[ حَياة و أَعبَاء ]

[ حَياة و أَعبَاء ]

13 0

[ حَياة و أَعبَاء ]

- كانت تقف أمام مرآتها الصغيرة ذات إطارات الخشب تسرح بأناملها شعرها الأسود البراق ، كان طويلا و جذابا ينتهي لأسفل ظهرها و عيونها خضراء لامعة بلون أحجار الياقوت كانت ملامحها أخاذة تعجب العين لكن سمات التعب بادية عليه

كانت دايا قد تعبت من هاذا اليوم الطويل الذي لا يخلوا من صراخ طلاب الإبتدائية و معاناتها معهم و حتى الان لا يزال صدى صراخهم و ثرثرتهم الكبيرة داخل الفصل تترنم بداخل أذنيها ، دلكت بأصابعها ما بين عيونها متجاوزة تعبها عليها القيام الآن و الوقوف بشكل طبيعي أمام أمها

ستبدو دوما أنها بخير لأجلها و ستحارب و تقف على أقدامها رغم كل شيئ .. لأجل أمها

و لأنّ اليوم هو يوم ميلاد أخيها الأكبر رايلي ، نزلت الى الطابق السفلي على الفور عندما سمعت صرخات إبنة خالتها المتحمسة للاشيئ فعند النظر الى ما حظروه هو لا شيئ فعلا!

مجرد قالب كيكة صغيرة بالإضافة الى قليل من الكريمة المخفوقة و بدون أية تزيينات مع عصير كانتا قد حظرتاه من حبيبات برتقال كانت موجودة ، بالعادة دايا ماهرة بالطبخ و كانت الكيكة ستبدو أفضل لو أن هنالك المزيد من المقادير ،

حاولت الفتاتان أن تحضرا قد ما أمكنهما فطائر عادية و سلطة مع حساء ، الوضع الذي هم به حاليا لا يسمح لهم أن يعدّوا مائدة فخمة و أن يعيشوا حياة مترفة فراتبها الضئيل لا يكفي أن يسدد جميع مصاريف و فواتير البيت كما أن راتب أخيها يذهب كله في علاج والدتهما

_ قد لازمت الفراش بالسنتين الماضيتين و لم يعد بمقدورها ان تواصل المعركة التي بدأتها من حيث وفاة زوجها ، كانت لا تزال شابة حين ترملت ويجب عليها ان تعمل لتطعم طفلين صغيرين و مهما يكن على شرط أن يكون شريفا ،

غسيل أو تنظيف أرضيات كانت تعمل ليلا نهار و يديها في الماء شتاءا صيفا بدون توقف فعلت ما بوسعها لترى إبنتها الصغيرة إمرأة قوية و ولدها رجلا شجاعا و الأمانة التي حافظت عليها بخير ، كافحت لمدة طويلة و الآن قد تخلخل المرض في أطراف جسدها

روماتيزم حادة في عظام ساقيها بالعادة هاذا المرض لا يكون سببا في إقعادها الفراش لكن إستهتارها به في بدايته و عدم الخضوع للعلاج و الأدوية جعلها تفقد القدرة على إستخدام مفاصلها كما صارت جثة هامدة ترى بعيونها فقط و ممددة فوق ذلك السرير ،

ظهرت دايا و هي تتكأ على الباب برشاقة و على وجهها إبتسامة مبهجة لوالدتها

- أُمي نَحنُ قد جَهزنَا سُفرة الطّعام هَل تَنضمّين إِلينَا سَيصلُ أخِي قَريبًا؟ .

إبتسمت على حيوية إبنتها لتميل رأسها علامة على الموافقة تقدمت دايا الى أمها لتساعدها في الجلوس على كرسيها المتحرك! صار هاذا هو المنفذ الوحيد لها و من دونه لا تستطيع التحرك أبدا ،

دفعت دايا أمها بالكرسي الى غرفة المعيشة حيث آرزو تصف الملاعق و الصحون بشكل منتظم ،

- مَا رأيُك ألا تَرون أنّي سأصِير زَوجةً رائِعة! .

قلبت دايا عيونها بسخرية ممازحة إبنة خالتها ،

- لَن يُحبّك أَحدهُم بِمظهَركِ الصِبيَانيّ هَاذا!! .

- فل تَقولِي مَا تُريدين أنَا أُحبّ نَفسِي هَكذا! و مَن سَيحبّني سَيحبنِي عَلى مَا أنَا عَليه .

حركت شعرها بثقة و هي حتما لا تأبه ، آرزو دوما ترتدي البنطلونات و لا تحب الفساتين و التنانير كما أنها تقوم بجمع شعرها على الدوام و لم يكن مصففا كالفتيات لم تضع مكياجا من قبل و لا يعجبها العالم الوردي في حين كانت دايا أكثر أنوثة ،

سمعن فجأة صوت الباب يفتح لتهرع الفتاتان في توتر ذهبت دايا لإحضار الكيكة و الأخرى لجلب قداحة لإشعال الشموع التي عليها بينما رايلي يخلع حذاءه في تعب مشى عبر الرواق الصغير باحثا بين الغرف عن أصواتهما داهم غرفة أمه ليعرف أنهن جميعا في غرفة المعيشة

دخلها ليرى مائدة العشاء مزينة بشكل جميل خلفها تجلس أمه على كرسيها و على وجهها ضحكة كبيرة و بين يديها قالب الكيكة المضاء بالشموع ، حولها تقف الفتاتان عندما صفقتا بأعلى صوتهما

- يَوم مِيلاد سَعييد! رَاي! .

رمش عيونه ليضحك تلقائيا من هذه الحركة الغير المتوقعة ،

- يَا لَكما مِن مُحتالَتين! لَم تُبديا لِي مَا سَتقومَان بِفعله! .

- فَعلنَا ذلكَ في اللحظَة الأَخيرَة .

- لَم يُعجبنِي .

- لَيس و كَأنكَ سَتبلغُ الخَامسَة و العِشرُون حَقا .

إبتسمت والدته بحب ليقترب هو و يأخذ منها قالب الحلوى لأنها لا تستطيع أن تحمله لفترة ، مدت ضراعيها لإبنها تحضنه و هي تقبل كل جزء من وجهه

- خَمسٌ و عُشرونَ سنَة مَضت و كَأنّها بالأمس ، أَتمنّى أن يَطول عُمري لأرَاك و قد صِرت عَريسًا! .

قهقهت كل من دايا و آرزو على تخيلاتهما لتقول آرزو بضحكك و هي توجه كلامها لرايلي

- مَهلكِ يا خَالتِي لَيس لِهذه الدّرجَة أُشفقُ على عَروسِه حَقا! .

نظر رايلي بعيون ناعسة لعقلة الأصبع التي أمامه و هي تضع يديها على خصرها متكلمة بإحتكار ليرد عليها

- لِماذَا ؟ .

- لأنّي سَأكُون الحَماة الشّريرَة التِي سَتعذّب زَوجتَك! .

ضحك بجانبية لتظهر أسنانه البيضاء الجذابة ضحكته كانت أجمل شيئ قد يرى لينحني بأكتافه العريضة للقصيرة التي قفزت بحيوية تعانقه و تصيح تهنئه بيومه

ليلتفت لأخته و أمه و يتلقى التهنيئات و التبريكات منهما ، رغم وحشة الفقر الا أن اللحظات السعيدة التي يمرون بها لا تعادل أموال الدنيا و لا تشترى بأي مال ،

_ بعد ساعات طويلة من العمل و عقد إجتماعات غير منتهية جلس على مكتبه يفرك ما بين صدغيه لا سيما بعد الأعمال الكثيرة التي زادت بهذا الأسبوع و مع نقص في الأيدي العاملة

طرق باب مكتبه ليأذن للطارق بالدخول دخلت موظفة بينما صوت طرق كعبها على أرضية المكتب يتردد بين الانحاء لينظر لها بينما هي تتقدم تنحني بإحترام و تمد له بعض الاوراق بينما تقول بإتزان مبالغ فيه ،

- هَذه مُخطّطات المَشروعِ الجَديد! سَيدِي ؟ .

ليتناولها منها و يأخذ نظرة عليها بتمعن بينما يسؤلها ،

- كَيف هُو الوَضع ؟ .

- مَا يَزال فَريقُنا يُعانِي من الخُطة الجَديدَة.

- لا بَأس يُمكِنك المُغادَرة! .

بالرغم من أنها كانت متوترة منه إلا أنها حاولت الإجابة بهدوء أمامه مع إبتسامة غبية على وجهها ما إن سمح لها بالمغادرة حتى همهمت بالخروج بسرعة و كأنها تهرب من برود رئيسها ، إنه مراع لجهود الآخرين و يحب إخلاص البعض و تفانيهم بالعمل يحرص على أن يضع كل واحد بمكانه المناسب ليصقل مهاراتهم و مواهبهم

يستطيع إظهار روح الرئيس المتفهم و بالوقت ذاته يكون شخصا صارما اتجاه عمله و الآن أصبح متأكدا من أن هذه الفتاة التي منحت منصب سكرتيرة له لا تتناسب مع هاذا العمل ،

بينما هو يرتب أوراقه على مكتبه العريض ذاك دخل مساعده ديمير لينحني و ينبهه بأنه حان وقت خروجه ، وقف ألب ليعيد قفل أزرار سترته و يتفقد ساعة يده ثم يخرج من مكتبت بعدما أمر ديمير بأن يجهز له إحدى سياراته ،

كانت الموظفات على وشك الخروج عندما لفحتهن هيبته الصارخة و مظهره الأكثر من فخم و هو يمشي بالمقدمة و خلفه مساعدوه و أعضاء مجلس الإدارة يسيرون معه إلى البوابة الخارجية ، إحداهن بدأت بتفقد أحمر شفاهها و الأخرى أمسكت بصدرها الذي يخفق و هي تتبع خطواته بعيونها لم تستطع أي منهن إمساك نفسها عن التوتر و الصراخ و هن يرين هالته القاتلة يوميا

وقف أمام البوابة لتأتي إحدى سياراته [ بوغاتي تشيرون بروفيليه ] رمادية يقودها أحد الحراس ليشير له بيده أنه يريد قيادتها بنفسه ليأخذ المفاتيح منه و ينطلق ،

الثّامنة مَساءًا.....!!

يجلس في شرفة غرفته متكئا على سياجها الذي يطل على حديقة القصر الكبيرة عبثت الرياح بغرة شعره الكستنائي أثناء عبورها التي تخفي عيونه العسلية الأخاذة ، كان قد سرح بعيدا بفكره و هو يستمع لنغمات الهادئة التي شغلها عبر سماعاته اللاسلكية

لم ينتبه لدخول أخته العفوي إلى غرفته و هي تنادي بإسمه ، كان في تبدو رائعة في إطلالتها الجميلة بعد قدومها توا من الخارج ... زادت في طرق الباب و مناداته عله ينتبه لكنه لا يزال منسجما مع النغمات لتقترب و تأخذ منه السماعات بغتة قائلة

- تُولغَا أُنادِيك منذُ سَاعة ؟ .

- بِرأيكِ أنتِ كَيف سَأسمَعك و أنَا أضعُ السّماعات! .

- بَل أَقصدُ جُلوسكَ هُنا و بِهذه الطّريقَة المُحيّرة أَلم نَتفِق عَلى اللّقاء عِند خَالتِي ؟ .

- ذَلك الإتّفاقُ إختَرعتِه لوَحدِك مَع أمّي و جَدتي لَيس مَعي! لَا أَرغبُ بالذّهاب! .

إتكئت مليس على سياج الشرفة تعقص حواجبها متسائلة من فعل أخيها الذي يبعد عنها نظراته متجاهلا إياها و الموضوع ببرود ... إستمرت في النظر إليه تتفحص عيونه و ملامحه ليس كأنها المرة الأولى التي يبتعد فيها تولغا عن إجتماع العائلة تعرف طباع أخيها جيدا

- أَلن تُعايِد إِيڤ ؟ سَتتفقَدك بكُل تَأكِيد! .

- أنَا...! لا عَليكِ ألب يَقوم بالوَاجبِ عنّا جَميعًا ، هُو يُغنيهَا عن العَالم بأَسرِه .

بالبداية أسفل عن ضحكة ساخرة من بين أسنانه! بعد كلمة " أنَا " تحولت ملامحه لأخرى مظلمة و تكلم بحدة لينتفظ مبتعدا عن مليس ليدخل غرفته و يرمي نفسه على تخته كجثة بلا مبالاة ، تفهم مليس مزاجية أخيها الحادة و حاله عندما ينقلب لتنسحب في هدوء من غرفته و تدعه بحاله ،

_ كانت تجلس على الأريكة الواسعة أمام حوض السباحة الذي تتلألأ مياهه على الأنوار المشعة في الڤيلا تضع ساقا فوق ساق ليظهر بذلك لون سيقانها ناصعة البيوضة و تتوكأ بظهرها على ذراع الأريكة و بينما هي تقرأ مجلة و تقلب صفحاتها صارت تلعب بخصلات شعرها الشقراء و تطرق بكعبها الأرض بعصبية

و صارت الكلمات تتجادل بداخل عقلها

كيف يكون اليوم عيد ميلادها و لم يعايدها شخصيا ألم يكلف نفسه عناء تهنئتها و لو حتى بالهاتف هل هي شخص لا قيمة لها عنده الى هذه الدرجة ؟ لدرجة أن يقيم بينهما كل هذه الحدود!

و برغم أنها تتئاكل من الغيض بداخلها لا تظهر ذلك لأي أحد لا تريد أن تبدو ضعيفة لأجل رجل و لو كان هو!

عدلت جلستها ثم أغلقت المجلة! ، صار مملا لها البقاء بثوبها الأحمر و إكسسواراتها طوال اليوم لذلك قررت العودة لغرفتها لتغتسل و تخلد للنوم

فور إستدارتها لم تلمح سوى الظل الأسود لألب يقف خلفها لم تدرك أنه كان خلفها طويلا بمجرد رؤيته فزعت و عادت خطوة للوراء بسرعة جعلها تتعثر بكعبها ، أسرع في مد ذراعه الأيسر خلف ظهرها يوازنها كي لا تقع

- مَا بكِ هَل نَعستِ لِهذه الدّرجَة ؟ .

غاصت عيناها بهالته أمامها تتأمله و أخيرا إستطاعت رؤيته في يومها ، عدلت وقفتها بسرعة بينما هو أبعد ذراعه ليعيدها إلى جيبه بنطاله الأسود

- بِالطّبع الوَقتُ مُتأخر لِذلكَ كُنت سَأدخُل لأنَام .

- اليَوم هُو عِيد مِيلادِك! ألا يُحدِثُ لَك فَارقًا ؟ .

- ما المُهم فِيه! أنا بالخَامسَة و العِشرُون لن أتَحمّس كَطفلَة .

فارق الطول بينهما لم يكن كبيرا عندما كان يتكلمان عن قرب و كانت الأخرى تضم ذراعيها إلى صدرها تنظر له بحدة نظراتها و إبتسامة خفيفة على وجهها لها كبرياء كبير لا تريد أن تبين مدى سعادتها ،

- كَان ضَغطُ العَمل كَثيرًا اليَوم في الشّركَة! لَم أَستَطع أن أنَال وَقتًا لأهنئَك بعِيدكِ حتّى الآن و لَم أَعرف مالهَدية التِي سَتحبّينهَا بِما أنّك تَملكِين كُل شَيئ فَكرتُ أن بَاقة وُرودٍ حَمراءَ لكِ سَتعجِبك لأنّ الأحمَر يَليقُ بِك! .

الجو حولها مثالي جدا لم تتصور خفقان قلبها عندما قال تلك الكلمة هي لم تهتم لباقة الورود من الأصل لكن هاذا الإهتمام لها منه جعلها تطمئن بعض الشيئ ،

- سَنةٌ سَعيدَة لَك! .

- أَشكُرك .

بدء بالمشي بضع خطوات حول المسبح و كانت هي بجانبه بضع ثوان حل بهما الصمت و هما يسيران معا لذلك حاول فتح موضوع ما ؟ .

- مالحُلمُ الذي سَتعزِمين تَحقيقَه هَذه السّنة ؟ .

توقفت عن السير عندما سمعت سؤاله هاذا و غاست بلحظة تفكر ليشعر بها متوقفا هو الآخر إستدار فورا عندما وجدها تحدق فيه بقوة نظراتها النصف هائمة فيه مع إبتسامة جريئة على شفاهها لتجيب بعدما أمالت رأسها ،

- سَأجعلُك تَقعُ بِحبّي مثلَما أَوقعتَني في حُبك! .

حدق فيها بملامح جامدة ليست المرة الأولى التي تصرح بحبها له مباشرة! ألب هو رجل و أي رجل لا يمكن أن يرفض هكذا فتاة كدمية بجمال خلاب لكنه كان محترما و نبيلا و لا يمكن أن ينظر لها بهكذا طريقة و هي من تربت معه كإخوة ،

- إِيڤ لا دَاعِي لِذكرِ المَوضوع .

- أنَا أَجبتُك فَقط! و هَاذا مَا سَأسعَى إليه! .

إبتعد بنظراته بينما كانت الأخرى لا تزال تحدق فيه ليشدد على كلماته هذه المرة

- و أنَا أَخبرتُك لا يُمكِن أن أَراكِ إلا كَأختِي مِليس! .

بعد قوله هذه الجملة إنسحب مغادرا الحديقة يتوجه إلى سيارته التي ركنها عند مرآب الڤيلا عندما إستوقفته نبرة صوتها الواثقة ،

- لَن أَتراجَع عن مَا أُريدُه! .

لم يستدر قيد شعرة بينما هي تحدثت خلفه بل أكمل طريقه و كأنه لم يسمع شيئ ، بينما هي زادت عزيمتها و إصرارها بنيله .

اليَوم التالي - الساعة السابعة صباحا -

كان رنين المنبه كافيا لان تستيقظ مضرجة بالعبوس نفخت شفتيها و هي تبعد الملاءة عنها و ترفع شعرها عن وجهها ، ماهي إلا ثوان حتى إستقامت و هي تجري للحمام بسرعة فالساعة تقترب من الثامنة و موعد حصتها الأولى يكاد يبدأ و هي في المنزل! .

كانت تشتم كل شيئ في حياتها حتى آرزو التي لم توقظها ، إرتدت ملابسها و هي تركض من مكان لآخر بالغرفة و تدعو داخلها ألا يلاحظ ذلك المدير الأصلع غيابها عن حصتها الأولى ،

إرتدت قميصا أبيض قماشي مع بنطال أسود عريض من الأسفل ، كانت تضع أشياءها في حقيبتها السوداء بوتيرة سريعة للغاية و شعرها الأسود الحريري بطبيعته يتناثر من جانبيها و يجعل مزاجها يتعكر أكثر ،

أكثر ما يستفزها شعرها ناعم الملمس الذي لم تستطع ضبطه بأي طريقة كانت!

و لأن الوقت لم يساعدها في جمعه لم تأبه و خرجت من المنزل و لا تزال قدمها اليسرى لم تستقر بحذائها الرياضي بعد ، و حقيبتها القماشية التي تعلقها على كتفها و هاتفها الذي تضعه على أذنها و يرتكن على منكبها الآخر ،

وضعها كان كارثيا!

كانت تتصل بآرزو التي ذهبت مبكرة للثاناوية و لم توقضها كما كل يوم!

- تِلك الحَمقَاء سَأريِها!

تنفست الصعداء و هي ترى في الافق حافلة وحيدة قادمة في الطريق حيث وقفت ، لتصعد و ترى مقعدا فارغا في الخلف ركدت هناك و جلست تنظر عبر نافذة الحافلة و هي تتمتم وحدها كالمجانين

- يَجبُ عليّ إِختلاقُ عُذرٍ له لتأخُري هَاذا! .

هي بطبعها لا تأبه لرأي الآخرين عنها ، و تتسم بطبيعتها و لا تصطنع أفعالها سوى للضرورة القصوى ، ما جعل ركاب الحافلة يبتسمون على حركاتها و كأنها بمفردها

وصلت للمدرسة لتمشي بإتزان فمهما بدت مشتتة و خائفة من تأخيرها لن تظهر ذلك لمديرها بتاتا بل على العكس ،

إستوقفتها أحد المعلمات اليافعات في الردهة قبل أن تلج لحصتها التي شارفت على الإنتهاء ،

- صَباحُ الخَير دَايا! المُدير مُنذ سَاعة و هُو يَنتظِرك في مَكتبِه .

إبتسمت دايا بتشنج و هي ترى سوء يومها يلوح في الأفق ،

- أَخبرينِي يا جَانسُو أي لَعنة سَقطَت عَلي لأصِير مُعلمَة رِياضيّات فِي هَذه المَدرسَة ؟ .

طبطت جانسو على كتف دايا بمأساوية و تحدثت بدراما

- أَعتقِد أن جَوابَك لَدى ذَلك الأصلَع بَاشرِي فِي سُؤالِه .

أومأن لبعضهن ببؤس درامي لتركض دايا بعدها الى مكتب المدير و تترك جانسو تضحك على حركاتها ،

طرقت دايا الباب لتسمع صوته الذي يجلب الإكتئاب يأمرها بالدخول ، دخلت و رأت المدير في كرسي مكتبه و مقابله رجل في عقده الثالث يرتدي بذلة رسمية مبتذلة للغاية ،

نظرت لهما بإستغراب و هما ينظران لها بتوجس ، ليتحدث المدير بلهجة متكهربة

- وَليّ أَمر الطّفل مَارت الذِي تَقومِين بِتدرِيسه! .

أشار له كتعريف لها ، لتبتسم برسمية و تومئ برأسها له بينما هو رفع حاجبه يناظرها بغل ، تجاهلت أمره و فقط حمدت ربها أن أمر إستدعائها يبدو لسبب غير تأخرها اليوم و لكن ما أعرب به المدير هو جعل راحتها تتلاشى تدريجيا

- لَقد أَخبَرني السّيد إيمري أنّك عَاقبتِ صغِيرَه بالجَري على ساحة الرياضة لمدة خمس دقائق دون توقف .

رفعت دايا حاجبها و قد إستفزها الأمر بشدة ، نظرت للسيد المقابل لها و لنظراته التي تريد فتكها لتتحدث بهدوء و لهجة صوت واثقة ،

- إِذًا ؟ .

إستقام الرجل المترف و دايا أمامه كانت تستفزه بنظراتها الثابتة نحوه كأنها لم تفعل شيئ لصغيره المدلل ،

- كَيف تَجرئِين عَلى مُعاقبَة طِفلي يا هَذه ، أ تَعيينَ إبنَ مَن يَكون ؟ .

كانت تريد الصموت أمام لهجته المبتذلة تلك لكنه إستفزها هذه المرة و لا يمكنها السكوت له

عقدت حاجبيها و رفعت رأسها لتصنع نظرات حادة مع ذلك السيد المتبجح ،

- أَولًا أيّها السَيّد لا أَسمحُ بأن يَتحدّث أحدُهم مَعي بِهذه الطّريقَة و ممّا يَبدو لِي أنّك شَخصيّة مُهمّة لذلِكَ يُفضّل لَك تَحسينُ أُسلُوبكَ كَما تُحسّن مَظهَرك .

أصابته بالحديث لدرجة لم يعلم بما يجيب عليها و هاذا ما جعل من أعصابه تستثار و يتحدث معها بحدة

- هَل تُدركِين فَداحَة مَا فَعلتِه بِصحّة إبنِي بسَبب عِقابِك السّخيف ؟ هُو لا يَتركُ الفِراش بِسبب إلتِهاب مَفاصِله و تَأتِين الآن تتَواقحِين أمَامي كَأنك لَم تَفعلِي شَيئًا .

كانت ملامحها غاضبة و هي تنظر إليه ، حتى إبتسمت و قد كشفت كذبته الركيكة حتى لا يترك لها ساحة الحديث و تجعله يبدو بأنه المخطئ ،

لا أظُن أنّ من لَديهِ إلتِهابٌ بالمَفاصِل قد يَشتركُ بالنّادي الرّياضي للمَدرسَة

ضم شفتيه و هو يمتص غله منها ، بينما المدير حمحم يحاول إخراس موظفته التي تقحم المرئ بردودها على الدوام ،

- أيًا يَكن يَجبُ عَليكِ الإعتِذارُ من السّيد إيمري و طِفلهِ أيضًا و التّوقيع على التّعهُد حتّى لا يَتم طَردُك بالفِعل آنسَة دَايا .

نظر لها بغطرسة حتى تملي ما قاله ، حتى تلوي شفتيها و هما يتبارزا النظرات هي لا تبالي بهذه الوظيفة اللعينة سزى لأنها محتاجة للنقود و بحاجة لتسديد ديونها المتراكمة و تسديد الفواتير و المصاريف

و لكن هاذا الرجل المستفز أمامها يهينها بالنظرات المستحقرة و هي حتما لا ترضى بذلك ،

- مُديرِي العَزيز ... لَن أَعتذِر مِن هَاذا الرّجل! .

إبتسمت حتى تغيضه ثم عدلت حقيبتها لتلقي عليه نظرة بإستصغار و تحدثت قبل أن تغادر ،

- و للعِلمِ سيّد إِيمرِي ، طِفلُك المُدلل مُتبجِح و وَقح في التّعانل و لَيس لَديه أي إحتِرام لمُعلمَته بِصراحَة أُحيي والِديهِ عَلى هَكذا تَربيَة .

غادرت المكان تاركة وجه المدير محمرا من الإحراج و في داخله يتوعدها بالطرد و الإهانة أمام جميع موظفينه فالذي أمامه رجل أعمال كبير جدا و يستطيع هدم المدرسة على رأسه الأصلع

خرجت دايا تهوي بشعرها و في داخلها تدمح نفسها أشد المديح

- نَعم دَايا .... أنتِ لا تُقهَرين مُمتاز! .

ما إن خَرجت من الساحة العشبية بعيدا عن مبنى المدرسة الشامخ حتى رمت حقيبتها و صاحت بقهر بعد أن والتها لحظة إدراك

- حَقا أنتِ رَائعةٌ يا أنَا و الآن كَيف سَتجمَعين النّقود!! .

مساءا عادت إلى منزلها و تعب رهيب أهلك أكتافها دخلت و هي تجر حقيبتها وراءها ... عادت و الخيبات معها و ألف سؤال و حيرة يدوران بعقلها ، الآن قد طردت من عملها و ليست المرة الأولى ، كيف ستخبر آرزو و رايلي عن طردها من العمل فلا يعقل أن تبقى بالبيت و هي بأمس الحاجة إلى العمل و ترك جميع المسؤولية على كاهل أخيها الأكبر

لقت آرزو بغرفة المعيشة و هي متسطحة على الأريكة و بجانبها كيس مكسرات تشاهد به برنامجها المفضل بإنسجام ، تذكرت موقفها منها هاذا الصباح بعدما تركتها دون أن توقظها لكنها تناست الأمر فليس لديها طاقة كافية للشجار معها

رمت حقيبتها على أي مكان عبثي لترمي بجسدها على الأريكة متنهدة بتعب ، نظرت آرزو لتصرفات دايا و الى التنهيدة الكبيرة التي أطلقتها لتتسائل ،

- أَحدَث شَيئ ؟ .

- و أَخيرًا ... مَسيرَة التّدريس الفَاشلَة قَد إنتَهت .

- لَستُ مُتفاجِئة! مَاذا سَتفعلِين إذًا ؟ .

قالت ذلك ببرود بينما هي تستمر في المضغ و لم تحرك رأسها من أمام التلفاز للحظة ،

- سَأبحثُ عَن عَمل آخَر ... يَجبُ عَليّ تَوفيرُ مَصرُوفنا عَلى الأقَل .

- دَايا لَن يُناسبَك أي عَملٍ تَجدينَه يَجب عَليكِ مُراعاة إِختصاصِك كَيف أمكَنكِ تَدريسُ الرّياضيّات بَينمَا أنتِ خِريجَة إدارَة أعمَال ما دَخل هَاذا بذَاك حُبا باللّه! .

- لَم أَجِد مَا يُناسِبنِي حَقا تَركتُ مِلفّي في كَثيرٍ من الشّركَات و لَم يتمّ قَبولي .

- و الذِين قَبلوكِ قُمتِ بقلبِ شَركَاتهم عَليهِم .

- لا يُمكننِي أن أَصمُت و أنَا أَرى سُوءًا أَمامِي .

دقائق ساد بها الصمت كانت دايا و آرزو تفكران بروية عن ما يمكن فعله بعد الأن ، فرقعت آرزو أصابعها و قد تذكرت شيئا جاعلة دايا تستفيق من أفكارها و تنصت

- شَركَة كِرينمَان! مَا رأيُك أن تُقدّمي طَلبًا لِشركَة كِرينمَان هُم قَد فتحُوا بَاب التّوظيِف عَلى مِنصتِهم عبر الأنتَرنت! .

ضكت دايا ضحكة جانبية ساخرة لم تتصور ما تسمعه أي شركة تحدد لها آرزو

- تِلكَ الشّركَة الكَبيرَة أتَمزحِين ؟ .

- لا أَمزح لِما لا ؟ .

- آرزُو هَذه الشّركَة مِن أكبَر الشّركَات فِي إسطَمبُول كَيف سَيقبَلون بِي ... ثُم إنّ العمَل لَدى الأثرِياء مُرعب .

- كَيف ؟ أنتِ سَتجعَلين فُرصَة تَضيعُ من يَديك أنتِ لَديكِ المُؤهلَات للعَمل لَديهِم و هُم سَيعطُونكِ رَاتبًا جَيدًا! .

- الأثرِياء لا يَقبَلون إلّا بالسّيئِين مِن أمثَالهِم .

تشنجت ملامح دايا غير راضية عن الفكرة رافضة كل إقناعات آرزو الكثيرة لأجلها ، كرينمان هي شركة تصنيع للسيارات متعددة الأفرع و لها إسم رفيع تحكي به كل تركيا لكن بالنسبة لدايا مثل هذه الشركات لا تخلو من الرشوة و الإحتيال و المال النجس و أكثر ما يثير حنقها و غضبها عنصرية الأغنياء إتجاه الفقراء و نظرتهم السيئة إتجاههم ، تعلم أن أي شركة لا تخلوا من هاذا و أنها لا تستطيع التوغل بذلك العالم و تفضل البقاء في عالمها البسيط ،

- فَكرِي جَيدًا .

- لَن أَقبلَ أَبدًا هَاذا قَراري النّهائيّ! .

ردها كان حاسما لتتصنع الأخرى اللامبالاة و ترد بجملة واحدة جعل من ضمير الاخرى يجلدها من الداخل ،

- حَسنًا أتَمنّى أن لا تَندمِي مُستقبَلًا بينمَا تَدعينَ الفُرص تَذهبُ من بَين يَديكِ .

ساد الصمت بينهما دايا لم تكن على مزاجها و آرزو لم تود إزعاجها بالأمر أكثر قررت الأخرى إنهاء الحديث قائمة لأخذ حقيبتها و الصعود إلى غرفتها قائلة ،

- لا يَهمّني .

الأمر لم يكن كذلك لدايا جملة آرزو بقت تتردد في ذهنها و أثناء صعودها الدرج إلى غرفتها بدون وعي ، أما آرزو فقد رمت كيس المكسرات بعصبية على الأرض بسبب عناد إبنة خالتها ، تريد مساعدتها لكن رأسها صلب كالصخر

فورا خطرت ببالها فكرة جهنمية خطيرة عندما رأت حاسوبها الشخصي موضوعا على المنضدة أمامها .

- يُتـّـبَــع -

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أَبيَض قَـاتِم

المؤلف korine
2025/11/05 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة