دخلت أمي إلى غرفتها تُحدَّث أبي، كنت أمر بجانب غرفتهم صدفة حين سمعت صوتها يتحدث عن شاب اسمه سالم... عريس يريدني في حلال الله.
لم أتعمد استراق السمع، لكن الكلمات وصلت إلى أذني رغماً عني، فتسارعت أنفاسي وتسلل ضيق غريب إلى صدري.
لم أبقَ طويلًا، بل ابتعدت سريعًا.
---
وفي اليوم التالي، جمعنا أبي انا واخوتي قائلاً بلهجةٍ حاسمة:
- "سيأتي ضيف لذا لا أريد أن يخرج أحداً منكم إلى الصالون بتاتاً."
كلماته أيقظت في داخلي قلقًا صامتًا.
رن الجرس بطارقٍ مجهول، دخل وجلس مع أبي يتحدثان.
أشارت إليّ أمي أن أعدّ الشاي..
وفي أثناء طريقي إلى المطبخ، لم يفوَّت أخي الصغير فرصته لإزعاجي، اقترب مني وهو يضحك:
- "إنه عريسك!"
هرب سريعًا إلى غرفته ضاحكًا، تاركًا قلبي يغلي.
---
مهلاً؟ سالم؟ ماذا يفعل هنا؟! ولِمَ يجلس مع أبي؟
لم أتعمد استراق السمع ولكن سمعتُ أبي يسأل:
- «وماذا عن عملك؟»
- "أعمل في شركة، ولكن ورديتي في المساء."
- «وهل أنت حافظ لكتاب الله؟»
صمت سالم لبرهة، ثم قال:
- "نعم."
- «وماذا عن صلاتك؟»
- "ومن لا يُصلي؟."
وقفت خلف الستائر التي تفصل الصالون إلى طريق غُرفِنا بالصينية، مدّ أبي يده ليحمل الصينية عني، وحين أخذها، حملني فضولي لأراه.
لمحت وجهه مِن الجانب..
لا يُطلق لحيته، وشعره مقصوص بطريقة حادّة لا تُشبه مظهر الشاب الملتزم (القزع).
ارتجفت داخلي عبارة واحدة:
لا، لا يليقُ بي أبداً... لا أريده.
---
انسحبت إلى غرفتي بقلق، أخشى أن يُعجب به أبي أو أن تُجبرني أمي، خصوصاً بعدما كانت تصرّ علي بأمر الزواج.
جلستُ عند نافذتي، شاردة، أنظر، أغوص في أفكاري..
لكن عيني وقعت على شخصاً اعتدت رؤيته من شُباك غُرفتي... المؤذن.
يا لجمال هيئته!
لحيته، سكينة ملامحه... وجمال خُلقه.
ابتسمت أنظر..
كان يسير بهدوء في الطريق المقابل، بيده كيس صغير يوزع منه بعض الأرغفة على الفقراء عند المسجد.
رأيت ابتسامته الحانية وهو يعطي كل مِحتاج بيده، وكأنه يمنحهم قلبه لا خبزه.
تنهدت بعمق، وهمست لنفسي:
"كيف يُقارن هذا بذاك؟"
---
مرت الساعات، حتى دخلت أمي تحمل مشروبًا دافئًا تقول:
"سالم شاب طيب الخلق أتى ليطلبكِ بالحلال، فما رأيك به ،هل نأخذ الخطوة التاليه.. للرؤية الشرعية؟"
لاحظت أمي شرودي وعدم ردي.
قالت بجدية:
- "أنظري يا ابنتي لن يُجبرك أحداً إطلاقاً، فالقرار قرارك.
لكن والدك يرى فيه خيرًا، فقط أعطي لهذا الشاب فرصة."
تركت أمامي صورته وغادرت.
ترددت قليلًا في النظر ولكني نظرت لأتأكد مِن ما رأيت...
ذلك القزع!
نعم، لم تُخطئ عيناي، لم يكن وهمًا مِن قلبي الذي يُحاول أن يجد عذرًا للهروب، ويميل لغيره..
---
في اليوم التالي، في طريق عودتي من السوق، توقفت خطواتي فجأة عند زحمةٍ صغيرة تكوّنت أمام دكانٍ قديم.
رجل مسنّ كان يحاول جمع ما تبعثر من صندوق طماطم سقط أرضًا، بينما المارة اكتفوا بالنظر دون أن يمدّ أحد يده.
وفجأة، رأيت سالم ينزل من على دراجته بخفه، جلس على ركبتيه، وجمع الحبات المتناثرة بسرعة، ثم أعاد الصندوق إلى مكانه.
وحين وجد بعض الثمار تالفة، أخرج من جيبه نقودًا، ودفعها للمسن رغم إصراره على الرفض.
كان مشهدًا لطيفًا، جعلني أعترف بداخلي:
فيه خلق حسن.. لن أنكر ذلك.
---
لم أشأ أن أطيل الوقوف، فواصلت طريقي بخطواتٍ هادئة، لكن قلبي لم يهدأ.
وما إن وصلت قرب المسجد، حتى لمحت المؤذن يخرج حاملاً في يده رزمة كتيبات صغيرة.
تجمع حوله بعض الأطفال، ووزّعها عليهم بابتسامة صافية:
- "هذه أحاديث عن الصدق... احفظوها، وعيشوا بها."
كان المشهد أبسط من الأول، لكنه ترك أثرًا أعمق.
بين سالم الذي يساعد ويعطي، والمؤذن الذي يعلّم، وبه كل الدفء...
تاهت المقارنة في داخلي.
ارتجف قلبي، وتمتمت لنفسي:
"سالم يحمل خُلقًا حسنًا، لكن ذاك.. ذاك لامس شيئًا في روحي لم يبلغه أحد، رغم أنني أجهل عنه حتى اسمه."
---
وقبل أن أُكمل حيرتي، تجمّدت عيني على نظرات سالم الساخرة وهو يرمق المؤذن بنظرات استهزاء وتكبر..
كأنّ اللطف الذي كان يُظهره أمام الجميع لم يكن إلا قناعًا هشًّا، انزاح جزءٌ مِنه أمام عينيّ، وكأن الخير الذي فيه يُمحى بتلك النظرة.
شعرتُ ببرودةٍ تسري في صدري... لحظة واحدة فقط كانت كافية لأتيقّن أنّني لم أُخطئ، وأن قلبي لم يكن يتوهّم.
في تلك اللحظة، تسلل إليّ اليقين بأن سالم لا نصيب له في قلبي.
---
لكن رغم ذلك، ظلّت الهواجس تنهشني:
ماذا لو أصرّ أبي عليه؟
ماذا لو بدا لسالم أنّ الأمر محسوم، فتمادى أكثر؟
أتُراني سأُجبر على طريقٍ لم أختره؟
رفعت بصري إلى السماء الزرقاء، أبحث بين غيومها عن إشارة، عن خيط نور يطمئنني أنّ الله يسمع خفقات قلبي ودعواتي.
وفي تلك اللحظة، دوّى الأذان من المسجد... بصوتٍ صافٍ، نقيّ، اخترق كل ضوضاء أفكاري.
ذلك الصوت الذي يُحبه قلبي، مِن ذات المؤذن ..
كأنّه يجيبني بغير كلام:
«اصبري... فللقَدَر كلمته، وما كتبَه الله لا يُبدّله بشر.»
ابتسمتُ بدمعةٍ علِقت في طرف عيني، وتمتمت:
«ربي... إن كان فيه خير فاجعله لي، وإن لم يكن، فاصرفه عنّي واصرفني عنه.»
---
لكن سؤالًا ظل يطرق رأسي بإلحاح:
«أتساءل: هل أنا وحدي التي تلمح تشقُّق قِناعِه، أم سيبصره الجميع قريبًا؟»
♡أزهار عبدالله♡