وقفت في النافذة أتأمل السماء كنت قد شارفت على الانتهاء من هذا اليوم يقولون الوقت يمضى بسرعة ربما هو كذلك لكن الأمر يختلف عندما تكون وحيدا فانك ستشعر بمرور كل ثانيه في اليوم وقد تظن بأنه لن ينتهي أبداً . قاطع تأملي هذا صوت فتح الباب ودخول آخر زبائني لهذا اليوم كان عجوزا يدعى فتحي في العقد السابع طلب منى رسمه جهزت اللوحة والأقلام وبدأت في الاستماع إلى حكايته فقال : إنني افخر أن أكون واحد من مئات الآلاف الذين ساهموا في كتابه جزء من تاريخ مصر في عام 1971 تم تجنيدي في القوات المسلحة وبسبب دراستي تم إرسالي إلي مدارس القوات المسلحة المتخصصة في الرادار والصواريخ لتلقى العلوم العسكرية في أنظمة الدفاع الجوى ولأصبح متخصص في تشغيل وإصلاح محطات الرادار التي توجه الصواريخ . في صيف عام 1972 أنهى الرئيس السادات عمل الخبراء الروس تم إرسالنا على الفور لحل محلهم في كتائب الصواريخ وكان مكاني بكتيبة الصواريخ على الجبهة بالقرب من مدينة السويس ، عند نزولي ومعي مخلتي من العربة التي تحمل المياه إلى الكتيبة والتي وجدتها مصادفة على الطريق خرج احد الجنود من خندقه وهو يبتسم وقال بصوت عالي "نعم هذه هي الجبهة" .. وكانت إجابة سؤال يدور في ذهني ولم أكن قد نطقت به بعد ولكنى لم أشاهد محطات الرادار ولا قواذف الصواريخ ولا العربات التي تحمل الصواريخ. أين هي هذه الكتيبة!! ، وعرفت أنها تنصب احد الكمائن لطيران العدو على حافة القناة وهذا هو مكان العودة ، ركبت العربة مرة أخرى بعد تزويدها بالطعام واتجهنا في اتجاه القناة، انتهى الكمين دون اشتباك مع طيران العدو الذي لم يحاول الاقتراب من القناة وقمنا بفك المحطات وتحميل الصواريخ وكان هذا عمل شاق لان قواعد الصواريخ هذه صممت لتبقى في مكان ثابت لضخامتها وثقل معداتها ولكننا تدربنا أيضاً على نقلها من مكان لآخر حتى لا يعلم العدو بمكان ثابت لها عن طريق وسائل استطلاعه فقد كنا في حركه مستمرة. في نهاية عام 1972 انتقلت الكتيبة إلى "مرسى مطروح" وذلك للراحة لأنها منذ فترة طويلة على خط النار لكن لم يكن الحال أفضل كانت هناك طلعات جوية كثيفة من طيراننا للتدريب في مدينة "مرسى مطروح" كل يوم يصل عدد الطائرات فيها إلى 36 طائرة في المرة الواحدة. ذات مرة لم الأحق بعضا منهم لعلمي أنهم طيارينا وكانت طائراتهم ترد بالإيجاب على إشارات التعارف التي ابعث بها من المحطة وبعد فترة صمت أطول من المعتاد شعر القائد أنني لا أتعامل مع هذه الأهداف وكان من نصيبي عدة أيام حبس وتصادف ميعاد إجازتي فلم احصل عليها وكان هذا درسا لي (لا تهاون حتى مع طائراتنا) . قبل بدء الحرب بعدة أيام شعرنا بأن شئ ما سيحدث في القريب العاجل فقد صدر الأمر برفع درجة الاستعداد إلى "حالة أولى عمليات" أي الحالة القصوى وهذا يعنى قتال واختفت طائرات التدريب من شاشات الرادار لنصبح مطلقي اليد وبدأنا نعد أنفسنا للرحيل إلى الجبهة. في يوم السادس من أكتوبر اندلع القتال إنه يوم الثأر وتحرير الأرض و الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر وبدأ جنود الكتيبة 14 ثائرين ... ماذا نفعل هنا ؟!! إن مكاننا هناك على الجبهة و اجتمع قائد الكتيبة بنا و قال نحن في انتظار الأوامر و فعلا وصل الأمر و كان سرورا عظيما سوف يكون لنا شرف الدفاع عن مصر و تحرير الأرض و دخول التاريخ وبدأ الجنود يهتفون سنقاتل....سنقاتل... الله أكبر ... الله أكبر التحرك إلى الجبهة تم فك الكتيبة في لمح البصر ووضعها على القطار المخصص لنا و المتجه إلى الجبهة و بدأ يطوى الطريق في سرعة و كانت له الأولوية فقد كانت تقف جميع القطارات الأخرى لتفسح له الطريق وكان يتم تغيير القاطرة له بسرعة و وصل إلى محطة "طنطا" على ما أذكر ليلا و كانت وجهتنا سرية ولم نكن نعلم من أي مكان سوف ندخل الجبهة ثم أتجه إلى مدينة " المنصورة " و تم إنزال المعدات و علمنا أننا سوف نكمل الطريق بواسطة عرباتنا الله معكم ... الله معكم في الصباح حدث اشتباك بين قواعد الصواريخ المحيطة بمدينة " المنصورة " و طائرات العدو وتم إسقاط عددا منها و في المساء بدأ التحرك في اتجاه " دمياط " و منها إلى " بورسعيد ". لا أستطيع أن أنسى أبدا المصريين البسطاء من فلاحينا الذين خرجوا على طول الطريق من المنصورة حتى دمياط يقذفون لنا كل ما يملكون من حلوى و طعام حتى البصل و الفجل والجرجير والدعوات من كل فم الله معكم.. الله معكم... و نحن على عرباتنا "بشدة " القتال شعرت أن مصر كلها أسرة واحدة، بعد دمياط كان الهدوء و الظلام على طول الطريق الساحلي إلى بورسعيد. وعلى الطريق الساحلي بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط بدأنا بتوسيع المسافات بين عرباتنا حتى لا تكون هدفا سهلا للعدو من البحر و كنت داخل المحطة المحمولة على عربة ضخمة و فجأة توقفت العربة و انفتح باب المحطة من الخارج و شهرت بندقيتي الآلية في وجه من فتح الباب وكان زكريا الذي كان يقود العربة وطلب منى أن أكون بجانبه هو وجرجس في كابينة القيادة حتى نكون أكثر استعداد في حالة أي هجوم في هذا الظلام و بعد مرور بعض الوقت تقابلنا مع بعض العربات القادمة من بورسعيد ربها جنود مصابين و سمعنا دعواتهم لنا الله معكم ....الله معكم تابعنا طريقنا وعندما وصلنا إلى بورسعيد كان موقعنا في منطقة كوبري الجميل بين البحر و بحيرة المنزلة وكانت الأرض تحت قدمي متفحمة وفوق الكوبري المتهدم جنود يجلسون في الظلام حول طبلية يأكلون وآخرين يقفون علي إبعاد متساوية و لكن الشيء الغريب أنهم لا يتحركون وعندما اقتربت منهم اكتشفت إنهم من القش إنهم خدعة للعدو وأدخلنا محطتنا في الدوشم المخصصة .. يجب أن نكون مستعدين للقتال قبل أن يحل الصباح وكان أصعب ما في هذا العمل هو تجميع الهوائيات أولا في وضع أفقي على الأرض ثم رفعها بواسطة أحد المحركات إلى الوضع الرأسي وكان العمل في الظلام على قدم وساق ... وانزلق المفتاح الإنجليزي من إحدى الصواميل ليصيبني في وجهي (مازلت أرى أثاره فوق شفتي العليا حتى اليوم) و إنسابت الدماء من وجهي و لكن ليس هناك وقت لتجفيفها و لم أكن أعلم أن دمائي بهذا الطعم المالح و تم تركيب الهوائي ولابد الآن من رفعه في وضع رأسي و بدأنا بتشغيل المحرك الذي يقوم برفعه و كانت هناك مفاجأة سيئة لقد احترق المحرك ولابد من رفع الهوائي يدويا عن طريق يدا حلزونية و ليس هناك وقت لقد اقترب الصباح ووقفنا واحدا خلف الآخر في طابور لإدارة هذه اليد بسرعة ،ارتفع الهوائي ومعه الصباح لعبة القط والفأر كنا مستعدين للقتال و بدأ سلاح الجو الإسرائيلي الدخول إلى منطقة بورسعيد معتقدا أنه لا توجد قواعد صواريخ و كانت مفاجأة مذهلة لهم و انطلقت صواريخنا لتهز الأرض وتشق السماء و لتسقط ثلاث طائرات وهرب الباقي مذعورين في كل اتجاه و شاهدنا طائراتهم الهليكوبتر تبحث عن قتلاهم في مياه البحر،بدأنا نعد أنفسنا للتغلب على وسائلهم الساعية إلى تدميرنا فكنا نقوم بإطلاق قنابل الدخان حولنا و بهذا تصبح كل المنطقة ملفوفة في دخان ابيض كثيف وذلك لتضليل القنابل التليفزيونية. اخذ نفسا عميقا ثم أكمل قصته قائلا : كنا أكثر ذكاء منهم بدأ سلاح الجو الإسرائيلي يدور حولنا في دائرة نصف قطرها أربعين كيلومتر ليكون في أمان من صواريخنا و كان هناك أكثر من أربعين هدفا وبدأ الكر والفر وكانوا يدخلون من عدة اتجاهات بمجموعات من طائراتهم لإرباكنا ، كنا نطلق صواريخنا في كل اتجاه ونختار الأهداف الأكثر قربا وخطورة ونتحكم في الصواريخ الموجه إلى هذه الأهداف تاركين الصواريخ الأخرى بدون تحكم ونسقط الأهداف القريبة قبل أن تفر أما الأهداف البعيدة نسبيا فتفر من صواريخنا الغير متحكم فيها أو نستدير لنتحكم في صواريخ أخرى لضرب الأهداف التالية من حيث قرب المسافة كل هذا في ثواني، أسقطنا طائرتين بصاروخ واحد وأخرى بدون صاروخ ، بعضا من هذه الطائرات تقترب في مجموعة من عدة طائرات قريبة جدا من بعضها البعض حتى تظهر على شاشات الرادار كهدف واحد ثم يقوم عددا منهم بالهبوط السريع إلى ارتفاع منخفض للفر من أجهزة الرادار والهجوم ويعود الآخرين إلى الوراء وكانوا يعتقدون أنهم بهذا يخدعوننا فيظهرون كهدفاٍ واحداٍ يدخل ثم يعود إلى الخلف وهنا يدخل عامل الذكاء مرة أخرى فكنا نقوم بخفض هوائيتنا لنكتشف الذين على ارتفاع منخفض ونقوم بتدميرهم وتم إسقاط طائرة بدون إصابتها بصواريخنا فقد دخل هذا الطيار من منطقة بحيرة المنزلة و كان على ارتفاع منخفض جدا وأطلقنا عليه صاروخا منخفضا وتملكه الذعر وانخفض مرة أخرى ليصطدم بالمستنقعات و ينفجر كان جميلا جدا عندما اسمع من راديو القاهرة البيان الذي يعلن عدد الطائرات التي أسقطناها اليوم في بورسعيد و لقد كانت بياناتنا صادقة حقا. وفى ظهر أحد الأيام كنت قد تركت المحطة لأخذ بعض الراحة فقد مرت عدة أيام لم أذق فيهم طعم النوم إلا بضع ساعات قليله وتوجهت إلى خندقي الذي كان موقع راحتي وفى نفس الوقت موقع دفاع ضد أي هجوم من البحر و كان عبارة عن حفرة برميلية وكان يوجد فيها أغطيتي وثلاث صناديق من القنابل اليدوية والذخيرة و كانوا تحت قدمي اخترق الإسرائيليين دفاعاتنا في هذا اليوم تمكن الإسرائيليون من اختراق دفاعاتنا ونشطت على الفور المدفعية المضادة للطائرات و تحولت السماء إلى مظلة من طلقات المدفعية وحدث قصف لمواقعنا وقررت ترك خندقي لأنتقل إلى مكان آخر أكثر أمنا وبعد عدة ثواني من ترك الخندق سقطت أحد القنابل 1000 رطل مباشرة فوق خندقي ليتحول إلى حفرة قطرها عشرة أمتار وبعمق خمسة أمتار . عندما استيقظت كنت في المستشفى لا اعلم ما حدث بعد انفجار القنبلة ،فيما بعد اخبرني احد أصدقائي بأننا انتصرنا عليهم وان الحرب انتهت لقد دخلت في غيبوبة لمدة 24يوما لم استطع السير من بعدها فقد تضررت قدماي ، سمعت عن استشهاد عدد كبير من رفاقي حزنت عليهم كثيرا لكن مع ذلك شعرت بفخر كبير أننا شاركنا بها . مسح دموعه قائلا " اعتذر لقد أطلت عليك لكن اشعر بالراحة بعد الحديث عن هذا اليوم حتى الآن لم استطع تخطيه لقد أُصبت بعد ذلك بالسرطان وأردت أن احتفظ بهذه الذكريات داخل اللوحة حتى يتذكرني أفراد عائلتي بها " أجبته بأنه لا داعي للاعتذار واتفقنا على أن يتسلمها غدا ، اخترت اللون البرتقالي لهذه اللوحة لقد سمعت انه يدل على الفخر والسرور أظنه انسب لون لقصته ،انتهى اليوم أغلقت مرسمي وعدت للمنزل في انتظار يوم الجديد حتى استمع لقصص جديدة وربما في أحد الأيام تستمعون إلى قصتي لكن لا أعدكم بذلك . .................................................................................
شروق محمد