زواج

زواج

40 0

خرج آدم مسرعًا من الصالة، والغيرة تشتعل في عروقه كالنار المشتعلة في هشيمٍ يابس. كان صوت ليان الرقيق قد اخترق أذنه، فارتجف قلبه لا لأنّها نادته، بل لأنّ صوتها تسرّب إلى آذان الغرباء الجالسين معه.

دخل آدم المطبخ بخطواتٍ سريعة، عيناه السوداوان مشتعلة بغيرة وغضب، حتى بدا كأن الصمت ينكسر بمجرد وقوفه عند الباب.

التفتت ليان نحوه، وما إن لمحت ملامحه المكفهرة حتى ارتجف قلبها خوفًا، وأدركت أنها ارتكبت خطأً غير مقصود. سارعت بالكلام وكأنها تستجدي الصفح:

ـ "أنا ناديت عليك علشان الإسدال كان مبلول مية… ومش هعرف أطلع بره بيه. وماما اتأخرت عليا، وكنت عايزة ألحق أجهز قبل ما نجهز السفرة."

أغمض آدم عينيه بقوة، يعضّ على شفته السفلى بلحظة انفعالٍ يعرفها جيدًا كلما استبدّ به الغضب. سألها بنبرةٍ حادة:

ـ "فين موبايلك؟ متصلتيش ليه؟"

قالت بخفوت، تكاد الكلمات تتعثر من بين شفتيها:

ـ "مجبتهوش… الموبايل في الأوضة. أجيبه ليه؟"

أخذ نفسًا عميقًا، لكن الغيرة لم تزل عالقة بصوته، فخرجت كلماته قاطعة:

ـ "آخر مرة يا ليان… تنادي أو صوتك يطلع بالشكل ده، وحد هنا من الرجالة يسمعه… حتى لو عاصم أخويا الصغير. ممنوع، مفهوم؟"

اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتعش:

ـ "آسفة… غصب عني والله. حاولت بس معرفتش…"

لم يدعها تكمل، بل اقترب منها بخطواتٍ هادئة، ثم جذبها إلى صدره، يطوّقها بذراعيه. قال بصوتٍ متهدّج بين الغيرة والحنان:

ـ "أنا اللي آسف… إني عليت صوتي عليكي. غصب عني، حبيبتي. ربنا خلقك فتنة في كل حاجة… من أول ملامحك لصوتك لكل تفاصيلك. وصوتك ده… رقيق أوي وناعم. عارف إنك مش بتتعمدي، لكن هو بطبيعته بيمسّ القلب. وعلشان كده، ربنا أمر المرأة إن صوتها ما يبقاش فيه تليين ولا ترقيق زيادة، علشان ما يثيرش ولا يجذب."

أخفض رأسه قليلًا، يهمس في أذنها:

ـ "أنا بخاف عليكي من عين أي راجل… بخاف من أي نظرة أو أي لحظة ممكن تشوفك بعيون مش صافية. إنتي ليا أنا… وأنا مش هقبل حاجة تانية."

رفعت ليان رأسها قليلًا، ودموعها لم تجف بعد، لكن عينيها كانتا تلمعان بصدقٍ وحنان. وضعت كفها الصغير على صدره، وقالت بصوتٍ واهن لكنه مفعم بالاطمئنان:

ـ "أنا فاهمة يا آدم… والله فاهمة. يمكن أنا ماخدتش بالي إن صوتي ممكن يأذي أو يلفت، بس كلامك خلاني أدرك. عندك حق، الدين علّمنا إن صوت الست لازم يبقى عادي، من غير تليين ولا ترقيق، علشان ما يفتنشش حد...بس بجد أنا مرققتش صوتي هو طبيعته كده"

تنهّدت بعمق، ثم تابعت بخضوعٍ محبّ:

ـ " لكن من النهاردة… مش هيتكرر تاني. هخلي بالي من كل كلمة وكل نبرة. مش عايزة أشوف القلق ده في عينيك تاني… أنا ليا ليك وبس، ومش هدي لحد فرصة يسمع مني حاجة تجرح غيرتك أو تكسر قلبك."

ثم ابتسمت ابتسامةً باكية، تضيق عيناها برقة وهي تضيف:

ـ "إنت غالي أوي عليا… وغلاوتك دي بتخليني أفرح حتى بغضبك، علشان بعرف قد إيه أنا جوه قلبك."

شدّها آدم بقوة أكبر، وأغمض عينيه وقد ذاب الغضب شيئًا فشيئًا، ليحلّ مكانه دفءٌ عميق.

رمقها آدم بنظراتٍ طويلة، عيناه تسكنان على تفاصيل جسدها، وكأن الغيرة قد تحوّلت إلى انبهارٍ مكتوم، فتمتم بحدةٍ ممزوجة بالعاطفة:

ـ "إيه الجمال ده؟ أنا بجد… لازم في أسرع وقت نبدأ في شقتنا. مش هينفع تفضلي كده وأخاف حد يلمحك بالغلط،أو أقيد حريتك في اللبس بسبب كده."

ثم استدار فجأة، وقال بحسم:

ـ "يلا… هروح أجيبلك إسدال وأجي."

دخل غرفته، وأخرج إسدالًا آخر من خزانته، ثم عاد به إلى المطبخ. مدّه إليها بيده، بينما هو يستند بكتفه على باب الثلاجة، يراقبها بعينيه المتوقدتين. ارتدت الإسدل على عجل، ثم انحنت تلتقط طرحتها لتكمل سترها.

لكنّ نظرات آدم لم تزل مسلطة عليها، حتى قال بامتعاضٍ ظاهر:

ـ "إيه ده؟ الإسدل ده شفاف… خامته رقيقة أوي، مبيّن اللي تحته وبيجسّم كمان."

أجابته بسرعة، وهي تُثبّت الطرحة على رأسها:

ـ "كده كده مش هلبسه… يدوب أخرج بس أروح أوضتي، أخد شاور وألبس العباية."

لوى آدم شفتيه بضيق، ثم هزّ رأسه قائلًا:

ـ "ماشي… يلا."

غادرت المطبخ بخطواتٍ سريعة، متجهة نحو غرفتها. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى بدأت تتحرّر من تعب اليوم، واتجهت نحو الحمام لتأخذ شاورًا دافئًا، تغسل عن جسدها إرهاق الساعات الطويلة. وبعد قليل خرجت ليان من الغرفة بعد أن انتهت من شاورٍ سريع، تلفّ جسدها بعبايةٍ فاخرة من قماشٍ بيج فضفاض، ينساب بخفةٍ ورصانة، تتخلله حوافّ كحلية داكنة تزيده فخامة وهيبة. أما الطرحة الكحلية الحريرية فقد ارتدتها ببساطةٍ حول وجهها، فأبرزت نقاء بشرتها، وأظهرت زرقة عينيها الداكنة بعمقٍ لافت، كأنهما مرآة لبحرٍ هادئ يخفي وراء صفائه عاصفة من الجمال.

قدماها كانتا تنزلقان في سليبرٍ بيتي ناعم بلون فاتح، يزيد من بساطة المشهد ودفئه، وكأنها لوحة تجمع بين الوقار والأنوثة معًا.

بدأت ليان ترتّب أطباق السفرة برفقٍ، يديها تتحركان في هدوءٍ أنيق يعكس حسنها وحياؤها. كان آدم يتابعها بعينيه، ثم ما لبث أن اقترب منها، يساعدها في ترتيب الأطباق. انحنى بجانبها قليلًا وهمس بصوتٍ خافت لا يسمعه غيرها:

ـ "إيه الجمال ده… العباية دي سحر، جمال عينيكي باين أوي… واللون الكحلي معاها قاتل يا ليان."

ارتبكت للحظة، ثم أطلقت ضحكةً صغيرة وهي تخفض وجهها بخجل، كأنها تحاول الهرب من كلماته التي التصقت بقلبها قبل أذنها. ابتسم آدم برضا وهو يمد يده ليساعدها في وضع الصحون والكؤوس.

وفي تلك اللحظة، علت نبرة صوت سميرة الجدة من صدر الصالة وهي تراقب:

ـ "كويس… شاطرة في حاجة."

رفع آدم رأسه فورًا، التفت نحوها بعينين يملؤهما الحب والفخر، وقال بصوتٍ حازمٍ مشوبٍ بالحنان:

ـ "ليان شاطرة في كل حاجة يا نينا. لسه ما تعرفتيش عليها كويس… لما تقربي منها أكتر، هتحبيها وأنا متأكد."

ابتسمت سميرة بسخريةٍ خفيفة وهي تردّ بتهكم:

ـ "كفاية عليها حبك إنت. ناوي تعملوا فرحكم إمتى على كده إن شاء الله؟"

أمسك آدم كوبًا ووضعه على الطاولة بهدوء، ثم أجاب بصوتٍ ثابت واثق:

ـ "إن شاء الله هبدأ أجهز شقتي اللي قصاد دي، وساعتها ليان تجهز اللي ناقصها… وأول ما نخلص هنعمل الفرح. يعني أقصى حد شهر، بإذن الله."

رمقت ليان الأرض بعينيها، ابتسامةٌ مرتجفة ترتسم على شفتيها، بينما قلبها يرقص بين الحياء والفرح، وقد غمرها يقينٌ أن آدم لن يتركها أبدًا.

كانت سميرة قد صممت بحزمٍ ممزوجٍ بالفرح أن يكون فرح آدم وحِنّته في المزرعة وسط الأهل والأحباب، فوافق الجميع، وبدأت الأيام تمضي سريعًا، متخمة بالانشغالات والترتيبات. ليان وآدم يخرجان كل يومٍ معًا، يتنقلان بين الأسواق والمعارض، يختاران للبيت أدق التفاصيل، من أبسط الأواني حتى أرقى المفروشات، وكأنهما يخطّان بيديهما ملامح المستقبل.

وبعد أيامٍ من اللهفة والتجهيز، سافرا معًا إلى المزرعة قبل موعد الفرح بأيام. هناك استُقبِلا باحتفالٍ صاخب، زغاريدٌ ومزمار شعبي يملأ الأجواء. لحظة نزول ليان من السيارة، كان آدم ممسكًا بيدها بحماية واضحة وتملّكٍ لا يخفى على أحد، يسحبها برفق وسط الزحام وعيون الناس، ليُدخلها إلى داخل الدار بعيدًا عن التدافع، ثم يخرج هو ليحتفل مع الرجال.

قُسّمت الغرف كلٌّ منهما في غرفة منفصلة، انتظارًا لليالي الفرح القادمة.

وحين جاء يوم الحنّة، نزلت ليان إلى القسم النسائي. فُتحت الأبواب كأنها فتحت على هالةٍ من نور، فانطلقت الزغاريد في أرجاء المكان. النساء انبهرن بجمالها الآسر، بحلاوتها الفاتنة التي انعكست في كل حركةٍ رقيقة وكل تفصيلة من هيئتها. كانت عيناها كالسحر، وابتسامتها كأنها وعدٌ بالسعادة.

ليان نزلت بين أهله بطلّة تخطف العيون؛ الفستان الأبيض المكسوّ بالدانتيل الناعم ينسدل على جسدها كأنه مرسوم خصيصًا لها، يحتضن خصرها الرشيق ويُبرز انسياب قامتها برقة فاتنة. الكمّ الطويل الشفاف من الدانتيل أضاف لمسة عذوبة وكأنها أميرة خارجة من حكاية قديمة. أما التصميم الأوف شولدر فقد زاد من رقتها، مبرزًا نقاء بشرتها التي ازدادت إشراقًا تحت ضوء الأنوار.

خطواتها كانت هادئة، ومع كل خطوة يلمع حذاؤها المرصّع بالكريستال، يرسل بريقًا يخطف الأبصار. عنقها المكلل بعقد اللؤلؤ البسيط زادها مهابةً ورُقيًّا، حتى بدت كعروس من نور.

الجميع وقف في صمت لحظة رؤيتها، ثم تعالت الزغاريد مندهشة من جمالها

بدأت فقرة الحنّة، وجاءت "الحنّانة" تحمل أدواتها وكُتيّبًا صغيرًا للرسومات. جلست ليان بين النسوة، وقلبت في الكتالوج حتى وقعت عيناها على رسمةٍ مميزة، فأشارت إليها بخجل وقالت:

ـ محتاجاكي ترسميلي دي… بس في المكان ده.

ابتسمت الحنّانة وقالت بدلعٍ شعبي وهي تغمِز بعفوية:

ـ حاضر يا قشطة… تخلص دي وتنشف ونطلع نعملهالك فوق، حتى لو آخر الليل يا عروسة.

وضجّت القاعة بالزغاريد من جديد، والعيون لا تكف عن ملاحظة رقة ليان وحياؤها، وكأنها وردة ندية أُلقيت فجأة في بستانٍ من الضياء.

دخل آدم إلى القاعة النسائية في البيت بتعاليم جدته سميرة، لكنه ما إن وقعت عيناه على ليان حتى انقبض صدره. جمالها كان طاغيًا، الفستان أبرز جسدها الرقيق، والحنّة زادت من فتنتها، والنساء من حولها يلتهمنها بنظراتهن، كأنها غنيمة يتقاسمن تفاصيلها بالهمس والضحكات.

جلس بجوارها على الكنبة المخصصة لهما، يحاول كبح جماح غيرته التي تتأجج في صدره كالنار. مال عليها بصوتٍ مبحوحٍ ممزوجٍ باللوم والغيرة:

ـ إيه اللي لابساه ده يا ليان؟

ارتجفت، وأجابت بتوترٍ وخجل:

ـ ماما علا ونينة سميرة هما اللي جابوا لي الفستان… وقالوا إن دي من العادات هنا…

ضغط على أسنانه وكأن النار تشتعل داخله، وقال بغيرته الحارقة:

ـ تولع العادات! مش أنا اللي مراتي تقعد بالمنظر ده قدام الكل، وعيونهم تفصص فيكي كده… جسمك ده ملكي أنا وبس، وشعرك ده ليا أنا اللي أشوفه وبس…

غرقت عيناها بالدموع، وحاولت تكتم بكاءها، فقد كانت غير مرتاحة للفستان من البداية، لكنها لم تُرد أن تزعج سميرة أو تخسر رضاها. أنزلت بصرها إلى يديها المزينة بالحنّة، تُخفي ارتجافها، بينما قلبها يتألم بين رغبتها في إرضاءه وخوفها من أن تُغضب أهله.

آدم كان يتأملها بنظراتٍ مشتعلة، يمرر لسانه على شفتيه محاولًا السيطرة على غيرته، لكن كلما رفع نظره ورأى العيون مُحدّقة بها أكثر، اشتعل الغضب داخله. شعر أن الأنفاس تُسحب منه، وأنه على وشك الانفجار.

وقف فجأة، وأمسك معصمها بحزم، ينهض بها وسط دهشة الحاضرين. هرعت علا نحوهما بقلق:

ـ رايح فين يا ابني إنت وهي؟

التفت إليها، وعينيه تقدحان شررًا، وصوته يرتجف من الغضب:

ـ ليه يا أمي خليتيها تنزل بالشكل ده؟ مش شايفة العيون عليها إزاي؟ كلهم بيأكلوها بنظراتهم! والله أعلم بالنفوس… دي تبصلها بحقد، ودي بحسد، ودي مركزة علشان تحكي وتوصف مراتي بعدين… مينفعش يا أمي، مينفعش!

حاولت علا أن تهدّئه بصوتٍ حانٍ:

ـ حصّنتها يا ابني قبل ما تنزل… مش حسد، ما تخافش…

لكن آدم هزّ رأسه بعنادٍ وغليان:

ـ مش حسد بس يا أمي… أنا قلبي مولع! عيوني مش مستحملة، ومش هسيب مراتي تبقى فُرجة لكل من هب ودب. أنا طالع بيها لحد ما الحنة تنشف، وهتغيّر هدومها، وبعدها ننزل.

وبينما شدّها بجانبه بحمايةٍ وتملك، رفعت ليان عينيها المبللتين إلى وجهه، بين خوفٍ من غضبه وارتعاشٍ من غيرته، وبين حبٍ عميقٍ يلمع في ملامحه رغم صلابته.

صعد بها آدم إلى الغرفة، وما إن أغلق الباب حتى انهارت ليان في البكاء، تنهمر دموعها بغزارة، يعلو صوت شهقتها المرتجفة كأنها تخشى أن تختنق من الحرج والضيق. وقف أمامها، يتنفس بعمقٍ محاولًا السيطرة على ثورته، ثم اقترب قليلًا، وصوته أهدأ لكنه لا يخلو من القسوة الدافئة:

ـ ممكن أعرف بتعيطي ليه؟… إنتي زعلانة علشان طلعتك؟ كنتِ عايزة عيون الناس اللي تحت تنهش في جسمك بنظراتهم؟

هزّت رأسها سريعًا بالنفي، وعيناها المتورّدتان تبرقان بالدموع. أجابت بصوتٍ متقطع:

ـ أنا مقصدتش أزعلك يا آدم… أنا أصلاً مش مرتاحة ومكسوفة… بس والله محبتش أزعل جدتك مني…

اقترب أكثر، وصوته هذه المرّة صار أكثر حنوًّا:

ـ بصيلي يا ليان… مفيش فيها زعل نهائي. دي حريتك وده حقك. ومحدش في الدنيا كلها مسموح له يعلّق على لبسك أو اختيارك… غيرك إنتي… وغيري أنا. إحنا بقينا واحد.

هزّت رأسها بإدراكٍ عميق،، ثم قالت بخضوعٍ محب:

ـ أنا فاهمة قصدك… ومش بعارضك… بالعكس، أنا معاك في كل كلمة بتقولها.

اقترب أكثر، رفع يده برفقٍ ليمسح براحته دموعها، ثم مرّر أصابعه على وجنتها الناعمة الطريّة، وأغلق عينيه وهو يلامس وجهها، كأن ملامحها صارت ملاذه الوحيد. همس بأنفاسٍ متلاحقة:

ـ أنا بعشقك… وبغير بجنون على قد عشقي ليكي. معرفش إزاي ولا إمتى حبيتك… لا، أنا عشقتك… وبقيت بخاف عليكي من أي حاجة، وبغير بجنون يا ليان…

تاهت هي بين كلماته ولمساته، أغمضت عينيها وارتجفت شفتيها، ثم خرج صوتها ضعيفًا لكنه صادق:

ـ وأنا بحبك… بحب رجولتك، واهتمامك، وخوفك عليّا… بحب احتواءك ليا في كل حاجة، ودفاعك عني ووقوفك في وش أي حد يزعلني ولو بنظره ،،،ومحاولاتك إنك تفرحني وتعوضني… مش هلاقي سند زيك. إنت الأخ… والأب… والصاحب… والزوج… والحبيب… إنت كل حاجة ليا.

ارتعش صدر آدم مع كلماتها، وتسارع نَفَسه لأول مرة منذ عرفها. لم يتمالك نفسه، فانحنى عليها، يطبع قبلة قوية، قبلة سرقت أنفاسهما معًا، قبلة جمعت الغيرة بالعشق، والدموع بالفرح.

لم يفيقا من غمرتها إلا على صوت الطرقات المتتابعة على الباب، وصوت عُلا يعلو من الخارج:

ـ الغدا يا آدم… ليان ماكلتش من الصبح!

ابتعد آدم قليلًا، يلتقط أنفاسه وهو ينظر في عينيها الزرقاوين المبللتين.

تكلّم آدم بصوتٍ متحشرج لا يزال أسير المشاعر التي خنقته قبل لحظات:

ـ حاضر يا أمي…

قام وفتح الباب، تناول الصينية بيده، ثم أغلقه بهدوء ودخل حيث ليان تجلس، وجهها يغرق في كسوفها، تحاول أن تخفي ارتباكها بين نظرات الأرض وأنفاسها المتسارعة. جلس قبالتها، يمد يده نحو الطعام، ثم ناولها بيده مباشرة قائلًا:

ـ انتي مش هتعرفي تاكلي بإيديك… الحنّة على إيدك … خليني أنا اآكلك.

ابتسم بخفة وهو يتأمل النقوش المرسومة على يديها، ثم علّق بصوتٍ دافئ:

ـ حلوة أوي الرسمة دي… رقيقة أوي… ده أكيد اختيارك

أومأت برأسها بخجل، عيناها تتهربان منه، فلاحظ آدم خصلات شعرها التي انسدلت فوق رقبتها، حيث الحنّة المرسومة هناك، فمد يده بلطف، يرفع الخصلات واحدًا تلو الآخر ويجمعها في كحكة مرتّبة، ثم همس وهو يبتسم:

ـ والله الشامة لوحدها زينة… مكنتش محتاجة حنّة جنبها أصلاً.

احمرّ وجهها وقالت متذمرة بخجل:

ـ آدم، خلاص بقى…

ضحك آدم بصوتٍ عالٍ، ضحكة تحمل حبًا ودفئًا، ثم ناولها المزيد من الطعام. قالت وهي تحاول الهروب من نظراته:

ـ كل إنت كمان… مش هتسيبني آكل لوحدي.

أجابها بهدوء:

ـ أنا كلت الحمدلله مع الشباب بعد العصر، لما وصلوا من السويس… لكن إنتي ليه ما أكلتيش لحد دلوقتي؟

رفعت نظرها إليه وقالت:

ـ مفضتش خالص… هنا في عادات كتير للعروسة في اليوم ده.

نظر إليها آدم بعينين مليئتين بالريبة، وصوته يحمل غيرة مكبوتة:

ـ عادات إيه بالظبط؟ اللي عملتيه غير اللبس اللي نزلتي بيه؟

قالت بارتباك:

ـ الزيارات… الناس اللي بتبارك… والتعارف… ده اللي عملته وهلكني حرفيًا. وكان فيه حاجات تانية… بس رفضت. علشان كده مقدرتش أرفض الفستان من نينه سميرة.

تشدّد صوته وهو يسألها:

ـ أيوة… زي إيه؟

خفضت عينيها وقالت بكسوف:

ـ عادات بنات وخلاص…

اقترب أكثر وقال بهدوء يقطر غيرة وامتلاكًا:

ـ كويس إنك ما وافقتيش… لأن أقسم بالله لو كنت عملتي حاجة من اللي في دماغي… مكنتش هسامح فيها أبدًا.

هزّت رأسها بتفهم وصمتت، بينما أكمل معها الطعام. وحين انتهيا، نظرت إليه بخجل وقالت:

ـ آدم… طلعلي الفستان اللي كنت جبته من السويس للحنّة… هتلاقيه نبيتي، متعلّق ع الشماعة في الدولاب ناحية اليمين.

حين أخرج آدم الفستان من الدولاب، ناولها إيّاه بابتسامةٍ صغيرة، فقالت برجاءٍ ودلال:

ـ آدم، اخرج برّه على ما أخد شاور وألبسه…

رفع حاجبه وهو يتكئ على الدولاب:

ـ لا والله؟!

اقتربت منه أكثر، وصوتها يتكسّر في رقةٍ ودلع:

ـ علشان خاطري يا آدم…

تنفّس بعمق وقال:

ـ خاطرك غالي أوي… ثم أفسح لها المجال.

دخلت ليان إلى الحمام، غسلت الحنّة واخدت، ثم خرجت بعد قليل، فإذا بها تلبس الفستان المخملي النبيتي، بدت فيه كأميرةٍ من زمنٍ قديم، تتلألأ على جسدها تطريزات ذهبية كأنها حديقة حيّة. انفرج صدره في قَصّة عميقة أبرزت أنوثتها برقةٍ مهيبة، وأحكم خصرها حزام مرصّع بجوهرة بيضاوية، لتنسدل منه تنورة واسعة نصفها عاجي مضيء ونصفها الآخر مكلل بالمخمل المطرز، فغدت بهيبةٍ آسرة تجمع بين البراءة والجاذبية.

تركت شعرها العنان، يتمايل على كتفيها، وما إن فتحت باب الغرفة حتى وجدته واقفًا، يعطي ظهره منتظرًا. التفت فجأة، فتعلّقت عيناه بها، وانخطف قلبه لرؤيتها.

قال مبهورًا وهو يتقدّم خطوة:

ـ أنا هفضل أنبهر لحد إمتى؟! بجد كل مرة بطلي فيها بتخطفيني أكتر… أنا قلبي هيقف في يوم من جمالك ورقتك دي…بقول كفاية كده ومفيش نزول.

اقتربت منه بخجلٍ ودلع، نظرت في عينيه مباشرة وهمست:

ـ إزاي يعني؟! هتحرم مراتك من فرحتها بيوم حنتها وفرحها؟ علشان خاطري، خلينا ننزل ونعيش ذكريات اليوم ده.

تنهّد آدم مستسلمًا، ثم قال وهو يمد يده:

ـ أمري لله… يلا.

أمسك يدها وهي تحتضن ذراعه، ونزلا معًا، والكل ينبهر بطلتها. دوّت الأغاني، جاءت الشبكة، فألبسها آدم الخاتم وطقم الذهب، وهي ألبسته الدبلة في أجواء فرحٍ صافية. ثم جذبتهم علا للرقص، فترددت ليان بخجل، تخفي وجهها في حضن آدم، بينما هو يضمّها باحتواء، والنساء يصفّقن ويشكّلن دائرة حولهما، والفرحة تغمر القلوب.

وبعد أن انتهت الليلة، جاءت الحنّانة، لترسم على جسدها نقشًا جديدًا تاتو بالحنّة.

ثم جاء يوم الفرح، وفي الـ First look، وقفت ليان في مفاجأة غير متوقعة ارتدت النقاب الأبيض.

كانت قد سمعت آدم مرارًا يتحدّث معها عن النقاب، لا ليُثقِل عليها بفرضٍ أو يُلزمها بما لا تريد، بل لأن قلبه يتمنى أن يراها فيه؛ حمايةً لفتنتها الطاغية، وصونًا لجمالها الفريد أن يقتسمه الناس معه. كان يقولها دومًا إن جمالها خُلق ليكون له وحده، لا لعيون الغرباء. فخبأت تلك الأمنية في قلبها، لتفاجئه بها يوم الزفاف.

ظهرت ليان كأنها هالة من نقاء، بفستانٍ أبيض مهيب، مُطرّز بالدانتيل الناعم والزخارف المتلألئة، وتغطيه طبقات من التول الشفاف كأنه غيمة من نور. في يديها قبضة ورد بيضاء ناصعة. أما النقاب الأبيض فأضفى عليها سحرًا غامضًا، لم يُخفِ فتنتها بل زادها وضوحًا، إذ ترك لعينيها مجالًا لتبوح بكل شيء. كان في نظراتها عمقٌ آسر يجمع بين الحياء والجاذبية.

وبعد انتهاء الزفاف، أصرّ آدم أن يقضيا أول ليلة لهما في شقتهما.

سكنت الغرفة على وقع أنفاسهما، كأن الليل كله انحنى لهيبة اللحظة. اقترب آدم، يزيح خصلةً أفلتت من خمار إسدلها بعد الصلاه، فارتعشت، لكنها لم تُبعد رأسها. عيناها تجيبانه بصمتٍ راضٍ، فضمّ وجهها بين كفّيه وقبّل جبينها أولًا، ثم وجنتيها، كأنه يكتب أول سطرٍ في حياةٍ جديدة.

استيقظ آدم على ملامح ليان الغافية في حضنه، ظهرها الصغير ملتصق بصدره، وأنفاسها الهادئة تتردد على جلده كنسيمٍ دافئ. ظلّ يتأملها طويلًا، يمرّر بصره على نعومتها البريئة، وقلبه يستعيد دهشته من مفاجأتها ليلة الزفاف بالنقاب، تلك اللحظة التي شعر فيها أن الدنيا كلها أهدته كنزًا خالصًا له وحده، وأن جمالها المكنون لم يُخلق إلا ليكون بين يديه. تضاعفت سعادته حين أيقن أنها باتت زوجته قولًا وفعلًا، وأن الحلم صار حياةً مكتملة.

مدّ يده نحو الساعة على الكومودينو، فإذا بها تشير إلى السادسة مساءً. عقد حاجبيه بدهشةٍ كيف غلبهما النوم إلى هذا الحدّ، ثم مال عليها يوقظها، بـ همساتٍ رقيقة:

ـ "ليلو حبيبتي… اصحي بقى."

تقلبت ليان، دفنت وجهها في صدره، وتعلقت برقبته كطفلةٍ مدللة، فمرّر كفّه على ظهرها هامسًا:

ـ "اصحي يا كسولة، الساعة ستة المغرب."

فتحت عينيها متفاجئة، وصوتها الناعم يتردد كهمس:

ـ "بجد؟ إزاي نمنا كل ده؟"

اقترب منها أكثر، طبع قبلة دافئة على شفتيها وهمس:

ـ "صباحية مباركة… يا أجمل وأرق عروسة في الدنيا."

خجلت ليان وأخفت وجهها في صدره، قبل أن ترفع رأسها بخجلٍ طفولي:

ـ "هو ينفع… أنام شوية كمان؟"

ضحك آدم بحنان، يطبع ضمة جديدة حولها:

ـ "حرام عليكي، ده إحنا نايمين من الفجر، أكتر من 12 ساعة… قومي بسرعة نلحق نصلي العصر قبل ما المغرب يأذّن."

تثاءبت قليلًا ثم غمغمت بخضوعٍ رقيق:

ـ "خلاص، صحيت أهو."

رفعت عينيها إليه، فالتقت نظراتهما بعشقٍ متبادل، كأن اللحظة تعلن ميلادًا جديدًا للحب.

تجهّزت ليان بعد أداء صلاتها بخشوع، فارتدت فستانًا بيتيًا باللون السكري، مزيّنًا بورود صغيرة بألوان متناسقة، ذو حمالات ناعمة وطول يصل إلى نهاية الساق مع شق عند الركبة، يبرز جمال أنوثتها برقة وأناقة. صفّفت شعرها بعناية، ووضعت روجًا خفيفًا وكحلًا ناعمًا يبرز عينيها الساحرتين.

دخلت المطبخ وبدأت تجهّز الفطور بحب واهتمام، بينما أنهى آدم شاورته، وارتدى الترينج الذي أعدّته له ليان، وأدى صلاته . عند خروجه، وجدها منشغلة بترتيب السفرة، ابتسم لها برقة. جلسا معًا لتناول الفطور، وسط جو دافئ من الحب والسكينة. بعد أن أنهوا طعامهم، ساعدها آدم في جمع الأطباق، وجلسوا في غرفة المعيشة.

قال لها آدم بحب : "تحبي تشوف فيلم ولا إيه؟"

ابتسمت ليان وقالت: «لأ، عايزه أشوف صور وفيديوهات الفرح.»

تكلم أدم بتوضيح

"لسه مجهزوش يا حبيبي،على يومين كده إن شاء الله المصوره تبعتهم"

ردت بحماسة: «لا، اللي عاصم مصورهم من عندك، على موبايلك.»

ابتسم وقال: «تمام، تعالى.»

جلست في حضنه، وبدأوا يتصفحون الصور واحدة تلو الأخرى، يعلق كل منهم على التفاصيل، ضحكاتهم تتخلل الجو، ودفء المشاعر يملأ المكان. قالت له ليان:

"كنت قمور أوي في البدلة البيضاء، حبيتها أكتر من السوداء."

ابتسم آدم بحب ورفع إصبعه على الفيسبوك، وغيّر حالته الاجتماعية لمتزوج، مع عمل إشارة لها، فارتسمت على وجهها ابتسامة فرح لا توصف.

انتهى يومهم، وتوالت الأيام بعد الفرح، مليئة بالحب والسكينة والعشق. في ليلة هادئة، اقترب منها آدم وهمس:

"ايه رأيك نخرج من بعد الفرح، واحنا مطلعناش؟"

أجابته ليان بحماس: "يلا يلا، هقوم أجهّز!"

لبست ليان دريسًا متقسمًا، بيزك جينز تلجي، وعليه جارديجان كحلي، مع نقاب بيج فاتح ينساب برقة على وجهها. جهزت له شميز كحلي وبنطلون جينز بيج، واختارا ملابسهما بعناية قبل الخروج. عند باب المنزل، قالت له ليان بابتسامة:

«استنى، نتصور في المرايا.»

توقفا أمام المرايا، والتقطا صورًا كثيرة بوضعيات مرحة ورومانسية، ضحكاتهما تتخلل المكان وتزيد الجو دفئًا وحبًا. ثم قالت له:

«يلا نعدي على ماما علا، نشوفها لو عايزة حاجة.» أمسك آدم يدها برفق، وذهبا معًا إلى باب المنزل، حيث سلم على والدتها وقبّل رأسها، وهي ترحب بهما بابتسامة دافئة.

سأل آدم عن عاصم:

«هو فين دلوقتي؟»

أجابت علا:

«بيذاكر جوه.»

قال لها آدم:

«هدخل أسلم عليه.»

وترك ليان مع والدتها، فابتسمت إليها وقالت: «طمنيني عليكي يا حبيبتي.»

أجابتها ليان:

«الحمد لله يا ماما.»

سألتها علا:

«آدم كويس معاكي؟ مضايقك في حاجة؟»

ردت ليان مطمئنة:

«مفيش، في آدم ولا في حنيته يا ماما، متقلقيش، احنا كويسين الحمد لله.»

دخل آدم غرفة عاصم، الذي أول ما رأه، هتف بحماس:

«أهلا أهلا بالعريس! ايه الحلاوة دي يا بوص!» ضحك آدم وقال وهو يحضنه:

«أنا طول عمري حلو ياض!»

ابتسم عاصم بمكر وقال:

«ابصم بالعشرة كمان باماره ميس جيجي.»

ضحك آدم وقال له:

«أبو دي سيرة، اسكت، متجبليش سيرتها المجنونة دي!»

رد عاصم ضاحكًا:

«ويتكلم بمكر، ليان لو عرفت يا ترى رد فعلها إيه؟»

ابتسم آدم وقال:

«ليان عاقلة، بس معتقدش لما تعرف هتعمل إيه… الغيرة عندها بتلغي عقلها. عمري ما أنسى، وهي ماسكة بنت عمك في العربية، بتكلمها بقمة الأدب والهدوء، بس ماسحة بكرامتها الأرض!»

ضحك عاصم وقال:

- "حكت لنا وقالت،...

أكمل عاصم في محاولة لتقليدها:

"واشهد آدم يقولي مراتي مغلطتش في ولا شيء!"

بعد ضحك وحكايات مرحة، تأكد آدم من طمأنته على عاصم، أمسك يد ليان، وخرجا معًا ليستمتعا بالتفسح، والضحك يملأ قلبيهما، والدفء والحب يرافق خطواتهما في اليوم الجميل.

في السيارة، كانت ليان متمسكة بيد آدم ونائمة برقة على كتفه، بينما نسيم الهواء يدخل من الشباك، ينعش الجو ويزيده حميمية. همست له بنعومة: «عايزين طلبات للمطبخ… بس، علشان خاطري، بلاش المول الكبير ده، هفرهد منك.»

ضحك آدم وهو يربت على يدها:

«حاضر يا نيتي.»

وصلوا لتناول الغداء في جو كله حب ودفء، وبعدها توجّهوا إلى الحديقة، وجلسوا في مكان هادئ ورومانسي تحت أشعة الشمس اللطيفة، ونسمات الهواء الطلق تداعب وجوههم.

قال لها آدم مبتسمًا:

«على فكرة، بعد شهر هنروح نقدم في الكلية… اجهزي، هندسة مش هزار، بس أنا واثق إنك قدها.»

ردّت ليان بحماس وحب:

«متحمسة أوي، بس مش قلقانة معايا… أشطر مهندس هيساعدني.»

ضحك آدم وقال:

«أها… ده أنا هيتم استغلالي كده!»

هزّت رأسها ضاحكة، وانغمسوا في حديثهم وهمساتهم الدافئة، مستمتعين باللحظات الرومانسية الصغيرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب من رحم الأقدار

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/06 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة