1_راسِب فى لُغتِها المُفضلة

1_راسِب فى لُغتِها المُفضلة

15 0

‏كُن من الذاكِرين :

‏- سُبحانَ الله .

‏- الحَمدُلله .

‏- لا إله إلا الله .

‏- الله أكبر .

‏- سُبحانَ الله وبحمده .

‏- سُبحانَ الله العظيم .

‏- أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه .

"هُو خَير مَن وطَئ الثَّرىٰ ..

‏طُوبىٰ لمن صَلىٰ عَليه وأكثَرا" ﷺ

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ليكوننَّ من أُمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَّ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ، فيُبيتهم الله ويضع العلَم.

لا شك أن المعازف محرَّمة، وأن الله لعن من يسمعها، لذا عندما يخبرك أحد بهذا الحديث لا تناقشه، فالحرام بيِّن والحلال بيِّن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

قد نظن أن الأيام تسير بنا على وتيرة واحدة، لكن تفاصيل صغيرة قد تغيّر مسارنا كله، ككلمة عابرة، لقاء غير متوقّع، أو حتى قرار بسيط. وحين تتقاطع الطرق، تبدأ الحكاية.. بين طموحٍ يسكن قلب فتاة، وصخب شارع لا يهدأ، وأحلام لم تولد بعد.

استيقظت باكرًا كعادتها، وذلك بسبب الباعة المتجوّلين. ارتدت حذاءها المنزلي وهي تتثاءب بنعاس، حرّكت يديها بعشوائية حتى تستفيق كليًا. ذهبت لتنعم بحمام دافئ يزيل أثر النوم حتى تتمكّن من مواصلة يومها، وأدّت فرضها بكل خشوع، فهي تتسم بالحفاظ على صلاتها، فصلاتها هي محور اهتمامها. خرجت لتقبّل رأس والدتها وهي تتحدث بحيوية:

"صباح الخير يا ماما."

لتجيبها والدتها وهي تعد الإفطار بلطف:

"صباح النور يا آسي، تعالي افطري بسرعة قبل ما تروحي الكلية."

لتردف آسي بهدوء:

"حاضر، أنا النهاردة احتمال أتأخر في الكلية عشان هاشتري ورق وكدا، وعايزة أجيب كام كتاب."

لتجيبها السيدة منىٰ باهتمام:

"طيب بس متتأخريش جامد، بقلق عليكِ، وخدي أهو فلوس عشان الكتب."

لتردف آسي بمرح وهي تداعب وجه والدتها:

"معايا فلوس يا حبيبتي، متقلقيش."

لتجيبها والدتها بأسف:

"أنا عارفة إن المفروض منزلِّكش عشان تعبانة، بس إنتِ دماغك ناشفة زي حجر صوّان."

لتردف آسي بهدوء وهي تقضم الخيار:

"يا ست، بسلي نفسي من الملل دا، يلا بقى سلام."

لتردف والدتها وهي تجمع الأطباق:

"سلام، وخلي بالك من نفسك."

وبنفس الشارع الذي تقطن به آسي، على بعد خطوات من منزلها، هناك جزارة خاصة "بالمعلم ظافر الحكيم" ذلك السمج الذي لطالما تلقّبه بذاك اللقب. كانت تشعر بالنفور تجاهه دون أدنى سبب، فهي حقًا لا تتقبّله البتة. ليأتيها صوته وكأن هذا ما ينقصها:

"يا صباح الخير يا ست البنات، قولي للحجة إني جهزتلها طلبها، لو تحب أخلي واحد من العيال يوصلهولها."

لتردف هي باختصار:

"تقدر تبعته مع واحد منهم بعد إذنك."

وبعد مرورها أردف هو بسرحان:

"يخربيت جمال أمك، تقوليش حتة لحمة من الموزة، ولا لأ، شكلها من الفخدة عشان شكلها حلو، بس بطول على ما تستوي."

هكذا أردف ذلك المعتوه، حتى طريقة تعبيره بإعجابه لها كانت ستجعلها تشعر وكأنها ذبيحة من ذبائحه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عيناها تتابع "الدكتور الخاص بتلك المادة" بكل تدقيق، وتدوّن ما يقوله بسرعة فائقة. هي تحاول بشتى الطرق ألا تضيع وقتها حتى تحصل هذا العام على الامتياز كما تفعل كل عام. وبعد الكثير من الوقت انتهى من الشرح وخرج من القاعة، بينما هي بقيت رغم خروج الجميع. تنهدت بثُقل، وكعادتها عدّلت حجابها بتوتر وهي تُفكّر أين لها أن تجد عملًا يساعد والدتها بمصاريف المنزل ودراستها. كل ما حولها يُشير إلى أن الطريق طويل، لكنها تتمنى أن تحصل على وظيفة معينة بعد تخرجها، ألا وهي "معيدة بكلية العلوم".

وجال بخاطرها أن تعمل مساعدة لأحد المدرسين. لملمت حاجياتها وهي تسير بحماس شديد، خرجت من جامعتها وهي تبحث في هاتفها عن إعلان يخص أحد المعلمين. وجدت معلمًا لمادة الكيمياء يحتاج إلى خريجة كي تعاونه. يتبقى لها عام كي تتخرج، ولكن لا بأس من المحاولة. اتصلت بوالدتها لتخبرها أنها من الممكن أن تتأخر.

"السلام عليكم يا حبيبتي."

لترد والدتها بهدوء:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ها، قربتي توصلي؟"

لتردف هي بمشاكسة:

"مش قادرة على فراقي يا ست الكل، صح؟"

"وانتِ الصادقة، غسيل الهدوم والمواعين النهاردة عليكِ."

لتردف آسي بحنق:

"مردودالك ، وفي يومك مش هساعدك. بس كدا. المهم، أنا هتأخر النهاردة حبة حلوين وهقولك ليه."

"كفّي نفسك ياختي كفّي نفسك الأول. تمام، ماشي، بس على قبل المغرب تكوني في البيت. مش ناقصة كلام أهل الحارة المنيلة دي."

لتزفر هي بحنق من تلك الحارة:

"خلاص، ماشي."

أنهت حديثها مع والدتها وذهبت إلى مكان العمل، أو بالأحرى مكان تغيّر عالمها.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حضرتك مستر عمر، صح؟"

ليجيبها بانتباه:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أيوه أنا مستر عمر. أساعدك في إيه؟"

لتردف بتوتر ملحوظ:

"حضرتك كنت طالب assistant وكدا، وأنا جاية أقدّم للشغل."

ليردف هو ببلاهة كادت تقتلها:

"بس أنا مش بشغّل بنات صغيرة. بشغّل اللي بيكونوا خريجين. بس إنتِ صغيرة، تقريبًا 14 سنة."

لتردف هي بحنق من قصر قامتها وملامحها الطفولية:

"أحم، لا يا حضرتك. أنا في آخر سنة في كلية العلوم. فمحتاج أشتغل، فلقيت إعلان حضرتك."

بينما هو أردف ببلاهة شديدة:

"يعنييي، إيي في كلية علوم! هو إنتِ من الأطفال العباقرة اللي بيدخلوا كليات من غير الإعدادية ولا الثانوي؟"

تمالكت أعصابها حتى لا تفتك به الآن وأردفت بلهجة حادة:

"حضرتك، أنا خلاص كلها كام شهر وأكمّل 23 سنة."

ليردف هو بتشوّش:

"احلفي!"

بينما هي نظرت له، كان يبدو أبلها حقًا. كيف له أن يكون معلمًا ويتوافد إليه هذا الكم من الطلاب وهو بهذه البلاهة الشديدة؟

"أحم، حضرتك فاهم غلط. أنا بس قصيرة حبة. المهم، حضرتك هتشغّلني ولا لأ؟"

وبينما هو يفكر داخل عقله:

"أنه من الممكن أن تكون فتاة صغيرة بالفعل وتحتاج للعمل لتعيل عائلتها أو شيء من ذلك القبيل."

ليحمحم بجدية:

"تمام، تقدري تبدأي شغل من بكرة. وهبة زميلتك جوه بتراقب على الامتحان. بس في مشكلة: هل هتقدري توفقي بين الكلية والشغل؟"

أجابته بهدوء:

"متقلقش حضرتك. أنا هحاول أعمل دا. وفي أيام برجع من الكلية بعد العصر، فهضطر أجي في الوقت دا. هل دا ينفع مع حضرتك ولا لازم أجي بدري كل يوم؟"

ليردف هو بتفهم:

"متقلقيش، أنا متفهم. إنتِ وهبة هتكون وردياتكم النهار. وهبة كدا كدا مخلّصة فبتيجي من الصبح، فمتقلقيش. وبكرة اتفقوا سوا. والشباب بيشتغلوا بالليل."

همهمت بتفهم واستأذنت منه بأدب بعدما علم باسمها الغريب "آسي". تنفست الصعداء، فها هي قد قُبلت. ويالا حظها الجميل، فمن محاولتها الأولى قد قُبلت رغم ظروف دراستها.

"والله يوم ممتع بجد، أما أروح أشوف حبيبة عيوني طابخة إيه."

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أحيانًا لا نحتاج إلا لعناق دافئ يُزيل همومنا، لكن هو حتى هذا الحق لا يملكه. يعيش حياته وحيدًا، حيث يُتم في سن الخامسة عشرة، فقد والديه في حادث مروع أفقده أعز ما يملك. لذا كان يتوجب عليه أن يبقى محل عمل والده شامخًا. تنهد بثقل، شعر وكأنه كلما اختلى بنفسه جأته الذكريات تهاجمه دفعة واحدة، ليقول بكل حزن:

"إيي البيت الكئيب دا! مفيش أي حتة لحمة أحضنها. مفيش أي جثة معايا. مفيش بقرة، أو عجلة، أي حاجة فيها تاء مربوطة. يخربيت فقرك يا بدر، إيه الحزن اللي طفح دا. أما أروح أطفح أي لقمة أتقوّت بيها."

بعد قليل صنع الطعام الذي اعتاد أن يصنعه لنفسه. قطع اندماجه طرقات خفيفة على باب بيته. وضع الأطباق على الطاولة حتى يرى من القادم. وكان هو "محمد"، صديقه الصدوق وبئر أسراره.

"إييي إييي دا! وربنا حماتي بتحبني. معرفهاش، بس والله بتحبني."

نظر له ظافر بحاجب مرفوع:

"ومين قالك إني هخليك تاكل أصلًا؟ مش عامل حساب حد زيادة."

ليدفعه الآخر من كتفه بخشونة حتى يدلف إلى الداخل، ليجلس وهو يتحدث بصوت عالٍ حتى يصل لظافر الذي دلف للمطبخ:

"يا بني كنت بهزر معاك أصلًا، وأكلت في البيت."

تلت كلماته وضع قطعة من اللحم داخل فمه.

ليأتيه صوت ظافر الذي شعر بتأنيب الضمير، فهو قد أخجل رفيقه:

"بهزر معاك يا ابني . أهو، هاجي وناكل سوا."

بينما هو قد قارب على إنهاء الطعام:

"لا تسلم يا صاحبي. عمومًا تعالى بسرعة عشان تاكل قبل الأكل ما يبرد، وننزل نقعد ع القهوة."

ليردف من الداخل:

"أهو بجيب طبقين رز وطبق بامية تاني ليك."

دقائق وصاح باستنكار:

"إييي دا يا ***! وعاملي فيها مقموص! دا إنت مخلّيتليش يلا حاجة. وبعدين فين السلطة؟! وإيدااااا! إنت كلت كل حاجة. أشوف فيك يوم يا ابن تفيدة."

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

اليوم دافئ، حيث إننا في فصل الخريف. تتمشى بهدوء على أحد الأرصفة، تحاول التفكير بفارس أحلامها الذي تود أن تراه يأتي إليها بـ "الدراجة الهوائية المعروفة بالسبورت بايك". تتخيل عندما تقع في عشقه ويغازلها باللغة العربية المنمّقة التي تهواها بكل ما تحمله الكلمة. تتمنى أن يغازلها كأمثال عنترة وامرؤ القيس والشعراء العظماء. تنهدت بانسجام:

"هييح! فينك بقى يا زغاليلو؟ مش ناوي تظهر؟ دا أنا اتخللت يا راجل."

لتستقل إحدى الحافلات حتى تصل سريعًا لوالدتها كي لا تقيم عليها الحد. وعند دخولها أعتاب حيّهم المتوسط، رأت ذلك الخبيث ينظر لها نظرات لم تفهم ماهيتها، لكنها معتادة على وقاحته.

"واد يا عِترة، هاتلي الشيشة واعملّي حجرين يوزنولي دماغي."

ليصله الرد سريعًا من صبيه:

"أوامرك يا سيد المعلمين."

تخطّتهم وهي تمشي ببطء بسبب صغر قدميها وقامتها القصيرة التي لا تتعدى 145.

ليناديها هو ببساطة وكأنه أحد أقاربها:

"يا ست آسي، خدي معاكِ الطلبات دول لأمك وسلّميلي عليها."

لتجيبه هي بتذمّر محبب إليه:

"يا أستاذ يا محترم، لما تتكلم مع آنسة تقولها يا آنسة، مش يا ست. ومتقولش كلمة (لأمك) عشان دي شتيمة، ماشي؟"

ليجيبها هو بوقاحة كعادته:

"الله! العتب عليا إني بكبرك، وانتِ زي علبة الكانز كدا. خدي كيلو اللحمة دا، خلى أمك تعملهولك. يا كش تطولي شوية. وبعدين هي شتيمة ليَّ يعني؟ مش هي أمك؟ ولا أنا غلطت يعني؟"

لتردف بغضب وهي تمسك الكيسين المحملين ببعض الأشياء، والتي لم يُرسلهم لوالدتها، فقط ليتمكن من الحديث معها:

"إنسان همجي وغوغائي وغير منمق، سحقًا."

ليتحدث هو بعدم فهم لكلماتها الغريبة تلك:

"لا، بقولك إيه يا بسكوتة العبد إنتِ. متكلمنيش لغة عربية، عشان يوم ما شلت مادة في حياتي كانت العربي!!!!!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وبين طموحٍ لا يعرف التراجع، وقلبٍ يتوق للأمان، تتشابك الحكايات. فربما القدر يخبئ لآسي ما لم تتوقعه، وربما يقودها اختلافها مع من حولها إلى بداية قصة أسطورية... ومن يدري، قد يكون الغد أول الفصول."

رُبما الاختلاف يُنتج قصة أسطورية، وربما العكس.

والسلام لقلوبكم.

ذِكرى مهران

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الغَوغَائِي والمُثَقفَة

المؤلف ذكرى مهران
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة