فأمسكت يده ونحيتها عني بطلف و بادرته بأبتسامة باهته. هاجر: لا عليك، سوف أدخل بمفردي. طالعني بنظراته الحنونة بتفحص ثم أردف عمرو: متأكدة؟ هاجر: أجل، لا داعي للقلق. رمق بتشكيك و تظاهر بتصديقي و نبس قائلا. عمرو: حسنا، سوف أنتظرك هنا قرب الباب. وقف عمرو بجانب الباب الخشبي ذو بابين عرضين وأنا دلفت لداخل، القاعة لها نفس الوان الحوائط البهاته، هنا حيث لا يفرق الواقع عن الوهم، و يمتزج العقل بغموضه. القاعة من الداخل مقسمة لطاولات، ولكل طاولة نشاط معين. أخترت طاولة الرسم، ليس لفرط مهارتي بالرسم أو لحسي الفني العالي؛ أنا لا أحسن الأساسيات حتى ولكن شئ ما ربما بمزج الألوان يخرج هذه الندوب الكامنة بداخل الروح. جلست عى كرسي و وضعت أمامي دفتر وأمسكت القلم وبدأت احركه بعشوائية، تارة أرسم موجة بحر عالية و تارة أرسم أبريق شاي كان الأمر فوضاوي ومرتجل بالكامل. بعد أن ملئت الصفحة و أتممت مهام الرسم يأتي وقت أضافة بعض الألوان التي تضيف روح المعاني إلي الرموز و الحركة للجماد. كانت علبة الألوان الزيتية على الطاولة بالمنتصف حيث أنها مشتركة مناصفة بين الجالسين، غمست الفرشاة باللون الرمادي فهو لوني المفضل و معبر عن حياتي و أختيارتي و عقائدي بالحياة، أنا أنسانة رمادية هامشية، أتخذ جهة أو أتجاه معلوم، أنا كل ما هو محايد. وبين حركة تنقل يدي بين علبة الألوان و الدفتر لأحظت أحدهم يقاطعني ويغمس فرشاته بالوان جذابة ملفتة، أزاد فضولي لأرى ما يرسم فحركت بصري إلي دفتره وكانت رسمة جاذبة متقنه لمجره بالفضاء متداخلة الألوان بدقة لا تخرج من عقل مختل، بصرت أتامل صانع تلك اللوحة وبراعته بالرسم وأختيار الألوان. كان شاب نحيف وهو على الأغلب في ثلاثين من عمره، ذو لحية مكتملة كثيفة مرتبة، وشعر قصير ناعم كستنائي اللون، كان يتابع الرسم بالدفتر وعيناه مركزتان على أضافة تفاصيل للوحة، أصابعه تتحرك بخفة ورشاقة تحفظ كل الزوايا بداخل حدود نطاق الصفحة وأضافة الألوان تثقله براعة أضافية لموهبته. ولكن فجاه ألتفت ينظر إلي فأستشعرت الحرج، قد يظن أني كنت أتمعنه بالنظر و أراقبه. أدرت وجهي وغضضت بصري عنه و أحنيت رأسي لأدفن وجهي بين صفحات دفتري أحاول أن أضيف تفاصيل أكثر إلي تلك الرسمة العبثية لكن يشغل تفكيري برفيق بالطاولة الموهوب ذاك. فجاه سمعت صوت إزاحه وحركة الكرسي على الأرض فكان اغلب ظني أنه أتم تحفته الفنية وغادر من جواري. - ينقصك أدراج بعض التفاصيل على لوحتك. تحفذ أنتباهي و رفعت رأسي عن الدفتر لأتاكد من مصدر الصوت، ناظرته بزواية جانبيه، فأنا صادفت ذاك الصوت قبلا، أغلب ظني أنه من كان يتشارك الرفاق أمس بلعب الكرة. بأدرته بأبتسامة خجولة و مددت يدي إليه مصافحة. هاجر: أسمي هاجر، هل أنت رسام؟ قابل يدي بالمصافحة ثم أخرج شئ من جيبه باليد الأخرى وأمسك يدي بين كفيه و دس بها ما كان يخبئه. - و أنا أسمي علام، و هذا أسميه مصافحة الأصدقاء ترك يدي وانا أفتح كفي بفضول لأعرف ماذا دس بداخلها، فكان شكل نجمة فضية مصنوعة من قصاصات الورق. لم أفهم ماذا يقصد بهذا التصرف؟! لكنه لطيف نوعا ما. علام: رسمك عشوائي بعض الشئ، تماما كحياتك و تفكيرك. ضحكت و أجبته ساخرة. هاجر: ولما على أن اتحرى الدقة؟، هل لدينا لجنة تقيم أداء؟ علام: لا، لكن عندما يكون أثرنا ذو قيمة يضيف إلينا فخرالأنجاز مما يدفعنا لرضا، بالمناسبة أنا لست رسام، أنا مهندس أو دعيني أقول كنت مهندس فيما مضى. أزاح كرسيه وقام ليغادر فأوقفته ممسكه بمرفقه هاجر: مهلا، لحظة من فضلك، لدي سؤال، هل أنت من كنت تلعب مع البقية الكرة أمس؟ أوم مأكد بألايجاب. علام: أجل يا جارتي. تعجبت قليلا ثم سألته هاجر: لما تستمر بلفظ جارتي، هل لاننا بغرف متجاورة؟ أجابني برد غير متوقع قط علام: لا. أشار إلي قلبه وإليا قائلا علام: لان نحنا والقمر جيران، ولتو أهديتك نجمة وهي أنا لتكون بجوار القمر. كان لكلماته أثر واقع بالبهجة والفرحة، ليس لانه يغازلني ولكن أردت أن أتاكد من ظني فسألته بترقب هاجر: هل أنت لبناني؟ أبتسم ساخرا ثم أردف مجيب. علام : لا، أنا هندي. أشحت بمزح هاتفه هاجر: لكن شكلك و هيئتك لا توحي بانك هندي، لكن لا لبأس لنحل الأمر بثانية. أمسكت الفراشاة من على الطاولة وغمستها باللون الأحمر ثم لونت دائرة بمنتصف جبين علام كما يفعل الهنود بهئيتهم. هاجر: هكذا صرت الآن هنديا تماما. أمتزجت ضحكتنا سويا وتغيرت الأجواء حولنا إلي فرحة وبهجة تتراقص لها قلوبنا. مر النهار بين الأجواء المرح و دندنة علام بأغنية فيروز نحن و القمر جيران. ----------- جاء الليل و خيم الحزن على قلبي وتناثرت الذكريات الثقيلة و التي أحاول أن أتخطها ولكن يرفض قلبي, فبداخلي مخاوف ماذا لو تكرر الأمر؟ هل أنا مستعدة لخسارة المقربين مني؟ الأغلبية يظنوا أن الأمر سهل، لكن الواقع غير فمحرر الأخبار تجمعه علاقة أسرية بطاقم تصويره ليست مجرد علاقة عمل أو زملاة، فنحن أسرة واحدة نتشارك الطعام والشراب و المصير. نضع حياتنا على المحك لأجل أن نقوم بتغطية شاملة للأخبار بينما العامة يتابعوا الأخبار بتأفف وبتصفح سريع للجوال أو القنوات التلفيزيونية. فليس سهلا أن بين ليلة وضحاها أنسى حياتي بينهم و أنسى رؤيتي لموتهم أمام عيناي وأنا أنقل الخبر عبر البث، وأنا على شفير الموت لا أجد خلاص من مصير مؤكد. فكيف للأنسان أن يعتاد، كيف يمكن أن تتحول رؤية بحور الدماء كرؤية الماء، كيف يمكن أن تنسى تحول الأقرب إليك إلي أشلاء؟ قد يعتاد المشاهد عبر الشاشة أو رواد مواقع التواصل نظرا أن الأخبار تتكرر بنفس البشاعة ولا يحدث أي تغير مؤثر إيجابي فيتلاشى الأهتمام سريعا إلي أن يصل للأعتياد ثم التجاهل و النسيان. وهذا يعتبر عاديا بنسبة لهم فهم أعتادوا الظواهر الشهيرة السريعة التي تظهر لفترة ثم تعود طي النسيان فيتخلى البعض إلا قلة صامدة داعمة مستمرة في المتابعة و البحث عن الخبر الصحيح وسط حصار إعلامي مضلل وملايين الصفحات الأكترونية الكاذبة. فالحرب على غزة ليست حرب عدوان يسعى لأحتلال أرض ومحو شعب كامل بدافع للأستطيان، إنما أيضا حرب تزيف و تذوير الحقائق التاريخية لمحو عراقة الأرض والشعب ولهدم مقدس من أهم مقدسات الدين. لذا من ضمن الأدوات، تدليس الأخبار المنقولة عن المأساة والأبادة الشاملة المرتكبة بحق فلسطين خصوصا قطاع غزة. مضى الليل ولم أتمكن من النوم ورأسي يملئه صداع التفكير و جلبة الذكريات المبعثرة. فأنا ضائعة بين شتات نفسي و أسعى لأيجاد طريقي. كانت الأصوات بدأت تسمع بالخارج أي قد أستيقظ الجميع، وعلى الأغلب أنهم يتناولوا فطورهم بقاعة الطعام. دق الباب بلطف معلن وصول فطوري، أذنت بالدخول و أنفتح الباب. دخل عمرو بخطوات هادئة يحمل صينة الطعام. كنت مازالت منكمشة بداخل فراشي أتابعه بكسل وأنعدام شغف تجاه الحياة. أقترب عمرو ليضع الصينة على الطاولة الصغيرة بجانب الفراش ثم طالعني بنظرة جانبية بفضول و أهتمام باعث إلي أحساس أفتقده منذ صغري، شعور أن أحدهم يهتم لآجلك ويهمه حالك ولكن لا ينتظر منك أحسان أو رد مقابل لذلك التفاعل الحسي. هذا النوع من الأهتمام لن يتوفر الأ لدى فئتين من البشر الأول الأمهات تجاه الأبناء بفطر خلقية. الثاني بعض الأشخاص الذين تعرضوا لأزمات نفسية بسبب نقص بالحب والأهتمام من الأهل ببداية حياتهم فتحول هذا النقص لديهم لطاقة حب تستوعب حب للجميع دون مقابل ولا تنضب لديهم تلك القوة. لكن هذا المعيار قد لا يطبق على عمرو، فهو ممرض بالمصحى ومن ضمن مسؤاليته أن يكون ودود ويظهر الأهتمام تجاه المريض المسؤال عن رعايته. ولكن كوني أفتقر هذا النوع من الأهتمام والحب، أتوهم أن لا رابط بين أبرزه و أظاهره للود و الأهتمام وبين أنه الممرض القائم على رعايتي. عمرو: ألا يعجبك الفطور؟ ألتفت ابيه بنصف أهتمام وأتعدام تركيز هاجر: بلا، شهي. رمقت الصينة بنظرة خاطفة وكانت تشمل على جبن أبيض و الزعتر وإلي جانبه الخبز المحمص و زيتون الأسود. مكونات المائدة كافيه لتدخل السرور على قلب أي لبناني يميل إلي تناول الأطعمة التقليدية على وجبة الأفطار، وأيضا تربطني بهذه الأصناف مئات الذكريات الدافئة مع عائلتي ومنطقة سكني بجبل لبنان. لكن داخلي شعور لم أشعره به منذ فترة، فهذه اللحظة يتملكني شعور بأن أتكلم وأتجاذب أطراف الكلام مع أحد. عمرو:يبدو أن هناك شئ ما بخاطرك. وكأن جرا بيننا تخاطر فبصوته الدافئ وبكلماته اللطيفة ليس أمامي سوا أن أتكلم. هاجر: نعم، أشعر أن الكلمات ستخنق حلقي أن لم أخرجها. أشاح بيده نافيا عمرو: حرريها، أخبريني ما الأمر، ماذا بكِ؟ كان هذا يعتبر لعمرو بمثابة إنجاز غير مسبوق، فأنا منذ قدومي إلي هنا لا أتكلم إلا لضروره، ومرت أيام كثر لم يسمع فيها إلا أصداء أنفاسي. زفرت بعمق وأنا أرى بعيناه فضول و أشعاع الطمئنانية يغمره. هاجر: برأيك يا عمرو، هل أنا أحمل وزر موتهم؟ أستشعر عمرو بين كلماتي عودتي إلي أزمة الأحساس المفرط بالذنب. أجاب سألاً بسخرية عمرو: لما؟ هل أنتِ من أمر بقصف المنطقة؟ أم أنك لديكِ علم مسبق بقصف المكان لذا أستدراجتهم إلي هناك؟ هاجر: لا، لم يكن لدي علم مسبق بالحادث، لكني أصررت أن نبقى بغزة بعد أنقضاء مهلة تصريح التصوير للأستمرار بتغطية الأخبار رغم التهديد بالأخلاء، أي أنا السبب بأستمرار تواجهم هناك ليلاقوا مصيرهم بالموت. عمرو: ما كان الداعي ؟ ماذا رغبتكِ من أستمرار التغطية؟ هاجر: كنت أشعر بالخزي،فالناس هناك يسعوا لتمسك بالحياة بأضعف السبل أن وجدوها وأنا وغيري نفر من المكان أذا ما نقص مورد من موارد الغذاء أو الأمان، أردت أن أكون كلمتهم الأخيرة وأن لا أقف بصف الذين تخلو عنهم و خزلهم لأجل مطامع شخصية أو نجاة من الموت الذي يغترف منهم مئات كل يوم. سكت عمرو لثواني أمعن بها مقصد كلماتي ثم أمسك قطعة خبز ليغمسها بالجبن و الزعتر و قربها مني إلي. عمرو: وأنتِ كنتِ عونهم حتى اللحظة الأخيرة، كـ كسرة الخبزة هذه التي تفتقر إليها معدتك منذ أيام، صحيح أن المحاليل و المكمل الغذائي مفيدة لكن لن يكون كافيا فالجميع عبر مواقع التواصل والمنصات وحتي بسائر البلاد يملئهم حل ودعم فلطسين وأهل غزة، لكن أن لم يتوفر أمثالك بساحة التغطية الحية لن يتمكنوا من رؤية المشهد كامل وبوضوح. أعلم أنك تلومين نفسك، لكنك لم تقترفي خطأ سوا بحق نفسكِ. أزاح كلام عمرو قدر كبير من سيطرة الأحساس بالذنب و تملك الخزي من قلبي. هاجر: وما هذا الخطأ يا عمرو؟ عمرو: أن تدفيني نفسك وأنتِ على قيد الحياة، صحيح أن الموت هناك وأمتدت جذوره ويقتلع من الناس كل الألاف، لكن هنا ينبغي أن تعيشي و تعودي قوية لتدوني و تسجلي سيرتهم وطموحهم اؤلئك الذين ماتوا و أمالهم معلقة بروحك الحية. أصاغ عمرو المعاني بطريقة ذهبية تلمع، جعلتني أرى الحياة بين كسرتي خبز، لذا كان قراري على المحك و ما دمت أتنفس حيه، فعلي أن أقاوم، لأكون صوتهم مكاني حتى لو من أفق بعيد ولن أحيد عن طريقي. تناول فطوري وأنا تحت أنظار عمرو وهو بقمة سعادته بنجاحه بأقناعي تناول لكن في تلك الأثناء هاجم عقلي سؤال ذو صبغة أنانية لم أسئله قبلا. هاجر: عمرو، ماذا لو كنت أنا من مات وبقيت الطاقم قد نجى؟ هل كانوا سيحزنوا ليومين وبعدها يعودا ليكملوا حياتهم بأعتياد كأن شئ لم يكن؟ تروى عمرو بالأيجاب وأبتسم. عمرو: نودع الميت بجسده، لنخلد ذكرى روحه، ليس لدينا بعد الموت سوا الذكرى والسيرة فلو كان الله قدر لكِ الموت هناك لكانوا رفعوا أسمك بكل مكان فخورين بشهادة رفيقتهم في سبيل أن يصل صوت إلي أخر العالم. أمعنت التفكير فيما وراء معاني الكلمات ثم تنهدت معلنة الأقتناع. فما فائدة التمسك بالحياة وأنت ليس لك أُثر أو دور بين الأحياء. أنحنى عمرو يلملم الصينة والأطباق ثم التفت متجه إلي الباب ليخرج، وقبل أن يكاد يغلق الباب خلفه أردف قائلا عمرو: لا، لن أقفله سوف أتركه لعلك ترغبين في الخروج للحديقة، الجميع بالخارج والطقس لطيف ومثالي، يشبهك تماما. تبدلت قسمات وجهي إلي الأبتهاج لما قاله عمرو من أطراء لطيف. كان لكلام عمرو أنعكاس أشبه بري زهره عطشة بيوم صيف حار. فقد أنعش عقلي وهدّا روحي وأعاد إلي بصيص أمل ينير بين حوائط جدار عقلي المظلم. وملئتني رغبة أن أخرج للحديقة وأرى كيف أصبح العالم منذ أن أنعزلت عنه، هل أختلف شئ ما بسماء بيروت؟ نفضت فراشي و رتبته وحملت دفتري وقلمي وخرجت من باب الغرفة أتمشى بأروقة المشفى، الأضواء الخافتة تدخل الراحة للقلوب و الأجواء الهادئة تريح العقل ولكن مثلما أشعر بكل مكان، يملكني شعور أني ضيعت درب باب البيت. وصلت إلي باب المصحى الداخلي الذي بعده الحديقة الكبيرة ثم بوابة كبيرة معدنية تفصلنا عن الخارج جدران أستمنية سميكة و عالية تحاوط الحديقة و المشفى أي اننا في أحضان الطبيعه، حديقة كبيرة على مرمى البصر مليائة بالأخضر الزاهي و زهور الياسمين أجمل ما سوف تقع عليه عيناك بالشام و بيروت حيث لا يوجد إلا هواء نقي أتطلع للخارج بأطراف بصري فأنا أينما حللت أتنفس الغربة. ألف قلبي المنظر وأشتهته روحي، الشمس تحيط الأشجار الخضراء و زهور بالوان زاهية تشكل لوحة مكتملة. رغم أني بكامل وعي وأتزاني إلا أنني أعاني دوار خفيف على أثر بعض الأدواية، لكن لايهم. يجب أن أعتاد، علي أن أتكيف مثلما تكيفت مع كل ما مضى. أعطى مخي الأشارة لجهازي العصبي بالتقدم للخروج. خطوت بضع خطوات ودلفت من البوابة، ثم توقفت ببداية الحديقة، أحاول أن أحزر موقعنا من المعالم المجاورة. فمن ناحية اليمين جبل ومن ناحية اليسار يظهر من الأفق البحر و من حولنا بساتين خضراء، فنحن هى الأغلب بمنطقة"كركول الدروز" ولكن أجواء المكان وأختيار الموقع مثالي وهذا أنسب ما قد يساهم بتحسنا و علاجنا ، العلاج النفسي ليس فقط العزلة بين حوائط أسمنتية و أكراهنا على تعاطي أدوية ذات تاثير كيميائي. أكملت جولتي ، متأملة الجوار من حولي كل ما وقعت عيني على مكان أرى به زهور نبتت وأزهرت ورود وأشجار كبيرة تظلنا بظلها الحنون و فروعها الخضراء تعانق الجدران من كل حافة. وبعد معاينة سريعة أخترت شجرة محببة إلي قلبي فأنا أجد بشجرة الزيتون رمزية ثقافية لبلدي وإلي فلسطين الحبيبة. ساقتني قدماي حيث جلست تحت ظلها أتأمل الجوار من ناحية و أستنشق الأكسجين المختلط بعبير الزهور التي تحفز ذكريات ذات طابع وهوية. تقطع حبل أفكاري المتصل بالماضي وتحفز ذهني للأصوات بالجوار صوت ضحكات و حديث البقية فكان الصوت لرفاقي من المرضى يلعبون الكرة كعادتهم. تلفت أطالعهم بعيون باهتة تخلو من أي معاني أو تسأل، فقط أهتمام فارغ المعنى. كان هو من بينهم يقفذ بالهواء ملتقط الكرة، أتسأل دوما من أين يحصل علام على أيجابيته وأقدمه؟ أدرت وجهي عنهم وغصت بشرودي مرة أخرى. فأنا لا أجد نفسي بينهم ولا بأي مكان أخر. أنا في مدينة معلقة بين ضباب الواقع وسكون الأحلام، كانت هناك كذات ضائعة تبحث عن معنى لوجودها. تجولت بين شوارع الأمان و زوايا الأستقرار, أسال نفسي عن مكانها في هذا العالم الواسع. كل مكان أزوره، أترك فيه جزءًا من قلبي، آملة أن أجد في يومٍ ما هوية المكان الذي يمكن أن أدعوه بحق "وطن". البيوت كانت دافئة ولكنها لم تكن موطني، الأصدقاء كانوا قريبين ولكنهم لم يملؤ فراغ روحي. في كل زواية وجدت قطعة من ذاتي، لكن الصورة الكاملة عني ظلت غائبة، فهل سأجد ذاتي الحقيقية؟ ، أم أنها سأظل دوماً في رحلة بحث لا تنتهي، بداخلي و داخل ظلال عقلي بين ظلامه. أقترب بهدوء والهواء يتلاعب بتجاه خصلات شعره الناعم والقصير علام: أود أم تنضمي إلينا ونتشارك اللعب. لم يكن لدي من الكلمات ما تعبر عن حالتي و غصت حلقي تحمل مرارة لا تحتمل، فما كان إلا أنني أنسحبت وتركته هاربة لداخل، أختبئ خلف حوائط مقبرتي. فأنا لا أريد أن أرى نور ولا أن أعيش وأنعم بسرور فأنفاسي فارغة وقلبي لا يتحمل كلما حاولت أن أتقرب للبقية يلؤمني و أتذكر بحور دماء رفاقي. ________________ مضى النهار وأنا أحاسب نفسي وأعاتبها تارة وأضع الحق علي بأني أسعى لنسيان رفاق دربي، وتارة قلبي يوخذني بالآلم و يذكرني أنهم رحلوا وبقيت وحيدة. و أنفاسي ضاقت وصدري لا تسعه رئتي، كنت أشعر أني أختنق بحبل أفكاري. لذا طلبت من عمرو أن أخرج ليلا للحديقة. من ناحية الهواء النقي سوف يحسن من تنفسي ومن ناحية أخرى سأكون وحدي بعيداً عن أؤلئك الرفاق. عرض علي عمرو أن يرافقني لكن رفضت طلبه بلطف وأخبرته أني بخير وفقط أحتاج الجلوس بين العشب و هدوء والليل. وافق وسمح لي بالخروج ،أخترت نفس الشجرة، شجرة الزيتون، جلست تحت أغصانها المتديلي منها ثمار الزينون. الليل هادئ و خالي من أي صوت لا يسمع سوا صوت تمايل فروع الشجر المتراقص مع نسيم الهواء الخفيف المنعش. عانقت ركباتي برفق وضمتهم إلي صدري. رفعت بصري إلي السماء المرصعة بالنجوم، وميض النجوم يشبه نبضات القلب الذي يفيض بالأشتياق او ينبض بالأمل. - تعرفين، النجوم تحكي قصصا لمن يستطيع لمن يستطيع فهم صمتها و وميضها. لم الأحظ وجوده ولم أنتبه إلي قدومه ،لكن راق لي كلامه. ألتفت إليه بأبتسامة. هاجر: و ما القصة التي ترويها الليلة؟ أقترب علام وجلس إلي جواري رفع بصره للسماء أشار بسبابته ثم أرجع ظهره للوراء قليلا و تنفس صعداء وأغمض عيناه لثواني وكأنه يستحضر روح الرواي ثم أسترسل قائلا في زمن بعيد، حيث كان الفضاء لغزًا لم يُكتشف بعد وكان الناس في رهبة من السماء، نسجت عقولهم حكايات وأساطير حول النجوم التي تزين ظلمة الليل. كانت هذه النجوم أكثر من مجرد أضواء بعيدة في السماء؛ كانت رموزًا للآلهة، ودلائل للملاحين، ومصادر للإلهام للعلماء. في أحد هذه العوالم البعيدة، كان يعيش حكيم يُدعى ثابت. كان ثابت يقضي لياليه يتأمل السماء، محاولًا فهم أسرار النجوم والأجرام السماوية. وقد أدرك أن لكل نجم قصة، ولكل تجمع نجمي أسطورة. كان يجمع هذه القصص ويرويها لأهل قريته، مما جعل منه راوي الأساطير المحبوب. من بين القصص التي رواها ثابت، كانت أسطورة الدب الأكبر والدب الأصغر، وكيف حولتهما الآلهة إلى تجمعات نجمية لحمايتهما من وحش ضخم يطاردهما. وحكى أيضًا عن أوريون، الصياد العظيم الذي وُضع بين النجوم ليخلد شجاعته وقوته. مع مرور الوقت، بدأ ثابت يلاحظ نمطًا في حركة النجوم. فقد اكتشف أن النجوم لا تتحرك بشكل عشوائي، بل تتبع مسارات دقيقة عبر السماء. أدرك أن هناك نظامًا في هذا الكون، نظام يمكن فهمه وتفسيره. وهكذا، تحولت اهتماماته من الأساطير إلى العلوم. بدأ ثابت بتدوين ملاحظاته وحساباته، مُسخرًا معرفته الأسطورية لفهم السماء منظور علمي. ومع مرور الزمن، أصبح ثابت ليس فقط راوي أساطير، بل أيضًا أحد الرواد في علم الفلك. وفي النهاية، قادته دراساته واستكشافاته إلى نظرية مُذهلة، تفيد بأن الأرض ليست مركز الكون، بل مجرد واحدة من العديد من الأجسام السماوية التي تدور حول الشمس. كان هذا الاكتشاف بداية لثورة علمية، حيث بدأ الناس ينظرون إلى النجوم بعيون جديدة - ليس كرموز للآلهة أو مصادر للأساطير، وإنما كمفاتيح لفهم الكون. وهكذا، رغم مرور العصور، ظلت حكايات ثابت واكتشافاته شاهدة على مسعى الإنسان الدؤوب نحو استكشاف الأسرار التي تكمن وراء النجوم. من خلال الجمع بين الأساطير والعلوم، أظهر لنا ثابت أن كليهما ضروري لفهم مكاننا في هذا الكون الواسع. كانت الكلمات التي يحكيها ذات معاني شبيه بما يعتقده أهلي و عقيدتهم منذ زمن بعيد تلك القصص التي تربيت عليها و كونت جزء كبير من مجال تفكيري وشخصيتي. عدت إلي غرفتي بعد مجلس السمر يغمرني شعور بين البهجة والأرتياح، وكوني عثرت بين تلك الأرواح الهائمة على روح لديها وجهة ومعيار عقلي متزن. كان النسيم البارد يؤخذني بفشعريريه ليصل البرودة إلي أعماق روحي لذا عانقت غطائي بطمائنينة وتدثرت به لأحتمي من البرودة وشردت وأنا أتأمل سقف متذكرة كلماته التي تحمل بريق عقل ناضج، لكن سطع تساؤل بسطح عقل، طالما أنه ذو تفكير متزن ويغوص بأعماق المعاني لما قد يتواجد بمصحى أمراض عقلية؟ ما المرض أو الداعي الذي قد يكون لأجله علام هنا؟ __________________ مرت عدت أيام وأنا أتابعه بترقب سواء بلعب أو بجلسات السمر المسائية تحت النجوم بالحديقة لا أجد دليل كافيا يثبت عدم كفاءة عقله! لا أعرف ما العله التي قد يكون بسببها علام بهذا المكان؟ لكن ربما سأعرف اليوم، فاليوم ميعاد الكشف الدوري الذي من خلاله يحدد دكتور وجيه تقيم كل حالة. أستيقظت صباحا بنشاط وشغف متحمسة، تناولت الفطور برفقة بقيت رفاقي المرضى ودخلنا إلي غرفة الترفيه ثم بدأ دكتور وجيه في أرسال أستدعائات بترتيب الأسماء لمكتبه ليبدأ بالكشف، كنت عالقة بين أمرين. الأول مراقبة علام كالمعتاد فأنا أتحرى عنه و أترصد له بترقب لكن دون أن لفت أنتباهه والثاني أن يحين دوري فأنا أول مرة أنضم للتقيم الأسبوعي. وحسب الترتيب الهجائي كنت أنا صاحبة أخر دور. رافقني عمرو إلي باب غرفة دكتور وجيه ثم وقف متروي يتابعني بنظراته الحنونة التي تغمرني دوما، تحسس كتفي برفق ثم همس قائلا عمرو: هل أنتِ مستعدة، أن شئتي أخبره أنك سوف تكونين جاهزة بالجلسة القادمة. أزحت يده عن كتفي بلطف وأجبته بلين. هاجر: لا، أنا بخير لا داعي للقلق، فقط أنتظر خروجي. أجابني بأسم الثغر بشوش الوجه. عمرو: أنا دائما هنا لأجلك. أستشعرت الأمان والطمئانينة بين كلماته وخفق قلبي بأرتياح ثم دلفت من الباب إلي الغرفة. مسحت المكان ببصري سريعا، أضاءة هادئة وترتيب منمق أثاث ذو طابع بسيط يجبرك المكان على أن تتملكك الراحة وتتلذ بالهدوء المسيطر على المكان. صوت أنغام البيانو التي تبث عبر نظام الصوت المتوزع بالغرفة تعزف الحان من الفرحة و الأسترخاء. دخلت بخطوات هادئة أتلفت حولي فكان يجلس على الأريكة المجاورة لمكتب فأعتدت من دكتور وجيه عدم محبته لرسميات، وبعيون متركزة على صفحات الدفتر الذي بيده وكان بين أصابعه قلم يدون بضعة ملاحظات. أستشعر دخول فألتفت إليا قائلا وجيه: ممتاز، لم أكن أتوقع حضورك هذه المرة لكن جيد. أقتربت بخطوات مترددة ثم على جلست على كرسي بجانب الأريكة، نحى الدفتر جانبا ونبس قائلاً وجيه:بعيناكي شغف الفضول و لسانك يخفي كلمات ترواده، أخبريني أذن ما الذي يجول بخاطركِ؟ أجبته متسائلة بتعجب هاجر: ألن تسألني عن حالي؟ أو بماذا أشعر لترأ مدى تقدمي؟ وجيه: أنتِ بخير تماما، حتى أنكِ لم تأتي إلي مكتبي لتقيم حالتك، لذا أخبريني ما الذي يشغلك؟ أنكمشت حرجا بمقعدي وعقدت مرفقي ثم تنفست صعداء وأردفت قائلة هاجر: أجل، أريد سؤالك عن أحدهم، علام ما مرضه بضبط؟ أراه عاقلاً تماما، لما هو بين المرضى العقليين؟ تروى قليلاً ثم تسائل. وجيه: و لما تسألِ عن علام بالأخص؟ هل هناك سبب ما؟ كان لسؤاله مدى عميق لأمس قلبي، ولن أكبح المعاني التي ترواد خاطري. هاجر: لأول مرة أشعر أني مهتمة لأمر أحدهم، فكلما فكرت به أو رأيته أمامي ينبض قلبي بإيقاع مختلف، إيقاع لم أعرفه من قبل يحمل بكل دقة فيه وعدا بالحياة. ألتمس دكتور وجيه كم كلماتي المشاعر التي أكنها تجاه علام وكانت ملامحه تعكس مدى أرتياحه وفرحته بكلماتي التي تشير أني أصحبت فعلا جاهزة للاندماج بالحياة من جديد. زجيه: كل ما قيل مثالي و رائع، علام ليس مريض بالمعنى الحرفي الدارج فهو مثلك واجه بعض الأزمات والتي لم يتسطيع تخطيها لذا جاء إلي هنا محاولا أن ينجح بذلك. قاطعته متسائلة. هاجر: و ما هي تلك الصعاب؟ زم شفتيه و عقد حاجبيه متعجبا. وجيه: و ما الداعي الذي وراء سؤالك؟ ما هو سبب تساؤلك. هاجر: كل ما في الأمر أني أشعر تجاهه شئ خاص لذا أريد أن أعرف الحقيقة. أوم وجيه متفهم ثم أستكمل قائلا. وجيه: لذلك يفضل أن تصل كلماتك إلي مسامعه وأن تعرفي حقيقة وضعه منه ، صحيح أني أعلم عن حالته ، لكن أسرار المرضى مربوطة بمثياق قسم المهنية وهذا يمنعني من أفشي أسراركم. تفهمت تكتمه وأحترمته كونها أمانة يحملها بميثاق عمله. لذلك بعد ما تممت الجلسة أنسحبت و رافقني عمرو و أعادني إلي غرفتي. يتملكني شعور واحد، الرغبة في الأنعزال كما كنت. لم يعد هذا العالم يسعني أو يسمع أحزاني و همومي و كأن السماء أصحبت مثقله بمعاناتي. مر يومين، لم أخرج بهم ولا افارق فراشي. وكلما جائني عمرو بالطعام أرده رافضة، فلم يعد لدي طاقة أن أفكر فيما قد يكون مخفي عني من أسرار. يتملكني شعور واحد أن أظل في رقودي عاكفة ولكن بالرغم من ذلك كان بالي مشغول به، لأول مرة منذ فترة طويلة ينشغل تفكيري بشخص ما لا أعرفه. هل هذا ما يسمونه الأعجاب أو الحب؟! و برغم من أصراري على أن لا أعبث بهذا السر الخافي عني إلا أن يروادني و يتردد إلي ذهني ما قاله علام من كلمات قد ملئت وأنارت معانيها بقلبي أفاق. الهدوء مسيطر على المكان، الجميع نيام. نفضت غطائي وقمت عن فراشي و جلست على الأرض لكن هذه المرة وراء الباب. عانقت ركبتاي وضمتها إلي صدري، لا أعرف كيف أستطيع كبح ما يخالج عقلي ويتسلل إلي أفكاري. أغرقت عيناي بالدمع وكان صوت أنيني مسموع. لا أعلم أابكي حيرة ويأس أم أشتياق؟ دفنت وجهي بين ركبتاي وأجهشت بالبكاء. - هل ضعتي؟ تخللت الكلمات أذاني ولامس صوته قلبي، فبرغم من العناد فسكن بالي وهدأ قلبي لسماع صوته وكأن لم يمسسني حزن أو هما قط. جففت عيوني من الدموع و تحسست الباب الحديد ذو الملمس البارد و أجبته بصوت محتقن بأختناق. هاجر: أجل، لا أجد الطريق. سمعت أنفاسه المتلاحقة بطمائنينة ثم أردف. علام: لا بأس، ليس بالضرورة دوما أن نجد طريقا، أحيانا يتطلب الأمر أن نصنع طريقنا الخاص. كان لكلام علام دلاله لكا هو يدور بعقلي بين ظلاله فأنا دائما أبحث عن الطريق وعن كيفية الحياة مثل سائر الناس، لكني لا أملك تلك المهارة ولا أعرف كيفية صنعه و أدراته لكن، أتضح الأمر الآن و أرتمست ملامح الطريق الجديد الذي تتشكل ملامحه. شردت لثواني أسئل نفسي، هل الماضي قد يكون ضمن ملامح هذا الطريق. أم أنه حاضر يحمل ملامح مختلفة، فكيف يمكن أن يزول الماضي و نتركه يمضى كيف من يخاف يفعل هذا من يخاف التغير؟ فقالوا كثيرا سأنسى خلال أيام، لكن الوقت لا يمر ليترك خيار النسيان. علام: أعرف أنك مازلتي تجلسين وراء الباب. منذ أن التقيتك أول مرة و أنا أريد أخبارك بشئ مهم. عدت للأنتباه إلي ما يقوله علام لأركز على كلماته مستمعه بأنصات. علام: لكن قبل أن أقول، فسبب وجودي هنا أني مشتاق لكِ، فغيابك من بيننا ظاهر و مكانك لا يملئه غير دفئك وجوارك. أرتسمت أبتسامة صافية و تراقص قلبي على الحان كلماته. علام: ما أردت أخبارك به أني أعرفك من قبل أن نلتقي هنا وتعمدت أن أختار رمزية النجوم كوني كنت أسمعك ترددي شعار القناة الفضائية لعلك تعرفي أني كنت من متابعينك يوما ، كنت أردّه دوما ورائك " كانت معكم هاجر حاجي، قناة الحقيقة النجم الساطع بسماء الأعلام". قمت مسرعة وفتحت الباب لأراه لنجلس سويا، فلا يوجد سبب لنفترق أو نهرب لأجله من بعد الآن. قابلتني يداه بلمسة حنونة ذات قوة، لمسة أسترجيها من العالم. العالم الذي يملئ الوحدة بداخله، غربة و وحدة سكنت قلبي وغلفته بتعب وأجهاد لسنوات. أذابتها لمعة الأشتياق بعيناه وملئتها أملاً بالقاء وتشكلت معاني ذات رؤي تلامس قلبي. همس إلي بصوت مبحوح و دموع مجمعه بعيناه. علام: أرجوكِ، لا تهربي مني مرة أخرى. أقتربت بخطوات هادئة ومسحت دموعه بطرف كمي وأجبته بنبرة هادئة هاجر: لا تخاف، لن أغادرك أبدا، فروحي معلقة بروحك. دخلنا إلي غرفتي وجلسنا على الأرض حيث المكان الذي أفضل به الجلوس دوما. هاجر: أعرف أن مكان جلستني قد لا يعجبك، لكني أفضل الجلوس على الأرض فالأرائك متشابة لكن الأرض تختلف طبيعتها من مكان إلي أخر. علام: حيث ما تجلسِ سيكون أميز مكان كوني أجلس إلي جوارك و برفقتك. أبتهج خاطري و أضاءة الفرحة وجوهنا وقلبينا وذهبت إلي ما هو أبعد من النجوم. هاجر: حدثتني ذات مرة عن النجوم وقصصها، ما الذي تحكيها النجوم أيضا؟ تأمل الفراغ المحيط بنا ثم نظر إلي عيناي بتفحص ثم همس قائلاً علام: كل ما حولنا من أُثر حكيها. هاجر: لم أفهم؟ علام: منذ سنوات بعيدة الأفق، أنفجرت النجوم متصادمة بحربنا قوية و من أثرها ولدت الكواكب والمجرات و الحياة بكل ملامحها وأن تتأملي ستجدي أثر النجوم بقلبك. و بعد جهد و مجهود ذهني غصت بأعماق المعاني التي يشير إليها ببضع كلمات مجهوله. ثم سطع بعقلي سؤال أردت أن أسأله لعله يكون لديه جواب. هاجر: الحاضر، كيف نضع له ملامح تختلف عن الماضي؟ تروى محدقا بالأفق ثم أردف علام: الحاضر هو الأبن البكر للماضي، يحمل جذوره وهويته لكن تشكل ملامحه بثمار المدوامة على ما نريد حصاد وجنيه بالمستقبل. صرفت بصري عن النظر إليه و شردت غارقة بمعاني كلماته ثم أستدركت قائلة هاجر: الحاضر هو سجن تابع للماضي. تنفس براحة ثم أرتسم شبح أبتسامة بين شفتيه. علام:أوافقكِ الرائ، و أنسب ما يفعل بالسجن هو قضاء العقوبة لنبدأ بعدها من جديد. زاغ عقلي و أنفرطت حبات عقد أفكاري وأستشعرت أن ما يقوله فوق أستعياب فهمي. هاجر: لا أفهمك، ماذا تقصد؟ علام: أعني أن أنسب ما يفُعل مع الحاضر أن نعيشه وأنسب ما يفُعل مع الماضي أن نتعلم منه. تحسست وراء كلماته منطق وتفكير يناسب موج الحياة العاتي ولا ينبع إلا من شخص ذو تجارب حياتية صعبة وهنا تذكرت ما قاله دكتور وجيه عن تلك الصعاب التي عاشها علام، تسألت ترا ما السبب الحقيقي ةراء مكوث علام بهذه المصحى العقلي طالما أنه متزن ذو عقل حكيم التفكير؟ عانقت ركبتاي بمعصمي وأسندت رأسي على كتفه بوهن و أسترجيه أن يساندني بحربي مع نفسي و عقلى. هاجر: علام، ترا ما هي الحكاية التي وراء نجمك؟ داعب خصلات شعري بأصابعه برفق و أقترب من أذني هامسا. علام: يحكى أن شاب يملك من الحياة كل ما أراد أن يمتلك، عائلة تحبه معيشة مرفهه ذات الكثير من النعم و زوجة جميلة تأنس قربه وتحترمه ببعده إلي أن جاء يوم و أنقلبت حياته ليرحل كل من أحبه ليبقى عالقا بين الأحياء وحيداً حزيناً و غريب فالغربة، ليست مجرد غياب وطن أنما غربة روح بين حنايا القلب وتفاصيل مفقودة لرحلة إلي عوالم لا تعرف الزمان والمكان. كان لعلام صوت كأحتضان لقلبي. أوقف قلقه و خوفه من الماضي ومن الوحدة و الغربة. فما أن بدأ بالحديث حتى نسيت أنني مريضة وحيدة وأنني كالأموات الرقود بين حوائط المصحى. وقبل أن تكاد عيناي تغفو نعسا من الطمئنيانية الساطعة من حنجرته أعتدلت بجلستي وقاطعته متسائلة. هاجر: مهلا، أعد الحكاية دون أضافة لمستك الخيالية. أرجوك أخبرني الحقيقة يا علام. لأمست يداه بأطراف أصابعي بوهن ونظرت إلي عيناه بعيون باهتة المعنى، ضائعة أبحث بين عيناه عن كل المعاني المتناقضة. هاجر: أرجوك، أخبرني لما أنت هنا يا علام؟ مسح بـ أبهامه الدمعة السابحة على وجنتي ثم أبتسم قائلا علام: هو شئ لا ينسى ولن يمحى من ذاكرتي مهما مرت الأيام، الصدمة والحزن وعشرات الأموات. الدماء كانت بكل مكان، الدمار هائل و أحاط الدخان بسماء بيروت عقب الأنفجار. كان بالبداية اليوم جميل، ذهبت برفقة زوجتي للمتجر لنختار هدية لعيد ميلاد أمي. ثم بثواني معدودة أنهار المكان بالكامل على أثر الأنفجار، باليوم الرابع من أغسطس لسنة٢٠٢٠ ، أنفجر المرفأ ببيروت لياخذ مني زوجتي التي كنت أتنفس حبها هوائا وأمي التي لا أجد من بعدها حضن ليسع أحزاني. أعادوا البناء مثلما كان، لكن لم تعد الأرواح حيثما كانت. أصبح دمار جروح قلبي يفوق دمار شوارع بيروت. هاجر: وكيف تخطيت؟ علام: لم أتخطى، أنا فقط أتعايش. هاجر: وأنا لست حية، أنا فقط على قيد الحياة. علام: من خسرتي وكيف؟ هاجر: كل رفاقي، بقصف في حرب غزة. وكانت هذه لحظة الأدراك الأشمل للمعاني فأدركت الآن أن علام مثلي، ليس مريض يحتاج أن يحبس بين الجدران بل يحتاج لمن يمنحه الحب و يجعله يعود بأرادته إلي معقل صراع الحياة ويكف هو عن التصارع مع ظلال عقله. وربما أنسب من يقوم بهذه المهمة هي أنا. فأنا أحتاج إلي من يشبهني، وهو يحتاج إلي من عاش ظروفاً مشابهة. __________________ مرت أيام، قرابت شهرين، توطدت علاقتنا ونكاد لا نتفرق إلا بالنوم ليلاً، نتشارك كل شئ، الألعاب والألوان والرسم، نسهر لنتأمل النجوم و نمرح بين رفاقا نهاراً. أصحبنا مقربيين و ذات بيننا كل الفروق وكلانا يجد في الآخر مرآة لروحه المفقودة. و اليوم ترسم ملامح جديدة لرحلة بدأتها بنصف قلب ونصف روح لأصل إلي لون من الألوان معاني الكمال. أستقيظنا باكرا لتناول الفطور ومن ثم توجهنا برفقة بقيت الرفاق إلي قاعة الترفيه وأتخذ كلاً مقعده خلف الطاولات ليكمل نشاطه بحماس و روح تفاؤل موزعة بتساوي بين قلوبنا جميعا. وبالزواية كان يعزف زميلنا سليم على الكلارينت لحن " نسم علينا الهوى" وزادت عزوبة عزفه أتقانه للألحان مما رسم حالة من البهجة بأرجاء المكان أطربت قلوبنا وأذاننا قام علام يتمايل على إيقاع الحن وأمسك يدي وجذبني فقمت لأقف جانبه ثم و أعاد الكرة مع بقيت الرفاق لنشكل سلسلة لنؤدي رقصة الدبكة ، بدأنا بخطوات بسيطة ثم تزداد تعقيداً وسرعة مع تقدم قائد الرقصة المسمى " بالروايس" كما نسميه وهو الذي يكون مسؤولا عن توجيه الراقصين والذي أتخذ دوره علام. تشكلت السلسلة من ثلاثة شباب و بنتان نؤدي رقصة الدبكة على إيقاع الأغنية المعزوف، لحظات أسترجعت بها أصلي و هويتي فالدبكة هي رقصة تقليدية في لبنان والشام تؤدى في المناسبات والأعراس والأعياد و ما يميزها أنها ذات إيقاع سريع ومتناسق. كنت انا وعلام قابضين على أيدي بعضنا بقوة و نبدل بالأرجل حسب الإيقاع الحماسي لرقصة و لأول مرة وجدت قلبي ينبض بإيقاع مختلف، إيقاع لم أعرفه من قبل يحمل بكل دقة فيه وعداً بالحياة. تعالات أصوات ضحكاتنا مختلطة بحركات عفوية بغير سياق الرقصة و نتغنى بكلمات "فزعانه يا قلبي" " أكبر بهالغربة" " ما تعرفني بلادي" "خدني..خدني على بلادي " "و بعدا الشمس بتبكي عالباب وما تحكي.. يحكي هوا بلادي" "خدني..خدني على بلادي" دخل عمرو إلي القاعة وأنضم إلينا لتكتمل لوحة البهجة بالمكان. بعد عدت دقائق أنتهى سليم من العزف وتفرق البقية ليعود الكل لنشاطه جلست أنا و علام نكمل رسمتنا و كان عمرو ينتظرنا بصبر وأبتسامة صافية على وجهه تعكس روحه النقية. بعدما أتممنا رسمتنا نظر عمرو إلي ثم قال عمرو: دكتور وجيه يطلبك لوضع التقرير النهائي، لقد أحرزتي تقدما كبير يا هاجر وأظن أنكِ مستعدة للعودة إلي حياتك. تبادلت النظرات مع عمرو بقلق ثم نظرت إلي علام بتوتر ، قابل نظراتي القلقة بنظرة ود وطمئنياية ومد يده لسحب كفي ثم ضغط برفق بث إلي الإمان. _______________ لم أستطع أن أتركه وأذهب برفقة عمرو بمفردي فلا أجد الأمان إلا بجواره لذا توسلت لعمرو وطلبت منه أن يحضر علام برفقتي ، و وافق مرحبا بقبول. وصلنا إلي نهاية الممر الذي به عرفة دكتور وجيه. كان عمرو بالمقدمة و خلفه أنا وعلام نمسك بأيدي بعضنا. فتح عمرو مقبض الباب و ترك لنا المجال لندخل. كان دكتور وجيه كعادته يجلس على الأريكة وبين يديه بضع أوراق وقلم يطالعها بتمعن وما أن انتبه لدخولنا فحول بصره إلينا. أدام النظر إلينا بثبات وجهه مبتسم بوقار يغلفه التفاؤل. وجيه: كل ما أمامي يثبت الآن أنكِ بكامل الأستعداد للعودة إلي لحياتك، العالم ينتظركِ بالخارج. تبادلت أنا وعلام النظرات بين بهجة وأبتسامات غمرت أرواحنا وقلبينا. ثم أردفت بحزم وعزم. هاجر: أريد أن أعود، لكن ليس بمفردي. تداخلات الإيماءات وتسؤلات بخاطره ثم غلبت الأبتسامة على ملامحه و أردف وجيه: علام، نتائجه تحسنت مؤخرا وسجله ملئ بالأيجابيات، أن كان لديه الرغبة بالخروج فلا توجد مشكلة. تبادلنا أنا وعلام النظرات بعيون مبتهجة تبعث من قلوب يغمرها التفاؤل لمستقبل يحمل ملامح جديدة عن جروح الماضي. تروى علام بثبات ثم أوم بالأيجاب وهتف علام: أريد الخروج، لنكون سويا. غمرت إيماءات البهجة لتغمر قسمات وجه دكتور وجيه ثم أمسك القلم أشر بتوقيع بالموافقة على خروج كلانا من مصحى الأمل لنعود إلي الحياة من خلال بعضنا. ____________________ مرت عدت أيام منذ خروجنا ولا نفترق أبدا، تبادلنا الحديث بعمق عن ملامح حياتنا معا و مستقبلنا و وافق أهلي على زواجنا، أكتشفنا عالم جمعنا بأختلافنا و تشابهنا ونجد من الليل بوابة تطل إلي عالم آخر. أحاط الغروب محاصرا الشمس بالسماء لتخضع وتنحسب وأخاط الليل عقد النجوم المنثور بالأفاق وتنفست الأشجار و الزروع نسيم الهواء. صف علام السيارة لنقف عند بداية مرتفع الصخري لجبل لبنان , ترجلنا عنها لنبدأ بصعود بمساعدته لنصل إلي السطح العلوي من الجبل. مشينا بضع خطوات إلي أن وصلنا للأطراف المطلة على البحر. وقفت شاردة البال أغوص بأفكاري و أتسأل هل وصلنا لنهاية أم أنها البداية لوجهة جديدة؟ كان للمشهد هيبة و سحر يخطف القلب من بين أضلاعي و بين النظرة والنظرة يغسل ماء البحر كل ما رأيت من حزن وهم. جلس علام مفترش الأرض على مفرش أرضي وأشعل حطب لتدفئة ثم جلست إلي جواره محاوطني بحضنه الدافئ من برودة النسيم، وكان بصرنا متركز على شئ محدد بالسماء. أشار علام إلي السماء حيث ينبض نجم بوميض متوتر من أفق بعيد ثم أسترسل بالحكي عن ما يدور بخواطر وقلوب النجوم. لم يكن علام يسعى أن يكون الأكثر إبهار، فالأبهار مع الوقت يزول. فما جمعنا وربط مصيرنا معاً القدر وأثره الطيب ذو الطابع المميز،فالتأثير له أثر يطول ويدوم. قد لا أكون نفس الشخص الذي بدأ هذه المعركة،لكني مازلت أملك بقايا أفكاره و أماله. في أحضان العقل و الجنون، وجدت حب حياتي، هو نوري في ظلال عقلي وبين ظلاله، وأنا الصفحة البيضاء لألوانه الأمتناهية وبمعانيها النقية الصادقة. - الخاتمة - في نهاية المطاف، وجدت قبس من نور في ظلام عقلي وبين ظلاله، حيث كانت الأزمة بداية لفجر جديد. مررت من عتمة اليأس إلي نور الأمل، ومن الوحدة إلي رفقة تبعث الحياة في الروح من جديد. كان حبي غير المتوقع كالمياه العذبة التي تنبعث من الصخر، تسقى القلب المتعطش للحياة و الفهم. لقد تعلمنا منها أن الضوء يمكن أن يولد من الظلام، وأن الشفاء ليس مجرد عودة إلي السلامة. بل هو رحلة نحو إعادة إكتشاف الذات وقبول الآخر. ففي كل نهاية تكمن بداية جديدة، وفي كل جرح تنبت بذور الأمل. ومع الوقت، تحولت حياتي من مأساة إلي أسطورة عن الحب والشفاء و القوة الكامنة في قلب الأنسانية رغم أي تمزق كان. تمت | 25/3/2024 الساعة 10:24 - عزيزي لقارئ- أقدر كونك تحب أن تكون غامضاً غير ملفت للأنتباه تتصفح و تسلل بين الفصول بصمت دون أن الأحظ لك وجود.. لكن فالحقيقة أسعد و يزيد من طاقتي الأيجابية عندما أري تصويتك و تعليقك عقب كل فصل ، فرجاء مثلما أسعدك بنسج عالماً من الخيال حاول أن تسعدني و تفاعل ولو بقدر بسيط...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلال العقل

المؤلف ميمونة أحمد
2024/06/30 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة