في عمق ليل دامس، حيث تتناغم أصوات الصحارى وتتلاطم أحلام البشر، وُلد حلمٌ في عقل قائد قبيلة الليل، الشيخ حسن. بينما انغمس في عالم النوم، استحالت رؤيا الأشياء العابرة التي تسكننا في ساعات الليل الداكن إلى حقيقة متلألئة. في هذا الحُلم الغامض والمدهش، وجد نفسه يستلقي على فراشه ، وأمامه نبتة صغيرة. لم تكن تلك البذرة الرقيقة سوى بقايا لحلم بزهرة مجهولة، ما إن غمرتها أشعة القمر حتى بدأت تنمو بشكل يثير الدهشة. رقيقة كالشمع ولكنها طافية بروح الأمجاد، ارتقت أغصانها ببراعة خارقة نحو سماء الليل. في الوقت نفسه، اخترقت جذورها الأرض بقوة متجذرة كالصخر، محدثة اهتزازًا يتبعه خفقات مضطربة. هناك في عمق الظلام، تجلى شكل غامض يتلاشى ويظهر كالظلال المتحركة. خرجت روحٌ من تلك الزهرة، شعاعٌ من النور الساطع أضاء الليل بأسره. فجأة، امتزجت الأحلام بالواقع، واندمج الشيخ حسن في جسده الروحاني. فأدرك أن الحلم لم يكن مجرد رؤية بل كانت رسالة دعوة لبداية جديدة. قد مرّت عامان، وضجّت قبيلة الليل بالاحتفالات بمناسبة وصول المولود الجديد لزعيمهم، الشيخ حسن. كانت الأصوات تتداخل وتتلاقى، فقد انطلقت أصوات الطبول بقوة، ورقصات النساء والرجال تعلن فرحتها مع انتشار رائحة الطعام الشهي الذي تم توزيعه بسخاء على جميع أفراد القبيلة. وفي داخل خيمة الشيخ حسن، كانت الأجواء مليئة بالسعادة والترقب، حيث كان يحمل حسن، طفله الصغير، بين ذراعيه بينما تتبسم عيناه بفرح، وكانت زوجته جنان تجلس بجواره تنظر إلى طفلها بعيون مليئة بالحنان والحب. "ليباركنا الله بهذا الطفل، وكأنه قطعة من القمر"، صرخ الشيخ حسن بهموم وامتنان، وسط أجواء من الفرح العارم والأمل بالمستقبل. وكما تتواصل الاحتفالات، تملأ الخيمة أصوات الضحك والتهاني، وسط شعور بالوحدة والانسجام لدى أفراد القبيلة. في لحظة تأمل صامتة، ضجّت القبيلة بأصوات صراخ وصياح مقلق. كانت أفواه الناس تعبق بالرعب، وقلوبهم تنبض بشدة في وجه الصدمة والفزع. لم تشهد قبيلة الليل مثل هذه المأساة طوال تاريخها، حيث اجتاحتها آلاف الجنود بقسوة لا توصف، يقتلون الرجال والنساء بدون رحمة. وفي وسط هذه الفوضى المروعة، كان هناك رجلٌ يلوح بيده بإشارة واضحة، إشارة تدل على وقف هذه المجزرة ، وينادي بصوتٍ مرتفع قائلاً: "ياشيخ حسن، سلِّم لنا الطفل، وسلِّم من شرِّنا، أنت وقبيلتك". وقد كان الشيخ حسن يحتضن طفله بقلقٍ عميق، حيث واجهته الصعوبة في مواجهة هذا الموقف المروع. اكمل الرجل كلامه، حاملاً في عينيه مزيجاً من القسوة والغضب، وأكمل حديثه: "جنودي قد أحاطوا قبيلتك من كل جهة، هؤلاء الآلاف ينتظرون إشارة مني فقط، ليجعلوا قبيلتك في طي النسيان. وقف الشيخ حسن وجنان في واجهة مصيرٍ مجهول. حيث انعكست بريق دموع جنان على وجهها وهي ترتجف بين ذراعيه، في حين بدا الشيخ حسن واقفاً بثبات يحمل في عينيه وعلى وجهه مزيجاً من القلق والعزم. "جنان، أمانة طفلنا بين يديك، اهربي به واتجهي نحو طريق الغابة الزرقاء، فلا يمكن لأحدٍ أن يتبعك هناك"، قال الشيخ حسن بهدوء محاولاً تهدئة زوجته. "ماذا عنك؟! ماذا عن قبيلتي؟! ما الذي سيحدث، يا إلاهي!"، تساءلت جنان بصوتٍ مكسور، والدموع تعبق من عينيها. بينما كانت الحيرة تخيم على الهواء ،أخذ الشيخ حسن يمسك كتف زوجته بلطف، ونظر في عيونها بنظرات تنبع من بحر الحب. "سأكون بخير، جنان. سأحمي نفسي وقبيلتي. لن يهدم بيتنا، أعدك." انكسرت جنان تحت وطأة الأسئلة والهموم، ولكن الشيخ حسن رفع يده برفق، محاولاً تهدئتها. "اذهبي الآن، جنان. لا تضيعي الوقت. احمي نفسك وابننا. سألحق بك بعد انتصارنا، كما فعلت في كل مرة." وفي لحظة مؤثرة، خرجت جنان من الخيمة، تحمل طفلها الرضيع. اخترقت الظلام في اتجاه طريق الغابة الزرقاء، تاركة الشيخ حسن وحيدًا في خيمته خرج الشيخ حسن من خيمته ببطء، رافعاً يده باتجاه السماء، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة تنبعث من بين تجاعيد السنين. "ها أنا ذا، قد خرجت لكم مستسلماً، خذوني أو اقتلوني، ولكن دعو أهل قبيلتي وشأنهم." رد قائد الجنود بسخرية، "من تضن نفسك حينما نسعى لحثالة مثلك؟ كل ما نريده هو الطفل، سلمنا الطفل وانجوا بحياتكم القذرة." رفع الشيخ حسن حاجبيه بدهشة، "طفل؟! عن أي طفل تتحدث؟" رد قائد الجنود بغضب متصاعد، "أيها الغبي، لقد أضعت وقتنا الثمين. فلتسلمنا الطفل، لم يعد معك، ولا معنا وقت طويل ." تحدث الشيخ حسن بثبوت وقوة، "لماذا تسألني عن مكان الطفل؟ ألم تحتلوا القرية؟ ابحثوا عنه بمفردكم." غلب الغضب على قائد الجنود وأمر جنوده بالتحري في كل زاوية من أرجاء القرية. جرى البحث لمدة عشر دقائق دون أي أثر للطفل. قال قائد الجنود بدهشة وهمس، "يا ويلي، هلكنا، هلكنا." سجد قائد الجنود أرضًا ودموعه تتساقط، يتوسل قائلاً، "سامحني، سامحني، يا سيدي." استغرب شيخ حسن من تصرفات قائد الجنود، لكن بعد لحظات سمع صوتًا غليظًا يعلو المكان. لم يظهر مصدره ولكن انتشر في كل ركن من أرجاء القرية. الصوت قال، "يا قائد الجنود، ارفع رأسك." رفع قائد الجنود رأسه برعب، والعرق ينهمر من جبينه. واصل الصوت حديثه، "لطالما كنت محاربًا مقدامًا وشجاعًا، ولا تفشل في أي مهمة تلقاها." قائد الجنود، مرتعدًا، قال بجمود، "الرحمة، سيدي." أكمل الصوت حديثه، "أنت تعلم القوانين، وفي طائفتي لا وجود للفاشلين. هذا سينقص من سمعتنا، أليس كذلك؟" ثم تغيرت نبرة الصوت إلى صوت مرعب، "إذًا، مكان الفاشلين مثلك هو الجحيم." تتجمع غيوم سوداء قاتمة كسواد الليل فوق القبيلة ، وعلى وجوه أفراد القبيلة وقائدها تتناغم نضرات الدهشة والحيرة والعجز. حاول قائد الجنود الهرب، لكن الخوف قد أسره، وقد فشلت قدماه في حمل جسده المثقل بالرعب، فسقط عاجزًا. ظهر ضوءٌ أحمرٌ بين هذه الغيوم المظلمة، ينمو تدريجيًا تحت ترقب مستنير من
الحسين جيبران