تمهيد للمعركه القادمه

تمهيد للمعركه القادمه

11 0

لم يكن كايل يحب الوقوف على الأسوار طويلًا.

الريح هناك دائمًا تذكّره بأماكن لم يعد ينتمي إليها، بأصوات رحلت وبوجوه لم يبقَ منها سوى ظلال في الذاكرة. ومع ذلك، كان يعود إلى الأسوار كلما ضاق صدره، كأن الارتفاع يمنحه وهم السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.

وُلد كايل في قرية صغيرة إلى الجنوب من سولاريس، قرية لا تظهر على الخرائط إلا كنقطة باهتة بين التلال. لم تكن فقيرة تمامًا، لكنها لم تكن آمنة أيضًا. عاش طفولته بين طرق ترابية، وبيوت خشبية، ورائحة الخبز الذي كانت أمه تصنعه كل صباح. كانت تفتح نافذة المطبخ قبل أن تضع القهوة على النار، كأن الهواء البارد جزء من الطقس نفسه. حتى اليوم، كلما شمّ رائحة القهوة المحمّصة، عاد إليها.

أمه كانت تُدعى «إلين»، امرأة هادئة، يداها دائمًا مشغولتان، وصوتها لا يرتفع إلا حين تضحك. علّمته كيف يصبر، لا بالكلمات، بل بالفعل. أما أبوه، «ماركوس»، فلم يكن كثير الكلام. رجل عمل أكثر مما عاش. خرج ذات صباح مع قافلة تجارية ولم يعد. لم يُعثر على جسده، ولم تصل رسالة مؤكدة. فقط صمت طويل، ثم اعتراف غير منطوق بأن الانتظار لم يعد مجديًا.

مات الأب قبل أن يفهم كايل معنى الموت.

وماتت الأم بعده بسنوات قليلة، ليس فجأة، بل ببطء مؤلم، كأن الجسد قرر أن يتبع الروح.

بقيت أخته.

اسمها «لينا».

كانت أصغر منه بسبع سنوات، بعينين واسعتين لا تعرفان الخوف إلا حين يختفي هو عن نظرها. حين ماتت أمهما، حملها كايل بين ذراعيه، ولم يبكِ. لم يبكِ حتى بعد أن انتهى الدفن. البكاء جاء لاحقًا، في الليل، عندما أدرك أنه صار كل ما تملكه.

لينا الآن تعيش داخل سولاريس، في أحد الأحياء القريبة من السوق الداخلي. تعمل في محل صغير، وتنتظره كل مساء تقريبًا، حتى لو لم يعد. لم تسأله يومًا عن القتال، ولا عن السياسة، ولا عن سبب التعب الذي يحمله في عينيه. كانت تكتفي بأن تضع فنجان قهوة أمامه، كما كانت تفعل أمهما.

أما آرثر…

فعرفه كايل قبل أن يعرف معنى الحرب.

التقيا وهما صبيان، في موسم جفاف قاسٍ. آرثر كان آنذاك أقل صمتًا، أكثر حدّة، يحمل غضبًا لا يعرف مصدره. تشاجرا في اليوم الأول، ثم تشاركا الطعام في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث كانا يتدربان معًا على حمل السيوف الخشبية. لم يكن بينهما عهد ولا وعد. فقط استمرّ الوجود.

ثم افترقا.

الحياة لم تسأل إن كانا يريدان ذلك.

وحين عاد آرثر الآن، مختلفًا، مثقلًا، يحمل في صمته ما لم يستطع كايل تسميته… شعر أن الماضي لم يُغلق بقدر ما كان ينتظر هذه اللحظة.

نظر كايل إلى المدينة من فوق السور. اللاجئون ينامون في ساحات مؤقتة، والجنود يتحركون أكثر من المعتاد. سولاريس لم تكن مدينة خائفة، لكنها مدينة ذكية. تعرف متى تصمت، ومتى تتحرك.

في عمق القصر، خلف جدران أكثر سماكة، لم يكن الصمت حاضرًا.

جلس الملك «أوريان سولاريس» على رأس الطاولة الحجرية، ظهره مستقيم، ملامحه حادة، وعيناه تتحركان ببطء بين الحاضرين. لم يكن ملكًا شابًا، لكنه لم يكن ضعيفًا. عاش ما يكفي ليفهم أن الحكم ليس قرارًا واحدًا، بل سلسلة تنازلات محسوبة.

عن يمينه جلس ولي العهد، وعن يساره الملكة، صامتة كعادتها، تستمع أكثر مما تتكلم. حول الطاولة توزّع الوزراء، بعضهم بنبل قديم، وبعضهم برجال صعدوا مع الزمن لا بالنسب.

— اللاجئون عبء. — قال أحد النبلاء بلهجة مباشرة. — مواردنا محدودة.

رد الوزير العسكري، دون أن يرفع صوته:

— والجيش عبء أكبر إن لم نُعزّزه.

تحرك الملك قليلًا.

— الألف لن يتوقفوا. — قال — وهذا ليس تهديدًا نظريًا. الحدود الشرقية تشهد تحركات غير معتادة.

قال أمير شاب، لم يختبر الحرب بعد:

— هل نقترح تجنيد اللاجئين؟

ساد صمت قصير.

— نقترح… — قال الوزير — إعطاء من يستطيع القتال خيارًا. لا إكراه، لكن لا وهم. من يرفض، يبقى. من يقبل، يُدرَّب.

— وهل نثق بهم؟ — سألت الملكة أخيرًا.

نظر إليها الملك.

— لا نثق بأحد في زمن الحرب. — قال — لكننا نستخدم كل ما لدينا.

تحرك ولي العهد في مقعده.

— ومتى نعلن الاستعداد؟

أجاب الوزير العسكري:

— الآن. لا ننتظر الضربة الأولى.

قال الملك بهدوء:

— إذًا فلتبدأ التعبئة. ببطء. بلا ذعر. سولاريس لا تصرخ… سولاريس تتحرك.

في تلك اللحظة، لم يكن أحد يعلم أن بين اللاجئين شابًا يقف على السور، يشعر بأن شيئًا داخله لم يعد ينام، وأن الحرب القادمة لن تكون مثل ما قبلها.

ولا أحد، سوى قلة قليلة، أدرك أن آرثر لم يصل إلى سولاريس ليحتمي بها…

بل ليكون جزءًا مما ستصبح عليه.

وانتهى الفصل الرابع عشر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بوابات الظلال

المؤلف Halmat
2026/01/18 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة