الضباب، ذلك الشيء الذي يربّت على الوجوه بلطف، يهبط ببطءٍ من قمم الغابة نحو المنازل الخشبية، كأنّ الليل قرر أن يزور البلدة متنكّرًا في هيئة دخان.
أصوات البوم تتداخل مع عواءٍ بعيد، ظلّ ذئبٍ لا يُرى إلا في الحكايات القديمة. كانت الشمس تودّع الأفق، نصفها غارق في البحر، ونصفها يحترق خلف الغيوم الرمادية.
المطر بدأ رقيقًا، نغمة خجولة يعرف أهل البلدة أنها ستتحوّل بعد قليل إلى أوركسترا جارفة.
في داخل منزلٍ خشبي بسيط، بخار الماء يملأ الحمّام. قطرات تنزلق من شعر امرأة قاربت الثلاثين، تصطدم بالأرض وتختفي.
اللون الجديد لم يكن أشقر تمامًا، بل احمرار غامق يخفي ملامحها القديمة أكثر مما يبدّلها. على المغسلة تنتظر عدستان خضراوان لتخفي بها رماديتها.
اقتربت من الحوض، تحدق في انعكاسها: تلك الهالات لا تعني سوى شيءٍ واحد... الكوابيس.
لم تنم ليلةً واحدةً بسلام. الإرهاق وتأنيب الضمير يتسللان في ملامحها؛ مشهد صديقهم يُجرّ أمامها لا يغادر رأسها. تمنّت فقط ألا يكتشفوا قدرته. علّقت أملًا كاذبًا كمن يعلّق ضوءًا في عاصفة.
مرّت ثلاثة أشهر منذ آخر مطاردة، ثلاثة أشهر من أمانٍ هشٍّ لا يشبه الأمان. كانت تعرف أن الاختباء ليس نجاة، بل هدنة. والليلة فقط، حان وقت كسر الهدوء، أن تتواصل بأصدقائها، أن يعيدوا ما تبقّى من فريقهم... قبل أن يُمحى كلّ شيء
تنهدت طويلاً قبل أن تسحب المنشفة، تجفف شعرها وهي تخرج من الحمّام. ما إن وصلت إلى الصالة حتى سمعت صراخا غريبًا دفعها للضحك رغم كل شيء.
«بليم... لماذا أنت ممدد على الأرض هكذا؟»
تحت قدميها، تحرّك الكائن. لم يكن قطًّا، ولا كلبًا، ولا حتى بومة شاردة من الغابة، بل شيء رخو أشبه بقطعة أميبا صفراء، له ثلاث فتحات صغيرة في مقدّمة جسده، تبدو كأنها تقوم مقام العينين والفم.
نهض ببطء، وأطلق سلسلة من التذمّرات المتتابعة بلغته الغريبة التي لا يفهمها أحد سوى أمثاله.
ظلّ يتمتم ويحتجّ كعادته كلما داست عليه إفلين بطريق الخطأ. أما هي، فابتسمت رغم كل الإرهاق؛ وجوده وحده كافٍ ليذكّرها أن في هذا العالم سببًا واحدًا على الأقل للابتسام.
انفعال صغير آخر قبل أن يزحف مبتعدًا نحو زاوية أخرى من الغرفة، ويعود إلى تمدّده اللامبالي. كان أقل نشاطًا في الآونة الأخيرة، وإفلين تعرف السبب. اقتربت منه بهدوء، ربتت على رأسه بنبرة مخنوقة:
«تفتقد زوف... أليس كذلك؟»
لم تستطع الصمود بعدها. انهمرت الدموع من عينيها، فنهض بليم ببطء، مسحها بطريقةٍ مضحكة ثم احتضنها، كأنها تعانق قطعة هلام دافئة بطول نصف متر.
صدر منه صوت خافت، شيء أشبه بـ: «بيي... توو... بيي لاا... ميي...»
كلمات لا تُترجم، ولا يُفهم منها شيء، لكنها في تلك اللحظة بدت كمواساة كاملة
استجمعت شتاتها للمرة الألف وبدأت تحزم أمتعتها بصمت، حقيبة صغيرة فقط، لأن الهروب لا يحتمل الوزن الزائد. وضعت بداخلها بعض الملابس، أدواتها البسيطة، ودفترًا قديماً عليه آثار حروق خفيفة.
خلفها كان بليم يتسكّع حول الحقيبة، يلتقط أشياء من هنا وهناك، ويضعها داخلها بجدية مدهشة: ملعقة خشبية، قطعة حجر، شريط ملوّن، وحتى مصباح صغير لا يعمل.
قالت له وهي تبتسم بخفوت:
«نعم، ممتاز يا عبقري، بالضبط ما أحتاجه في هروبٍ جديد.»
لكن الضحكة لم تكتمل.
عادت بها الذاكرة إلى تلك الليلة... آخر مرة كانت مع فريقها. رأت المشهد من جديد، كما لو أنه يُعاد أمامها في المرآة: رجال المنظمة يجرّون صديقهم بعيدًا، صراخه يختفي بين الضباب، والباقون يتفرّقون في الظلام.
ثم ذلك الصوت داخل رأسها، صوت قائدهم، واضحًا، حازمًا:
«الخامس من نوفمبر. المقهى الصغير في كالغاري. بعد منتصف الليل.»
بعدها، لا شيء.
انقطع الصوت كما لو قُطعت معه آخر خيوط الأمل.
طرقات خفيفة على الباب قطعت تيهها. لم تحتج أن تسأل من الطارق. نفس الطرقات، نفس الموعد، كل ثلاثاء.
فتحت الباب، فوجدته يقف هناك، الرجل الثلاثيني بابتسامته الدائمة وعلبة الفطيرة في يده.
قال كعادته: «من أمي. تقول إنك لا تأكلين جيدًا.»
أخذتها بصمت. لم تصدق القصة يومًا، لكنها لم تملك دليلاً. نظراته الهادئة أكثر مما يجب، وأسئلته البريئة أكثر مما يُحتمل.
سألها وهو يلاحظ الحقيبة قرب الباب:
«ستغادرين؟»
أجابت بهدوء متعمّد:
«رحلة قصيرة مع بعض الأصدقاء... سأعود بعد فترة.»
حاول أن يمدّ الحديث، ألقى تعليقات صغيرة عن الطقس، وعن الفطيرة، وعن "ضرورة الحذر في الطرق". لكنها اكتفت بإجابات قصيرة، متجمّدة، كأنها تغلق الأبواب بالكلمات.
حين أدرك أنه لن يُدعى إلى الداخل، اكتفى بابتسامة متعبة، ثم غادر.
حين أغلقت الباب خلفه، نظرت إلى بليم، كان لا يزال يضع أشياء لا معنى لها في الحقيبة.
قالت له بخفوت:
«أحيانًا أفكّر أنك الوحيد هنا الذي لا يختبئ خلف قناع.»
بعد العشاء أدت كثافة الغيوم تنذر بعاصفة قادمه ولكن هذا لم يثني آفلين تبقى يومان فقط والطريق طويل، دقائق ونزلت إلى المرآب الصغير خلف المنزل.
الرطوبة كانت تتكاثف على الجدران المعدنية، وصدأٌ خفيف يغزو الباب من الأطراف. في الزاوية وقفت دراجتها النارية، بلونٍ أحمرٍ قاني لم يعد حتى أحمرًا تمامًا بعد كل طبقات الصبغ التي غمرته.
أضاءت المصباح اليدوي وبدأت الطقس الذي حفظته عن ظهر قلب. أخرجت علبة الطلاء الجديدة، حرّكتها ببطء، ثم رشّت الدهان على السطح كمن يدفن ماضيًا آخر. اللون هذه المرة كان افتح، أقرب إلى الثلج.
قطرات الطلاء انزلقت على المعدن وتجمّعت عند العجلات، تذكّرها بأن كل مطاردة تترك أثرًا لا يمحوه اللون بل يغطيه فقط.
بين يديها، تحوّلت الدراجة إلى مرآة لحياتها:
هوية فوق هوية، طبقة فوق طبقة، واللون الأصلي ضائع في في الأسفل.
نزعت اللوحة المعدنية القديمة، وعلّقت واحدة جديدة برقمٍ مزيف واسم آخر.
«هكذا دائمًا...» همست لنفسها. «كل مطاردة تولد امرأةً جديدة، تشبهني ولا تشبهني.»
وضعت القفازات في جيبها الخلفي، ثم جلست على المقعد لتتأكد من أن المحرك لا يزال يعمل. هدير الدراجة ارتفع كأنها تتنفس للمرة الأولى منذ زمن.
قررت أن تغفو للمرة الأخيرة، قبل أن تبدأ حياتها تعود لمجراها الصاخب والمميت مرة اخرى.
الليل كان يضيق من حولها، والغابة في الخارج تتهيأ لبلوغ الفجر.
استيقظت بعد ساعات قليله ترتب آخر ما تبقى من اشبائها، بدّلت ثيابها بصمت: سترة جلدية داكنة، بنطال عملي، حذاء مقاوم للمطر. الشعر الذي صبغته حديثًا جمعته للخلف، وأغلقت الخوذة بإحكام. كانت حركتها دقيقة كمن يكرر طقسًا مقدسًا لحماية نفسه من العالم.
ألقت نظرة أخيرة على الغرفة، على الكوب الذي تركت فيه نصف قهوتها الباردة، وعلى المعطف المعلّق عند الباب. لا شيء يستحق التوديع.
خرجت إلى المرآب من جديد، حقيبتها على ظهرها.
كانت الدراجـة تلمع تحت الضوء الخافت، واللون الجديد بدأ يجفّ ببطء. عند مقدّمتها، جلس بليم متماسكًا بطريقة مضحكة، ملتفًّا على نفسه كما لو أنه جزء من المعدن.
قالت له بابتسامة باهتة:
«جاهز؟»
قفز قليلًا في مكانه وأصدر صوته المعتاد، مزيج من الحماس واللغة المجهولة. بدا وكأنه ينتظر هذه اللحظة أكثر منها.
جلست على المقعد، شغّلت المحرّك، فاهتزّ المرآب بصوتٍ عميقٍ يشبه الخروج من سبات طويل. الضوء الأمامي شقّ العتمة، والهواء البارد اندفع إلى الداخل.
كان بليم يلتصق بالمقدّمة بحماس طفل، وهي تثبّت يديها على المقود.
قالت بخفوتٍ لا يسمعه أحد:
«رحلة جديدة، واسم جديد... لعل هذه المرة ننجو أكثر قليلاً.»
ثم اندفعا معًا في العتمة، نحو الطريق المبتلّ، والضباب الذي ينتظرهما بصبر.