كيف تساوم الخوف

كيف تساوم الخوف

17 0

الفصل الثاني

لم يفهم محمد علي لماذا استيقظت قولة كلُّها تلك الليلة على صوتٍ لا يشبه صوتًا من الدنيا.

كان الصوت مزيجًا بين أنينٍ مكتوم وزئير حيوانٍ لا يراه أحد، يخرج من مكانٍ لا يُعرَف، ثم يتقطّع فجأة كأن صدره انفجر من الداخل.

فتح عينيه مذعورًا، يلتقط أنفاسًا قصيرة، ويحسّ بجسده يريد الفرار قبل أن يستوعب عقله ما يجري خارج الجدران.

خطوات تركض. أبواب تُغلق. همسات مذعورة تخرج من بين أخشاب البيوت.

كان الليل ثقيلًا، كأنه يضغط على صدر المدينة.

اقترب من الشق الضيق بين ألواح النافذة، فشاهد مشهدًا لن ينساه ما دام حيًّا.

ثلاثة جنود عثمانيين يسحبون رجلًا من ذراعيه على الأرض، يجرّونه كما تُجرّ الذبيحة.

من خلفهم، تركض امرأة تصرخ بصوتٍ يخرق القلب، تتعثر في التراب، ثم تعود لتصرخ مرة أخرى، وكأنها تحاول ردّ روحه إليه بالصوت.

لم يعرف محمد علي مَن الرجل، ولا مَن الجنود، لكنّه عرف شيئًا واحدًا:

لا أحد يصرخ هكذا إلا إذا كان شيءٌ ما قد تحطّم نهائيًّا.

تراجع بخطوات مضطربة، لكن النوم غادر عينيه.

شيء ما في داخله كان يرفض الاختباء.

تذكّر جملة خاله قبل أيام:

"افهم يا غلام… هذه المدينة لا تُنقذ أحدًا."

لم يفهمها وقتها، لكنه بدأ يفهم نصفها الآن.

لم يستطع البقاء في الفراش.

خرج بخفة، يضع قدميه على التراب كأنه يمشي فوق ظهر ماردٍ نائم.

كانت الأزقة ضيقة، والهواء مشبعًا برائحة خوفٍ طازج.

وصل إلى السوق القديم.

وجد مجموعة من الرجال يقفون في دائرة، يتحدثون بصوتٍ منخفض لا يتجاوز حدود الظلام.

لم يقترب. فقط التصق بظل جدارٍ مائل، يستمع دون أن يشعر به أحد.

قال رجل بصوتٍ ممتلئ بالغضب المكبوت:

"نعلم جميعًا ما يحدث… الجنود يقبضون على كل من يشكون أنه خالف أمر التوريد. المدينة أصبحت مُلكًا لهم."

رد آخر بصوتٍ مرتجف:

"وما ذنب الرجل؟ لم يحمل سوى الخبز… خبز فقط!"

عمّ صمت، ثم قال شيخ بلحية بيضاء، بصوت يشبه الحجارة وهي تتآكل:

"المسألة ليست خبزًا… بل رسالة. يريدون أن يقولوا لنا: اننا ولا شيء."

تجمّد محمد علي عند الجملة.

شعر كأنها قيلت لوجهه هو، لا للرجلين.

عاد إلى البيت وهو يفكّر في الرجل الذي رأى الجنود يسحبونه.

لا يعرفه، لكن بدا له أن بينهما شبهًا غريبًا.

كلاهما صغير أمام قوةٍ لا ترحم، قوة لا يمكن تحديها مباشرة… ولا يمكن الهروب منها مدى الحياة.

جلس قرب الباب الخشبي، يسمع أنفاس العائلة نائمة خلف الجدران.

وفي تلك اللحظة أدرك شيئًا:

البيوت ليست حصونًا.

البيوت مجرد قواقع… تختبئ فيها الأرواح حتى يجيء شيء من خارجها أو داخلها ليكسرها.

شعر بفراغٍ غريب في صدره.

فراغ له شكل، له صوت.

فراغ مكان الأب… مكان السؤال الذي لا جواب له:

"لماذا يظل الضعيف هو الذي يُسحَب على الأرض؟"

شيئًا فشيئًا بدأ يفكر بطريقة لا تفكير الأطفال.

أهل قولة نوعان:

نوع يخاف فيسكت.

ونوع يخاف… فيتعلم.

وفي الصباح… ذهب إلى الميناء.

لم يجرؤ كثيرون على الذهاب وحدهم إلى هناك، لكن محمد علي لم يعد يملك شيء يقيّده.

رائحة البحر والملح والسفن والصراخ صنعت عالمًا يبدو أوسع من كل الأزقة التي عرفها.

رأى رجلًا ضخمًا يقف عند طرف الرصيف، يراقب حركة السفن بعينٍ لا ترمش.

كانوا يسمّونه الآغا سردار… رجل لا يحب أحدٌ أن يجذب انتباهه، لأنه إن نظر إليك فقد يكتب ذلك يومك الأخير.

لمح سردار الطفل.

التفت نحوه وقال بصوتٍ متمدّد فيه قسوة متعمدة:

"ما الذي تفعله هنا؟ الميناء ليس مكانًا للصغار."

تردّد محمد علي، ثم سمع نفسه يقول:

"أريد أن أتعلم."

رفع سردار حاجبه:

"تتعلم ماذا؟"

"أريد أن أعرف… لماذا يخاف الناس منكم؟"

ضحك الرجل ضحكة قصيرة، كأنها صفعة هواء.

اقترب خطوة ثم قال:

"ليست الليلة الماضية سوى رسالة. من يفهم الرسائل بشكل جيد … يعيش. ومن لا يفهم… يُسحب كما رأيت."

كان من المتوقع أن يتراجع الطفل… لكنه لم يفعل.

ظل ثابتًا، صامتًا، ينظر إلى الرجل كما ينظر تلميذٌ إلى معلمه الأول.

اقترب سردار، وضع يده الثقيلة على كتف محمد علي وقال ببطء:

"لست طفلًا عاديًّا… في عينيك شيءٌ غريب.

اسمع… لا أحد ينجو بالشجاعة وحدها، ولا بالجبن وحده.

من يعيش… هو من يعرف متى يخاف، ومتى يهاجم."

تركه ومضى.

أما كلمات الرجل… فقد بقيت.

في مساء ذلك اليوم، جلس محمد علي فوق صخرة قرب البحر يشاهد الموج يحفر طريقه في الظلام.

شعر أن العالم يشبه هذا البحر:

لا ينتهي، لا يرحم، لا يهتم بمن يسقط.

أغمض عينيه، فرأى الرجل الذي سُحب، ودموع زوجته، وهمس الرجال في السوق، ويد سردار وهي تثقل كتفه.

كل تلك الصور لم تكن مجرد أحداث…

كانت أحجارًا تُبنى داخل صدره، جدارًا جديدًا يقف أمام ضعف الأمس.

سأل نفسه سؤالًا لم يُخلَق للأطفال:

هل الضعف شيء نولَد به… أم شيء نختاره؟

لم يعرف الجواب.

لكنّه عرف شيئًا واحدًا:

في يومٍ ما… لن يجرؤ أحد على أن يسحبه على الأرض.

بل سيأتي اليوم الذي يخاف الناس فيه من اسمه وحده.

عاد إلى البيت وهو يشعر بأن شيئًا بداخله تغيّر.

لا شيء يُرى… لكنه يُسمَع.

نبضٌ جديد… نواةٌ جديدة… بداية رجل لا يعرف الرحمة ولا الهزيمة.

وفي تلك الليلة، اتخذ قرارًا بسيطًا… لكنه سيغيّر العالم بعد سنوات:

لن يكون تابعًا.

ولن يكون ضحية.

ولو اضطر لأن يصير شيئًا آخر تمامًا.

وانتهت الليلة التي لم ينم فيها طفل—

لأنه كان مشغولًا بتكوين رجل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما قبل الباشا

المؤلف ياسر رضا شهاب
2025/11/18 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة