الحق والنقص

الحق والنقص

33 3

قسم الاستقبال - الطوارئ

الإضاءة شاحبة ومزرقة؛ إذ تسلل ضوء الفجر البارد بقوة من النوافذ العالية، ليمتزج مع أضواء المستشفى البيضاء القاسية، خالقًا جوًا من الوضوح غير المريح.

خيّم على المكان هدوء مخيف. اختفت صفارات الإنذار، وصراخ الألم، ووقع الأقدام المسرعة. لم يتبقَّ سوى همهمة الأجهزة الإلكترونية البعيدة، وصوت تكتكة ساعة على الحائط، وأنفاس متعبة. إنه صمت ما بعد المعركة.

الساعة 6:50 صباحًا.

سبعة كراسٍ مصطفة في صف واحد بجوار الأبواب الزجاجية الأوتوماتيكية لمخرج قسم الطوارئ. بدأ الطاقم الليلي في التجمع هناك؛ لم يجمعهم اتفاق مسبق، بل وحّدهم الإرهاق.

خرج سمير من المصعد، وجهه متعب لكنه يحمل صلابة جديدة. لقد انتهت الجراحة، والطفل مستقر في العناية المركزة. سار مباشرة إلى أحد الكراسي وجلس، يحدق في الفراغ أمامه.

تبعه أمجد بعد دقيقة. استُنزف الحماس منه بالكامل، ولم يتبقَ سوى رجل أنهكه القتال. جلس بجوار سمير، وأسند رأسه إلى الحائط خلفه.

نهى، التي ساعدت في غرفة العمليات، خرجت بعدهما. وجهها شاحب، وعيناها تحملان أثر كل المآسي التي شهدتها الليلة. جلست بهدوء في كرسي بعيد قليلاً.

مروان كان جالسًا بالفعل، في نفس المكان الذي اختاره ليهرب من الفوضى. لم يتحرك، بقي هناك فقط، غارقًا في شاشة هاتفه، يتجنب النظر إلى أي شخص.

ثم عاد كريم. كان قد أوصل الأب إلى جانب سرير ابنه في العناية المركزة، وأنهى دوره. سار بهدوء وجلس في الكرسي الفارغ على الجانب الآخر.

وأخيرًا، ظهر هاني. كان قد غيّر ثيابه، مرتديًا ملابسه المدنية النظيفة، جاهزًا للرحيل. بدا وكأنه الشخص الوحيد الذي لم تمسه فوضى الليلة. نظر إلى الصف، ثم بهدوء، اتخذ لنفسه المقعد الأخير عند الطرف، وأخرج هاتفه.

اكتمل الصف. سبعة أجساد، كلٌ يتقوقع في عالمه الخاص من الصمت.

يجلس سمير منتصبًا، ويداه على ركبتيه. غضبه لم يهدأ، بل تحول إلى مسؤولية ثقيلة، ينظر إلى الأمام بثبات كجندي بعد معركة دامية.

أمجد منكمش في مقعده، يفرك عينيه بقوة. يداه ترتجفان قليلاً من غياب الأدرينالين، ذلك الوقود الذي اعتاد أن يلتهم به أزماته.

مروان لا يزال يحدق في هاتفه، ليتجنب رؤية الواقع الخالي من الفرص والمكاسب من حوله.

كريم يجلس بهدوء، وعلى وجهه بقايا قناع التعاطف. يبدو راضيًا بشكل غريب، كشخص تناول للتو وجبة دسمة من مشاعر الآخرين.

هاني يقلب في هاتفه بلامبالاة. لقد نجح في عبور ليلة أخرى بأقل قدر ممكن من التورط أو الجهد.

نهى تحدق في يديها القابعتين في حجرها. مرارتها وحسدها الدائم قد استُبدلا بصدمة الإرهاق.

أما إيمان، ففي المنتصف. لا تنظر إلى شيء. عيناها مثبتتان على الأبواب الزجاجية. لا يوجد تحليل، لا يوجد حكم، ولا كبرياء. فقط صمت.

ولو أمكن لعينٍ أن ترتفع فوق هذا الصف من الأجساد المنهكة، أن تتجاوز رؤوسهم المطأطئة وتصعد ببطء نحو السقف العالي، لرأت مشهدًا يجسد كل شيء.

​تصبح الوجوه أقل وضوحًا، وتتحول التفاصيل الدقيقة للإرهاق إلى مجرد انحناءات في الظل. يتقلص الأطباء السبعة، هؤلاء الذين كانوا عمالقة قبل ساعات، ليصبحوا مجرد أشكال صغيرة وهشة. وفي هذا التقلص، يتقلص معهم كل ادعاء.

​فما هؤلاء السبعة إلا صورة مصغرة للحقيقة الأزلية؛ فما الإنسان إلا كائنٌ ضعيف، يتشحّ بالحقوق كبرودٌ تفتعل النبل، لتتدثر بها عوراتُ نقائصنا الصارخة. فالحق هو الغطاء الأنيق الذي يستر عورة النقص، سواء كان طبيبًا يرتدي معطفًا، أو قاضيًا يرفع مطرقة العدل، أو أبًا يعد بالحماية والمسؤولية.

2

​ومع استمرار هذا الصعود البطيء، تظهر فوقهم مباشرة، كأنها حكم سماوي أو سخرية قدرية، اللوحة الإلكترونية المضيئة لقسم استقبال الطوارئ. يغسل ضوؤها الصناعي البراق وجوههم الرمادية المطفأة والمُنهكة:

​«قسم الطوارئ - نعمل من أجل حياتكم»

​يستمر المنظور في الابتعاد، حتى يبتلع وهج اللافتة الضخم أجسادهم الصغيرة. يصبحون مجرد حاشية سفلية، هامشًا صغيرًا تحت الوعد الكبير الذي فشلوا في الحفاظ عليه. سبعة ملائكة محطمين، تحولوا إلى كهنةٍ يخدمون هيكلًا أُفرغت روحه، وضحايا لقرابين قدّموها من خطاياهم، يقبعون بصمت تحت شعار وعودهم الكبيرة.

- النهاية -

2
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حالة طوارئ

المؤلف Mo0S
2026/01/02 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة