عيون من عالم آخر

عيون من عالم آخر

11 0

في عالمٍ تتداخل فيه الحدود بين السماء والأرض، وبين الظلام والنور، وبين الحقيقة والخيال، كانت هناك فتاة تدعى روفي… فتاة لم تكن تعلم أن وجودها وحده قادر على تحريك ثلاثة عوالم كاملة.

كانت العوالم متوازية، لكنها لم تكن منفصلة كما يظن الجميع. فكل عالم يحمل سرَّه الخاص، وكل كائن فيه يعيش على حافة الهاوية، منتظرًا اللحظة التي يتغير فيها كل شيء.

وكانت تلك اللحظة مرتبطة بها.

روفي، التي تسكن في أحد الأحياء الهادئة، لم تكن ترى في حياتها سوى البساطة المعتادة؛ يومٌ يشبه الذي قبله، وطرقٌ تعرفها جيدًا، ووجوهٌ اعتادت رؤيتها. لكنها كثيرًا ما شعرت بأن هناك شيئًا خفيًا يراقبها… شيئًا لا تستطيع رؤيته، لكنه حاضر دائمًا.

ولم تكن مخطئة.

ففي مكانٍ بعيدٍ فوق السحاب، كان هناك من يراقبها بصمت. كائنٌ اعتاد أن يرى العالم من علٍ دون أن يتدخل. كان حضوره أشبه بحكمٍ صامت، يرى كل شيء ولا يقول شيئًا.

وفي أعماق الأرض، حيث الظلام لا يعرف نهاية، كان كائن آخر يشعر بكل خطوة تخطوها فوق السطح، كأن الأرض نفسها كانت تخبره عنها.

أما الثالث… فكان الأقرب.

كان يعيش في الحي نفسه، يمر بالقرب منها أحيانًا، وكأن وجوده جزء عادي من حياتها اليومية. لكنه لم يكن عاديًا أبدًا. كان مثل ظلٍ لا يفارقها، حاضرًا دائمًا، صامتًا دائمًا.

في البداية، ظنت روفي أن كل ما تشعر به مجرد وهم… أو ربما خوف لا سبب له. لكن الأيام بدأت تكشف خيوطًا خفية تربط بين هؤلاء الثلاثة… وتربطهم بها هي تحديدًا.

وكأنها لم تكن مجرد فتاة عادية.

كانت أشبه بقطعة مفقودة من لغزٍ قديم… لغز ينتظر اللحظة التي يكتمل فيها.

كانت روفي تشبه زهرة التوليب الحمراء؛ تبدو رقيقة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها قوة لا يراها الجميع. جمالها لم يكن صارخًا، بل هادئًا… ذلك النوع من الجمال الذي يجعلك تتوقف لحظة دون أن تعرف لماذا.

لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه فيها… عيناها.

لم تكونا مجرد عينين عاديتين، بل كانتا تحملان عمقًا غريبًا، كأنهما تخفيان شيئًا لا يستطيع الإنسان تفسيره. كل من نظر إليهما شعر للحظة وكأنه يرى ما هو أبعد من هذا العالم.

وكأن هناك بابًا خفيًا خلف تلك النظرة.

ذات يوم قال لي أحدهم بصوتٍ خافت: "مجرد النظر إليها… أخرجني من نفسي."

سخرت من كلماته في البداية، وقلت ببساطة: "إنها فتاة عادية."

لكنه لم يبتسم. بل نظر إليّ طويلًا قبل أن يقول بصوتٍ أثقل مما توقعت:

"جرب أن تنظر في عينيها… فقط لفترة أطول."

صمت قليلًا ثم أضاف:

"عندها… سترى الحقيقة."

ومنذ ذلك اليوم، لم تفارقني تلك الكلمات.

كنت أتساءل:

هل يمكن أن تحمل عينا إنسان سرًا كهذا؟

هل يمكن أن يكون الجمال مجرد قناع لشيء أعمق… وربما أخطر؟

كلما اقتربت من روفي أكثر، ازداد شعوري بأن حياتي تنجرف نحو طريق لم أختره. طريق مليء بالأسرار التي لا يريد أحد كشفها.

وفي مكان بعيد بين السحب، كان أحد المراقبين يراقب بصمت.

كان اسمه جرديل.

اسمٌ يثير الاحترام والخوف في آنٍ واحد بين سكان العوالم المختلفة. لم يكن أعظمهم شأنًا في موطنه، لكنه امتلك قدرة جعلته مختلفًا عن غيره… قدرة جعلت عينيه تتوقفان عند فتاة بشرية بسيطة تسكن حيًا هادئًا على الأرض.

فتاة… قد تكون بداية شيء لم يحدث منذ آلاف السنين.

هناك حقيقة غريبة عن أولئك الذين يجوبون السماء، وعن الكائنات التي تسكن العالم السفلي أو تتخذ أشكالًا مختلفة. أعمارهم لا تُقاس كما تُقاس أعمار البشر؛ فهي تمتد عبر قرون طويلة، تتجاوز حدود الزمن نفسه. قد يعيش أحدهم أكثر من ألفي عام، ولهذا تختلف نظرتهم للوقت والحياة عن البشر الذين لا يملكون سوى عمرٍ قصير.

أما جرديل، ففي ذلك الوقت لم يكن سوى شاب في مقتبل عمره. لم يتجاوز عمره مئتين وخمسين عامًا، وهو عمر لا يكاد يُذكر بين قومه، لكنه كان كافيًا ليكون في مرحلة التكوين، حيث تتشكل شخصيته وتبدأ رحلته الحقيقية.

كان لجرديل جناحان ضخمان يميزانه عن غيره؛ يكسوهما السواد الداكن، لكن أطرافهما كانت تتدرج بحمرةٍ تشبه لون الدم. كان ذلك التدرج يمنح جناحيه مظهرًا مهيبًا، وكأنهما يرويان قصة لم تُحكَ بعد. وعندما يقف على قدميه، كانت أجنحته تنسحب خلفه ببطء، كأنها ثقل يحمله معه أينما ذهب، ثقل لا يلاحظه إلا من يدقق النظر.

لم يكن جسده ضخمًا مخيفًا، ولا ضعيفًا يمكن الاستهانة به. كانت بنيته متوسطة، لكن حضوره كان كافيًا ليترك أثرًا صامتًا في المكان.

أما حياته اليومية، فكانت بسيطة… بل مملة، على حد قوله.

كان يردد دائمًا: "حياتي مملة… ليست محور حياة أحد."

كان يستيقظ كل يوم، يفتح جناحيه ويحلق عاليًا بين السحاب، يراقب العالم من تحته دون هدف واضح. يطير لساعات طويلة، ثم يعود إلى مسكنه الصغير بين الغيوم لينام، منتظرًا يومًا يشبه الذي قبله تمامًا.

لكن ذلك الملل الذي كان يتحدث عنه كثيرًا، كان يخفي وراءه شيئًا أعمق. ربما كان جرديل يشعر به دون أن يفهمه… أو ربما كان القدر يهيئه لشيء لم يكن مستعدًا له بعد.

فالحياة التي ظنها مملة، كانت على وشك أن تقوده إلى طريق مختلف تمامًا… طريق لا عودة منه.

قال لي يومًا بصوتٍ ثقيل، وكأن كل كلمة تخرج منه تحمل عبئًا لا يُحتمل:

"رأيتهم يُذبحون… يُبادون كما لو أنهم لا شيء."

ثم أضاف، وعيناه غارقتان في ذكرى بعيدة:

"صراخهم كان يمزق السماء، لكنه لم يحرك قلب من فعلوا ذلك."

توقف لحظة، وكأنه يرى المشهد أمامه من جديد، ثم تابع بصوتٍ أكثر خفوتًا:

"كنت أطير كعادتي. لم يكن يومًا مختلفًا… لكن فجأة سمعت صراخًا يأتي من مكان بعيد. كان صوتًا غريبًا، اختلط فيه البكاء بالاستغاثة."

"اقتربت لأرى ما يحدث."

ابتلع أنفاسه ببطء قبل أن يكمل:

"عندما وصلت… رأيت الجحيم."

"النيران كانت تلتهم المنازل، والدخان يملأ السماء. رجال ونساء وأطفال يركضون في كل اتجاه، يصرخون ويبحثون عن طريق للهروب."

"لكن لم يكن هناك مهرب."

"كانوا يذبحونهم بلا رحمة… يطاردونهم كما لو أنهم فرائس."

انخفض صوته أكثر، حتى كاد يصبح همسًا:

"وسط تلك الفوضى… رأيتها."

"امرأة كانت تركض وهي تحمل صغيرتها بين ذراعيها. كانت تتعثر من شدة الألم، والدم يغطي جسدها، لكنها لم تتوقف."

"وعندما رأتني… توقفت."

رفع رأسه قليلًا وكأنه لا يزال يسمع كلماتها.

"نظرت إلي بعينين يملؤهما الرجاء… ثم صرخت:"

"أرجوك… أنقذ صغيرتي."

"إنها صغيرة جدًا… لا يجب أن تموت الآن… ليس بهذه الطريقة."

صمت للحظة طويلة.

ثم قال بصوت خافت:

"الصغيرة كانت تنظر إلي… لكنها لم تبكِ."

"لم تصرخ مثل الآخرين."

"كانت عيناها ساكنتين… هادئتين بشكلٍ غريب، كأن الفوضى من حولها لا تعنيها."

فقط نظرت إليّ طويلًا.

وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا لم أفهمه إلا بعد سنوات…

أن تلك الطفلة الصغيرة…

ستغيّر مصير ثلاثة عوالم."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عهد الارواح التائهه

المؤلف Nada Ramadan
2026/03/16 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة