"في ساحة الحب، حيث تتجاذب القلوب والعواطف، تبقى الكرامة سيدة الموقف، تفرض نفسها كخط فاصل بين الضعف والقوة، وبين الرغبة في التملك والتوق إلى الحرية."
______________________
خرجت إيزابيلا إلى الشرفة، حيث أبصرَت طائرًا ضخمًا يُحلّق حول القصر، بريشه الأبيض الذي يعكس ضوء الشمس بتوهّج غريب. كان حجم الطائر مُبهرًا، يكاد يغمر السماء بظله الكثيف.
قطع تأمّلها صوت عمها، سايمون، وهو يقول بنبرة متوجسة: "أهذا تنين الساحرة؟"
أجاب إليك وهو يتفحّص الطائر: "أعتقد ذلك."
في تلك اللحظة، تقدمت شرى بخطى ثابتة، وقالت باهتمام متزايد: "لماذا جاء إلى هنا؟"
رد إليك بتمعّن: "يبدو أنه يبحث عن الساحرة."
رغم تتابع الحديث من حولها، بقيت إيزابيلا مسحورة بمنظر التنين، وكأنها تُحاول استرجاع ذكرى قديمة، تشعر بعلاقة غامضة تربطها به. التفتت إلى والدتها وسألت بقلق: "أين شارل وجيري؟"
أجابتها والدتها بهدوء: "إنهما مع جاك."
أعادت إيزابيلا نظرها نحو التنين الذي بدأ بالتراجع نحو الأفق، وفي تلك اللحظة، اجتاحتها آلام غريبة، مع سحابة سوداء بدأت تغطي عينيها. شعرت بأن جسدها يخونها، وبدأ يهوى على الأرض، قبل أن يفقد وعيه تمامًا.
____________________
في مكان آخر، وتحديدًا داخل الغابة...
كان جاك يسير بلا وعي، غارقًا في بحر أفكاره، مسترجعًا كل ما قالته له إيزابيلا وكل ما فعله. شعور غريب كان يتملكه في لحظةٍ من اللحظات، إحساس بأنه يفرض حبه عليها، شيءٌ لم يرده قط.
كانت كلمات إيزابيلا تخترق قلبه كالسكاكين الحادة، تقطّع روحه وتسري في كل جزء من جسده. لقد أصبح مدمناً على إيزابيلا، لا يتنفس إلا هواءها، لا يعيش إلا لرؤيتها. وجوده كله بات متعلقًا بها.
وفي تلك اللحظة، قرر جاك أن يهرب من دوامة أفكاره المتشابكة، عازمًا العودة إلى واقعه الحقيقي. لكنه لم يكن منتبهًا لوجود جيري وشارل خلفه منذ خروجهما من القصر.
فجأة، لفت انتباهه صوت جيري وهو يتحدث عبر الهاتف، ثم أغلق الخط بسرعة وقال لشارل: "إيزابيلا فقدت الوعي! هيا بنا!"
التفت جاك إليهم بعدم تصديق، بينما ركض شارل وجيري مسرعين نحو القصر. لكن جاك بقي واقفًا وسط معركة داخلية، حيث كانت الكرامة والقلب يتنازعان على حكمه. هل سيتغلب قلبه على كرامته؟
كلا، إنه جاك، المغرور. لن يسمح لقلبه بأن يتفوق على كرامته.
لكن، هل للحب حقًا كرامة؟
ظلت كلمة "الكرامة" تتردد في ذهن جاك كأنها طيف يطارده، حتى اتخذ قراره أخيرًا: سيذهب إلى إيزابيلا، لكنه سيعاملها كما ترغب هي، حتى لا يخذل كرامته، ولا يخون قلبه.
ركض جاك خلفهم، وعندما وصلوا إلى القصر، صعدوا بسرعة إلى غرفة إيزابيلا. فتحوا الباب باندفاع، وكان أول ما وقع عليه نظر جاك هو إيزابيلا ممددة على الفراش، والطبيب بجوارها يفحص حالتها. اقتربت والدته منه واحتضنته بقلق، وكأنها تشعر بتأجج مشاعره المختلطة.
أنهى الطبيب فحصه أخيرًا وقال بنبرة جدية: "جسدها منهك للغاية، وضغط دمها مرتفع. يجب نقلها إلى المستشفى فورًا."
لم يتردد شارل، فحمل إيزابيلا بين ذراعيه بحذر، واستقل الجميع السيارة، متجهين بسرعة نحو المستشفى.
أما جاك، فقد كان في عالم آخر، مشغولًا بمعركة شرسة تدور بداخله. كلمات إيزابيلا ما زالت تجرحه كلما تذكرها، والحرب بين كرامته وقلبه لا تزال مشتعلة. كان يقف في منتصف الصراع، عاجزًا عن معرفة ماذا يفعل بكل الجروح التي تركها كل منهما في الآخر.
_______________
حديقة رائعة تمتد أمام ناظري، تكتظ بألوان زهورها المتعددة، وأشجارها الكبيرة المهيبة. كان الحفل يشع بالأجواء الاحتفالية، بينما كنت أرتدي فستانًا أسود أنيقًا.
قررت أن أذهب لأرى من هم العريس والعروس. لكن فجأة، انتبهت لشخص يقف أمامي، ظننت أنه العريس. توجهت إليه، وقلت له: "عذرًا، حفل زفاف من هذا؟"
التفت إليّ، وكم تمنيت لو لم يفعل. كان هو، جاك. أجابني بنبرة باردة: "مرحبًا، إيزابيلا. إنه زفافي أنا وإيفا كما طلبتِ."
شعرت وكأنني تحجرت في مكاني، غير قادرة على الحراك. قلت له بصدمة: "ماذا تقول؟ ستتزوج إيفا؟ وأنا، جاك؟"
نظر إليّ ببرود، ثم قال بسخرية: "ماذا عنك؟ أنت لا تحبينني، وأنا لا أحبك. سأتزوج من تحبني، وليس أنتِ."
تركني وسط صدمتي، ورحل. كنتُ واقفة كتمثال، أشاهد بعجز كيف يتزوج أمامي إيفا، وكأنني أرى مشهداً من كابوس لا أستطيع الهروب منه.
حب طفولتي يتزوج أمامي، وأنا عاجزة عن الحراك. انهمرت دموعي، لكن فجأةً، تمالكتني هيبة تنين يتقدم نحوي ببطء، فشعرت بخوفٍ شديد في لحظة.
وقف أمامي، بعينيه الزرقاوين الواسعتين ورِيشه الأبيض الطويل. قال بصوت عميق: "أنا جانيت، التنين. كنت أبحث عنك كثيرًا، إيزابيلا."
نظرت إليه بدهشة، حيث لم أسمع الكلمات تنبعث من فمه: "ولماذا تبحثين عني؟ وكيف عرفتِ اسمي؟"
أجابني: "لا يهم الآن. يجب أن تستيقظي، فوالدايكي قلقان عليك."
أحسست بالدهشة تتسلل إليّ. كيف عرفت؟ ماذا حدث؟
سألت: "كيف تتكلمين معي وأنت تنين، ولا تملكين القدرة على الكلام؟ ولماذا تبحثين عني؟ ولماذا والداي قلقان؟"
أجابت جانيت بلطف: "أنت كثيرة الأسئلة حقًا، لكن سأجيبك. أنا أتواصل معك من خلال النظر في عينيك، وعندما ترغبين في الحديث، سأكون هنا لأتحدث معك. أما عن بقية الأمور، فلن أخبرك الآن، بل سأقول لك في وقت لاحق. لكن الآن، اذهبي إلى جاك، فهو قلق جدًا عليك."
سألت بتلهف: "متى سنتقابل؟"
أجبت باختصار: "قريبًا."
ثم اختفت جانيت من أمامي كما تلاشى المكان بسرعة، وكأنما ابتلعتني الفراغات. استيقظت، مدركةً أنه كان حلمًا، وتمنيت لو لم يكن. تبا لهذا الكابوس الغريب.
كان عليّ أن أعترف لجاك بمشاعري الجياشة قبل أن تُقبل إيفا على أخذ مكانه في حياتي.
لكن الألم بدأ يجتاح رأسي وجسدي، وكأنهما يكافحان ليتذكرا شيئًا فقدته، فتحت عيني ببطء، لأكتشف أنني لست في غرفتي المألوفة.
أين أنا، إذًا؟!
نظرت حولي في الغرفة البيضاء الباهتة، ولم أجد أحدًا سواي، سوى أجهزة طبية معلقة في جدرانها ومحاليل تجري في يدي. حاولت التحرك، لكنني شعرت بشلل يحبسني في مكاني. ناديت على أحد، لكن صوتي ضاع في الفضاء، وكأنه لم يكن له وجود.
ولحسن حظي، دخلت مربية برهبة، وكانت عيناها مليئتين بالدهشة، ثم نادت الطبيب الذي دخل من ورائها، وحضر معه أمي وأبي. لكن، أين جاك؟ بحثت عنه بقلق متزايد، لكن لم يكن له أثر.
قال لي الطبيب بدهشة عميقة: "هذا مستحيل! كيف استيقظتِ؟ كنتِ شبه ميتة! لقد مارست الطب لعقدين من الزمن، ولم أرَ أحدًا يستعيد وعيه بهذه السرعة. أنتِ قوية حقًا، ولكن هل تستطيعين الكلام؟"
نظرت إليه بحزن، ففهم ذلك على الفور. قال: "إنها مسألة بسيطة تتعلق بحالتك، ربما مرتبطة بجسدك وقوتك. لكن لا تقلقي، إذا كنتِ قوية حقًا، ستتجاوزين هذه المرحلة في أقل من أسبوع وستستعيدين قدرتك على الكلام مرة أخرى. ولكن، هل أنتِ مصاصة دماء أم مستئذبة أم ساحرة؟"
أجاب والدي: "نحن لا نعلم ماذا ستكون عندما تخرج. سنجري لها اختبارًا لنرى ماذا هي."
أضاف الطبيب مخاطبًني: "حسنًا، ستبقين هنا لمدة ثلاثة أيام تحت المراقبة. سنراقب حالتك، وإذا استقرت، ستعودين إلى القصر. وإذا شعرت بالتعب، ستبقين هنا."
أومأت له برأسي، وعندما اقتربت أمي، احتضنتني بشغف، وكانت ملامح القلق تعلو وجهها. كان الجميع يقفون حول السرير، لكنني لم أعطِ أي اهتمام لهم. كل تفكيري كان متجهًا نحو التنين، وأين هو جاك.
هل حقًا كان التنين هو من جعلني أستيقظ؟ ولماذا أنا بالتحديد؟ أين جاك، لأعترف له بكل شيء؟ هل لا يزال غاضبًا مني؟ ماذا يجب أن أفعل الآن؟
كتبت لأمي على ورقة صغيرة: "أين هو جاك؟" أجابت قائلة: "بالخارج، ينتظر آدم وأباه وإخوته."
ثم كتبت لها: "هل سيأتي إلى هنا؟"
فضحكت أمي من سؤالي، وأجاب عمي واطسون قائلًا: "لا تخافي، إنه جاك. سَيدور هنا ثم سيأتي إليك مرة أخرى."
أردفت عمتي مارثا: "اخرجي من المشفى، وسأتحدث مع جاك. لا تخافي."
نظرت إلى والدي، الذي لم يتفوه بكلمة حتى الآن سوى مع الطبيب. بدا لي أنه ما زال غاضبًا مني.
كتبت لأمي: "هل ما زال غاضبًا مني؟"
نظر إليّ والدي بحنان، وقال: "لا، يا صغيرتي. أنا فقط كنت قلقًا على جاك وعليكِ، ليس أكثر."
فكتبت له: "أين كان هو؟"
أجاب: "لقد جاء مسرعًا عندما علم أنكِ تعبتِ، وقد أمضى طوال الليل بجانبك. هو حقًا يحبك، يا إيزابيلا، وأنتِ أحزنته."
كتبت لوالدي: "إنني لم أقصد أن أُضايق جاك."
أردف والدي: "أنا أعلم، يا عزيزتي أنكِ لا تقصدين، لكن هو أيضًا ضايقك. لا تقلقي، عمّتكِ مارثا ستتحدث معه، وعمّكِ واطسون أيضًا. وإذا استمر في غضبه عليكِ، فسأتحدث أنا وأمك معه. أنتِ فقط تعافي سريعًا لتتمكني من الاعتراف له بحبك."
ابتسمت له، فحقًا أحب والديّ كثيرًا، ولا أستطيع تحمل فكرة فراقهم ولو للحظة.
لكن تفكيري قُطع بدق الباب، معلنًا دخول عمّي هودج وآدم وإيفا وماكس، وأخيرًا جاك.
لم ينظر إليّ، حتى لم يعطني أي اهتمام، وجلس بعيدًا عني. جاء آدم، وكان القلق يعتري وجهه، وقال: "ماذا بكِ، صغيرتي الجميلة؟ ألا تريدين الذهاب إلى البحيرة؟"
ثم قبّل رأسي وجلس بجانبي من الجهة الأخرى، حيث كانت أمي تجلس بجانبي. جاءت إيفا، ضاحكةً بضحكتها السخيفة، قائلة: "هل أنتِ بخير؟"
أومأت لها وجلست، وجاء ماكس وقبّل رأسي، ثم جاء عمّي هودج أخيرًا بطريقته الدرامية، قائلاً: "ماذا بكِ، يا عزيزتي؟ هل أنتِ بخير؟"
حقًا أكره طريقة كلامه، إذ يبدو كالمنافق.
وحاولت أن أنظر إلى جاك، لكنه كان يتجنب النظر إليّ. ماذا أقول؟ إنه جاك، لغز غامض حتى بالنسبة لي.
فقطع تفكيري آدم محاولًا تخفيف العبء عني، قائلاً: "لقد أحضرت لكِ هذه الزهور وهذه الشوكولاتة، لأني أعلم أنكِ تحبين الشوكولاتة والزهور."
ثم أمسك يدي.
ياللهول!!
كان جاك يراقبنا بنظرة حادة، وتجنب آدم النظر إليه، فقد كان يعرف جيدًا أنه يرغب في قتله في تلك اللحظة.
خرج جاك بسرعة، وأغلق الباب خلفه بقوة.
نظر آدم إلى الباب ثم عاد ليبث لي بعض الطمأنينة، قائلاً: "هيا، اخرجي من المشفى، وسآخذكِ إلى البحيرة والشلال، وكل مكان ترغبين في الذهاب إليه."
ابتسمت له، فهو حقًا لطيف ويريد إسعادي بأي وسيلة ممكنة. أكن له الكثير من الحب، فهو شخص مرح للغاية.
سألت إيفا، مغرورة كما هي، قائلة: "وما هو سبب فقدانك لصوتك؟"
لم أجب عليها، بل اكتفيت بالنظر إليها ببرود، حيث كان والدي يقف بجانبي. أجاب بدلاً مني: "إيفا، روزي تنادي عليكِ بالخارج، اذهبي والعبِي معها، وأنتَ أيضًا يا ماكس."
فنظرت إيفا إلى آدم بغضب، ثم خرجت مسرعة إلى الخارج، وتبعها ماكس.
شعر والدي بحزني، فأخذ عمّي هودج وعمّي سايمون وعمّي واطسون إلى الخارج، وبعد ذلك خرج الجميع، عدا آدم الذي ما زال جالسًا بجانبي ممسكًا بيدي.
ثم دخل جاك بسرعة وجلس بجانبي من الجهة الأخرى على السرير.
جاك يجلس بجانبي!!! لا أصدق.
نظر جاك إلى آدم ببرود، ونظرة تحذير تنم عن توتر، ثم أمسك يدي الأخرى. نظر له آدم بحدة وقال: "عندما تخرجين، تعالي وامضي معنا أسبوعًا، وسنذهب إلى الأماكن التي ترغبين بها."
أومأت له، ولكن نظري قُطع بسبب حرارة كبيرة تقترب مني، إنها من جاك الذي اقترب مني أكثر.
نظرت إليه بخجل، ثم أبعدت نظري عنه ووجهته نحو آدم، الذي تغيرت ملامحه بسرعة إلى غضب شديد. ترك يدي وخرج محدثًا صوتًا عالياً أثناء إغلاق الباب خلفه.
وقف جاك أيضًا، تاركًا يدي، لكنني أمسكت بمعصمه وشددت عليه، لكنه التفت إليّ ونظر لي ببرود، ثم حاول سحب يده للخروج من الغرفة.
جلست أبكي بشدة، وعندما دخل الطبيب، صاح بالمربية ليحضّر حقنة مهدئة بسرعة، فقد كان في حيرة من أمره لا يعرف سبب بكائي، ولا سبب نزيف أنفي الذي بدأ يتدفق بدماء حمراء.
تدفق الجميع إلى الغرفة، محاولين معرفة ما يحدث. بكيت كثيرًا، وقد شعرت بالعجز يتسلل إليّ، حتى جاءت المربية، ممسكةً بحقنة مهدئة، وسلّمتها للطبيب.
أمسكتني المربية برفق، بينما وضع الطبيب الحقنة في يدي. آخر ما رأته عيناي كان جاك وهو يدخل الغرفة مسرعًا، وعلامات القلق تكسو وجهه، قبل أن تتدفق السحابة السوداء وتغطي عينيّ، فتبتلعني في ظلامٍ دامس.
_______________
أهلاً وسهلاً بكم جميعًا،
ما رأيكم في الشابتر؟
أحب أن أسمع آرائكم حول ما قرأتموه.
ماذا عن جانيت؟
شخصية جديدة تدخل عالمنا، ما انطباعاتكم عنها؟
أما جاك؟
كيف ترون تطور شخصيته وصراعاته الداخلية؟
وآدم؟
كيف تقيّمون دوره في الأحداث حتى الآن؟
إيزابيلا؟
ماذا عن تجربتها ومشاعرها المعقدة؟
ماذا تعتقدون أنه سيحدث بعد ذلك؟
هل تتوقعون تصاعد الأحداث في الشابتر القادم؟
هل تعتقدون أن جاك سيتزوج إيفا كما رأت إيزابيلا في حلمها؟
كيف سيؤثر ذلك على العلاقة بين الشخصيات؟
وهل ستتمكن إيزابيلا من الاعتراف بمشاعرها تجاه جاك؟
ما الذي يمنعها أو يساعدها على ذلك؟
فقدان وعي إيزابيلا؟
هل هناك تفاصيل أو إشارات لم تلاحظوها؟
انتظر أسئلتكم وملاحظاتكم.
هل أعجبتكم الأغنية؟
آمل أن تكون قد أضافت لمسة خاصة، وأود أن أعرف آرائكم عنها.
أتطلع لرؤيتكم في الشابتر القادم بإذن الله.
سلام.