الفصل الثاني

الفصل الثاني

132 5

مرت الليلة وأنا أرسم أسوء السيناريوهات في رأسي لما سيحدث غدا. من ضمنها ، قد لا يعترف أحد ونتسبب في دخول رجل بريء السجن ، أو سأعترف وأدخل السجن وأصدقائي ، أو سيعترف أمجد وندخل السجن ، أيا كان الشخص الذي سيعترف سندخل السجن ، لا يوجد جانب مشرق في الأمر ، مهما حدث هناك من ستضيع سنوات من عمره. على كل في اليوم التالي ضبطت مواعيدي ، ووضعت أخيرا قبعتي الرياضية السوداء على رأسي والتي تشبه ملابسي الداكنة اللون كالعادة ، وإتجهت إلى المحكمة. دخلتها وأنا أشعر بمشاعر متضاربة في نفسي ، شعرت بالتوتر وبالخوف وبرغبة في التراجع لكني رميت كل تلك المشاعر خلفي ، وبحثت عن القاعة التي ستقام فيها الجلسة التي تعنيني ، والتي لو إختلفت الأحداث قليلا لكنت حضرت هذه الجلسة اليوم لأرى أمجد أو كنت أنا لأكون المتهم اليوم. دخلت باب تلك القاعة بهدوء ، وكانت تبعث شعورا بالهيبة في نفسي ، المكان رسمي جدا ، يتراص فيه الأثاث البني العتيق ، المكان المخصص للشهود ، والمقاعد حيث يجلس المتهمون والمحامون في المقدمة ، ومقاعد أخرى تليها حيث حجزها عدة أشخاص رأيتهم سابقا ، منهم بعض العمال من المتحف ، ومدير المتحف ومساعده ، وأشخاص غيرهم لا أعرفهم. وفي الجانب المقابل للمكان الذي أقف فيه ، يتمركز الكرسي الضخم الذي يجلس عليه القاضي ، وبين كل تلك الوجوده لم أتوقع أن ألمح وجهي رامي ويونس ، لكنهما حضرا كذلك وجلس كل منهما في مقاعد متباعدة. قطعتُ بضع خطوات وسط ذلك الجو المشحون بالتوتر أو على الأقل هذا ما بدى لي وإتخذت لنفسي مقعدا في قاعة المحكمة تلك. يمر الوقت وتبدأ المحاكمة ، ذلك الرجل حضر رفقة محاميه ، وكل من لمسته القضية قد حضر ما عدى أمجد. مقدمات قصيرة قالها القاضي ، جمل رسمية ، وكلمات ثقيلة المعنى. أصغيت بإمعان لكل كلمة وكل صوت يعلو في القاعة حتى سمعت أخيرا ما أردت سماعه. كانت تهمة الرجل والذي عرفت أن إسمه " كمال " هي " تدمير الممتلكات الخاصة " سخرت في نفسي ، أي تهمة هذه ؟! الرجل لا ذنب له أساسا ، ولكن... ألم يكن من المفترض أن يتهم بالإهمال ، أن ما فعله كان مجرد حادث نتيجة الإهمال ، هذا ما فكرت فيه بعد أن كنت قد بحثت سابقا عن مواضيع كهذه لأعرف ما قد تؤول إليه الأمور. ولكن مع سير القضية ، وما أضافه المحامي والقاضي إلى معلوماتي ، فهمت لما لم تكن تهمته الإهمال. تسارعت نبضات قلبي عندما سمعت ذلك وحافظت على ثباتي وعلى وتيرة أنفاسي ، الرجل متورط في جريمة سابقة قبل ثلاث سنوات ، لهذا سجله لم يساعد في تبرئته من التهم ، لا بد أن هذا جعله ضحية سهلة أو المتهم الأول كما يظنون. ولم يتوقف الأمر هنا بل هناك شهود على كونه جانيا في هذه القضية ، عما يشهدون بالضبط ! على شيء لم يروه !! أكاد أؤكد أن لديهم عداوة شخصية مع الرجل كمال حتما. رغبة ملحة تنتابني للوقوف وشرح الأحداث الحقيقية بالتفصيل لكن لا يمكنني ذلك. بعدما قاله الشهود المزيفون أو بالأحرى شهود الزور ، وروايتهم للقصة من وجهة نظرهم بكل درامية وتحدثهم عن علاقتهم بكمال ووصفه بأنه شخص عدواني عنيف ؛ ومع سير الجلسة ، إنفعل الرجل ووقف مجددا يقسم أنه لا ذنب له بالأمر بصوت مرتفع ، ومحاميه يحاول تهدئته ؛ أنا لا أدري لما يتكرر هذا السيناريو نفسه ، هذا المشهد تماما كالمشهد في المتحف سابقا. إذا كانت تهمته تدمير الممتلكات العمدي فهذا يعني أن عقوبة الأمر قد تتخطى الغرامة المالية إلى السجن ، وهنا بالذات شعرت أن الأمور إنحرفت عن الطريق تماما ، وكأن ما أخشاه على وشك الوقوع. لكن ولأسباب لا أفهمها تأجلت الجلسة إلى يوم الإثنين القادم ؛ وخرجت من القاعة مهموما وكأن حملا ثقيلا ألقي على عاتقي ، قابلت رامي ويونس خارج المحكمة ومع بدأ حديثنا قال يونس بنبرة جادة : " يجب أن نذهب لرؤية أمجد " أوقف يونس سيارة الأجرة الصفراء الفاقع لونها ، وها أنذا أجلس على الكرسي الخلفي من السيارة أحدق في معالم المدينة حولي من جمادات ومخلوقات حية ، تمر على ناظري بسرعة خاطفة. وفي الجهة الأخرى جلس يونس وفي المنتصف جلس رامي الذي إنشغل بهاتفه ، وسبحت في أفكاري كالعادة ، هناك أمور من المستحيل الهرب منها يجب مواجهتها فإما الربح أو الخسارة ، وفي هذا أحاول أن أربح شيئين فقط ، أريد أن أربح حريتي وراحة بالي ، ولا شيء آخر ، إذا ربحتهما فلا شيء بعدها سيهمني ، ولكن إذا خسرت فلا حياة لي بعدها. وأبقى أكرر في نفسي جملة " كل شيء سيمر " وكما قال لي أبي في وصفها ذات مرة ، إنها جملة قصيرة وبسيطة جدا ولكنها في الوقت نفسه تحمل أكثر من معنى ، فسيفهمها المتفائل أن مشاكله وحزنه وكل همومه ستمر ، أما شخص آخر لا يمكننا وصفه بالمتشائم ، فسيفهم أن كل شيء سيمر سواء أحزانه أو سعادته ، إنه لا يستثني شعورا من هذا ، وهنا يأتي قرارك أنت أي الشخصين تريد أن تكون. لم يبدو لي أنه من المهم أن أختار أيهما أكون فهذا لن يغير حقيقة أن كل شيء سيمر ، ولكني إخترت أن أكون المتفائل ، وأختار ذلك الآن أيضا ، لأنه وبعد كل شيء تبقى الحياة تافهة ، والتشاؤم لن يزيد الأمور إلا كآبة. قطع شرودي صوت رسالة صدرت من هاتفي الذي سرعان ما أخرجته لأقرأ الرسالة ، والتي كانت من رامي الجالس جانبي. كان المُرسَل هو خبرا يعود تاريخه لسنوات مضت ، عن حادث إنفجار في مصنع للألعاب النارية ، وقد تسبب في تدمير نصف المصنع وإصابة أربعة وعشرين عاملا ، ويعود السبب إلى خلط أحد العمال لمواد خطيرة غير مؤهلة لإستعمالها في صنع الألعاب النارية. وبعد متابعة القراءة تفاجئت عندما وقعت عيني على الإسم الذي سمعته لأول مرة في المحكمة " كمال الهاشمي " هو الشخص الذي تسبب في حادثة الإنفجار وهو نفسه الذي ورطناه في ما يحدث الآن. تفقدت الصور وكانت الصور للشخص نفسه غير أنه بدى في الصور أصغر سنا. وصلتني رسالة أخرى من رامي وقد كتب فيها بإختصار ~ ذلك الشخص ليس مجرما هو فحسب شخص لم تسعفه الحياة ~ نحن حتما مدينون لذاك الرجل بتوضيح للأمور وإعتذار لائق ، ولكن بالتأكيد من سيعتذر يجب أن يكون صاحب الغلطة وليس أصدقائه ، يعني أمجد من هو مدين له بذلك. فلن أذهب للرجل مثلا وأقول له " أنا آسف لأن صديقي أخطأ " إنه صديقي ولكني لست مسئولا عن أخطائه. خلال مدة من الزمن ، كنا نقف أمام بيت أمجد الذي يدل مظهره على ثراء مالكه ، رننا الجرس وإنتظرنا حتى فُتح الباب وأطل من خلفه أمجد بذاته وكان يتصرف بشكل مثير للريبة ؛ نظر إلينا ونظر إلى ما خلفنا قبل أن يسأل : ماذا تريدون؟ " رؤيتك والحديث معك " نطقها رامي وقد إقترب من أمجد أكثر. " أنا مشغول ، لذا لا أظن أن بإمكاننا الحديث الآن فلنأجله لوقت آخر " عارضه رامي : مشغول بماذا ؟ هل أنت جاد يا أمجد ! لسنا هنا لنتحدث معك بشأن أمر تافه ، دعنا نتحدث أولا ثم أكمل أشغالك المزعومة. إستسلم أمجد لقوله وأفسح لنا المجال للدخول ، وبدى منزله خاليا كالمعتاد ، فوالدته تعمل طبيبة ووالده مدير ، إستقبلنا أمجد في غرفته ولم يدم الصمت طويلا بعد أن توزعنا في الغرفة ، منا من جلس على السرير ومنا من جلس على الأريكة وأمجد جلس على كرسي مكتبه مقابلا لنا ، حمت بناظري في الغرفة وكانت مرتبة جدا ، تكاد تلمع من النظافة. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على عدم مكوثه في هذه الغرفة طويلا ، لأنه ليس بالشخص الذي يهتم بالتنظيف والترتيب حسبما أعرف. تساءل أمجد والإنزعاج باد على ملامح : حسنا عما تريدون الحديث؟ فنطق يونس بإقتضاب وقد إتسمت جملته بالإستهزاء : ليس وكأنك لا تعرف. لكن رامي شرع يحكي لأمجد عما حصل اليوم بالتفصيل وأنهى كلامه في دقائق معدودات. " وماذا تريدون مني أن أفعل " خرجت تلك الجملة من فاه أمجد ببرود وكأن الأمر لا يعنيه. فرد عليه يونس : ألا تفهم أيها البليد ، " أنت بالذات تلعب بحياة ذلك الشخص. " لا تتكلم وكأن ليس لك يدا في الموضوع لقد كنت معي وأنت مخطىء بقدري تماما " " لما عسانا نكون مخطئين بقدرك، أولا أنت من تحمست للأمر وأخيرا لو لم تتهور لو كنت حريصا فقط لما كنا متورطين معك " قلتها فنظر إلي أمجد بعينيه وقال " أنتم تلقون اللوم علي الآن ، أحسنتم " تدخل رامي مخاطبا : يجب أن نرسم مسارا لهذا الموضوع بدلا من تركه مبهما هكذا ، هما خياران لا ثالث بينهما ، الأول أن نترك الأمور كما هي ونترك ذلك الرجل البريء يعاقب ، الثاني أن نعترف ونوضح الأمور ونتحمل مسئولية فعلتنا جميعا. وبعناد كما إعتدنا من أمجد قال : إفعلوا ما تشاءون ، لا دخل لي. وهنا طفح كيلي فوقفت من مقعدي وتوجهت نحوه فوقف محترسا ، أمسكت بكتيفه أضغط عليهما وصرخت في ووجهه بإنفعال : الأمر لا يعتمد على من يمشي معك ولا على من حولك الأمر يعتمد عليك وحدك ، أتفهم ؟! أبعدني عنه رامي ويونس الذي نطق : إنه قرارك أنت يا أمجد ، أنت من يجب أن يعترف بالأمر لا تجعلنا نضطر للوشاية بك ، ولا تلعب بحياة الرجل البريء. إلتقط أمجد أنفاسه قائلا : أنتم لا تفهمون ، سأدخل السجن حتما ، وعقوبتي ستكون أكبر من عقوبة ذلك العامل ، وحتى أنتم ستعاقبون. ألا تفهمون الأمر ، هم لن يروا الأمر كما نراه نحن ، هم سيروننا على أساس أننا لصوص إقتحمنا المكان ، وقمنا بأعمال تخريب وهربنا ، هذه جنح جنائية يعاقب عليها القانون ، سندخل السجن جميعا إذا إعترفت بما حدث ، أو إذا إعترف أي واحد منكم ؛ " ألستم خائفين من هذا؟ " ضحك رامي بسخرية وبصوت عالي قبل أن يقول : كيف لسنا خائفين ، بالطبع نحن خائفون ، لا أحد منا يريد أن يضيع سنوات من عمره خلف القضبان ، لا أحد منا يريد أن يصبح سجينا ونحن حتى لم نتخط الثامنة عشر من أعمارنا ، نحن نشعر بالخوف طبعا ، لكن ميزتنا أننا نخفي مخاونا ببراعة. توقف يلتقط أنفاسه وتابع : لكن ماذا سنفعل هل سنترك شخصا بريئا يتحمل عواقب مغامرة سخيفة تحمسنا لها ؟!  إسمع يا أمجد أحيانا وأنت تتقدم للأمام ستشعر انك تفقد نفسك ، إنه أمر مرعب نعم ، ولا نعلم ما العواقب بالضبط ، لكن واجبك القيام بالصواب مهما بدى الأمر مرعبا ، ومهما كانت العواقب. " هل يمكنكم أن تدعوني وشأني فحسب " ختم أمجد حديثنا بتلك الجملة ، إنتهى حوارنا ذلك بدون نتيجة ، أردنا ترك الأمر لأمجد ، لكنه لم يعطنا جوابا شافيا ، لذا أصبح كل منا حرا فيما سيفعل ، إذا قرر أحدنا الإعتراف فسننتهي.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

منظور خاطىء

المؤلف اللؤلؤة البيضاء
2024/05/22 مكتملة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة