❦"الماضي يصنع الأشخاص، المواقف تصقل العقل، والوجه الثاني يفضح القلب... فأبشر لأني سأقتل ثلاثتهم" ❦
........
بين منحنيات المكتب الذي يعبق برائحة الزمن، جلست سيلفيا دي بارا على مقعدها الوثير، بصوف املس حريري من المخمل عالي الجودة يلتف حول ركبتها.
قدم فوق قدم، و سيجارة بولنتي تعانق اصابعها المختبأة خلف قفازاتها السوداء الجلدية.
قربت السيجارة من شفتيها اللتان تصرخان بلون الدم الغامق، إمتصت دخانها ثم نفثته لأعلى.
"المعتاد؟ "
كلمة واحدة منها جعلت صف الرجال امامها يتأبهون، أسندت كفها على رأس المقعد، تنتظر بصبر نادر خروج الكلمات من مساعديها الأغبياء.
بداية من الأول وحتى الأخير، كل واحد منهم قال شيئا غريبا، جملا لا تتجاوز البضعة أسطر، لا يتناسقون في شيئ ولا يلتقون في أي نقطة.
"عقارب الساعة تشير للواحدة، إحذري فاحيانا الصغير يؤلم اكثر من الكبير"
"بين دفتي الخزانة وجدتيه، لكن هل ستتركينه؟ هذا وارد جدا "
"فتحتي درفة الباب قبل عشر سنوات... لتنتظري عشرا أخرى لتغلقيه"
"ظننت أن الذئاب اكلت القطيع، حتى خرج الفهد ليأكلهم كلهم"
"أحب الرقم ثلاثة وعشرين... كان ترين هارتيد يشِمُهُ على رقبته"
توقفت انفاسها للحظات... الجملة الأخيرة كانت كسكين يغرز في ذكرياتها بلطف.
سم الندم تسرب، لكنها تجرعت منه حد الثمالة، وحد ان صار مركز حياتها.
تجمد الدم داخل عروقها، ضربت السيجارة بلطف باصبعها ليتساقط منه الرماد.
تنهدت بهدوء، الرجال خرجوا من المكتب الواسع، ربما هربوا وفروا بجلودهم.. كانت حركاتها البسيطة تهديدا خفيا لهم من غضبها.
رغم انه لادخل لهم، غير ان صوتهم الذي نطق اسمه، كان فظيعا.
ربما ذكرياتها معه أو.... اختفاءه منذ سنوات. ترين هارتد كان أفضل صديق لها أو ربما... حبيب ميت.
اختفى قبل 8 سنوات، اثناء عملية خطيرة، لقد مات.. وتأكدت من جثته المحترقة، الوشم الذي وشمته له بنفسها على رقبته... الرقم ثلاثة وعشرين باللاتينية.
ارجعت راسها للخلف، محاولة فاشلة صدرت منها لنسيان الأمر مرة أخرى.
دفنته ودفنت ذكراه معه، فلماذا يعود الأن اسمه.
"دق دق"
"أدخل"
سمعت طرقات الباب، اذنت له بالدخول، كان عقلها في مكان اخر، وعينيها الزرقاوتان تهددان باخراج دموعها.
"ليفي"
امام دلفة الباب وقفت انجيلينا زاكري، سكرتيرتها المفضلة.
بشعرها الأشقر الطويل وعينيها الخضراوتين، بدت كملاك قادم، غير أن سيلفيا دي بارا تدرك تمام الادراك أن الشيطان دائما يختبئ خلف المظاهر الجميلة ليغري ضحيته.
لكن الغريب في الأمر هو التوتر الذي نادرا ما تشاهده على وجه سكرتيرتها اللعوب.
"مالأمر أنجي"
تقدمت انجلينا للامام، تأكدت مرارا من اغلاق الباب، وهذا جعل حاجب سيلفيا يرتفع بتفاجأ قليل.
"هل هناك شيئ سيئ يحدث؟ "
حركاتها كانت.. غريبة، في العادة ماكانت لتطرق الباب من الاساس، والان هي.... مرتبكة!؟.
"ليفي... هذا... امم... لا اعرف كيف اصيغ الأمر لكن.. "
عقدت سيلفيا يديها فوق مكتبها البني، حاجباها التقيا في نقطة مشتركة تهدد بابتلاع انجلينا وكلامها كله.
"هل حدث شيء سيئ؟ "
لم تعرف انجلينا كيف تنقل لها الخبر... هي تدرك تماما ان سيلفيا قد لا تتحمل، سيلفيا القوية، الجريئة، والصارمة لكن أمام خبر اقرب الناس اليها... تصير كدمية جميلة ومكسورة.
"هل قرأت الرسائل؟.. حسب كلام ألفين وكالفين فالمرسل هو سيلف"
تنهدت سيلفيا، كأن ثقلا كبيرا انزاح عن كاهلها، لكن الحزن المغيم على قلبها مازال هناك.
"اللعنة عليك زاكري، لقد ظننت الامر خطيرا بالاضافة الى.. "
نظرت من فوق ظهرها الى النافذة القابعة خلفها، صورة مدينة باليرمو الايطالية كان لها وهجها الخاص خصوصا تحت غروب الشمس.
احتدت عيناها بذكريات عابرة لكن الاثر المتروك على قلبها كان اكثر مما تتحمل.
"ليست اول مرة لهذا الوغد.. لكنه قد بالغ هذه المرة"
تقدمت انجلينا، جلست في المقعد المقابل لسيلفيا، شبكت يديها واضعتا اياهم فوق سطح المكتب، تماما مقابل يدي سيلفيا.
"خمس سنوات وهو يرسل لك رسائل مبهمة، لربما هي تحذيرات او شيئ مهم،.. "
لم تكمل كلامها لان سيلفيا قاطعتها في المنتصف، عن اي شيئ مهم، هي لا تعرفه ولم تره اطلاقا، دائما ما يراسلها ببضع كلمات غريبة، احيانا تظن انها كلمات عشوائية يختارها فقط لازعاجها.
"اراهنك انه مجرد مهووس بالازعاج"
انتشلته من افكارها بسرعة، سرعة تضاهي سرعة دخوله لحياتها، حين اصابها الاكتئاب بعد سنتين من موت ترين.
"تلقينا مهمة جديدة"
الشكر للعمل... دائما ماينتشلها من جحيم الذكريات، وبفضله اصبحت عشيرتها "BARA " في قمة عشائر المرتزقة المستأجرين.
"اخبري كريس والفين ان يحضرا لمكتبي"
اومأت انجيلينا... لكن..... لماذا تلك النظرات تعلو ملامحها، تعاطف، حزن، تفهم و شعور سأمت منه... شفقة.
"انجلينا زاكري... انزعي تلك النظرات من عينيك والا اقتلعتهما من محجريهما"
نادرا ما نادت سيلفيا انجلينا باسمها الثاني، فقط حين تغضب او تستائ منها، لكن ان تجعل اسمها الكامل الاول والثاني معا.... فهذا حقا مؤشر سيئ على كارثة ستحل فوق رأسها قريبا... في الواقع قريبا جدا.
لم تفهم انجلينا اي نظرات قصدتها، فدائما ما كانت عينيها بوابة لما في قلبها.
"لم اقصد.. انا"
حملت سيلفيا بضع ملفات، ثم بحركة سريعة رمتهم لها، متمتة بحنق نادرا ما تظهره لانجلينا خاصة.
"لديك مهمة لي بورتوريكو"
انفتحت أعين انجيلينا... هي لا تقصد ذلك.. صحيح؟!
صاحت بها منفعلة
"مالذي ادراك فجأة، كيف ترسلينني هناك، اخبريني ان اذهب واموت بهدوء فقط، من أجل.. "
توقفت لبرهة.. عقلها يقول لها ان تصمت لان كلماتها القادمة حتما ستكون قاضية، لكن قلبها الذي شعر بالظلم كانت له اليد العليا.
"من أجل شخص مات قبل ثماني سنوات لعينة، ذلك الوغد خالف اوامرك فلقي حتفه، لماذا تتاثرين به الأن،اكنت دوما ضعيفة هكذا؟ أمجرد ذكر اسمه عبث في عقلك، فليذهب للجحيم اذا، تخلصي من الماضي فهذا حتما سيعرقلك.. عندما أعود اتمنى الا اراك هكذا"
انتهت فورة غضبها، انتهت مخلفة ورائها دموعا مسالة.
سيلفيا زعيمة BARA، كانت كل أمثال الحزم والذكاء تضرب عنها، تبكي الأن، هي لم تتخطاه ولن تتخطاه ابدا.
حنجرتها عاجزة عن اخراج اي كلمة، دعست سيلفيا على قلبها، قبضت على يدها بعنف حتى ابيضت مفاصلها، تمتمت بخفوت، لكن انجلينا سمعته جيدا.
"مات.. بسببي، كان يحاول انقاذي فلقي حتفه مكاني... ذهب هو وغابت معه افراحي وابتسامتي، رحل قلبي، انت لاتدركين، كان اقرب شخص الي في العالم"
سقطت شجاعة انجلينا السابقة وحل مكانها تعبير متألم، ياليتها ما اتبعت قلبها اللعين.
مسحت على شعرها الاشقر بيدها الحرة، ثم خرجت مسرعة من المكتب.
سيلفيا كانت تنظر للأرض، لكن للمفاجأة دموعها الحزينة ووجهها اليائس قد اختفيا.
بكم سترتها الرسمية الزرقاء الداكنة، مسحت دموعها، عدلت تسريحة شعرها و عاد الجو الغامض المهيب ليلتف حولها.
لقد افرغت ما في قلبها الأن، وحان وقت العودة للعمل.
حملت الهاتف الأرضي بجانبها، نقرت على بضعة ارقام ثم وضعت السماعة على اذنها.
الملمس الناعم البارد للحديد كان مهدأ جيدا لها، ارتفع صوت الهاتف حتى جائها صوت رجولي من الجانب الأخر.
"ألو"
"قل لكريس و الفين ان يكونا عندي في تمام الساعة التاسعة"
لم تتفوه باي شيئ أخر، اغلقت الهاتف في وجه الاخر بلا اي كلام زائد.
وعادت لتدفن رأسها بين كومة الورق و المهمات، لكن مالم تدركه هو الأعين التي تراقبها من المبنى المقابل لمكتبها.
شخص.. وعند التدقيق فيه جيدا تدرك انه رجل، يمسك بقلبه كانه يتألم، لكن اعينه لم تفارق سيلفيا اطلاقا وابتسامة مستاءة او ربما..معاتبة تزين ثغره.
تنفس بهدوء، قرب بندقيته W2000 WALTHER المرمية منه، ثبتها على جانب الحائط القصير
وعلى مرمى هدفه، كان ظهرها.
قبض على الزناد، تفقد كاتم الصوت، ثم بلا تردد اطلق.
على جانب شعرها الاسود الطويل، مرت نسمة هواء حادة، لكن لمحترفة مثلها، ادركت ان رصاصة او شيئ يعادل اندفاعها عبر من جانبها.
انبطحت بسرعة، اخرجت هاتفها الخاص، نقرت الازرار ثم على اول اسم مؤلوف لمحته اتصلت.
"اليخاندرو، تفحص المبنى المقابل لمكتبي، اظن ان قناصا يستهدفني"
اخرجت من خلف ظهرها مسدسا، تفحصت ذخيرته، ثم وضعته امامها.
انتظرت.. خمس دقائق، عشر دقائق، وهي على نفس الحالة حتى اهتز هاتفها من جيب سترتها، رفعته ببطئ لكن الحذر لم يفارقها،
كان اليخاندرو مولر هو المتصل، فورا ردت عليه، تنتظر تقريره عن مصدر الطلقة.
"المحيط فارغ، لا دليل على وجود اي شخص، تفحصت كاميرات المراقبة، كانت كلها مخترقة"
عند اطمئنانها ان الوضع أمن، نهضت من مكانها رفعت رأسها للمبنى المقابل لها، كان اليخاندرو يعطيها بظهره بينما يتكلم مع اشخاص اخرين، رغم انها لم تره لكنها تكاد تجزم بذلك. قبل قليل كادت ان تموت، لكن هوايتها في توقع تصرفات الاشخاص منها انستها الوضع.
كان المبنى بعيدا ، اكثر من الف متر، لم تكن اي بندقية قادرة على قطع مثل هذه المسافة الكبيرة بالاضافة الى أن تدفق الهواء الناتج عن الطلقة التي عبرت امامها كانت كافية لجعل شعرها يتطاير بعنف.
تذكرت الطلقة، ان عرفت عيارها ونوعها فهناك احتمال ان تعرف الفاعل.... لأنه نادرا ماتكون البندقية بهذه الدقة و القوة. ونادرا يحوز عليها الافراد الاقل شئنا
كان الغبار الناتج عن اصطدام الطلقة بالحائط مايزال يسيطر على الجو مما جعل النظر صعبا.
قربت اصابع يدها الملفوفة بقفازاتها الجلدية من الحائط.
الأن فقط لاحظت، هي لم تسمع صوت ارتطام الرصاصة بالجدار، والغبار الذي التف في مكتبها كان ابيضا رغم انه يجدر به ان يكون باللون الرمادي، لو سقط الجدار حقا لكان حراس الامن اللذين بالخارج قد دخلوا بالفعل، اذن..
سارعت باغلاق انفها، خوفا من كون الغبار الأبيض مادة مخدرة او سامة رغم انه احتمال ضعيف جدا ويكاد يكون منعدما، تراجعت للخلف تفكر في الاحتمالات.
القناص لم يكن هدفه قتلها، والا لكانت جثة متهادية بالفعل،
"هل هو.. تحذير او تهديد؟... بالمجمل كان هدفه ايصال رسالة خفية لي"
انتظرت اختفاء الغبار، بانت ملامح الجدار المقابل لها،كان متشققا بالفعل،وهناك ورقة وقد اخترقتها عصا معدنية رفيعة.
ضيقت عينيها الزرقاوتين تحاول قراءة ما كتب بالورقة.
"أصبح لديك مهووس "
لأول مرة، تحول تعبير سيلفيا، لم يكن الصارم والبارد الذي تظهره في عملها، ولا السعيد الخجول عندما كانت مع ترين هارتد، لكن ذلك التعبير الذي يدل على الغباء.
"مهووس.. انا؟ "
لمدة دقيقة كاملة كانت تشير للورقة ثم تشير لنفسها ثم تنظر لاصبعها ببلاهة واعين متسعة.
جلست القرفصاء، تمسك بطنها وجسمها يرتجف، لم تستطع كبح ضحكتها، كان المكتب يصدح بقهقهاتها بالفعل.
اكثر ضحكة صادقة تظهرها منذ موت ترين، نهضت من مكانها، تمسح دموعها باطراف اصابعها، هزت راسها بقلة حيلة. تشكر داخلها هذا المعتوه.
بحركة سريعة نزعت الورقة من مكانها، قربتها منها تعيد قرائتها.
غير ان هذه المرة انتبهت لشيئ أخر، جملتين عند اخر الورقة مكتوبتان بخط يدوي جميل لكنه صغير.
ضيقت عينيها اكثر، قربت الورقة منها اكثر، وهنا كانت المفاجئة.
؍∮نيكولاي دون موريارتي∮؍
«سيلف»
"ه.. هذا"
انعقد لسانها وٱبت الكلمات ان تخرج من حنجرتها، نيكولاي دون موريارتي، اذا لم يكن هناك شخص يعرفه سواء في العالم العلوي والارضي والسفلي، فهو حتما اكبر جاهل عرفته البشرية.
ولد بين احضان العالم العلوي، ليعيش طفولته في العالم الأرضي، لكن نشأته.. كانت في العالم السفلي بين سواعد الرجال الاشداء.
اكثر شخص تكرهه سيلفيا، رغم انها لم تلتقي به مطلقا، لكنه حاكم روسيا، او بالاحرى حاكم الافيون في روسيا.
سيطر على عدة منافذ لتهريب المخذرات والأسلحة، اضافة الى البشر، والمشكلة؟
كل ذلك كان يتعارض مع سلطة سيلفيا. خصوصا في الباكستان والمكسيك وامريكا الجنوبية.
"من اللعنة الذي يلعب معي مثل هذه التفاهات"
كانت تعابيرها غاية في الهدوء والبرود، ليس وكأن ماحدث معها قبل قليل شبه عملية اغتيال، من بحق الجحيم سيرسل اليك رسالة بتلك الطريقة الهمجية.؟!
....
في أحد احياء باليرموا، شعر شخص محدد بقشعريرة جعلت جسمه كله يتصلب ويهتز.
"تبا... من يتكلم عني خلف ظهري؟ "
.......
√اكتشفت ان كلمة"لكن"هي اكثر كلمة اعيد تكرارها في هذا الفصل🥒✓
✓اكيد هناك اشخاص سينتقدون سيلفيا، مرت ثماني سنوات وهي لاتزال معلقة مع حبها الاول الميت، لكن من يلومها، فبعد الماضي الذي عاشته، صار هو املها في الحياة√
انتظروا الفصل القادم بحماس، لأنني حتما سافاجئكم.
........
يقولون البداية هي النهاية، وانا أقول اللعنة على البداية لانها تمهد للنهاية، ولوكانت نهاية البداية.
صرت احس نفسي فيلسوفة🤝🏻🤧
يلي فهم الجملة يخبرني 🙂🌹
❦
𒈟
اذا لم تجد شعار دورايمون 𒈟❦ فتأكد ان الرواية مسروقة
Dorea---mon