من هو هذا الفتى

من هو هذا الفتى

10 0

اسمي ليان، ثمانية عشر عامًا، في سنتي الأخيرة من الثانوية… سنة مهمة يبنى عليها المستقبل ، لكنها بالنسبة لي تشبه سباقًا طويلًا لا نهاية له.

كما ترون، هذه غرفتي. ليست كبيرة، لكنها جميلة:

هناك، على الرف فوق المكتب، تصطف كتبي المفضّلة؛ عالمي الصغير .

وذلك المكتب… المكان الذي أقضي عنده ساعات طويلة بين دفاتر وواجبات واختبارات.

في الركن الأيمن خزانة ملابسي، مرتّبة أكثر مما يجب—عادة اكتسبتها من أمي .

أما سريري، صغير لكنه مريح .

نسيت أن أعرّفكم بي كما يجب…

يمكنكم القول إنني جميلة، رغم أن شهادتي بنفسي ليست  عادلة. شعري أسود قصير يلامس كتفي، عيناي بنّيتان كقهوة خفيفة، وطولي 156 سنتيمترًا—طول يجعلني أبدو أصغر مما أشعر به بكثير.

يا إلهي…

لقد تأخرت على المدرسة

وبصراحة… هذا بسببكم أنتم ، كان يجب أن تنبهوني .

دعوني أرتب حقيبتي بسرعة، المدرسة لا تنتظر  وأحاديثي طويلة.

أغلقت سحاب الحقيبة على عَجَل، وخطوت خارج غرفتي بخفّة أحاول أن أتجنّب ذالك الخطاب من أبي مجدداً.

كانت رائحة القهوة تفوح من المطبخ.

أمي وهي تشرب قهوتها

"انتظري الفطور لا يجب أن ذهبي من دونه ."

" أسفة أمي ولاكني متأخرة ، علي الذهاب ."

ارتديت حذائي بسرعة.

فتحت الباب، واستقبلني الهواء البارد .

الشارع هادئ، وأنا أسير بخطوات سريعة محاولَة تعويض ما أضعته من وقت في الحديث معكم.

كانت المدرسة على بُعد عشر دقائق فقط، ويمكنني الوصول في الوقت المناسب إذا واصلت السير بهذه الوتيرة.

لكن… توقفت قدماي فجأة.

ما هذا؟

على جانب الطريق، تحت ظل عمود الإضاءة، كان هناك فتى ممدّد على الأرض.

جسده مليئ بالكدمات، وقميصه ممزّق.

تجمّدت في مكاني.

يدي بدأت ترتجف.

هل هو… ميت؟

خطوت خطوة واحدة للأمام، ثم تراجعت فورًا.

المنظر لم يكن طبيعيًا، ولم يكن من الأشياء التي أرها في طريقي  إلى المدرسة.

مددت يدي نحو هاتفي بتردد.

"هل أتصل بالنجدة؟"

السؤال ظلّ عالقاً في رأسي.

لكن قبل أن ألمس شاشة الهاتف… رأيته يتحرك.

ببطء… بثقل… رفع رأسه قليلًا، وفي تلك اللحظة بالذات التقت عيناه بعيني.

نظرة واحدة فقط…

كانت عيناه حادتين بشكل غير مريح، لقد شعرت بالخوف حينها.

لا أعرف كيف أصفه.

سمعت صوت قادم منه

"ارحلي،  الآن."

ابتلعت ريقي، أدرت وجهي عنه، وخطوت خطوة… ثم أخرى…

وتظاهرت بأنني لم أر شيئًا .

لكنني سمعت صوت مجموعة من الفتيان يتحدثون

" هل نتوقف يبدوا أنه نال كفايته "

​تسمّرت في مكاني بمجرد أن التقطت أذني أصواتهم. لم تكن مجرد أحاديث عابرة، بل كانت نبرات خشنة، مليئة بالوعيد، تتخللها ضحكات ساخرة تقشعر لها الأبدان.

​"لقد سقط هنا بالتأكيد، لن يذهب بعيداً بهذا الجرح." قال أحدهم بصوت عالي.

​شعرت بقلبي سيخرج من صدري. نظرت إلى الخلف بطرف عيني؛ الفتى الذي كان ممدداً حاول الوقوف مستنداً إلى عمود الإضاءة، لكن يده انزلقت وسقط مجدداً، مصدراً أنيناً مكتوماً.

​الخطر كان يقترب.

​لو رآني هؤلاء الفتية معه، فلن يسألوا عما إذا كنت مجرد عابرة سبيل. في تلك اللحظة، وبدافع لا أعرف مصدره—ربما هو الفضول، أو ربما لأنني لم أحتمل فكرة تركه لمصيره—تراجعت خطواتي للخلف بدلاً من الهرب.

​اختبأت خلف حاوية كبيرة لإعادة التدوير، وناديت بصوت مبحوح وشبه مسموع:

"أنت! خلف الحاوية.. بسرعة!"

​نظر إليّ بعينيه الحادتين، كانت تلمع ببريق غريب، مزيج من الألم والتمرد. زحف بصعوبة بالغة مستغلاً الظلال، وما إن استتر خلف الحاوية حتى مرّ ثلاثة فتيان يرتدون سترات داكنة من أمامنا. كان أحدهم يحمل في يده جنزيراً حديدياً يلفه حول كفه.

​"ليس هنا.. لابد أنه سلك الزقاق المجاور، هيا!"

​انتظرنا حتى اختفى صوت خطواتهم الثقيلة تماماً. ساد الصمت، إلا من صوت أنفاسي المتلاحقة وأنفاسه الثقيلة الممزقة.

​التفتُّ إليه، كنت أريد أن أوبخه لأنه عرضني لهذا الموقف

لكن الكلمات طارت من رأسي حين رأيت الدماء تغطي ذراعه.

​"أنت تنزف بشدة،" قلتها وأنا أحاول فتح حقيبتي المدرسية بحثاً عن أي شيء مفيد. "يجب أن نذهب للمشفى "

​حاول الوقوف مجدداً، وضغط على جرحه بقوة، ثم نظر إليّ بنظرة جعلتني أشعر أنني أصغر بكثير من 156 سنتيمتراً.

​قال بصوت جاف كالصحراء: "لقد طلبت منكِ الرحيل. لماذا ما زلتِ هنا؟"

تجاهلتُ نبرته القاسية، وأخذتُ نفساً عميقاً أحاول فيه استجماع شجاعتي التي تفرقت أمام عينيه الحادتين. "أنا لا أترك أحداً ينزف في الشارع وكأن شيئاً لم يكن!" قلتها بنبرة حملت صرامة أمي التي ورثتها عنها، رغم أن ركبتيَّ كانتـا لا تزالان ترتجفان.

​اقتربتُ منه، وضعتُ حقيبتي المدرسية على الأرض، وأخرجتُ منها "شالاً" صوفياً خفيفاً كنتُ أضعه دائماً في حقيبتي تحسباً للبرد

​"أعطني يدك،" أمرتُه.

نظر إليّ بتردد، وكأنه يزن خطر بقائه هنا مقابل خطر الثقة بغريبة مثلي. في النهاية، استسلم لضعف جسده ومدّ ذراعه المصابة. كانت جروحه عميقة .

​لففتُ الشال حول ذراعه بقوة ليضغط على الجرح، فكتم صرخة ألم بين أسنانه.

اسمع،وجهت كلامي للفتى " المدرسة خلف هذا الزقاق مباشرة، هناك مبنى قديم للمرسم لا يستخدمه أحد في الصباح الباكر، يمكننا الاختباء هناك حتى يبتعد أولئك الفتية تماماً."

​سندتُه بكتفي الصغير—الذي لم يبدُ ضعيفاً في تلك اللحظة—ومشينا بخطوات متعثرة وثقيلة. كان طوله يرهقني، ورائحة الدم تختلط برائحة المطر الوشيك، لكنني لم أتراجع.

​دخلنا من الباب الجانبي للمدرسة الذي غالباً ما يتركه الحارس مفتوحاً، وتسللنا عبر الممرات الجانبية حتى وصلنا إلى " المبنى القديم". كانت الغرفة تفوح برائحة الألوان والتراب، ضوء الشمس الباهت يتسلل من النوافذ العالية ليضيء لوحات مغطاة بالأقمشة البيضاء.

​أجلستُه على مقعد خشبي قديم، وتنفستُ الصعداء.

"نحن بأمان الآن.. مؤقتاً."

​التفتُّ إليه لأطلب منه تفسيراً، لكنه كان يحدق في وجهي بذهول، وكأنه يرى كائناً فضائياً . عندما رأيته يحدق في وجهي تلعثمت ولم أسأل ،

أنفاسي كانت لا تزال متقطعة، وقلبي يدق بعنف في صدري وكأنه يريد الخروج. نظرت إليه وهو يحدق في وجهي بتلك الطريقة، فشعرت بالدماء تصعد إلى وجنتيّ.

"ماذا؟" سألته بارتباك. "هل هناك شيء على وجهي؟"

أطرق للحظة، ثم رفع رأسه مجدداً، ونظراته الحادة بدت أقل حدة مما كانت عليه.

"أنت غريبة جداً،" قال بصوت خافت. "لماذا ساعدت شخصاً لا تعرفينه؟ كان بإمكانك أن تمضي بسلام ولم يكن أحد ليلومك."

سؤال أربكني. لم أكن أعرف الإجابة بنفسي. ربما لأنني لم أستطع تحمل فكرة تركه هناك. ربما لأن عينيه الحادتين أخفتا شيئاً آخر، شيئاً يشبه الخوف أو ربما الحزن. ربما لأنني... لا أعرف.

ترنحت شفتاي، وجلست على الأرض أمامه، أكتافي الصغيرة مستندة إلى حامل لوحات خشبي قديم.

"ربما لأنني لو كنت مكانك، كنت سأتمنى أن يوقف أحدهم لمساعدتي،" همست أخيراً.

حدق فيّ طويلاً وكأنه يحاول فك شيفرة رسالة غامضة. ثم انفرجت شفتاه الجافتان عن ابتسامة خفيفة، بالكاد مرئية، لكنها كانت كافية لتجعل عينيه الحادتين أقل رعباً.

"اسمي ريان،" قال أخيراً بصوت أجش. "وأنتِ يا صاحبة الشال الصوفي؟"

"ليان،" ابتسمت. "وكان يجب أن أكون في الصف الآن."

ضحك ضحكة مكتومة تحولت إلى سعال، فانتبهت مجدداً لجروحه. وقفت بسرعة.

"انتظر هنا، سأحضر ماء ومطهر من عيادة المدرسة."

لكنه أمسك بمعصمي، بقوة لم أتوقعها من شخص في حالته.

"لا، لا تذهبي. الأمان هنا مؤقت. إذا رأك أحد معي، ستعرضين نفسك للمساءلة. أولئك الفتية... ليسوا لطفاء."

شعرت ببرودة يده على معصمي، ونظرت في عينيه، كانت تخفي شيئاً. الكثير من الأشياء.

"من أنت يا ريان؟" سألته بصوت خافت. "وماذا يفعل فتية بالسلاسل في شوارعنا في الصباح الباكر؟"

أرخى قبضته، وتنهد بعمق.

"قصة طويلة،" قال. "وأنا لا أريد إدخالك فيها. أنت... تبدين طيبة. لا تستحقين هذا."

قبل أن أتمكن من الرد، سمعنا صوتاً يقترب. خطوات على الدرج الحديدي المؤدي للمبنى القديم. نظر كل منا إلى الآخر في ذعر.

"أحدهم قادم،" همس ريان محاولاً الوقوف. لكن جرحه منعه، فسقط مجدداً على المقعد.

تجمّد الدم في عروقي. ماذا لو كانوا هم؟ ماذا لو وجدونا هنا معاً؟ ماذا لو طردت من المدرسة في سنتي الأخيرة؟ ماذا سيقول أبي؟

الباب بدأ يفتح ببطء...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قصتي قبل المدرسة

المؤلف محمد بوعجاج
2026/02/18 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة