الانتقال

الانتقال

12 0

انتقل إلياس إلى جدة منذ شهرين فقط، وحمل معه حقيبة صغيرة وأحلام كبيرة. كل شيء حوله كان جديدًا شوارع مرصوفة، أبنية شاهقة، وروائح البحر التي تتسلل عبر الأزقة الضيقة في الصباح الباكر. عمله الجديد في شركة محاسبة صغيرة لم يترك له الوقت لاستكشاف المدينة، لكن كانت هناك حاجة ملحّة لشقة، مكان يمكنه أن يسميه بيته ولو مؤقتًا.

بحث طويل ومجهد عن شقة مناسبة. أراد مكانًا هادئًا، لا ضجيج السيارات ولا صخب الجيران، بسعر معقول، دون الحاجة لتقديم ضمانات معقدة. زار ثلاث شقق قبلها. الأولى ضيقة، جدرانها تلتصق بالأنفاس، كأن الغرفة نفسها تحاصر من يدخلها. الثانية رطبة، رائحة العفن تخترق أنفه قبل أن يلمس الحائط. أما الثالثة، فكانت واسعة ومشرقة، لكنها خارج حدود ميزانيته بكثير.

ثم ظهر أمامه هذا المبنى القديم، في أحد أحياء جدة التي تعجّ بالمحلات الصغيرة والبوابين المترددين. دق الباب على السمسار، رجل في منتصف الخمسينيات، نحيف، يرتدي قميصًا نصفه مكوي ونصفه مرقع، وابتسامة تحاول أن تخفي شيئا من الحذر.

أشار إلياس إلى الشقة التي صعدا إليها. الطابق الأخير. إضاءة جيدة، نوافذ تطل على شارع ضيق تصطف على جانبيه الأشجار، وهدوء غريب يخالف صخب المدينة.

مر السمسار يده على السقف، كأنه يطمئن على سلامة المكان، فقال إلياس

ما في شقق فوقي؟

ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة لا تصل إلى عينيه، وصوت قليل الحماس

لا… أنت آخر طابق. ما في شيء فوقك.

توقف لحظة، ورفع حاجبه، ثم أضاف كما لو كان يحذر نفسه أكثر من تحذير إلياس

بس، السماء مفتوحة… والريح هنا قوية بعض الشيء أحيانًا.

ابتسم إلياس بخفة، لم يسأل أكثر. كان يعلم أن هذه الصفقة كانت مناسبة. السعر أقل مما توقع، والمساحة كافية، والهدوء… شيء لم يعرفه منذ أن غادر مسقط رأسه. اقترب السمسار من الباب، وصرّح بنبرة ودية أكثر

لو احتجت أي شيء… أو صيانة… أرسل لي رسالة. نحن هنا طول الوقت، هذه الأحياء قديمة شوي، بس الجو ممتاز.

رد إلياس، وهو يرفع حقيبته إلى الداخل

تمام… شكرًا لك. يبدو أنني وجدت مكاني أخيرًا.

ظل السمسار واقفًا عند الباب يراقبه وهو يدخل، ثم عاد إلى سيارته القديمة، كأنه يراقب حياة صغيرة تبدأ في أحد أحياء جدة الهادئة

جلس إلياس على الأرضية الخشبية للشقة، يفتح صناديق أشيائه واحدة تلو الأخرى. كل قطعة صغيرة تذكّره بماضيه، بمنزله القديم، وبالأيام التي كانت مألوفة وبسيطة. رتب كتبه على الرف، وضع الملابس في الخزانة، وبدأ يشعر بالرضا البسيط من ترتيب الفوضى حوله.

بعدها، أخذ قطعة قماش وبدأ في تنظيف الطاولة، ثم سطح المطبخ الصغير. الماء والصابون كان له صدى خاص في الصمت، أصوات قطرات الماء وكبسة الممسحة على الأرض وكأنها نبضات خفية لشقة بدأت بالحياة.

أخرج عشاءه الجاهز من الثلاجة، وأعده على طبق، جلس وحيدًا على الطاولة. التلفاز يعمل في الخلفية، يعرض برامج بلا معنى بالنسبة له، لكنه كان يحتاج للضجيج البسيط الذي يكسر صمت الشقة. كل صوت، كل ضحكة أو إعلان عابر، كان يبدو له كصوت مدينة حية تتنفس خارج جدران غرفته.

لم يتصل أحد. لم ينتظره أحد. الهاتف الصامت على الطاولة كان تذكيرًا قاسيًا بالوحدة. غياب العائلة، غياب الأصدقاء، وحتى غياب أي مراسلة عمل في هذه اللحظة.

مع مرور الوقت، بدأت الساعة تتخطى منتصف الليل. إلياس يحدق في نافذة غرفته، يراقب أنوار الشوارع البعيدة وهي تتلألأ مثل نجوم صغيرة على الأرض. شعور غريب بالحنين والاغتراب يختلط مع الراحة المؤقتة من أن يكون له مكانه الخاص أخيرًا.

أغمض عينيه قليلًا، واستسلم للنعاس الذي بدأ يتسلل إليه. في هدوء الشقة، مع صوت التلفاز الخافت، شعر لأول مرة منذ فترة طويلة بأن هذا المكان قد يصبح يومًا ما بيته، رغم الوحدة التي تحيط به من كل جانب

استفاق إلياس فجأة على صوت خافت يقطع سكون الشقة. في البداية ظن أنه مجرد خيال، لكنه سرعان ما أدرك أن هناك خطوات فوقه.

توقف قلبه، شدّ سمعه جيدًا. خطوات بطيئة، ثقيلة، كأن شخصًا ما يسير بحذر على أرضية خشبية ضعيفة. ثم بدأ الصوت يتغير، أصبح أخف قليلًا وأسرع، كما لو كان يتحرك بين الزوايا بسرعة غير معتادة. ثم، فجأة… صمت كامل.

جلس إلياس على السرير، يتصبب عرقًا باردًا، عيناه تراقبان السقف بلا حراك. السطح… همس لنفسه، كأنه يردّد حقيقة لا يريد تصديقها. لكن عقلَه المنطقي تذكر السطح هنا ليس فوقه مباشرة، هناك مستوى إضافي يفصل بينه وبين أي شخص فوق المبنى.

تملكه شعور بالريبة، قلبه يخفق بسرعة أكبر. حاول أن يتحسس الأرض بجانبه، لكنه وجد نفسه عاجزًا عن الحركة أو التأكد من أي شيء. الظلال في الغرفة امتدت مع ضوء مصباح الشارع من النافذة، وأعطت الانطباع بأن هناك شخصًا يراقبه من فوقه.

بعد دقائق طويلة، حاول إلياس إقناع نفسه بأنه مجرد صوت عابر، ربما ريح تلعب بالألواح المعدنية أو خطوات جار غير منتبه. أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه مرة أخرى، لكن النوم لم يأت بسهولة. كل خطوة، كل همسة، كانت تعيده إلى يقظة جزئية، إلى حالة من الانتباه المشدود.

في النهاية، استسلم للنوم المتقطع، نصفه يقظ ونصفه غارق في أحلام متقطعة، بينما يظل السؤال يطارده من كان فوق السقف هذه الليلة؟

استيقظ إلياس على ضوء الصباح الخافت يتسلل من نافذة شقته، وملامح المدينة تتجلى عبر الزجاج الضبابي. كل شيء حوله يبدو مألوفًا، لكنه لا يثير فيه أي شعور بالراحة؛ روتينه أصبح بسيطًا حد الملل.

كانت الساعة السابعة صباحًا تمامًا. نهض ببطء، فتح خزّان القهوة الصغيرة، أعد كوبه السريع، استنشقه مع رائحة البن المحمّص، كأنه يلتقط ذرة حياة قبل أن يغرق في يوم آخر مماثل.

ارتدى بدلته بعناية، لكن دون أي حماس، وربط ربطة عنقه بيد مرتجفة قليلاً من الكسل. غادر الشقة مسرعًا، غير قادر على الانتظار حتى يعمل المصعد البطيء، فاختار الدرج. صوت خطواته على الدرج الصغير يتردد في المبنى القديم، يرافقه صدى خطواته كرفيق صامت.

عشر دقائق مشيًا إلى الشركة الصغيرة، كل خطوة على الرصيف الساخن تذكره بأن المدينة تتحرك من حوله بينما هو عالق في نفس المكان كل صباح. الوصول إلى العمل لم يغير شيئًا؛ أرقام، جداول، صمت مكاتب لا يُكسر إلا بصوت الطباعة على لوحة المفاتيح أو همسات الزملاء البعيدين.

جلس على مكتبه، قلبه يحنّ إلى شيء لم يستطع تسميته بعد. كل شيء يبدو مرتبًا على الورق، لكنه يشعر بأن الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأنه مجرد رقم آخر في سلسلة الأرقام التي يحصيها يوميًا

جلس إلياس أمام شاشة الكمبيوتر، عيناه تحدقان في الأرقام وكأنها تتحرك وتتمرد على كل قوانينه الحسابية. كان عليه جمع أعمدة بسيطة، لكنه أخطأ في العملية، الرقم النهائي لا يتطابق مع توقعاته.

رفع رأسه ليرى المدير، رجل في أوائل الخمسينيات، دائم الوقوف بجانب المكاتب، يراقب الموظفين بعين حادة وكأنها مسطرة لا تفوّت أي خطأ. اقترب من إلياس، عيونه تتفحص الشاشة بدقة، ثم رفع حاجبه كما لو كان يضع علامة استفهام على وجوده.

إلياس، كل شيء بخير؟

سأل المدير، صوته هادئ لكنه يحمل نبرة مراقبة صارمة.

ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة، محاولًا إخفاء القلق والخجل

قلة نوم، فقط. أمس كان طويلًا بعض الشيء.

وقف المدير قليلاً، يحدق في الأرقام على الشاشة، ثم هز رأسه بخفة

لا بأس، فقط تأكد من مراجعة العمل قبل التسليم. هذه أرقام العميل، أي خطأ قد يسبب مشاكل كبيرة.

أومأ إلياس برأسه، وأعاد تركيزه على الجداول. شعور بالضغط يضغط على صدره، لكنه حاول أن يبتسم لنفسه داخليًا، يحاول أن يتظاهر بأن كل شيء طبيعي من خلفه، زميل آخر همس:

كنت أعتقد أن إلياس سريع في الحسابات… اليوم يبدو مختلفًا.

رد إلياس بصوت منخفض، وهو يحاول أن يبدو مطمئنًا

فقط صباح بطيء… القهوة لم تساعد اليوم.

عاد الصمت ليخيم على المكتب، أصوات الطباعة والهواتف وحفيف الأوراق كانت الموسيقى الوحيدة. المدير استدار ليتفقد موظفًا آخر، تاركًا إلياس مع أرقام لا تزال تتحرك في رأسه، ووعي مستمر بأن كل حركة صغيرة تحت أعين المراقبة.

عاد إلياس من العمل مثقلاً بالروتين والضغط، خطواته على الأرصفة الساخنة لجدة تبدو بطيئة ثقيلة، كما لو كان يحمل كل أخطاء اليوم على كتفيه. قبل أن يعود إلى شقته، قرر التوقف عند البقالة الصغيرة في الزاوية لشراء بعض الحاجيات خبز، حليب، وبعض الفواكه.

دخل المتجر، ورائحة الأطعمة والبهارات تملأ المكان. كان الناس يتبادلون التحيات بسرعة، بعضهم يضحك، بعضهم يسرع، لكن إلياس بالكاد يلاحظهم. دفع المال للسمسار عند الصندوق، وأخذ الأكياس وهو يبتسم ابتسامة آلية، وكأن الحركة الروتينية تخفف من ثقل التفكير قليلاً.

على الطريق إلى المنزل، حمل الأكياس في يد واحدة، واليد الأخرى تضغط على حقيبته. رأسه مشتت، لا يتابع اللافتات أو أصوات السيارات، بل يكرر في ذهنه كل ما حدث الصوت الغريب في الليلة الماضية فوق الشقة، الخطأ البسيط في المكتب، صمت الهاتف… شعور بالقلق بدأ يتسلل إليه، يربط بين كل تفاصيل اليوم وكأنه مؤامرة صغيرة تُحيك ضده.

المشاة يمرون من جانبه، بعضهم يضحك، وبعضهم يتحدث في هواتفهم، لكنه لا يراهم إلا كظلال بعيدة، لا شيء يلمس شعوره الداخلي. كل خطوة على الرصيف كانت تؤكد له أنه بعيد عن أي أمان أو راحة، وأن شقته، رغم كونها مكانه الخاص، لم تعد تمنحه شعورًا بالأمان الكامل.

وصل إلى المبنى، صعد الدرج، وضع الأكياس على الأرض، جلس للحظة يلتقط أنفاسه. صوت الرياح من الفناء الخلفي يحمل همسات المدينة، لكنه الآن كان يسمعها كصوت ينذر بأن شيئًا ما قادم، شيئًا غير واضح بعد، لكنه يرفض أن يتركه في هدوء.

كان إلياس مستيقظًا قبل منتصف الليل بدقائق، عيناه مثبتتان على سقف الشقة الخافت الإضاءة، حيث ينعكس الضوء الخفيف من المصابيح الخارجية على الجدران. يعمل على هاتفه قليلًا، يراجع بعض الرسائل القديمة، يحاول تشتيت عقله عن الوحدة والقلق، لكنه في الحقيقة كان ينتظر شيئًا لا يعرفه بعد.

الساعة أظهرت 1:13 فجراً، صمت الشقة كان ثقيلاً، يكاد يخنق الهواء. فجأة، بدأت الخطوات. هذه المرة كانت أوضح، أكثر واقعية، لكنها لم تكن منتظمة.

ثقيلة… خفيفة… ثقيلة… خفيفة…

كما لو كان بالغ يسير أمام طفلين يحاولان اللحاق به، أصوات متفاوتة السرعة والقوة تتردد في أركان الغرفة وكأنها لعبة مريبة، لعبة لا يفهم قواعدها إلياس.

أخرج هاتفه سريعًا، بدأ التسجيل. كان قلبه يخفق بسرعة، لكنه لم يجرؤ على التحرك. في التسجيل، كانت الخطوات واضحة، كل فرقعة خشبية، كل خفّة في الحركة، مسموعة بوضوح.

ثم حدث الشيء الأكثر رعبًا. همسة تُنطق بصوت هادئ لكنه مليء بالحضور

الياس

إلياس تجمد في مكانه، شعر وكأن الهواء اختنق حوله. لكنه أدرك بسرعة أن الصوت لم يأتِ من الأعلى، لم يأتِ من السقف أو الشرفة أو أي مكان مألوف في الشقة.

كان قريبًا جدًا… قريبًا جدًا لدرجة أنه شعر أن الصوت خلف أذنه مباشرة، يهمس باسمه بطريقة لا يمكن أن تكون طبيعية. قلبه بدأ يقفز في صدره، يده ترتعش وهو يمسك الهاتف، وجهه يابس من الصدمة، وكل شعوره بالواقع بدأ يتزعزع.

من… من هناك؟

همس إلياس لنفسه، صوته كأنه يعود من بعيد، يختنق بين خوفه ودهشته، لكنه لم يسمع أي رد، سوى صدى صوته وهو يتردد في الغرفة، وكأن أحدهم يراقبه عن قرب، لا يمكن رؤيته، لكنه موجود

*****************************************

يتبع

Basmalla Mohamed Fouad

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في الطابق السابع

المؤلف Basmalla Mohamed
2026/02/25 مكتملة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة