بسم الله نبدأ ، اتمنى أن يعجبكم الفصل ، و فضلا لا تنسوا التصويت و رأيكم عن الأحداث♡
الفصل الأول
رائحة البخور تعم المكان ،و جميع نوافذ البيت مفتوحة على مصرعيها ،معظم الأثاث قد قامت بتجميعه في مكان واحد كي يتسنى لها مسح تلك الأرضية السيراميكية بحرية ، قامت بسكب الماء المصحوب بالمعطر و الصابون و بدأت بالتنظيف بالطريقة الإعتيادية و هي عاقصة لخصلاتها بإحدى أوشحة والدتها القديمة، تغني تلك الأغنية التي تليق مع عملها الآن قائلة:
و الله يا زمن
لا بإدينا زرعنا الشوك و لا روينا يا زمن
-بت يا فرح تعالي غيري المايه بتاعت المسح دي عقبال ما أرتب أوضة مدام ألفت.
كان ذلك صوت والدة "فرح" الذي قاطعها و جعلها تتوقف عن تكملة غناء تلك الأغنية القديمة بصوتها الشاذ ، فإعتدلت تقوم بتجفيف يديها المبتلتين في جلبابها البيتي القديم الذي خصصته لذلك العمل و ذهبت لفعل ما طلبته منها امها فهي تذهب مع والدتها لمساعدتها أثناء عملها كعاملة في منزل سيدة ميسورة الحال في إحدى المناطق الراقية في القاهرة.
تعمل "رجبية" والدتها كعاملة لدى السيدة "ألفت" منذ عدة سنوات فقد إضطرتها ظروف المعيشة إلى اللجوء للخدمة في المنازل كي تكسب و تطعم صغارها بأموال حلال ، و لأن نيتها كانت منذ البداية خير و هي تسعى لكسب الرزق الحلال ،سخر الله لها أحد المعارف الذي أرشدها إلى تلك السيدة الفاضلة "ألفت"،أرملة في أواخر العقد الخامس من عمرها تعيش رفقة إبنتها "نيرة" ذات الثماني عشر ربيعا.
كانت "ألفت" خير معين لها بعد ربها ، فقد أكرمتها و لم تُشعرها يوما بالحرج من عملها بل كان تعاملها الودود و إحسانها لها ما يهون عليها شعور التعب و الشقاء الذي كانت تشعر به بين الحين و الأخر من مشقة ذلك العمل.
و نظرا لصحة "رجبية" التي أصبحت في حالة هشة قليلا قررت ابنتها الكبرى "فرح" أن تساعدها عند ذهابها للعمل في منزل "ألفت" ، لم تمانع سيدة المنزل بذلك بل رحبت بهم و لم ترغب في زيادة مشقة "رجبية" و جعلها تعمل في المنزل بمفردها دون مُعين و هي تعلم بحالتها الصحية.
كانت "فرح" أفضل إخواتها في الأعمال المنزلية و كانت تتميز بالخفة و النظافة لذلك أحبتها "ألفت" و أيضا إبنتها "نيرة" و بقيت تساعد والدتها منذ مدة حتى وقتنا هذا.
قامت "فرح" بعمل ما طلبته منها والدتها ثم عادت لما كانت تفعل و لكن دون غناء هذه المرة بل أسرعت في إنهاء ما تقوم به كي تعود هي و والدتها لمنزلهم سريعا قبل عودة زوج أمها من العمل.
و أثناء إنشغالها بما تفعل سمعت صوت جرس الباب فتوجهت لفتحه حتى قابلتها "نيرة" بإبتسامتها المرحة المحببة للأخرى قائلة بحماس: السلام عليكم يا فروحة.
إبتسمت لها "فرح" في المقابل كأن البسمة عدوى قد أصابتها بسبب بشاشة تلك الصغيرة و ردت عليها و هي تفسح لها مجال الدخول:و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته،شكلك مبسوطة، حليتي حلو في أمتحان النهاردة؟
شاكستها "نيرة" و هي تجيبها بقولها المرح: يعني هتبقي مذاكرالي للإمتحان و عايزاني محلش حلو؟! و الله يبقى عيب علينا.
ضحكت "فرح" على قولها بعدما تأكدت من حديثها و ملامحها المنبسطة بأنها قد أحسنت في حل الإختبار الذي كانت تخشى الرسوب به بشدة ، فقد ساعداتها في المراجعة و الإستذكار عندما وجدتها قبل ذلك الإمتحان تبكي و هي جالسة أمام الكتب تحدث نفسها قائلة:
مش فاهمة محاسبة...مش فاهماها و مش عارفة أحل حاجة.
و بعد تلك الجملة التي نبست بها اخفت وجهها بين كفيها و أخذت تبكي و تنوح و لحسن حظها أن "فرح" في تلك اللحظة كانت ما تزال تعمل برفقة والدتها في منزلهم حينها ، و عندما سمعت بكائها و أحست بمعاناتها قررت أن تساعدها في فهم ما تريده بحكم تفوقها في تلك المادة عندما كانت طالبة و أيضا لأنها تقوم بعمل مجموعات لبعض طلاب الجامعات الذين يواجهون الصعوبات في فهم المقررات فتقوم هي بالشرح لهم خطوة بخطوة، و ذلك هو عملها الثاني بجانب عملها مع والدتها.
و الآن ترى "فرح" نتيجة تعبها مع "نيرة" مستشعرة حلاوة النجاح في أمرا ما، فمهنة كالتدريس كانت حلمها منذ صغرها و كانت تأمل أن تصبح معيدة في جامعتها التي قدرها الله لها و لكن أحيانا نجد أن المعوقات التي تقف أمام أحلامنا أقوى منا بكثير فلا يبقى أمامنا سوى التخلي عن حلم تمنيناه و حياة أخرى كنا نرغب في أن نحياها سعداء، و نرضى بما نحن عليه في وقتنا الحالي و نسعى لتطوير أنفسنا دائما.
___________________________
ثلاثة فتيات تؤام غير متطابق ، كل شيء فيهم غير متطابق ماعدا السن فجميعهم في سن الثمانية عشر و يوجد فروق في توقيت ميلاد كل منهم بحوالي عشرة دقائق أو أكثر ، كل منهم بها شخصية مختلفة و أزواق مختلفة و هوايات و ميول مختلفة، كل واحدة لها عالمها الخاص الذي يميزها عن الآخرى ،و قد كان ميلاد التؤام الثلاثة "جنى" و "هنا" و "رنا" هو حديث حارتهم عندما وضعتهم أمهم ثلاثة فتيات معا!
فمنهم من كان يحقد عليها و منهم من كان يدعوا لها أن يعينها الله على تربيتهم و منهم من كان يتحسر على حال زوجها الذي رزقه الله بثلاث فتيات دون أن يكون له ولد و كأنهم يعترضون على حكمة الله في توزيع الأرزاق.
في تلك الغرفة ذات الثلاث أسرّة كانت كل فتاة منهم تجلس على سريرها و تقوم بعمل شيء مختلف عن الآخرى ، حيث جلست "هنا" أصغر التؤام الثلاثة و أكثرهم طيبة و براءة على الفراش الأول تحاول مذاكرة ما أُلقيا على مسامعها في محاضرة اليوم فهي في سنتها الأولى في كلية التجارة التي إختارتها هي دونا عن باقي التخصصات لحبها الشديد لأختها الكبرى "فرح" التي تكبرها هي و الفتاتين بست سنوات ، فقد كانت "فرح" هي القدوة و الأقرب لقلب "هنا" لذلك كانت تسعى للإقتداء بها في كثير من الأمور ، و على الرغم من مضايقات شقيقاتها الإثنين لها في بعض الأحيان و نعتها بأنها ساذجة و عديمة الشخصية و فقط تحاول تقليد أختهم الكبرى إلا أنها لم تكترث لهم و نالت لقب الأخت الأقرب لقلب "فرح" حيث كانت هي أشدهم تعلقا بها منذ نعومة أظافرها.
أما على الفراش الذي يجاورها كانت تجلس "رنا" تلك الشرسة ذات اللسان السليط التي لا يقوى أحد على مناقشتها في شيء لا يعجبها ، تجلس كأنها جالسة على عرش ملكي و ليس فراش مُهتريء ، تضع قدم فوق قدم مُرتدية نظارة القراءة و تقراء في إحدى الكتب الخاصة بالقانون ، فهي في كلية الحقوق،حلمها منذ الطفولة حيث كانت مغرمة بالروايات ذات الطابع الإجرامي التي تعرض قضايا متنوعة و كيفية حلها لذلك إلتحقت بتلك الكلية لشغفها الكبير بالقانون و لرغبتها بأن تصبح محامية مستقبلا.
أما على الفراش الأخير في تلك الغرفة كانت تجلس "جنى" ، تقوم بقراءة وردها اليومي بعد إنتهائها من صلاة الضحى، فهي أكثر إخوتها إلتزاما و قربا إلى الله و قد إتخذت قرار الحجاب الشرعي منذ زمن بعيد رغم صغير سنها ، و لم يدعمها أحد في ذلك القرار سوى "فرح" التي كانت أكثرهم سعادة بها و بسعيها في نيل رضا ربها عليها.
مرت دقائق عليهم حتى إلتفتت رؤوسهم نحو باب المنزل عندما سمعن صوت الجرس يصدح عاليا فنهضت "هنا" بحماس قائلة: دي أكيد ماما و فرح رجعوا.
ركضت نحو باب المنزل لتلتقي بالفعل بوالدتها و أختها الكبرى بعد عودتهم من العمل ، دلفت "رجبية" إلى غرفة نومها كي تستريح قليلا و توجهت "فرح" رفقة "هنا" كي تطمئن على باقي الفتيات.
ألقت السلام عليهن و أبصرت كل من "هنا" و "رنا" يقومان بمذاكرة مقراراتهما في الجامعة على عكس "جنى" التي قد قررت عدم إكمال تعليمها ، فتنهدت "فرح" بإرهاق و إطمأنت على أحوالهن ثم وجهت حديثها ل "جنى" مردفة: تعالي يا جنى عايزاكي.
وافقتها ثم لحقت بها إلى شرفة المنزل ، جلست "فرح" و أمامها أختها التي قالت بهدوء: خير يا فرح كنتي عايزاني في إيه؟
تنهدت مجيبة عليها بصراحة:بصي يا جنى أنا مش عاجبني قرارك إنك توقفي تعليم و أنا مش مرتاحة و أنا شايفة إخواتك ربنا كرمهم و دخلوا الجامعة و إنتي مصممة متكمليش، مهو أنا و أمك مش بنتعب و نشقى علشان في الأخر تقولي مش عايزة أتعلم، يا حبيبتي الشهادة بتعمل للبني آدم قيمة و أحنا اللي زينا قيمتهم مش بتبقى بالفلوس ، قيمتهم بتكون بتعليمهم و أخلاقهم و إنتي ربنا يحميكي تتحطي على الجرح يطيب يبقى ليه مش عايزة تسمعي الكلام و تكملي زي إخواتك، هو أنا قصرت معاكي في حاجة طيب؟
لا تعلم لما تريد أن تبكي الآن ، هناك غصة تتملك منها عند شعورها بأن أحد إخواتها يقوم بالتضحية بما يريد بسبب ظروف المعيشة، و هي التي تسعى دائما لتوفير كل ما يريدونه كي تعوضهم عن قسوة و شُح والدهم معهم ، فزوج والدتها و والد التؤام الثلاثة رجل لا يُطاق و لكنها مضطرة إلى تحمله من أجل الفتيات فهو في النهاية والدهم.
شعرت "جنى" من السؤال الاخير في حديث "فرح" بأنها تشعر بالتقصير في حقهم لذلك هبت واقفة متوجهة لها ثم جلست على ركبتيها أمامها قائلة بلهفة: و الله عمرك مقصرتي مع حد فينا يا فرح ، و عمرك ما استخسرتي فينا حاجة ، إنتي مفيش حد زيك بيعمل مع إخواته اللي إنتي بتعمليه معانا ، أنتي و الله أحسن أخت في الدنيا كلها ، بس هي كل الحكاية فيا أنا، أنا مكنتش ثانوية عامة زي رنا و هنا ، أنا تجاري زي ما إنتي عارفة، و علشان تدخلي جامعة من تجاري لازم مصاريف معادلة و تكاليف كتير على الفاضي فأنا مش عايزة أتقل عليكي إنتي و ماما و أنا شيفاكوا مضغوطين بمصاريف البيت و إخواتي و غيره.
- أنا قولتلك ملكيش دعوة بحاجة يعني إنتي عندك دم و بتحسي و إخواتك اللي جوا دول حلاليف معندهمش دم؟
ضحكت "جنى" على قولها بخفوت ثم أجابتها: يا فرح مضحكنيش و أنا بتكلم جد، انا مش قصدي كده أنا قصدي إن حواراتي كتير علشان أعرف أدخل جامعة و في الأخر هدخل كلية أنا مش حباها و إنتي أكتر واحدة عارفة إني أصلا كان نفسي أدرس علم شرعي فأنا دلوقتي بدأت في طريقي و لقيت كذا أكاديمية على النت ممكن تساعدني إني أخد العلم اللي أنا عايزاه و موضوع الشهادة الجامعية ده و علشان خاطرك يا ستي أول ما ربنا يكرمنا من وسع هقدم في التعليم المفتوح و في الكلية اللي إنتي تختاريها كمان، مرضية كده؟
إبتسمت "فرح" على حديثها الأخير ثم ضمت رأسها إلى صدرها مربتة عليها قائلة: أنا مش هضغط عليكي طالما عايزة تتعلمي حاجة معينة في دماغك و هتنفعك في الأخر أنا هفضل داعم ليكي لأخر نفس و أي حاجة تحتاجيها أوعي تتكسفي تتطلبيها و الله ما في حاجة أخف على قلبي من طلباتك إنتي و إخواتك.
نظرت "جنى" لها بإمتنان يخالطه دهشة طفيفة فهي أحيانا تتعجب من حديثها و طاقة الحب و التضحية التي تطلقها عليها و على شقيقاتها رغم كل الضغوطات التي تقع على عاتقها ، و كيف لها أن تستطيع بكل تلك المهارة أن لا تبدي لإخوتها أو لوالدتها أي ضعف أو معاناة تمر بها، بل تظل دائما قوية و شامخة تشبه الوتد و عمود ذلك البيت.
_____________________
رجل من يراه للوهلة الأول يشعر بأنه شخص محترم ، فموظف حكومي مثله يرتدي ملابس مناسبة نوعا ما تعطيه مظهر حسن و لكن في حقيقة الأمر هو رجل تجمعت به كل الصفات التي لا طاقة لبشر بتحملها ، مُرتشي و بخيل و ذو طباع سيئة متعددة الأنواع و الأشكال ، من يعاشره يستطيع أن يدرك معاناة أهل بيته في التعامل معه.
صعد "راضي" إلى البناية التي يسكن بها رفقة زوجته و إبنتها و فتياته الثلاثة، و كانت ملامحه متهجمة و عقله متحفز لفعل أي شجار ، فاليوم قد تم توبيخه من قِبل مديره بالعمل و تم حصوله على خصم من راتبه الشهري بسبب إهماله في عمله و تعطيله لمصالح الناس طالما لم يعطوه أموال كي ينهيها سريعا.
وضع المفتاح في مكانه المخصص في الباب ثم دلف إلى الشقة و ألقى السلام بنبرة مقتضبة على الفتيات الثلاثة أثناء مروره أمام غرفتهن، فإلقاء تحية الإسلام هذا ما يعرفه في الدين الإسلامي فقط، بالطبع بعد معلومة أنه يحق له الزواج مثنى و ثلاثَ و رباعَ فهذه المعلومة يحفظها كل الرجال عن ظهر قلب حتى إذا كانوا حديثي العهد بالإسلام.
ردت الفتيات عليه ثم نظرت "رنا" صوب شقيقتيها بعد مروره من أمامهن قائلة: أبوكوا شكله جاي على أخره.
عقبت "هنا" على حديثها بصوت قَلِق: ربنا يستر و ميزعلش ماما أو يتخانق مع فرح...هي راحت فين؟
أجابتها "جنى": كنت سيباها قاعدة في البلكونة و ...
لم تكمل جملتها بسبب سماعها لصوت شجار كان مصدره غرفة والديها فقد دلف "راضي" إلى الغرفة و أغلق الباب خلفه رفقة زوجته و الآن يبدو أن الشجار وصل لذروته ، فصوت صراخ "رجبية" كان عاليا و هو صوته لم يقل حدة عنها.
خرجت "فرح" مهرولة من الشرفة بعد سماعها لصوت والدتها ، ركضت صوب غرفتهم و أبعدت الثلاث فتيات عن الباب و حاولت فتحه و لكنه كان موصد، كان كل ما تخشاه أن يمد ذلك الحقير يده على والدتها أو يقوم بإذائها.
أخذت تضرب الباب بكل قوتها و هي تصرخ بهياج: إفتح الباب يا راضي أحسنلك، و رحمة أبويا لو عملت لأمي حاجة لهدفنك مكانك.
لم تهتم في تلك اللحظة لخوف إخوتها الثلاثة و لا لنظراتهم القلقة من الوضع برمته بل كان كل ما تريده أن تحرر أمها من يد ذلك الكائن الذي لا تجد له وصف يصف بشاعته قلبا و قالبا.
ظلت تركل الباب حتى استطاعت كسره فهي ذات بنية رياضية و قوية و إن أرادت أن تقوم بتكسير عظام "راضي" ستفعل دون تردد و لكن ليس كل ما نريده و نستطيع فعله يمكن تطبيقه على أرض الواقع.
إندفعت هي و الفتيات الثلاثة إلى داخل الغرفة عقب كسر الباب ،كان "راضي" يقف أمام زوجته الواقعة على الأرض يقوم بسبها و شتمها و الجميع لا يعلم ما سبب تلك الحالة ، كاد أن يرفع يده و يقوم بضربها و لكن رد فعل "فرح" كان أسرع منه حيث أمسكت رسغ يده بقوة ألمته و قامت بدفعه ليسقط على إحدى كراسي الغرفة فإقتربت منه "فرح" بغضب أعماها فهي الآن ترى شياطين العالم كلها تتراقص أمام عينيها و تحثها على قتل ذلك الإنسان الذي يقبع أمامها ، مدت يديها الإثنين صوب عنقه و أخذت تضغط على حنجرته بقوة قائلة بصوتٍ غاضب: إيدك النجسة دي لو فكرت تمدها تاني على أمي و ربي و ما أعبد لهكون قتلاك بإيدي يا راضي مش أمي أنا اللي على أخر الزمن يجي واحد زيك يمد إيده عليها و يهينها.
إنتبهت "رجبية" لما تفعل إبنتها الكبرى فنهضت سريعا عن الأرض و صرخت في الفتيات الثلاثة قائلة بصراخ: ألحقوا اختكوا حد يبعدها عنه.
كان "راضي" ينازع أسفل قبضة "فرح" فقد عزمت على قتله و كأن عقلها قد أصبح مغيب رسميا، لم تستفيق إلا على سحب والدتها و "رنا" لها بقوة ، كان الجميع يصرخ في تلك اللحظة أن تتركه ليس خوفا على "راضي" و لكن خوفا على تلك المتهورة التي ترغب في أن تضيع ذاتها الآن.
كانت ترجوها والدتها أن تبتعد قائلة و هي تبكي: سيبيه يا فرح علشان خاطر أمك، متضيعيش نفسك يا بنتي ..علشان خاطري سيبيه
رجعت أخيرا إلى رشدها و كأن رجاء والدتها قد نبه عقلها لما تفعل فأرخت يديها عن عنق زوج أمها ، فأخذ يسعل بقوة لا يصدق بأنه حي الآن و لم تصعد روحه إلى خالقها في تلك اللحظة.
دفعت "رنا" "فرح" بحدة و نظرت لها نظرة لم تفهمها ، و قد أقترب كل من "هنا" و "جنى" من والدهن الذي استطاع أن يتحدث من بين سعاله:شايفين أختكوا، عايزة تموت أبوكوا، بنت شرف حداد الحديد المصدي عايزة تموتني.
ستقتله الآن ، لقد استنفز طاقة صبرها و ما كادت تقترب منه حتى وجدت في مقابلها "رنا" التي دفعتها للمرة الثانية قائلة بحدة: في إيه يا فرح إنتي هتمدي إيدك على أبونا و لا إيه ما خلاص خلصنا
شعرت بإستنكار لتلك الكلمة رغم حقيقتها بأنه والدهم فعلا ، فنطقت بإستنكار: ابوكم؟!
أجابتها "رنا" بقوة: أه يا فرح أبونا و إحنا مش معترضين إنك تيجي تشوفي المشكلة اللي حصلت بين بابا و ماما و تدافعي عن ماما لكن متوصلش لقلة الأدب و إنك كنتي هتموتيه قصادنا.
ردت "رجبية" على سليطة اللسان تلك بعد أن لاحظت القهر الظاهر في عيون إبنتها الكبرى كأنها تريد سؤالهم أبعد كل ما فعله أصبح أنا المُخطئة في نظركن لمجرد رد فعل إتخذته؟!
_ إحترمي نفسك يا رنا و إتكلمي مع اختك الكبيرة بأدب.
نهتها "فرح" عن قولها قائلة المقهور: سيبيها يا ماما ، ليها حق ، كل واحد هيزعل لأبوه حتى لو كان أسوء راجل في الدنيا و هو في الأخر أبوهم، حقكوا عليا يا ... يا أخواتي
نبست كلمتها الأخيرة ببسمة مريرة ثم تركت لهم الغرفة بل و المنزل بأكمله بعد أن ألقت عليهم نظرة أخيرة، حاولت والدتها منعها و لكنها لم تسمع لها ، شعور اليُتم يخيم عليها ، تشعر بأن كل الأماكن لا تنتمي إليها حتى المكان الذي من المفترض أنه يأويها ، تشعر بأنها ضيفة به و لا أحد يرغب في بقائها حتى و لو أثبتوا لها العكس.
____________
_عاجبكوا كده ؟! .. مبسوطة كده يا رنا؟!
كان ذلك قول "هنا" التي تحدثت بإنفعال بسبب فعل شقيقتها و حديثها الفظ مع "فرح" و دعمته "جنى" قائلة بعتاب: مكنش ينفع تزوقيها و تتكلمي معاها كده يا رنا يعني إنتي كنتي مبسوطة من اللي بابا بيعمله في ماما.
ألقت "رنا" بعض الكتب التي كانت أمامها على المنضدة في غرفتها هي و شقيقاتها صائحة فيهم بغضب: و هي لما كانت هتموت أبوكوا قدامكوا ده اللي كان هيخليكوا مبسوطين.
ردت "هنا" بدفاع: هي أول مرة تنفعل كده بس منظر ماما كان صعب و بابا كان بيقولها كلام و ألفاظ وحشة قدمنا هي ممكن تكون غلطانة في حدة رد فعلها لكن برضو بابا اللي عمله مش صح.
نظرت لها "رنا" بسخرية قائلة: طب بس يا عسل روحي إلعبي بعيد ، هي فرح كانت معيناكي محامي ليها.
إغرورقت عينا "هنا" بالدموع و نظرت صوب "رنا" بلوم و لم تجيب فقد صدمتها شقيقتها بأسلوبها الفظ اللاذع و عدم تقديرها لمشاعر و حساسية الآخرين
لاحظت "جنى" دموع "هنا" و علمت بأن حديث شقيقتهم قد ضايقها فهي شخصية حساسة حد، فصاحت بغضب قلما يظهر : ما تتلمي بقى يا رنا و تتكلمي معانا عِدل إيه الإسلوب ده ، ده إنتي معندكيش دم صحيح.
بعد قول "جنى" و الغرفة صارت عبارة عن مشاحنة و مشادة كلامية بين التؤام الثلاثة ،و كاد الأمر أن يصل إلى تشابك بالأيدي بين "رنا" و "جنى" ، لم تقوى "هنا" على متابعة ما يحدث و خرجت من الغرفة للبحث عن والدتها أو والدها للتدخُل و فك ذلك النزاع ، ظلت تبحث عن أي منهم و خرجت تنظر إلي الشارع من خلال الشرفة لتبصر والدها يجلس في المقهى أمام منزلهم ، فزفرت بضيق متمتمة لنفسها: يعني يطلع يولع البيت من غير السبب علشان جاي متعصب من الشغل و ينزل يقعد على القهوة بعد كده و لا كإن فيه حاجة حصلت.
تابعت بحثها عن والدتها في كل الغرف حتى لاحظت عدم وجودها و إنتبهت إلى أن عباءة والدتها التي ترتديها أثناء خروجها من البيت قد إختفت فتأكدت أن والدتها قد غادرت البيت دون علم أحد
أسرعت خطاها نحو غرفتها التي كانت ماتزال بها مشاجرة إخوتها ، صرخت بهم أن يتوقفوا و قالت ببكاء: بس كفاية إنتي و هي ماما مش هنا، ماما سابت البيت و مشيت لوحدها
________________
منذ خروجها من المنزل و هي لا تعلم أين وجهتها، شعور خانق يجتاح صدرها و رغبة مُلحة في البكاء ،و ذكريات تداهمها كأنها فارس بلا سيف و لا درع يقف وحده في معركة ضد جيش ضخم و وحوش ضارية، لا يعلم كيف يدافع عن نفسه و لا يعلم ما هو مصيره.
ذكرياتها مع والدها أكثر ما يجعلها هشة و ضعيفة ، تركها و هي في الخامسة من عمرها بعد تعرضه لوعكة صحية شديدة أنهت حياته بعد مدة قصيرة من الإصابة، كان نعم الزوج و الأب ، تعلم جيدا أن والدتها حتى الآن تبكيه و تشتاق إليه فهو كان حسن المعاملة معاها لأبعد حد و لم يشعرها يوما بأنها إمرأة عادية بل كان رغم بساطته يعاملها كأنها أثمن شيء إمتلكه في حياته و قد كان لها أيضا نصيبا من الدلال و الحب أغدقها بهما حتى أصبحت تعيش على ذكراه حتى الآن.
أمسكت قلبها بعد أن داهمها ألم طفيف في صدرها و جلست على الرصيف في إحدى الشوارع متنهدة بتعب قائلة لجملة إختصرت فيها كل ما تعانيه: آه يا أبويا، ربنا يجمعني بيك على خير ، مشيت بدري يا شرف ، بدري بزيادة.
إبتسمت بحنين و هي تتذكر تفاصيله فرغم صغر سنها عندما كان حيا يُرزق إلا إنها كانت ذكية منذ صغرها و حفرت ملامحه في ذاكرتها و أيضا أخذت منه الكثير من الملامح.
نظرت "فرح" حولها و قررت أن تنهض و تذهب إلى مكان تعلم بأنه سيخرجها من تلك الدوامة ، إستقامت واقفة و عدلت وضع حجابها ثم توجهت إلى إحدى البنايات التي تقع في إحدى الشوارع الضيقة التي توجد بجوار شارعهم.
دلفت إلى البناية و صعدت السلالم بسرعة حتى وصلت إلى الشقة المنشودة ، دقت الباب و سرعان ما سمعت صوتا تحفظه عن ظهر قلب يتسأل: مين؟ مين اللي بيخبط؟
_ أنا فرح يا عصمت أفتحي.
فتحت لها سيدة ترتدي ملابس رياضية محتشمة يبدو عليها أنها في أوائل العقد الخامس من عمرها ، نظرت تلك السيدة لها بشر و هي تطالعها عندما رأت وجهها: عصمت في عينك يا قليلة الأدب، اسمي كابتن عصمت يا مقصوفة الرقبة.
دخلت "فرح" إلى البيت دون أن تعير لحديثها إهتمام ، و جلست على أقرب كرسي قابلها و أرجعت رأسها للخلف مستندة على الحائط ،تتأمل الحائط الذي يقع أمامها بشرود.
نظرت "عصمت" لها بريبة و سرعان ما أدركت تلك الحالة التي هي فيها ، فشخصية كفرح تحب المزاح و مشاكسة كل من حولها لذلك عندما تصمت و يتهجم وجهها بهذا الشكل تدرك بأنها وضعت في موقف عكر صفوها، لذلك ربتت "عصمت" على كتفها متسائلة:مالك يا فرح حصل إيه ، إتخانقتي مع راضي تاني؟
ابتسمت بمرارة و مازالت عيناها مُعلقة على الحائط الذي أمامها ثم أجابت: المرة دي غير كل مرة يا عصمت ، المرة دي رنا إتخانقت معايا علشانه ، أنا إتغابيت برضو و خنقته لحد ما روحه كانت هتطلع بس مكنتش عايزاها تتخانق معايا علشانه قدامه ، إنتي مشوفتيش كان شمتان فيا إزاي و عمال يتحامى في بناته، كإنه بيقولي دول بناتي و أنا هفضل أبوهم و بيعايرني إن أبويا ميت، عارفة رنا اللي محموقة عليه اوي دي أنا كنت مسلكاها من تحت إيده بالعافية من كام يوم، كان شوية و هيمسح بشعرها سقف البيت.
ضحكت بغلب بعد أن أنهت حديثها فهي دائما تحب أن تحول أحزانها إلى كوميديا سوداء حتى تهون على نفسها ، كادت "عصمت" أن تتحدث و تتناقش معها و لكنها تابعت: أنا عارفة إني غلطانة بس هعمل إيه طيب ، واحد جاب لأمي الضغط و السكر و بيتخانق معاها لأتفه الأسباب و بخيل و معيشنا في فقر و هم ، مستنين مني أدخل أخده بالحضن لما ألاقيه موّقع أمي على الأرض و نازل فيها شتيمة و كان لسه هيضربها لولا ما أنا إتدخلت، ده يرضي مين طيب ، أنا معنديش حد غيرها، انا مكملة في حياتي دي علشان نفسي ربنا يكرمني و أخدها و أوديها أجمل مكان في الدنيا، عايزاها تعيش في المكان اللي تستحقه و تتعامل معاملة كويسة ، نفس المعاملة اللي أبويا كان بيعاملها بيها ، شرف كان شايفها ملكة يا عصمت ، ملكة تستحق كل حاجة حلوة.
مدت "عصمت" كفها نحو وجه "فرح" و أجبرتها على النظر إليها و هي تحدثها قائلة: طالما نيتك رضا أمك فإنتي ربنا هيكرمك يا فرح، و أخواتك متزعليش منهم إنتي عارفة إنهم بيحبوكي حتى البراوية اللي اسمها رنا دي بتطلع تطلع و تنزل على مفيش ، فصدقيني كله بيهون و بيعدي و إخواتك هيجوا يعتذرولك لإن حتى لو كانوا زعلانين على ابوهم بحكم إنها غريزة فهو على طول مصدرلهم الوحش في المعاملة و الطبع فمسيرهم هيبقوا في حضنك و هيعرفوا إنك ليهم أب و أم و أخ و سند.
كانت "فرح" أثناء حديث الآخرى تنظر لها و هي لا تقوى على كبح دموعها ، لا تدري لما البكاء الآن و لكن كل ما تمر به يرهقها بحق ، و شعور التعب الذي لا يرافقه راحة بعد فترة يجعل المرء في حالة ضعف نفسي و رغبة دائمة في البكاء و الإنهيار.
ما إن رأت "عصمت" حالتها حتى ضمتها إليها فإجهشت في البكاء و أخرجت ما في قلبها من أنين و ألم ، و بعد دقائق إبتعدت عن أحضان مدربتها تمسح عيونها متحدثة بخفوت: خلاص بقى كفاية عياط و مشاعر فياضة.
ضربتها "عصمت" في كتفها قائلة بضجر: شوف البت؟! ، هو مين اللي داخل عليا بالنكد و الغم ، و قاعدة جنبي عمالة تبكي على اللبن المسكوب و أنا اللي قولت فرح هتيجي تكسر صالة البوكس دلوقتي، لقيتك دخلالي بالمأسي اللي جت مقاسك يا خيبة.
ضحكت "فرح" بخفوت ثم استقامت و توجهت إلى المرحاض ، غسلت وجهها سريعا ثم عادت لتقف أمام مدربتها قائلة بحماس: يلا يا كابتن ، أنا عايزة أكسر صالة البوكس دلوقتي و جاهزة.
ضربت "عصمت" كفا بكف ثم وقفت و تحركت صوب باب المنزل و "فرح" تحركت خلفها ، خرجا الإثنان من شقة "عصمت" ثم صعدا حيث سطح المنزل.
فهذه البناية بأكملها تخص عائلة "عصمت" و أصبحت ملكية ذلك البيت لها بحكم أنها الوريثة الوحيدة لعائلتها، فهي لم تحظى بإخوة منذ صغرها.
كان سطح المنزل عبارة عن صالة رياضية واسعة مقسمة لقسمين، القسم الأول : كان عبارة عن صالة بها أجهزة رياضية مختلفة الأنواع، و القسم الثاني : كان صالة كبيرة لتدريب الملاكمة و ألعاب الفنون القتالية.
ذلك هو المشروع الذي تقتاد منه "عصمت" حيث كان ذلك الكيان الذي خصت به نفسها هو حلمها منذ إلتحاقها بكلية التربية الرياضية ، حيث عملت في أول فترة بعد تخرجها كمعلمة تربية رياضية في إحدى المدارس ثم تركت تلك الوظيفة و قررت فتح مشروعها الخاص و قامت بتحويل سطح المنزل إلى صالة رياضية شاملة يأتي لها معظم شباب المنطقة المهتمون بكمال الأجسام و اللياقة البدنية.
دلفت "فرح" إلى حلبة الملاكمة و وقفت ترتدي القفازات بعد أن تجردت من حجابها لتكون بحرية أكثر في وقت التدريب و أيضا لأن لا يوجد سواها هي و مدربتها في ذلك الوقت.
تجهزت ، فصعدت مدربتها لها و هي ممسكة بقفازات لها شكل معين كي تضربها الآخرى عليها، تجهزت "فرح" و تأهبت حواسها و أخذت تصد ضربات "عصمت" بضراوة ، تفعل كل ما بوسعها لتخرج تلك الطاقة السلبية التي تعتريها ترى في كل ضربه تقوم بها ، وجه "راضي" ذلك المقيت الذي كانت تأمل أن يحنو عليها و يعوضها غياب والدها ، كانت تتمنى أن يكون رجلا صالح و لكن ذلك الكائن كما تلقبه دائما لم يكن سوى إبتلاء من الله لها و ما عليه سوى الصبر و إحتساب أجر ذلك الإبتلاء.
شعرت بالإرهاق و أخذت تلهث فتوقفت "عصمت" و ربتت على كتفها قائلة بتشجيع: عاش يا فرح ، خدي بريك و نكمل بعد عشر دقائق.
أومأت لها موافقة و ما كادت أن تجلس على إحدى المقاعد القريبة حتى صدح هاتفها برقم "هنا" ، تجاهلته في البداية و لكن مع إلحاح المتصل أجابت.
جاءها صوت أختها الباكي و هي تسثغيث بها: إلحقينا يا فرح مش لاقيين ماما و دورنا عليها في كل حتة مش عارفين راحت فين.
يتبع....
_____________________
Malak Barakat