سواد

سواد

18 0

على سفح جبلي، وقفت فرس حالكة كالليل اختلط سوادها مع ظلام المكان والوقت فلم يظهر منها سوى بياض عينيها وحدقتاها البنيتين. امتطتها شابة في ربيعها السابع عشر، فاتنة يلمع شعرها الاسود الطويل تحت شعاع القمر الفضي بصورة اخاذة متناسقة مع خصلاتها الوردية الشاحبة. وفي تلك العتمة سمح النور الضئيل بملاحظة اللون الأخضر الزيتوني الذي يحاكي السواد في عينيها.

كانت وحيدة هناك، على غير العادة، وهذا ما سمح لها ان تغلق عينيها متناسية العالم واعباءه للحظة. وان تدع نفسها تستمتع بهذه اللحظة بالذات. ومع ذلك فقد استمر قلبها ينزف بينما أبت عيناها البكاء.

سارادا اوتشيها، ابنة حاكم مينار وولية العهد لمملكة ساقطة. التاج لم يعد سوى مقصلة لمن يرتديه وهي تدرك انها التالية. اما ساسكي، والدها، فلا زالت تأمل انه حي يرزق. فقد استيقظت هذا الصباح على خبر مفجع، توجه والدها فجأة الى حدود الشمال مع كونوها وقرر ان يقود الجيش بنفسه... او هكذا اشيع.

خبر مفزع هو ذاك، وقع عليها كالصاعقة، وباتت تترقب كل لحظة يصل فيها راسه منزوع العينين فتنصب حاكمة تشاطره المصير نفسه.

كان الحزن قد تملكها بالفعل، ثم شاءت الأفكار ان تدفعها لحركة جريئة جدا. قادت فرسها نيكس سريعا بين الأشجار المتشابكة عائدة للقصر، وهناك نزلت عنها بمهارة رغم زيها التقليدي الثقيل.

أسرعت للداخل ومباشرة الى جناح جدها الامبراطور السابق، وما ان أدركت مكتبه حتى تبين لها صحة توقعها. الممر كان فارغا حتى من الحرس، وقد جاء من الداخل صوت مرتفع يتحدث بانزعاج واضح

-هل تعتقد ان تسليم الملك لهم، حل!

-ماذا كان علي ان افعل؟ كانت تهديداتهم واضحة فرد من الاوتشيها او العاصمة

-وطبعا قررتم تسليم الملك!

صمت الاكبر للحظات، رمق خلالها ابنه البكر بنظرات حادة قبل ان يجيبه

-كنا نحتاج لمهلة طويلة لنستجمع شتات أنفسنا

-بالطبع مهلة بثمن عيني ساسكي، ابنك

كان الشاب منفعلا جدا، تملكه الغضب حتى اعتقدت سارادا ان القصر سينهار من الهالة الحادة المنبعثة منه. الا انه سرعان ما اضاف

-ما انت الا جبان! جبان تخلى عن العرش بعد ان بدا حربا لا يستطيع الفوز بها، جبان يضحي بابنه ليضيف عاما اخر لسنوات حياته التعيسة، والان ما حركتك الجبانة القادمة؟

كانت تنصت الى كلامهما ودموعها تسقط بانسيابية، يا للكارثة! انها تدرك الان ان والدها ارسل حتما الى حتفه، ارسل الملك ساسكي اوتشيها ليموت. يا لها من مصيبة هذه التي وقعت على راسها، لم تكن ذات حول او قوة لتنقذه وهو شيء تعرفه هي. ولذلك استجمعت نفسها وركضت اتجاه قصر الملكة.

دلفت الى حجرة الملكة، والقت بنفسها على حضنها تبكي اباها بقهر. مررت زهرية الشعر يدها على شعر فتاتها بحنان ام دافئ، واستفسرت على ما يبكي طفلتها، فاجاباتها الاخرى من بين الدموع والشهقات

-لقد ارسلوه ليموت!

اتسعت عينا ساكورا برفض، كانت تدرك عن من تتحدث طفلتها، ومن غيره؟ ساسكي ملكها وحبيبها. سقطت دمعة يتيمة من عينها اليسرى، وارتسم البؤس على ملامحها الشبيهة بالجنيات. شعرت بانتظام أنفاس سارادا، فابعدتها عنها ثم قبلت جبهتها وكانها تدرك في قرارة نفسها انه الوداع الأخير.

تركتها مكانها، ثم غادرت الغرفة تصحبها وصيفاتها وكبيرتهن الى جانبها، رفيقتها وكاتمة أسرارها اينو.

-هل انت واثقة بقرارك ساكورا ساما؟

همست الشقراء لساكورا بقلق ظاهر، بينما اكتفت الاخرى بالايماء قبل ان تضيف

-تذكري ما عليك ان تفعليه ان ساءت الأحوال

وعلى باب مكتب فوجاكو أمرت الملكة الحارسين ان يعلنا عن حضورها. فتح الباب فدلفت منه، ثم رفع فوجاكو عينيه اتجاهها باحتقار قبل ان يعيدهما الى الاوراق الوعة امامه، واخيرا استفسر

-ماذا تريدين ايتها الملكة

-اوقف هذا

كانت تضغط على يديها، تتحدث بعصبية وقد تملكها التوتر، بينما اعتدل هو في جلسته ورمقها بنظرات ساخرة ثم قال

-اوقف ماذا يا ساكورا؟

ضغط على اسمها في فمه، كان تذكيرا باصلها ومن تكون، وكان ذلك كافيا لتوتيرها زيادة. اما هو فقد انتصب واقفا وتحدث بينما يسير نحوها

-لم أدرك انك صرت جريئة ايتها الملكة. اخبريني، متى تطبعت بطبائع الاميرات؟

كانت اهانة لها، وهي فهمت رسالته واحتقار. ومع ذلك لم يكن باستطاعتها ان تجيبه. فساسكي، ظلها الحامي ام يعد هنا، وهي في أرض غريبة عنها لا تملك من يدعمها. اما فوجاكو فقد استغل ذلك بمهارة محنكة.

-هل تدركين ما الذي يحول دون قتلك يا ساكورا؟

توقف مكانه تاملها للحظات قبل ان يتجه الى طاولة خشبية صغيرة، حيث وضعت مجموعة من الاباريق المختلفة. ليستطرد

-ذاك لأنك كنت الوحيدة من نوعك، الهارونو الاخيرة على وجه البصيرة.. ولكنك لم تعودي كذلك

-انا اعرف غايتك

-يا لك من امرأة ذكية!

رأته وهو يقترب يحمل بيده كاسا ذات اون غريب، وقبل ان تمسكها نظرت له بجدية عارمة وحذرته:

-عليك ان تدع سارادا وشانها

ابتسم لكلامها كثعبان سام وهو يجيب

-بالطبع سوف افعل، كيف اجرؤ على إيذاء حفيدي العزيزة؟

ناولها الكأس التي ارتشفتها وهي تدرك انها معدة لازهاق روحها. ولم يستغرق كثيرا من الوقت حتى حققت رجاءه وسقطت ميتة. اغلقت اينو فمها بخوف وهي التي مانت تتنصت على حديثهما من خلف الباب، وما ان علمت بموت رفيقتها وسيدتها حتى غادرت مسرعة الجناح الملكي.

اتجهت الى ساحة التدريب، حيث وجدت ابنها وحيدا. أسرعت اليه امسكت بكتفيه وهمست له سريعا بمهمة واحدة.

-اخرج سمو الاميرة سارادا من هنا!

ركض الحصانان في حين يسبق اينوجين الفتاة بخطوات قليلة. كان يركض وقبله مرتجف خائف، يلتفت اليها فيراها على ظهر نيكس بعينين فارغتين تعكسان الما وفراغا كحياتها الحالية. استمرا بالهرب لأكثر من ساعتين، ثم اشار لها بالتوقف ليرتاحا ويدركا طريقهما.

لم يعرف ماذا عليه ان يقوله ولا ما يعتذر عنه او يستفسر، ولذلك اكتفى بأن ضمها اليه سامحا لها بالبكاء، البكاء فقط. وقد كانت تبكي بحرارة، وكانها غصن كسر بقوة، ثم القوه به بعيدا في أرض نائية عن اهله.

اما اينوجين فقد نظر للفتاة وهو يدرك ما بها، هو نفسه يتوقع فقدان والدته لحياتها الليلة، لكنه يأمل العكس، ونفس الامر مع والده الذي صحب الملك ساسكي نحو قرية الورق.

جلست على الارض امامه بعدما القى بها الحارس بعنف، شعرت بالم فظيع في يدها ولكنها اكتفت بالصمت. اما فوجاكو فقد بات يعبر الغرفة جريئة وذهابا بتوتر حاد. وقع بصره عليها ليمسك مزهرية ويرميها نحوه، الا انها كانت اسرع في تجنبها.

-اين هي؟

-من تقصد جلالتك؟

كلماتها كانت في غاية الهدوء، هدوء يدفعه لحافة الجنون

-اتعتقدين أنني غبي! اين أرسلتها ايتها الخائنة؟

-خائنة؟! ارجوك سيدي انا لا اسمح لك ان تلقبني بالخائنة، لقد خدمت سيدتي بأمانة طوال...

قاطعها بصراخ وهو يضرب يده بالمكتب

-اخرسي، اخرسي، فلتثكلك امك!

-للأسف سيدي لن تفقدني امي فأنا يتيمة بالفعل

كلماتها كانت مستفزة تغلق كل باب قد يدفعها للاعتراف. هي مجرد يتيمة من مملكة اخرى، كل ما تعتز به هو زوج رافق ساسكي الى كونوها، والمؤكد انه قد قتل قبل وصوله الى كونوها حتى، وابن أرسلته مع سارادا. ولذلك استسلم اخيرا وهو يامر الحراس باستجوابها في السجن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عرش الدم " بوروسارا"

المؤلف Marcelene.00
2025/09/27 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة