الفصل الثاني

الفصل الثاني

7 0

في زاوية مرسمها الذي تفوح منه رائحة زيت الكتان والتراب القديم، كانت ليال تحبس أنفاسها. أمامها لوحة زيتية لامرأة من القرن التاسع عشر، كانت نظرة السيدة في اللوحة تبدو حزينة، وكأنها تدرك أن الزمن قد أكل أطراف ثوبها المخملي.

​بيدٍ ثابتة، كانت ليال تستخدم فرشاة مجهرية لترميم تمزق دقيق في عين السيدة المرسومة. "ثبات يا ليال.. الثبات هو كل شيء،" همست لنفسها. بالنسبة لها، كانت كل لوحة هي معركة ضد النسيان، ومحاولة بائسة لإيقاف الزمن.

​في الخارج، كان ليل مدينة "أرين" يصب غضبه عبر مطر غزير يقرع النوافذ بقسوة. ولكن وسط ضجيج العاصفة، اخترق أذنيها صوت لم تسمعه منذ عشر سنوات.

​"تيك.."

​تجمدت يد ليال. سقطت قطرة من الطلاء الأحمر على ثوب السيدة في اللوحة، لكن ليال لم تهتم. التفتت ببطء نحو الطاولة الخشبية المهترئة. هناك، كانت تقبع ساعة الجيب النحاسية الخاصة بوالدها. تلك الكتلة الصامتة التي لم تتحرك تروسها منذ الليلة التي اختفى فيها.

​"تيك.."

​تحرك عقرب الثواني. لم يتحرك للأمام، بل قفز قفزة واحدة نحو الخلف، وكأن الساعة تعترض على مجرى الوقت. شعرت ليال ببرودة مفاجئة تسري في معصمها، تماماً حيث توجد تلك العلامة الباهتة التي تشبه الندبة.

​نبض قلبها بقوة، وبدا وكأن الغرفة بدأت تضيق. اقتربت من الساعة، ومدت أصابعها المرتجفة نحو الزر العلوي. في تلك اللحظة، لم تفكر في تحذيرات صقر ، ولا في قصص والدها عن "الزمن الذي يغدر بصاحبه". كانت تريد فقط أن تعرف.. أين ذهب؟

​بمجرد أن ضغطت بسبابتها على المعدن البارد، حدث شيء لم يصفه أي كتاب فيزياء.

​انقطع صوت المطر فجأة. ليس لأن العاصفة توقفت، بل لأن الزمن نفسه قد توقف. نظرت ليال نحو النافذة، ورأت حبيبات المطر معلقة في الهواء كقطع الماس المنثور، ثابتة لا تسقط. نظرت إلى شعلة الشمعة على مكتبها، فوجدتها متجمدة في شكل لهب برتقالي صلب، لا يتمايل ولا يحترق.

​لقد دخلت "توقيت الصفر".

وفي هذا الصمت المطلق الذي يصم الآذان، سمعت ما لم يكن من المفترض أن تسمعه: وقع خطوات ثقيلة بالخارج، تمشي بهدوء فوق الماء المتجمد.

فتحت ليال باب مرسمها ببطء، وتوقعت أن تسمع صرير المفصلات المعتاد، لكن لم يصدر أي صوت. العالم بالخارج كان لوحة سريالية، قطرات المطر معلقة في الفضاء مثل رصاصات فضية طائشة، والناس في الشارع تحولوا إلى تماثيل شمعية بوضعيات غريبة. رجل يركض ليحتمي من المطر، قدمه معلقة في الهواء لا تلمس الأرض، وامرأة تضحك وقد تجمدت تعابير وجهها في لحظة فرح أبدية.

​لم تكن ليال تسمع سوى دقات قلبها التي بدت صاخبة في هذا السكون المرعب. وفجأة، لمحت ظلاً يتحرك وسط هذا الجمود.

​على بعد أمتار، أمام مدخل البنك الضخم، كان هناك رجل . لم يكن متجمداً مثل البقية. كان يمشي بهدوء وثقة، معطفه الأسود الطويل لا يتحرك رغم أن الرياح كانت عاتية قبل لحظة. كان يرتدي قفازات جلدية، ويمسك بساعة فضية تتوهج بضوء خافت.

​تقدمت ليال خطوة، فكسرت حبة مطر معلقة في الهواء، فتناثرت كزجاج محطم. التفت الرجل بسرعة البرق. كانت عيناه حادتين، متعبتين، وكأنهما تحملان ثقل قرون من الصمت.

​تسمرت ليال في مكانها. "أنت.. أنت تتحرك؟" حاولت أن تصرخ، لكن صوتها خرج كهمس باهت في هذا الفراغ.

لم يجب ايهم فوراً. اقترب منها بخطوات محسوبة، وكلما اقترب، شعرت ليال بساعتها النحاسية في جيبها تزداد حرارة، كأنها تحذرها. وقف أمامها مباشرة، كان أطول منها بكثير، ورائحة غريبة تنبعث منه، رائحة تشبه الورق القديم والبرق.

​نظر إلى يدها المرتجفة التي تمسك بالساعة النحاسية، ثم قال بصوت عميق وهادئ:

"لا ينبغي أن تكوني هنا.. ولا ينبغي أن تملكي هذا القلب النحاسي."

​"ما هذا المكان؟ وماذا فعلت بوالدي؟" سألت ليال بشجاعة ممزوجة بالخوف.

​ضيق ايهم عينيه، ومد يده نحوها لكنه لم يلمسها. "والدكِ اختار أن يضيع في الثواني، أما أنتِ.. فقد حكمتِ على نفسكِ بالمطاردة. اسمعي جيداً، أمامكِ ثلاثون ثانية قبل أن ينفجر الوقت ويعود للتدفق. اهربي إلى ورشتكِ، ولا تنظري خلفكِ، وإياكِ أن تفتحي الباب لأي شخص يطرق ثلاث طرقات متتالية."

​وفجأة، بدأت الساعة النحاسية في يد ليال ترتجف بعنف. "لماذا؟ من أنت؟"

​لكن ايهم استدار ببرود وبدأ يتلاشى في الضباب المتجمد. "أنا الشخص الذي سيضطر لقتلكِ إذا لم يجدكِ الصفر قبلي.

​في تلك اللحظة، بدأ صوت طنين حاد يملأ أذني ليال، وبدأت قطرات المطر المعلقة تهتز. كانت الدقيقة قد انتهت. ركضت ليال بكل قوتها نحو مرسمها، وفي اللحظة التي أغلقت فيها الباب خلفها، انهار الصمت وانفجر صوت المطر والرعد دفعة واحدة، وكأن العالم كان يحبس أنفاسه وانفجر بالبكاء.

​سقطت ليال خلف الباب، تلهث، بينما كانت يدها تحترق من شدة حرارة الساعة النحاسية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جريمة في توقيت الصفر

المؤلف AR_2025
2026/03/04 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة