الفصل الأول

الفصل الأول

23 0

دخلت من الباب الواسع و الإبتسامة العريضة تزين شفتيها ، فكم إشتاقت لذلك البيت الدافئ صاحب أجمل الذكريات. إلتفتت فريدة ورائها لتلمح أبيها و من خلفه الخادم يحمل حقائبهما الثقيلة ، فالصيف لا يزال في بدايته و العطلة ستكون طويلة. -دول كل الشنط اللي في العربية ، تؤمر معاليك بحاجة تانية؟ إبتسم سالم بوقار : لا يا راضي شكراً ، تقدر تتفضل أنت. أومأ الخادم بطاعة قبل أن يغادر ليترك سيده و أميرته العزيزة بمفردهما. أرتمت فريدة بين أحضان والدها لتتمتم بإشتياقٍ شديد : والله وحشتني خالص. ضحك سالم بسرور مقبلاً رأس إبنته بحنان جم : لو كنت فعلا واحشك مكنتيش بعدتي كل دا يا بكاشة. أبتعدت برأسها قيد إنش محيطة رقبته بذراعيها الرقيقين تنظر له بعينيها الزرقاء الواسعة بعتاب لطيف : لا والله و هو مين اللي مكنش بيزور التاني ، أنا كل أجازة مهما كانت قصيرة كنت بنزل أشوفك لكن إنت بقي كنت ناسيني خالص. فك ذراعيها المتشبثة به مقبلاً يدها اليمني بحنان و من ثم ضمها إليه ليسيرا معاً تجاه التراس المطل علي البحر. -أنتِ عارفة إني مكنتش ببقي فاضي للسفر بس خلاص، سيبك من كل دا المهم إنك رجعتي مش كدا؟ جلسا علي الأريكة الخشبية حين سألها سؤالاً يبدو عادياً ، و إنما بالحقيقة هو فقط يحاول التأكد أنها لا تفكر مرةً أخري بالسفر ، أو أسواء...بالإستقرار بالخارج! أومأت فريدة ناظرةً تجاه المياه الزرقاء كزرقة عيني أبيها لا هي ، و من ثم إلتفتت له متحمسة : صحيح ليه أصريت تعملي حفلة الإستقبال دي؟ يعني حاساها ملهاش لزمة قوي ، تجمع عائلي بسيط كان كفاية. هز سالم رأسه رافضاً ما تقول : لا طبعاً ، أنهردة أنا هقدمك للكل في الحفلة دي كوريثة سالم العز الوحيدة و اللي من هنا و رايح هتبقي دراعه اليمين في كل حاجة. قتبطت جبينها بدلال قبل أن تقف متجه لسور التراس ، مستندة عليها بظهرها ضامة ذراعيها ناظرة لأبيها بضيق مفتعل : و أنا اللي فكرة إنه إحتفال بيا عشان أنا مش زي أي حد. أبتسم سالم بحنان وضاعاً ساقاً فو الأخري : طيب ما عشان إنتِ مش زي أي حد فعلاً ، لازم أقدمك تقديم يليق بيكي يا فريدة. قهقهت فريدة بسعادة : بردو مش هتدلعني. ضحك سالم رافضاً بعبث أثناء نهوضه : لا اسم فريدة دا ميتدلعش الهيبة تروح و بعدين دا صفة قبل ما يبقي اسم ، بزمتك مش احلي من أسماء الدلع السخيفة التانية دي. أومأت غير مقتنعة بما يقول و لكن ليس باليد حيلة ، هذا هو أبوها و هذه هي تحكماته الغريبة. من يصدق أنه لم يناديها باسم تدليل منذ أن ولدت حتي الآن و هي صاحبة الإثنين و عشرون عاماً. توقفت فريدة أمام والدها لتقبله علي وجنته قبل أن تقرر الصعود للأعلي حتي تستريح قليلاً قبل أن تتحضر لحفلة المساء. -أنا هطلع بقي أشوف هلبس إيه و بعدين أنام ساعتين كدا اوكي؟ -تمام يا حبيبتي يلا روحي و أنا هكلم رامي أشوفه هو وصل لفين لحد دلوقتي؟ -هو المشرف علي الحفلة؟ أومأ سالم لتتمتم هي : أفتكرته هيبقي فريد. نفي سالم سريعاً : لا فريد إيه...أنا كلفته بحاجة تانية ، يلا اطلعي أنتِ علي ما أشوف رامي. قبلها والدها بين عينيها قبل أن تغادر تجاه غرفتها بالطابق الثاني، و قبل أن تصل لمنتصف السلم سمعت الخادم يحي بأدب من دخل تواً من الباب. نزلت فريدة لتري القادم و ما كان إلا ابن عمها فريد. ابتسمت بمشاغبة قائلة : إيه اللي جابك عندنا الحفلة لسة بدري؟! نظر لها فريد بعينيه الزرقاء الحادة بإبتسامة صفراء : جاي لعمي عشان الحفلة ، ما البرنسيس الباريسية لسة واصلة و لازم نستقبلها. ثم همس لها بإبتسامة ساحرة ساخرة : إحنا تحت الأمر. ابتسمت بترفع واضعة يديها بخاصرها: اه قولتلي ، و فين كارمن مجتش معاك ليه؟ انقلبت معالم وجهه العابثة ما ان نطقت باسم زوجته : لسة هتيجي علي بليل. استندت بظهرها علي الترابزين قائلة بعبث : نفسي أعرف عملت إيه في حياتها عشان تصطبح علي التكشيرة دي ، شوف مسافرة بقالي قد إيه و مستقبلني بحواجبك دي. عاد يبتسم متسائلاً بسخرية : كدا حلو طيب ولا أبين سناني. كانت ستجيب قبل أن يقاطعهما والدها : بس يا فريد أنت و فريدة، إيه يا حبايبي مولودين فوق روس بعض. ضحكت فريدة بينما ابتسم فريد واضعاً يديه داخل جيبه : بزمتك يا عمي دي اسماء...فريد و فريدة، مبنفكركش بأمير و أميرة بتوع العربي. - لا يا خفيف مبتفكرونيش و بعدين فين كارمن مش كنت تجيبها معاك؟ زفر فريد بإنزعاج : مش فاضية يا عمي دي لسة وراها الجامعية و الجيم و النادي. تنهد سالم معقباً بإيجاز : طيب يلا تعالي نشوف عملت إيه في الإجتماع، و انتِ يلا شوفي كنتي هتعملي إيه. أومأت فريدة قبل أن تصعد السلم بحماس لفت إنتباه فريد للحظة قبل أن يسمع عمه يطلب قهوة لأجلهما قبل أن يتجها إلي التراس. ------------------------------ شطّ اسكندرية يا شطّ الهوى رُحنا اسكندرية رمانا الهوى يا دنيا هنيّة وليالي رضيّة أحملها بعينيّا، شطّ اسكندرية أسندت دارين رأسها إلي شباك الميكروباص و هي تستمع لصوت فيروز العذب يتسرب إليها برقة من سماعات أذنها. تنهدت بسعادة حين أبصرت بوابة محافظة الإسكندرية تلوح في الأفق، فهي تعشق تلك المدينة الخلابة رغم عدم إقامتها بها ، و لكن تكفي الزيارات القليلة التي كانت تذهب فيها إلي خالتها التي تقطن بالإسكندرية لتغرق في حب المدينة حتي أذنيها. أغمضت عينيها بإرهاقٍ محبب ، فهي لم تنم جيدا أمس بفعل سعادتها بموافقة أبيها أخيراً علي أن تقضي أجازة الصيف كلها عند خالتها هنا ، بالإضافة إلي العمل في محل خالتها الذي ورثته عن زوجها الراحل. في البداية رفض والدها رفضاً قاطعاً صائحاً أنه لم يمت حتي تضطر إبنته للعمل بجانب الدراسة و ليس إي عمل، و إنما بائعة بسيطة في محلٍ هالك، كما أنه رفض بقائها فوق الشهرين بعيداً عن البيت في محافظة أخري. و لكنه في النهاية إقتنع خاصةً مع المشكلات العائلية الأخيرة التي تمر بها الأسرة، فقد رأي أنه من الأفضل فصل القوات ، خاصةً هي! حقاً لا تصدق أنها أخيراً تخلصت من الشجار لما يزيد عن شهرين. ------------------------------ ترجلت دارين من سيارة الأجرة بإبتسامة مشرقة حين أبصرت عمارة خالتها القديمة. دفعت للسائق أجرته و من ثم تقدمت حاملة علي ظهرها تلك الحقيبة الكبيرة ، غير مبالية بثقلها و إنما أسرعت في خطواتها لتصل أخيراً إلي عمارة خالتها و من ثم إلي شقتها التي تقع بالدور الرابع. دقت علي الباب دقات سريعة متحمسة و ما أن فتحت خالتها الباب حتي ألقت بنفسها بين أحضانها الحنون. ضمت ريهام دارين لها بقوة مرددة عبارات الترحيب و و الإشتياق : حبيبتي و روح قلبي من جوا ، وحشتيني يا دودتي العسل. -و إنتِ والله يا خالتو وحشتيني قوي قوي قوي. أغلقت ريهام الباب مصطحبة دارين إلي الصالون لتجلسا علي الأريكة ، و ما لبثت أن جلستا حتي بدأت ريهام بضم دارين مجدداً بسعادة كبيرة. -لما أمك كلمتني و قالتلي إن أبوكي وافق أخيراً تيجي تقعدي معايا مش عارفة أقولك كنت طايرة من الفرح إزاي. ضحكت دارين بسعادة لتكمل ريهام بنبرة مغتاظة : مش فاهمة يعني هو كان رافض ليه من أصله هو أنا غريبة ولا حتي عندي صبيان....دا يدوب أنا و مريم. تنهدت دارين مجيبة بلمحة من الحزن : سيبك منهم يا خالتو بليز أنا جاية هنا عشان أشوفكم و نستمتع كلنا سوا. عادت ريهام لحماسها مربتة علي كتف إبنة شقيقتها الوحيدة بحنان : علي قولك يا حبيبتي، أنا هقوم دلوقتي أحضرلك شوية فطار إينما إيه. نهضت دارين بدورها لمساعدة خالتها : فطار إيه يا خالتو الساعة واحدة الضهر. -أيوة فطار أنا عارفاكي مبتفطريش قبل ما تنزلي ، و بعدين انا جوعت انا كمان و البت مريم زمانها راجعة من المحل هتلاقيها جعانة. ذهبت الإثنتان إلي المطبخ لتحضير الطعام، منتظرين مريم ليتناولوا الطعام سوياً في تجمع لم يحظوا به منذ أشهر. ------------------------------ في أحد البيوت الفاخرة في ذلك التجمع السكني الراقي كانت تجلس تلك الشابة الجميلة علي أريكتها المفضلة بجانب شباك غرفة نومها ، تحتسي كوباً من القهوة الساخنة رغم سخونة الجو بفعل الصيف علها تفيق من ذاك الخدر المسيطر علي حواسها. منذ أن فتحت كارمن عينيها و هي علي هذا الحال التعس ، لا تريد النهوض ولا حتي مفارقة غرفتها. لقد علمت الخادمة بالصدفة أنها مستيقظة فقط حين تعدت الساعة التاسعة و لم تخرج سيدة المنزل من غرفتها علي عكس المعتاد، فهي معروف عنها النشاط و الإستيقاظ باكراً. حين دخلت الخادمة غرفة كارمن لإيقاظها وجدتها بالفعل مستيقظة ممددة في الفراش بسقمٍ ليس في جسدها و إنما في روحها الجريحة. و من وقتها و لم تخرج من الغرفة و إنما فقط تطلب القهوة ، آملة أن يدب الكفايين أية طاقة بعروقها فاليوم طويل و يقع علي عاتقها الكثير. نظرت إلي كوب قهوتها الثالث بشرود و الذي مع ذلك لم يُحدث أي فرق. أخرجها من بوتقة أفكارها رنين هاتفها و الذي جعلها تترك الكوب جانباً سريعا لتلحق بمن يتصل ، فكانت تأمل أن يكون هو المتصل...يتصل بها ليطمئن عليها او ربما ليصالحها عما حدث أمس ، علي الأقل ليسألها متي ستصل إلي الإسكندرية. جزت علي أسنانها بغيظ حين أبصرت من يتصل عليها و لكنها أستقبلت المكالمة علي كل حال : ألو. -الو يا كوكي فينك يا بنتي أنا كنت فكراكي هتيجي مع فريد و نقضي اليوم سوا قبل الحفلة! قلبت عينيها بسخرية قبل أن تجيب بصوتٍ بدا عادياً : سوري يا فيري أنا بجد مشغولة قوي معرفتش أأجل أي حاجة...هو فريد عندِك دلوقتي؟ -كان مع بابي تحت بس i think (أتقد) إنه مشي، ليه إنتي عايزاه؟ زفرت بضيق : لا يا روحي كنت بسأل عادي، المهم i gotta go now (يجب أن أذهب الآن) باي دلوقتي و أشوفك بليل ها، باي. و ما أن سمعت وداع الأخري حتي أغلقت الهتف ملقية إياه علي الأريكة بغضب من حياتها بأكملها. ------------------------------ عادت مريم من محل أبيها حتي تستريح قليلاً و من ثم تذهب مرة إخري ككل يوم، و لكن بسبب تميز اليوم بقدوم إبنة الخالة سمحت لها والدتها بإتخاذ باقي اليوم أجازة ، و من الغد ستنزلان معاً لمتابعة العمل. حين أنتهوا من تناول الطعام و من ثم الشاي ، أستأذنت الفتاتان من ريهام ليذهبا لغرفة مريم حتي تثرثران قليلاً ، و قد سمحت ريهام بذلك بالفعل خاصةً بعد إن وصت دارين قبل حضور إبنتها بالتحدث معها و محاولة معرفة سبب رفضها للزواج و هي إبنة الخامسة و العشرين! حين دلفتا الغرفة سارعت مريم بغلق باب الغرفة و من ثم فتح باب الخزانة مُخرجة منه فستاناً جديداً باللون الأسود ، ذو أكمام طويلة و و فتحت صدر مربعة ، كما أن طوله يصل لما بعد الركبة بقليل. دارت مريم حول نفسها بسعادة ممسكة الفستان لتريه لدارين عليها : إيه رأيك؟ -جميل قوي يا ميمو بجد simple (بسيط) و شيك في نفس الوقت. -و تفصيل وحياتك أنا شوفت شكله علي النت و وريته للتارزي و طلعه زي ما انتِ شايفة كدا. -ما شاء الله شاطر قوي الراجل دا. اومأت و هي تنظر للفستان بعيونٍ حالمة ، لا تطيق الإنتظار حتي المساء لإرتدائه و الذهاب إلي الحفلة. إلتفتت مريم إلي دارين بعدما وضعت الفسان بعناية داخل الخزانة حتي حلول المساء سائلةً إياها عما سترتديه. تسطحت دارين علي الفراش متوسدة ذراعيها : بصراحة مشترتش حاجة ، جبت واحد من اللي عندي و خلاص. -ليه يا بومة ما كنتي تجيبي فستان جديد! -يا ستي هو حد يعرفنا هناك أساساً ، دا إحنا هندخل الحفلة تهريب كدا. -و لو بردوه الفرصة دي مبتجيش كل يوم، إنك تبقي وسط الناس دي و في حفلة من حفلاتهم. لم تعيرها دارين إهتماماً : ليه يعني ، و بعدين معظم الحفلات دي بتبقي إستعراض إمكانيات مش أكتر، و كلها بيبقي إتفاقات و شغل مش زي ما إنتِ مفكرة. إلتفتت مريم إلي دارين بتعابير مقتضبة : طبيعي تبقي من نسبالك عادي و إني بأڤور بس أنا عكسك يا دارين ، دي أول مرة أروح حاجة زي كدا فمتركزيش معايا تمام! علي الفور إعتدلت دارين من رقدتها مربعة رجليها مطالعة إبنة خالتها بعتاب و اسف في ذات الوقت : أنا قولت إنك بتأڤوري....أنا بفهمك إنها مش حلوة مش أكتر و بعدين أنا عمري ماروحت حفلة زي كدا لمعلوماتك، أنا بحكيلك اللي سمعته من بابا مش أكتر. أومأت مريم لتهتف دارين بتأنيب ضمير : إنتِ زعلتي؟ تنهدت مريم ثم إعتدلت هي الأخري محتضنة دارين : لا ، إنتِ مقولتيش حاجة أنا بس اللي متوترة شوية. ربتت دارين فوق ظهر مريم بحنان : ليه بس؟ إبتعدت مريم عن حضنها مستندة علي فخذيها بذراعيها : أحمد. إبتسمت دارين داخل نفسها لوصولها لتلك النقطة دون جهد : ماله أحمد تاني؟ -مالوش بس أنا بجد بدأت أتعب، إحنا بقالنا سنة مع بعض و كل ما أفتح موضوع إنه يكلم ماما يقولي لا مش دلوقتي، طب امتي ، لما أقف علي رجلي و أبقي قد المقام. تنهدت مريم بغضب متابعة حديثها : مقام إيه أنا بنت عمه و مية مرة أقوله ماما أساساً هتتساهل معاه عشان ابن عمي و عارفة ظروفه ، بردوه يقولي لا. -معلش بقي بس هو كدا بيتحجج، و بعدين تعالي هنا إنتِ مقولتيلهوش علي العريس المتقدم؟ -لا منا رفضته ، أحكيله عنه ليه و يعكنن عليا؟ نظرت لها دارين بذهول : هو اللي هيعكنن عليكي ، يابنتي هو الغلطان و هو اللي هيضيعك من إيده بسلبيته دي!...ثم إن خالتو مش هتسكت عليكي أكتر من كدا إنتِ حتي محكيتلهاش عنه. -أكيد مش هحكيلها عنه لحد ما هو يتقدم أنا كدا هصغره قدامها! همست دارين بحدة خوفاً من أن تسمعها خالتها : ده علي أساس إنه كبير، بجد إنتِ بتظلمي نفسك باللي إنتِ بتعمليه دا، حبيبتي إنتوا في علاقة ،يعني إنتوا الإتنين تتحملوا مسؤوليتها سوا مش إنتِ اللي تشيلي الطين لوحدك. نظرت لها مريم بعجز قبل أن تغمض عينيها بإستسلام حزين متسطحة علي الفراش : بعدين يا دارين ...نبقي نتكلم بعدين. نفت دارين برأسها بأسفٍ علي حال إبنة خالتها الحزين و من ثم تسطحت هي الأخري بجانبها مناشدة بعض الراحة. ------------------------------ الساعة الآن هي السابعة مساءً بتوقيت الإسكندرية ، حيث بدأ المدعوين بالحضور ، بينما الأميرة الجميلة صاحبة  الحفلة في الأعلي تتأكد للمرة الألف من مظهرها الأنيق ، المكون من فستانٍ كحلي ، ذو فتحة صدر متوسطة مثلثة الشكل و ذراعان مكشوفان ، كما يلتصق قماش الفستان الرقيق بجسدها الممشوق من الأعلي حتي الخصر و يبدأ من ثم في الإتساع حتي ركبتيها، لتكتمل أناقتها بذاك الحذاء المخملي الأسود ذو الكعب العالي الرفيع. حين كانت تتأكد من خصلات شعرها الشقراء دخل سالم علي إبنته في حلته السوداء الفاخرة و بإبتسامة فخورة وقف خلف إبنته ، لتظهر صورتهما في المرآة الطويلة. وضع يده في جيب سترته الفاخرة مُخرجاً شيئاً ما لم تلمحه لتسمعه يقول بنبرة حنونة و فخورة في آنٍ واحد : الـdress (فستان) رائع يا فريدة ، مش ناقصه إلا دي. و من ثم أحاط عنقها الصغير بسلسلة من الذهب الأبيض ، متدلية منه وردة من الماس رائعة الشكل ذات لونٍ أزرق براق ، يسرق الأنفاس. إنبهرت فريدة بتلك الهدية الرائعة ، عاجزة عن قول أي شئ. فقط قامت بتلمس القلادة بأنفاسٍ مسلوبة و عينيها الشفافة أختفت خلف جدار من الدموع الرقيقة. إلتفت لتنظر إلي والدها مباشرةً رامشة بعينيها لتبدأ أولي دموعها بالسقوط ، ليتبعها إنهيار ذاك الجدار الرقيق. إحتضن سالم وجه إبنته بحنان ، ماسحاً قطرات الندي التي تسقط من سماء عيون وحيدته بحنان : أنا ربنا رزقني بنعم كتير قوي يا فريدة ، بحمده كل يوم عليها ، بقوله في كل صلاة الحمد لله يا رب علي نعمك التي لا تعد ولا تحصي ، بس النعمة الوحيدة اللي بذكرها منهم و بدعي ربنا يخليها ليا لإنها ببساطة الحياة من نسبة لي هي إنتِ يا حبيبتي ، يا عمري كله و نور عنيا اللي من غيره أتوه، إنتي النفس إللي بتنفسه و من غيرك أموت...سألتيني الصبح ليه يا بابا عامل الحفلة دي كلها و قولتلك عشان أقدمك، الحقيقة إني كذبت...الحفلة دي أنا عملتها عشاني أنا، عشان أفتخر بيكي و أقدمك بمنتهي الفخر للكل علي إنك بنتي و جوهرتي الغالية و وريثتي الوحيدة. لم تستطع فريدة الرد علي ما قاله والده لتوه سوا البكاء أكثر داخل حضنه الدافئ ، الحنون، و الذي إذا خُيرت بأي مكان تبقي فيه لآخر العمر لأختارته هو. لقد سلبت منها الحياة والدتها بعمرٍ صغير و لكن علي عكس ما توقع الجميع لم تكبر و هي تشعر أن ينقصها شئ، فعشق والدها لها الا محدود لم يدع له مجال للشعور بالفراغ أو الإحتياج. دائماً ما إشتاقت لوالدتها بسبب حبها لها و ليس بسبب إحتياجها لها ، حاول الكثيرون من الشباب إيقاعها في شباكهم و لكن بائت محاولاتهم جميعها بالفشل! فمن تلك التي تحتاج لمثل ذاك الحب المبتذل و الكلمات الخادعة و هي تمتلك عشق كعشق والدها. شدد سالم علي ضمها إليه ، مُقبلاً قمة رأسها بحنان حتي هدأت مبتعدة عنه قليلاً ، ثم أمسكت بكفي يده مبتسمة بحب : أنا نفسي أعرف لحقت أعمل إيه حلو في حياتي عشان أطلع بنتك، بابي حضرتك ممكن متبقاش عارف بس... صمتت لا تجيد التعبير عن مشاعرها و لكنها أرغمت نفسها علي الكلام ، فمن حقه أن يعرف كم تحبه : بابي حضرتك أنت دنيتي كلها...أنا مش بشوف الدنيا إلا من عنيك ، و مبحبش إلا اللي قلبك بيحبه ، أنا عايشة عشانك. أبتسم سالم سعيداً بما سمعه توه من صغيرته. مسح دموعها العالقة بعينيها قبل أن يمد ذراعه لها لكي تتأبطه و ينزلا معاً إلي الحفلة. حين تأبطت ذراعه أمسك بكف يدها الصغير مقبلاً إياه قبل أن يقول و هما ينزلان الدرج معاً كملك و صغيرته : و أنا عايش بيكي يا فريدة. ------------------------------

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحبيب الأول

المؤلف Sama Samer
2024/06/18 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة