المنصورة 2025
(مرحبًا بكَ يا عزيزي في اللعنة، ربما سمعت عن أحد قد ورَّث لأبنائه مالًا أو قصرًا أو على الأقل منزلًا. ولكن هل سمعت من قبل أن أحدهم قد ورَّث لأبنائه لعنة؟ ربما تقول الآن، أيها القارئ: من هذا الرجل الأهوج؟
دعني أُجيبك بُني: أنا أحد جدودك الذين سبقوك في وراثة تلك اللعنة. بالتأكيد لن تُصدّق حديثي، وأنا، للحق، لا أملك دليلًا ملموسًا. أو ربما لا أهتم إن كنتَ صدّقتني أم لا، فبالنهاية أنت ستَرثها، وهذا أمر مؤكد الحدوث.
لأنك، وبكل حماقة، ستركض خلف شهواتك وأحلامك المريضة، مثلي ومثل أبيك وأجدادي. ولكن لن أتوانى عن النصيحة: إن أردت تجنّبها فاحذر من الالتحاق بكلية الطب، تلك هي بداية اللعنة. وإن لم تستمع إلى نصيحتي، فهنيئًا لك أيها الأحمق، لقد دخلت بنفسك إلى الجحيم).
ــ بمجرد أن انتهيتُ من قراءة تلك الرسالة، والتي بدا من ورقتها أنها مرّ عليها زمن طويل؛ إذ كانت بها بعض الثقوب ولونها يميل إلى الأصفر، نظرتُ الي أسامة أنتظر ردّة فعله بعدما قرأتُ له الرسالة التي وجدناها عندما كنا ذاهبين للخارج.
«لعنة إيه ! يعني إيه الكلام دا؟ أنا مش فاهم حاجة!»
هكذا صحت أنا بعدما كنا على وشك الذهاب لكتابة رغبات الجامعة بعد أن نجح كلانا في الثانوية العامة، التي كانت ومازالت شبحًا يطارد الطلاب ويخيفهم، وكأنها ملك الموت أتى لقبض أرواحهم. ولكن مع اختلاف صغير، وهو أن ملك الموت يقبض الأرواح، أمّا هي فتقبض الأحلام.
قال بصدمة:
"أنا كمان مش فاهم حاجة، بس بتهياقلي إن وفاء عندها إجابة."
"بيتهيقالك! طب إشطا، أنا نازل يا معلم. فكك يا بني من الهبل دا."
نظر للرسالة وكأنه يفكر في أمر ما:
"ممكن فعلًا ميكونش الكلام دا هبل. إنت نِسيت موت أبوك بطريقة غريبة؟ وجثة جدّك اللي محدش عارف عنها حاجة؟"
اجبته بتوضيح لحديثه السخيف :
"أولًا أنا أبويا ممتش بطريقة غريبة، أنا أبويا جتله أزمة قلبية ودي بتحصل عادي. ثانيًا جدي سافر والطيارة وقعت بيه وملاقوش جثته. عادي بتحصل."
أجابني بحقيقة صدمتني :
"لا يا آدم، بصراحة يعني، أبوك ممتش عادي."
سألته متعجبا مما يقول:
"ممتش عادي إزاي؟ هو مش جتله سكتة قلبية؟"
"لا."
وقبل أن أسأل إجابني بما جعلني أُصدم:
"أبوك مات منتحر."
نزل الكلام على كما الصاعقة :
"انتحر؟! انتحر إزاي يعني؟ إنت... إنت بتقول إيه؟! انتحر إزاي؟"
قال بشفقة تجلت علي وجهه:
"أنا آسف يا آدم، أنا والله لسه عارف من سنتين بس."
سألته وماذلت مصدمة لا أقوى علي استيعاب ما يُقال:
"عرفت إزاي؟"
"أمي قبل ما تموت قالتلي، وادّتني رسالة انتحار أبوك."
طلبت منه في هدوء وفضول:
"أنا عاوز أشوفها."
ذهب ليحضرها ، وعندما عاد أخذتها منه وسألته
"قالتلك إمتى ازاي الموضوع دا "
جلس علي الكرسي يسرد لي ما قالته جدتي:
" لما كنت إنت في الدرس بتاعك ومكنش في حد في البيت نداهتلي و قالتلي: "
"إقفل الباب وتعال يا أسامة إقعد جنبي "
قلتُ لها:
"خير يا ماما حسه بي حاجة أكلملك الدكتور"
قالت بصوت منخفض يكاد يُسمع:
" لا يا حبيبي أنا كويسة ."
كان وجهها متعبًا إثر مرضها الذي جاء فجأة.
"أنا عاوزة أكلمك في حاجة مهمة يا أسامة."
سألتها:
"حاجة إيه؟"
أعطتني ورقة مطوية، أمسكتها وأنا أسأل:
"إيه دي؟"
لم تُجبني، وإنما أشارت إلى الورقة. فتحتها وبدأت أقرأ بصوت منخفض:
"وفاء، جارتي الجميلة الرغاية حبي الأول والأخير ، أنا عارف اللي هعمله دا غلط وحرام بس مش قادر معتش قادر أواجه يا وفاء حقك عليا يا حبيبتي بس لما عرفت إنك حامل خفت من اللي جاي أنا أعصابي تعبت معتش قادر أتحمل العذاب اللي أنا عايشه ولا هتحمل أشوف إبني وبنتي بيعشوه فعشان كدا قررت انتحر وارحم نفسي من المراجه سامحيني انا عارف ان قلبك أبيض وهتسمحيني.
طلب أخير خلي بالك من إبننا وقوليله إن أبوه كان بيحبه وإنه أسف إنه مقدرس يحميه."
جوزك خالد عبد الفتوح."
بمجرد أن انتهيتُ من قراءة تلك الرسالة الغريبة، نظرتُ إلى جدتي:
"يعني إيه؟ أنا مفهمتش حاجة."
أخذت تنهيدة طويلة ثم قالت:
"زمان كنا ساكنين في المجزر في شقة كدا على قدنا، وقُصادنا كانت شقة الدكتور خالد. كان محترم وطيب، بس كان مريب... مبهدل دايمًا وقاعد على طول في شقته. لا بيكلم حد ولا ليه علاقة بحد، ساكت دايمًا وفي حاله. بس كان دايمًا بييجي عندنا يذاكر لأختك وفاء. كان محترم، عمره ما رفع عينه على وحدة. وديما كنا بنسمع عنه كل خير. لحد ما أختك خلصت امتحانات ثانوي... من هنا جي علطول اتقدملها.
جوزي كان رافض، رغم إنه كان بيحب خالد جدًا، بس رفض علشان فرق السن اللي بينهم.
أنا كنت موافقة لأنه كان غني وكمان دكتور. بصراحة مكنش فيه حاجة تعيبه، وقلت السن مش مشكلة.
وفعلًا دماغ جوزي بدأت تلين، ووافق جوزي. ومش بس كدا، دا حتى الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي أصلاً كتبها باسم وفاء بعدما عزلنا وجبنا هنا. بصراحة الله يرحمه، كان دايمًا شايلنا على كفوف الراحة.
صمتتْ، فسألتها:
"وبعدين؟ إيه اللي حصل؟"
نظرت للنقطة في الحائط وكأنها تعيد شريط ذكرياتها:
"كان سندنا في الدنيا... هو اللي جاب لأبوك شغل في المصنع اللي كان شغال فيه. وفرح أول ما عرف إني كنت حامل فيك، عكس أختك اللي كانت مكسوفة.
ضحكت وكأنها تتذكر نظرات أختي الغاضبة والخجولة من حمل أمها، ثم تغيرت تعابير
وجهها إلى أخرى متعجبة:
بس صدمنا لما عرف بعدها بكام شهر إن أختك حامل! أول ما عرف كان عامل زي اللي كان عايش في وهم وصحي على الواقع. بعدها بقى خايف، بقى يقعد في مكتبه كتير ويبات في المستشفى بالأسابيع، ويروح شقته القديمة. محدش كان عارف ماله.
وبعد شهور من الغِيبة، جالنا خبر موته وإنه شنق نفسه في شقته.
الخبر نزل علينا صدمة محدش كان مصدق. كلنا كذّبنا إنه مات، لحد ما شفنا الجثة بعنينا.
أختك انهارت، ودخلت في حالة نكران. وفضلنا كلنا مكذّبين مش مصدقين إنه مات.
لحد ما وصلتلنا الوصية بتاعته، ومع الوصية كان الجواب دا. محدش كان فاهم حاجة.
بس وفاء بعد ما قرأت الرسالة دي دخلت في حالة انهيار... لدرجة إنها كانت عاوزة تنزل آدم ومتولدوش. لولا أنا وأبوك، كانت هتهرب وتروح تنزله. ومهما كنا نقولها حرام ونجيب لها
شيوخ
كانت تقول:
الحرام إني أجيب عيل يبتلى باللي عند أبوه.
ومهما كنا نسألها عن قصدها، متقولش. ولحد دلوقتي مش راضية تقول حاجة."
كنتُ أستمع إلى حديثها منتظرًا أن تُكمل، حتى أحاول ربط الأمور ببعضها. لكن كلما تحدثت، أصبح عقلي أكثر تشوشًا.
"وبعدين... عرفتوا هو عمل كدا ليه؟"
نظرت إليّ لدقائق حتى ظننتها لم تستمع لسؤالي. لكنها قالت:
"معرفش. بس اللي عاوزاه منك إنك تنفّذ اللي اتقال في الرسالة. فاهم يا أسامة؟ إنت الوحيد اللي هستأمنه على آدم بعد ما أموت."
"بعيد الشر عنك يا ماما... متقوليش كدا بالله عليك."
"وبعدها معداش يومين وماتت وفضل الموضوع دا يرن في دماغي حاولت اتكلم مع وفاء بس كانت بتتهرب مني فطنشت لإننا كنا دخلين على إمتحنات وسهيت بعدها عن الموضوع ومفتكرتوش غير لما شوفت الرسالة دي "
وبمجرد أن إنتها من حديثه حتى أخذت رسالة أبي والورقة الغريبة ودخلت غرفتي من دون أن أتحدث معه.
وبمجرد دخولي للغرفة فتحت الرسالتين وقرأتهما مررًا وتكررًا ثم قلت:
"لعنة إيه وهبل إيه أكيد دا مقلب إيه اللعبط اللي أنا بفكر فيه دا."
خرجت من غرفتي وأنا أصيح:
"أسامة يا أسامة "
جاء ركضًا من غرفته وعلى أُذنه الهاتف مرددًا:
"ماشي أشوفك بكره سلام "
ثم سألني بخوف
في إيه بتزعق ليه
قلت بغضب مازال متملك مني بسبب ما عرفته الآن
أنا عاوز الاب توب هكتب الرغبات بتاعتي
نظر لي بتعجب وقال
دلوقتي ليه
قلت بحنق منه
هو إيه اللي ليه عاوز اكتب الرغبات قبل ما الباب يتقفل
هز رأسه وسألني بشك واضح
وهتكتب إيه إن شاء الله
أجبته بالإجابة التي كان يعلمها
طب بشري
زفر بغضب ثم قال:
"طيب بص أنا عارف إن الموضوع غريب ومفيش حد طبيعي هيصدقه بس اصبر بس لبكره لبكره بس أمك جاية أقعد معاها وبعدين يا سيدي إعمل ما بدالك بس اصبر لبكره لبكره بس دا باب الرغبات لسا فاتح النهاردة لسا في وقت "
كنت سأرفض لاكن شئ بداخلي كان يريد الخضوع والإنتظار
"يا أخي من هنا لبكره ميجراش حاجة "
قلت بحنق منه ومن رغبتي في الموافقة:
"طيب ماشي "
دخلت لغرفتي وأغلقت الباب وأمسكت رسالة أبي أقرأها لعدة مرت محاولا فهم أي شئ لاكن النتيجة بأت بالفشل
سمعت صوت طرق باب الشقة وبعدها صوت فتحها تعجبت هل أمي خارقة لتأتي من القاهرة للمنصورة في دقائق ولاكن اختفى تعجبي عندما فتح أسامة الباب قائلا :
"دا عم صلاح ومراته "
لم أرد أن أخرج واتحدث مع أحد ولاكني تاحملت على نفسي لمعتزت هذين الاثنين في قلبي:
"السلام عليكم "
ردوا السلام و قالت السيدة أم رضوى:
"بقالكم مدة مبتسألوش، قولت أسأل أنا."
قلتُ بحرج:
"معلش... إنتِ عارفة النتيجة بقى لما ظهرت، والناس والتهاني، وبعدها انشغالنا هندخل إيه ونعمل إيه."
قال زوجها، وقال:
"ولا يهمكم يا حبيبي... الحمد لله، ربنا وفقكم إحنا بس قلقنا عليكم ."
جلسنا في غرفة المعيشة، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث وسألتني زوجت عم صلاح عمّا سندخل، فأجبتها أننا مازلنا ننتظر عودة وليد لنحدد نحن الثلاثة معًا.
وعندما جاءت سيرة وليد، سألني عم صلاح عنه:
"إلا صحيح... الواد وليد عمل إيه؟ وهيجي إمتى؟"
"كلمني امبارح والحمد لله كويس. هيجي بعد بكرة. عمامه في المنيا فرحانين بيه ودابحينله عجل وعاملينله حفلة جامدة، الله أكبر."
قال عم صلاح:
"ربنا يفرحه ويفرحكم يا رب يا حبيبي."
أمّنا خلفه الدعوة:
"آمين يا رب."
قام عم صلاح وزوجته خلفه:
"نستأذن إحنا بقى."
قلتُ بمجاملة:
"متخليكم يا جماعة، وهنتعشى سوا."
قال عم صلاح:
"لا، علشان الولاد بيكلموني أروح المطعم، وكمان سايبين البت رضوى لوحدها."
وعندما جاءت سيرة رضوى، قالت أمها:
"عقبال يا رب أما أشوفها زيكم كدا."
قال أسامة :
"وأحسن مننا كمان."
ابتسما وودعانى، وأغلقتُ الباب خلفهما وأنا أدلّك جبيني بإرهاق. لم يكن عم صلاح ولا زوجته من النوع الفضولي أو الثقيل، بل على العكس؛ كانا ودودين ويعاملاننا بحب. حتى عندما ظهرت النتائج، صمّم عم صلاح على ذبح ذبيحة فرحًا بنا، كما أن زوجته وزعت مشروبات فرحًا بنجاحنا. دائمًا ما كانا يعتبراننا مثل ابنتهما رضوى، ربما لأننا أيتام الأب، أو ربما لأنهما لم يُنجبا سوى ابنة واحدة... فيُعوضاننا ويُعوضان أنفسهما.
حاول أسامة فتح حديث معي ولاكني كنت غاضبًا منه لذا ذهبت مجددًا لغرفتي من الدون الاهتمام له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنصورة 2002
بعد يوم عملٍ شاق، عدتُ إلى شقتي بقدمين مثقلتين من التعب. لم أجد في جسدي قوة تكفيني لصعود السلم، فجلست عند مدخل العمارة، أسند رأسي بين كفيّ، محاولًا طرد كل فكرة تتدافع في ذهني، خصوصًا ما جرى هذا اليوم.
أفقتُ على يدٍ تهزني برفق. رفعت نظري، فإذا بها جارتي الصغيرة وفاء، بابتسامتها المشرقة ووجهها الطفولي، ضفيرتها تتدلّى على كتفها، وزيها المدرسي يضفي عليها براءة مضاعفة. قالت بخوفٍ ممزوج بالمرح:
- دكتور خالد! الحمد لله إنك طلعت إنت. افتكرتك غريب قاعد هنا. أصلك قاعد بطريقة خوفتني. هو الواحد بقى يخاف من أي حد... بعد الولد اللي اتخطف من قدام عمارة أهله من يومين!
ثم اندفعت تثرثر في موضوعات متفرقة، لا يصلني منها إلا صدى صوتها الرقيق، بينما أنا مشغول بتأمل ملامحها أكثر من كلماتها. قطع شرودي صوتها الغاضب قليلًا:
- دكتور! حضرتك معايا؟ أنا بقالِي ساعة بكلم نفسي!
ارتبكتُ، وقلتُ محرجًا:
- آسف يا وفاء... تعبان شوية. ممكن تعيدي اللي قولتيه؟
أطرقت رأسها بخجل، وقالت:
- يا نهار أبيض! أنا رغاية بقى وصدّعتك... حقك عليا والله، مقصدتش.
وعادت تضحك وتثرثر كعادتها، حتى قالت جملة جعلتني أتجمّد في مكاني:
- على فكرة... أنا وفَتْحية كتبنا خلاص "أدبي"، وهارحمك من غباوتي، مش هتذاكرلي تاني.
قالتها مازحة، لكنها لم تدرِ أنها غرست في قلبي سهمًا موجعًا. "سترَحمني مني؟! ومن قال إني أريد الرحمة منك؟"
واصلت ضحكها وهي تصعد السلم بخفة، حتى وقفت عند باب شقتها وودّعتني بابتسامة عريضة. ظللت أراقبها من الطابق الأعلى حيث أسكن، كعادتي الخفية، حتى اطمأننت أنها دخلت. عندها فقط ولجت شقتي.
خلعت ثيابي الثقيلة ودخلت إلى الحمّام. وقفت أمام المرآة، ظهري المرهق يحمل آثار سنوات مضت. تذكّرت نفسي يوم كنت طالبًا سعيدًا بقبولي في كلية الطب... وها أنا الآن رجل وحيد، مسكون بالكآبة، أجرّ خلفي لعنة ورثتها عن أبي وأجدادي.
ضحكتُ ساخرًا من قدري. أي سعادة هذه التي أحظى بها؟ يا له من حظ بائس!
مددت يدي إلى دفتر صغير، فتحته على صفحة جديدة، وكتبت بخطٍ متردّد:
"الطريقة الخامسة عشرة لتجنّب اللعنة:
" لا تحاول البحث عن أصلها."