مُذكرات

مُذكرات

22 0

ماذا تعرف عن الألوان..؟

سؤال قامت بخطه بيد مرتجفة تلوث به بياض الورقة

يقولون إن الأخضر هو السلام و الراحة و لون تنبعث منه الحياة

وإن الأزرق هو سكينة البحر

والأصفر مشرق يضيف لليوم بريقا خاصا

وإن الأحمر لهبُ الحب حينا، ونذيرُ الخطر حينا آخر

لكنّي، ابنة الظلام، لا أفهم كيف تُصبح نهاية اليوم ذكرى للجمال كيف يُقال إن الشفق لوحة حب، وأنا لم أرَ سوى رمادٍ يسدل ستار المساء

الألوان، بالنسبة لي، مجرّد أسماء أسمعها ولا أفهمها

أحاديث لا تخصني، كأنها تُقال في غرفة أخرى خلف جدار سميك وإني كثيرا ما شعرت أن الحياة برمتها تجري هناك… في تلك الغرفة

حيث الناس يبصرون ما لا أُبصر

ويحبون ما لا أرى

ويحلمون بما لا يخصني

علبة الواني لم تسلب مني بل لم تعطى لي! فتلونت لوحتي بميزج الحطام و الرماد هذه ضريبة من يشخص بعمى الوان كامل

لكنّي كنتُ طفلة عنيدة، لا تعرف الاستسلام حتى في عالم لا تراه

"سأطير بكِ يا أمي"

تمد الطفلة الصغيرة ذراعيها وكأنها جناحان، تضحك، تدور، وتعود لترتمي في حضن والدتها وبصوت متلهف نطقت

"أرأيتِ؟ هكذا أطير! وحين أكبر... سأصبح طيّارة حقيقية! سأشتري طائرة عملاقة، وسأطير بكِ بعيدا... بعيدا جدا، حيث لا يصرخ عليكِ أحد، ولا يبكيكِ أحد، ولا يُكسركِ شيء،ولا زجاجات رائحتها كريهة، تجعل أبي يصرخ"

شبح ابتسامة رسم على ملامح الام بينما تحاول إخفاء زرقةٍ أسفل عينيها، وتُدلك بوهن كتفها المُكدّم

"أنتِ صغيرة جدا يا مالوري، لا تعرفين ما تقولين"

"لكنني كنت أفهم أكثر مما ظن الجميع..."

لم أكن أحب السماء يوما، لم أرَ زُرقتها أبدا،

لكنني أحببتُ فكرتها… لأنها الأعلى، والأبعد، ولأن لا أحد يستطيع أن يصرخ هناك، مكان لا يعود فيه والدي سكرانا،كنت أصدق تلك الفكرة كثيرا،وأردّدها بنبرة بطولية، وأنا أُحلق بلعبتي الصغيرة في أرجاء المنزل مع انغام ضحكاتنا،لكن حذاري ما ان تفتح اقفال الباب ستهرب تلك الضحكات لمكان اوسع مكان لا يعرف للألم طريق وتترك وراءها ذكرى لن تزول

"تلك الضحكات لن تعود أبداً كما فعلت هي.."

لم تكن الظهيرة ساكنة كعادتها… كان في الهواء ارتجاف غريب، كأن البيت ذاته يعلم، رأت أمها تهم بالخروج، حقيبة صغيرة تتدلى من يدها، وعيناها لا تجرؤان على لقاء نقاء عيني طفلتها

وقفت مشدوهة، بينهما خطوات… وبين قلبها وانكساره رمشة

"إلى أين؟" سألتها بوجل، فلم تجب

تقدّمت نحوها، تشبثت بذراعها بكل ما تملكه أناملها الصغيرة من رجاء

"لا تذهبي، أرجوكِ…"

انحنت، مسحت على بندقية الشعر بيد مرتعشة

"سأعود قريبا"

"خذيني معك،أرجوكِ سأكون فتاة مطيعة،مالوري لن تشاغب أرجوكِ"

أجابت بصوت خانق

"على مالوري البطلة حماية المنزل،ماما ستعود قريباً"

"عديني"

رفعت يدها المرتجفة، ربطت إصبعيهما معا، وهمست

"وعد"

ثم أفلتتها، كأنها تخشى أن تُكشَف، وهرولت نحو الباب،تاركه خلفها روحا خائفة تصرخ

"أمي!"

لكن الصدى كان أقرب إليها منها

لم تغلق الباب منذ ذلك المساء

ظلّت تُبقيه مواربا، كما لو أن الحياة نفسها ستدقه وتدخل منه ذات يوم

كانت تجلس كل مساء على عتبة الانتظار، صغيرة الحجم، مُنحنية الظهر كمن يحمل عمرا لا يخصه

تراقب الطريق بصمت مأساوي، ترقّبٍ طفولي، وشيء من الخوف المرتجف بين الأضلاع

وجهها ناحل، وعيناها تحدقان في الأفق، كأنها تحفظ تضاريس الشارع عن ظهر قلب، تفتش في كل عابر عن ملامحها، في كل ظل عن خطواتها

"قالت إنها ستعود..."

همستها تلك، كانت تتكرر كدعاء يومي

لم تكن تُغلق الباب،

كانت تتركه مفتوحا قليلا، لتُقنع قلبها بأنها تمنح الفرصة  للعودة،وإن سألتها جارتهم التي تمر بفضولها المعتاد، كانت تقول بثقةومجروحة

"أمي لا تحب الأبواب المغلقة..."

لكن الليالي مضت،والريح دخلت مرات كثيرة،

أما هي… فلم تفعل

"الوعود وجدت لتُنكث.."

في الثامنة، كنت أفتح الباب كل مساء، ظنّا أن قلب الأم لا يُغلق على ابنته

في التاسعة، صرت أراقب المارة، أقنع نفسي أن كل امرأة تشبهها، رغم أنني بدأت أنسى ملامحها

في العاشرة، كنت أؤمن أنها ضلت الطريق، وكنت أترك النور عند الباب ليسهل عليها العودة

في الحادية عشر، حين أسأل نفسي لماذا أفعل ذلك، لا أجد جوابا… سوى أنني خائفة من الإغلاق

في الثانية عشر، غدوت أكثر انطفاء،خفتُ أن يُغلق الباب ذات ليلة ولا يُفتح مجددا، فبتّ أفتحه خلسة بعد نوم الجميع

كنت أظن أنني سأحلّق يوما…

لكن الطائرات لا تفتح أبوابها لمن لا يُميز إشاراتها

لقد رفضني حلمي يا أمي، رفضني كما رفضتني أنتِ بذنب لم أقترفه.

"وحين كنتُ على وشك إغلاق الباب... طرق بابي لونٌ لا أعرفه"

في اليوم الرابع من إقامتها في بيت عمتها، وبينما كانت الغيوم تنقر نافذتها بنبض مطري خفيف… جلست مالوري على العتبة

كان الحي جديدا عليها

وكل ما فيه غريب، بدءا من رائحة الخبز التي لا تشبه بيت والدها، وصولاً إلى الأصوات التي تنتهي خلف جدران لا تعرفها

والدها… كان قد سُجن منذ شهرين، بعد حادثة لم تُحك لها بكاملها قيل لها فقط

"سيغيب طويلا، وستبقين هنا "

فكفّت عن السؤال

جلست على العتبة، تراقب الطريق بصمت،لازال في مكان ما في داخلها لديها أمل بعودة والدتها،كانت تظن أنها وحدها، حتى سمعت وقع خطوات مهرولة،فتى، في مثل عمرها، يحمل مظلة أكبر منه، يركض بخفة، يضحك لنفسه

حين اقترب منها، توقف فجأة…

ثم أمال المظلة ليغطيها بها، وقال وهو ينحني قليلا

"لا يجوز أن تُترك عيناكِ تحت المطر، قد تنمو فيهما أزهار نادرة!"

رفعت بصرها إليه، بعينين واسعتين دهشتين،راقبها، وابتسم بانبهار مبالغ فيه، كما يفعل الأولاد حين يتصنعون التعجب

"ما هذا؟ خضراء! عيناكِ خضراوان! أي ظلم هذا؟! أنا أملك لونا أزرق كالمسابح العامة، لا شيء يكتب عنه الشعراء!"

تقلبت ملامحها بين الذهول و البلاهه

هو لم يهتم، جلس أمامها على الرصيف، وقرّب المظلة منها أكثر

"لا تقلقي، أنا لا أعض على الأقل ليس الغرباء"

أمال رأسه وهو يبتسم

"اسمكِ سر ٱنسه صامته؟"

لم تجبه هي لم تتخطى صدمتها بعد، لكنه رأى أنها تسمع، وعينيها تتّسعان عليه كأنها تتسأل من اي كوكب سقط هذا الفضائي

اقترب قليلًا، وجثا أمامها واضعا المظلة بزاوية تمنع المطر عن وجهها

راقبها، وابتسم، ثم قال بنبرة جدية مفتعلة

"أنا سأرسمكِ، هذا أمرةحتمي لا يجوز أن تمر حلاوة مثلكِ دون أن تُؤرّخ"

قطبت جبينها، نظرت إليه باستغراب

لكنه كان من النوع الذي يملأ الصمت بنفسه

"أنا ليو، أنتِ جديدة، أليس كذلك؟ أعرف كل وجوه الحي، ووجهك لم يمر علي، ووجوه كهذه لا تُنسى"

من بعيد، نادته امرأة

"ليوو! تعال فورا!"

صرخ دون أن يلتفت

"قادم! فقط أُوقع عقدا فنياً مهماً!"

ثم نهض، مد المظلة نحوها

"خذيها المظلة لكِ أنا أحب البلل"

ركض، شعره الفاحم يهتز فوق جبينه، ونمش خديه يتمايل مع كل خطوة

وقبل أن يغيب، استدار يلوح لها

ثم اختفى خلف زاوية البيت المقابل

هي بقيت هناك، تحمل المظلة بين كفيها، تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه و ملامح البلاهه لاتزال مرسومه على وجهها

"أعقتد أنني عرفت معنى اللون الاخضر حينها"

كان يضحك بلا توقف، صوت ضحكته يعبث في أذني، خفيف، مُشع، يلهو كما لو أنه يمتلك مفتاح السعادة الذي فقدته منذ زمن روحه المرحة كانت تنسج حوله هالة من الضوء، تجبرني أن أرفع رأسي لأراه، وأن أسمح لتلك الطمأنينة أن تتسلل إلى قلبي الذي ظن يوماً أنه جدار بارد

هو عكس عالمي، غريبٌ عن حزني ووجومي، لكنه لا يبتعد بل يقف هناك، كنافذة مشرعة في غرفة خانقة، يرسل نسائم طفولته التي لم أعرفها، يُذكرني بأن الحياة يمكن أن تكون خفيفة... ولو للحظات.

"كنت أظنّني حبيسة الرمادي، حتى جاء من لون جدراني بالصخب... والطمأنينة"

ذات مساء، حين سكنت الحديقة الخلفية لعتمة ما قبل الغروب، كانت مالوري جالسة قرب العريشة، تلوذ بجدار البيت، تعانق ركبتيها جزء منها يترقب الفضائي الذي طٱلب برسم عينيها

و عند ذكره ظهر ليو فجأة، بذات الحيوية التي تشبه اندفاع الألوان في لوحة مائية، يحمل بيده دفترا عريضا، وتنسدل من كيسه أنابيب ألوان متشابكة

اقترب منها وقال بلهجة لم تخلُ من بهجة صبيانية

"أيمكنني رسمك؟!" 

تطلّعت إليه بارتباك ممزوج بخجل لم تجبه، فقط رمشت ببطء، فأخذها ذلك ردًّا كافيا جلس إلى جانبها على الأرض، فرد أدواته بانشغال كأنما يحضر لحفل صغير من الألوان والضوء

فتح دفتره، وقد بدأ فيه ملامح وجهها الباهتة تطلعت إلى الصفحة بوجوم، فتفاجأت كيف التقط كل ذلك الحزن في عينيها، وكيف بدت في خطوطه ضائعة... وبريئة

قال وهو يحدق في عينيها مباشرة

"عيناكِ خضراوان يشبهان ضوء الغابات بعد المطر أردتُ أن أرسمهما منذ أول يوم رأيتك فيه"

خفضت عينيها بسرعة، حارة الوجه، متلعثمة الأنفاس

مد نحوها بعض الألوان، وقال مبتسمًا

"هيا، شاركيني" 

ترددت، مدت يدها بتردد، أزاحت أحد الأنابيب، ثم توقفت كان ترددا مكشوفا، حتى إن أناملها بالكاد لامست أطراف اللون

"لمَ أنتِ حذرة إلى هذا الحد؟" سألها بلطف

همست، وصوتها كمن ينفض خجله بعناء

"لأنني... لا أبصر الألوان" 

ساد صمت وجيز، لكنه لم يكن ثقيلا فقط صمت كتب له أن يكون مقدمة لانفجار ضوء

ضحك ليو بخفة، ثم مد يده نحوها وأمسك بكفها بحماسة طفل وصرخ

"هذا مذهل!" 

رفعت نظرها نحوه بتعجب قال، ووجهه يتقد حماسة

"أنا أرى الألوان... وسأكون علبة ألوانك" 

أخذ أنبوبا ورديًا وفتح الغطاء

"هذا وردي عادة ما يجذب الفتيات ولا أعلم السبب" 

ثم الأزرق

"هذا لون البحر فيه ما يهدّئ، وما يبتلع لون يُربك، لكنه جميل،كما انه لون عيناي" 

راح يلون طرف الجدار بجوارها، وكلما وصف لونا، كانت تضحك بخفة، وتدس أناملها في شعرها، تائهة بين ما لا تراه، وما تشعر به

في آخر الأمر، أشار إلى حائط و بالصدفة كانت تلك غرفتها

"أتعلمين؟ الغرفة الرمادية تلك... سألوّنها لك كل يوم لون حتى لا يبتلعك الظلام مرة أخرى" 

"لم أكن أعرف آنذاك أن فتًى بشعر فاحم ونمش فوق أنفه، سيُعلّق على جدراني لونا جديدا،لم يفتح نافذة... بل رسمها،وبين ضحكاته العابثة وفرشاته الصغيرة، وجدتُني أبتسم… داخل اللون الأخضر"

"لستُ متأكدة إن كانت الموسيقى تُرى، لكنني في ذلك اليوم، رأيتُها. كانت بين أصابعه..."

عدة اسابيع و تطورت علاقة الصديقين حيث بدأت مالوري أكثر راحة و ليو أكثر سعادة، و ذات يوم لم يكن يخبرها أين يأخذها جرّها من معصمها كعادته حين تشتد به الحماسة، وكانت هي تمضي معه بنفس الحماس

حين دخلت إلى البيت، لم تستغربه فهي زارته كثير حتى باتت تحفظ عدد لوحاته،لكن الجديد أن يقودها إلى تلك الغرفة الهادئة في الركن والتي لم تدخلها يوما، حيث البيانو الأسود يلمع تحت خيوط الشمس 

"اجلسي هنا، ولا تقولي شيئا، ولا تضحكي إن أخطأت!" قالها بخفّة، وهو يفتح غطاء المفاتيح

مالت إلى طرف الكنبة، وضعت كفّيها على حجرها، وتطلعت إليه بترقب، تبحلق كيف يغدو أكثر جدية حين يضع أنامله على مفاتيح البيانو

بدأ يعزف

كان اللحن ناعما، كأنه يُسرد دون صوت، يسير على رؤوس الأصابع كان فيه شيء يشبه المشي حافيًا فوق أرض باردة، ثم التحول شيئا فشيئا إلى دفء يكبر، وطمأنينة تتسلّل

أغمضت عينيها لم تكن تسمع نغمة، كانت تشعر بلحنٍ ينمو تحت جلدها، يُطبطب على قلبها بشيء من الرِقة

وحين انتهى، التفت إليها، وقال بنبرة خافتة

"تدرّبتُ على هذه المعزوفة لأسبوعين... أنتِ أول من يسمعها كنتُ أريدك أن تكوني الأولى" 

رفعت كفّيها فجأة، وصفقت له بحماس شديد، 

ضحك، شعر أنه نال جائزة لا يستحقها،لكنه استحق تلك الضربة على رأسه بنظرها

"أيها الخائن،أتخفي عني براعة اصابعك على البيانو،عليك مراضاتي!"

مسح مكان الضربة ضاحكاً، ثم قام فجأة، اتجه نحو الخزانة الصغيرة، فتحها بيديه المرتجفتين، وأخرج منها شيئا صغيرا... علبة موسيقى قديمة، خشبية، مُحلاة بنقوش زهرية دقيقة

"أذن ٱنسه مالوري إليك هديتي المتواضعة هذه...

بدأ يقول، لكنه لم يُكمل، إذ كانت هي قد أخذتها بين يديها بحذر، وسألت

"ما هذا؟" 

فتحها أمامها، فانبعثت الموسيقى الهادئة، وراحت راقصة الباليه الصغيرة تدور في دوامة من الضوء والظل

"إنها ترقص..." قالتها هامسة و عيون متسعة، وكأنها تتحدث عن مخلوق حيّ..

لقد أهديتني حلماً،و ٱمنت بي يا أخضري"

ذات مساء في بيت عمتها، خرجت من غرفتها الصغيرة قاصدة المطبخ، لكن صوتا من التلفاز في غرفة الجلوس استوقفها كانت راقصات باليه يدُرن في مسرحٍ واسع، 

كأن أجسادهن خلقت لتطير، لا لتُثقلها الأرض

تسمرت مكانها

نظرت إليهن بذهول غريب، لم تعرف سببه

ولأول مرة، شعرت أن جسدها يريد أن يقول شيئا... أن يتحرك

تسللت تلك الليلة إلى غرفتها، وأغلقت الباب بهدوء

أزاحت صندوق الموسيقى الذي أهداه لها ليو، ووضعته أمامها أدارته، فبدأت الراقصة الصغيرة تدور

نظرت إليها بعينين ثابتتين، ثم رفعت ذراعيها بتردد، ودار جسدها قليلا كادت تقع،لكنها حاولت،أعادت الكرة

مرّات ومرّات، والصندوق يدور، والراقصة الصغيرة لا تتعب

سقطت هي، وضحكت

ثم نهضت

بعد أيام، جاء ليو فجأة، وطرق باب الغرفة

"سأسرقك لبضع ساعات مالوري"

"إلى أين؟"

"ستعرفين، فقط تعالي"

سحبها معه إلى بيته وهناك، رفع بصوته

"هيا نُزيح الأرائك، نحتاج مساحة كبيرة"

ضحكت

"لِمَ؟"

"لأجل راقصة تُخبئ العالم تحت قدميها"

دفع الأثاث، وأفسح لها المجال

ثم جلس إلى البيانو، وأخذ يعزف معزوفتها... تلك التي خصها بها

وقفت هي،ترتجف قليلا، ثم بدأت تتحرك

خطوة أولى، ثم ثانية... 

دورة، تعثر، سقوط

ضحكت

نظر إليها وقال ضاحكا معها

"رائعة! وقعة فنية من طراز رفيع"

نهضت،أعادت المحاولة مرة،مرتين،ثلاث،عشر مرات

وكل مرة تسقط فيها، كانت تضحك أكثر

ضحكة من عمق الطفولة، بريئة، حقيقية... كأنها تشكر السقوط لأنه علّمها كيف تُحلّق،ولأنه اعاد لها مالوري الذي طمستها الحياة

وفي لحظة حماس طفولية، مدت يدها له

"هيا... تعال أنت التالي!"

"أنا؟! لا أظنّني أستطيع..."

"وهل سأتركك تجلس ملتصقا بذلك الكرسي هكذا؟"

سحبته، ودارا سويا، يضحكان، يتعثران، يتصادمان بالجدار، ولا يهتمان

في تلك اللحظة، لم يكن في الغرفة سوى ضحكها، والموسيقى... وطفلة تتعلّم كيف تعيش.

"لم تكن الراقصة وحدها من يدور في ذلك الصندوق... 

كنت أنا،أنا التي دارت، ثم وقعت، ثم ضحكت، ثم نهضت ولأول مرة، لم أحتج أحدا يعيدني إلى الضوء، لأنني كنتُ قد بدأت أنسج أجنحة من موسيقى... ومنّي

لكن لم يدم ذلك..."

بلغت السادسة عشرة!

مرت أربع سنوات منذ جلست على عتبة بيت عمتها لأول مرة، وغسلت المطر عن وجهها بمظلة فتى غريب،أربعة أعوام من التدريب المتواصل، الألم في الكعبين، والدموع في منتصف الليالي، والتواءات القدم، وصرخات المدربة…حتى أصبحت متدرّبة رسميّة في معهد راقص يُحتفى به في الولاية

الباليه لم يكن فنا بالنسبة لها، بل حياة بديلة… أنشأتها من الركام،في ذلك اليوم، صباح عيد ميلادها، كانت قد خرجت بصحبة ليو، الذي أصر أن يهديها زيا جديدا للباليه، "بألوان تليق بنجمتنا"، كما قال وهو يلوح بالبطاقة البنكية لوالده وكأنه يحمل مفاتيح المجرة ضحكت عليه كالعادة

لكن الضحكة لم تكتمل

بينما كانت واقفة أمام واجهة زجاجية لمتجر الأزياء، تدق الزجاج بعينيها، شعرت بشيء يجذبها من الخلف

كأن الهواء تغير

كأن شيئا التفّ حول عنقها ليضيق عليها التنفس

استدارت... ثم تجمدت

امرأة

بنظرة مألوفة رغم تغير الملامح، تمسك بيد طفلة ذات ضفيرتين، وإلى جانبها رجل طويل القامة، يمد يده ليسوّي وشاحا فوق كتفها،التقت عيناها بعيني المرأة

همست بصوت خرج من عمق قلبها، لا من حنجرتها

"أمي؟"

انفرجت شفتاها المرتجفتان تقترب منها، واهتزّت يدها وهي ترفعها نحو ذراع المرأة

"أمي..."

قالتها ثانية، كأنها تتأكد، كأنها ترجوها أن تكون

المرأة ارتجفت، عيناها اتسعتا، ثم قالت بصوت متوتر

"مالوري؟"

هزّت مالوري رأسها، لا تصدّق

ثم اندفعت نحوها وذراعاها متصلبتان كمن يبحث عن جدار يتكئ عليه، تمسّكت بكمّها وكأنها تغرق،صوت تلك الطفلة ذات الثمان اعوام يتسرب

"أمي... أمي..."

الطفلة إلى جانبها انسحبت نحو الرجل، الذي بدأ ينظر باستغراب نحوها

قالت الأم، وعيناها دامعتان

"مالوري، أنا آسفة... أقسم أنني لم أكن أقصد... كنت صغيرة وخائفة، كل شيء كان خطأه..."

قاطعتها مالوري بصوت مبحوح

"لكنكِ وعدتني!،لقد شبكتِ أصابعنا اتذكرين؟! كنتُ أبحث عنكِ كلّ صباح عند الباب... كل يوم! سبعة أعوام انا حتى لم أغلق الباب خشيه ان تعودي و تجديه مغلقا!، وأنتِ…"

ثم تراجعت خطوة، حدقت بها كأنها تحاول أن تجد تفسيرا في ملامحها

"هذه… ابنتك؟ وهذا… زوجك؟"

لم ترد

لكن الصمت كان جوابا كافيا،ضحكت و حرقة تسكن حلقها

همست الأم، وصوتها ينكسر مع كل حرف

"لقد بدأتُ حياة جديدة، مالوري

رجوتُ الله أن تكوني بخير، وقد كنتِ…

أنتِ الآن شابة، جميلة ،أنا… لا أريد أن أفتَح الماضي، أرجوكِ افهميني"

مدت يدها لتحتضنها، لكن مالوري تراجعت خطوة، ثم أخرى، ثم قالت، وشفتاها ترتجفان بشدّة

"أنا لستُ ماضٍ… أنا ابنتك" ثم ركضت

نادت الأم باسمها، تبعها صوت ليو الذي خرج من المتجر وصرخ

"مالوري! إلى أين؟ انتظري!"

لكنها لم تسمع

كانت تركض…

تركض وكأنها تفرّ من نفسها، من الطفلة التي ظنّت أن الحب يمكن أن يُخزّن في الذاكرة، ويُبعث بعد أعوام

كان قلبها يصرخ، وعيناها غائبتين، والدموع تغسل وجهها كما المطر في اليوم الأول

لم ترَ السيارة

صوت الفرامل، صراخ المارة، كله جاء متأخرا

سقطت على الأرض كما يسقط راقص حين تخونه قدماه، و ذلك الزي الأبيض تصبغ بلون خيبتها القرمزي.

"كان انهيار صامت.."

الغريب أنها لم تبكي،لم تصرخ،

كانت مستلقية هناك، على السرير الأبيض، تنظر للسقف بذهن شارد، تستمع للأصوات من حولها، ولا تميز بينها

كانت تشعر وكأن شيئا غائرا فيها انكسر ثم سُحب بقوة، فخلّف فراغا لا يُحدث صدى

لم تتغير ملامحها كثيرًا، لكنّها أنطفأت... بطريقة تُشبه الموت المؤقت

وحين زارها ليو لأول مرة، وقف عند طرف السرير دون أن يقول شيئا يراقب اختفاء لمعة عيني صديقته و رفيقة دربه

ثم نادها بصوت خافت

"مالوري.."

نظرت إليه، بصمت مُحمّل باللامبالاة، ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة كان الشتاء يخطو خطواته على الزجاج

قال بعد لحظة، كمن يحاول جرّها من بعيد يمسك يدها و صوته مهتز على حافة البكاء

"مالوري.. أرجوك لا تغرقي بذلك البئر مجددا،الستِ تخشين الظلام،تحدثي أبكي ..أرجوك"

لكنها لم تُجبه كل ما في الأمر أنها استنشقت الهواء بعمق، كأنها تختبر قدرتها على التنفّس... فحسب

..

و عندما تخرّجوا من الثانوية كما يُلقى الظل على الرصيف

لم يكن شيئا يُحتفل به، بل مجرد انتقال من مرحلة لأخرى، بلا نية ولا شغف وفي صباح أحد الأيام، حين سألتها عمتها

"ما الذي تنوين دراسته؟"

قالت دون تفكير

"الموسيقى سأصبح عازفة كمان"

حدقت بها المرأة لثوان، ثم قالت بارتباك

"لكنّكِ... لم تعزفي قط، أليس كذلك؟"

هزّت كتفيها

"سأتعلم"

وما إن بدأت الدروس، حتى صار ليو يحضر معها بين الحين والآخر، بحجة أنها تحتاج رفيقا "يضحك حين تعزف نغمة شنيعة"

وكان يضحك فعلا

ولكنه كل مرة تخطئ فيها، يصفق كأنها أدهشت السامعين

فتضحك

ثم تعاود المحاولة

وفي مرّات نادرة، كانت يدها ترتجف على القوس، وتحدق فيه طويلا

مرّت الشهور، شيئا فشيئا، وصار وقع خطواتها في المعهد أقل ترددا كأن الموسيقى لم تكن شغفا، بل طوق نجاة

وصار ليو رفيقا أكثر التصاقا لا يغيب

وحين ظهرت أسماء المقبولين في كلية الموسيقى، كان اسماهما متجاورين، على ذات الورقة، في ذات العمود

قال ليو، وهو يقرأ اسميهما

"أعان الله الحظور فهم سيستمعون لشناعة عزفك كثيرا"

و حطت ضربة على رأسه منها

"أصمت، كما أنني لم اكن أعني ما قلته حول الموسيقى"

"وهل تعنينها الآن؟"

نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة صغيرة، مائلة الحزن

"لا أدري... لكنني الآن، لا أملك شيئا آخر لأفعله"

ضحك ليو، لف ذراعه حول رقبتها

"إذن لنتعلّق بهذا اللا شيء، حتى يُصبح كل شيء"

ضحكت، موافقة لحديثه كانت الحياة تتسلل إليها، لا بكاملها، ولكن على الأقل... في جزء صغير من نغمة مشوشة، عزفتها ذات يوم، ووجدت ليو يصفق لها كأنها معجزة.

"بين ليلة وضحاها، وجدتُني أسير خلف هدف لا أعرف من غرسه في طريقي لم أكن أحلم بالموسيقى، لكنني أمسكت بها كما يُمسك الغريق ببابٍ عائم في البحر...

أردت فقط شيئا لا يخذلني

وليو؟

ليو كان يركض إلى جواري... أو هكذا خُيّل إليّ"

حيث فتحت عيناي بعد الحادث

و سمعت تلك الجملة ، أنني خسرت حلمي الثاني

لم أبكِ لم أصرخ فقط... انطفأت شعرت ان الدنيا ما عادت تستحق

منذ ذلك اليوم، بات السكون جزء من جلدي ،لم أعد أتوقع من الحياة شيئا،لكن وحين جربت العزف لأول مرة حين سمعتُ صوت ليو وهو يضحك من عزفي السيء، شعرتُ بشيء يشبه الحياة، ضوء ضئيل يتسلّل من ثقب في قلبي لا أدري متى انفتح

قلتُ لنفسي

"ربما إن صرتُ عازفة جيدة... سأستطيع أن أتنفس بشكل أفضل"

سار معي في هذا الدرب، بكل حماسة ممكنة

كان يتدرّب معي، يمازحني حين أفشل، يحتفل بي حين أضبط نغمة سليمة حتى حين كانت يدي ترتجف... كان يربت على كتفي بخفة ويقول

"ما زال الوقت أمامكِ، لا تستعجلي"

صارت ضحكتي تُستدرج من مخبئها شيئا فشيئا، وصرتُ أستيقظ في الصباح وفي داخلي غاية، مهما كانت هشة

التحقنا بالكلية ذاتها

نفس القاعة

نفس الأساتذة

نفس الوجوه التي تقرأ على ملامحنا الحلم المتعثر

لكن شيئا فشيئا، بدأت الشمس تميل عنه نحوي

ليو، الذي كان يركض بجانبي، صار يسبقني بخطوات

صار محبوبا، مرحا، يمطر الجميع بتعليقاته المضحكة، وصوته العالي، وتلك الشرارة في عينيه حين يتحدث عن شغفه

كوّن أصدقاء بسرعة

يضحك معهم كثيرا،يخرج كثيرا

وأنا؟

كنت هناك...

على الجانب الآخر من الضوء

أراقبه ينساب نحو حياته الجديدة دون أن يلتفت

كنت أبتسم حين يحدثني، أضحك حين يمازحني، أجيبه بحماسة كأن شيئا لم يتغيّر

لكن في داخلي...

كنت أتحول إلى ظل

ومع مرور الوقت، بدا وكأنني أحمل آلة الكمان لا لأعزف، بل لأتذكّر أنه ذات يوم، كان ليو واقفا هنا، يضحك بصوته العالي، بينما كنتُ أرتجف من شدة ارتباكي.

"ثم جاءت هي...جميلةٌ بطريقة لا تتيح لكَ أن تغضّ البصر، وصاخبة بما يكفي لتُغرق العالم بألوان الربيع لم أكرهها، لا... بل كرهتني إلى جوارها"

في يوم تجمعت به سحبٌ رمادية،كأن السماء كانت تتهيأ للحزن، ثم تراجعت في اللحظة الأخيرة

الضوء باهت، والساحة الجامعية تفيض بحركة الأقدام،

في هذا الصباح الباهت، دخلت هي

سيلين

وما إن وطأت عتبة القاعة، حتى بدا المشهد كأنه يرتب نفسه حولها،طالبة منتقله جلست في أول كرسي فارغ كما لو أنّه كان محفوظا لها منذ الأزل

صوتها حين عرفت بنفسها، لم يكن رخيما ولا موسيقيا، بل كان مرِحا

صوتٌ يعرف الطريق إلى الآذان، ويطرق دون استئذان

لكنّ ما شد الأنظار لم يكن صوتها

كانت تتحرك كما لو أن الأرض مألوفة لها، رغم أنها تراها لأول مرة،أناملها تتلمّس حقيبتها بخفة، ابتسامتها ساحرة،

كان كل ما فيها يبعث على الانتباه… ومن بين العيون، كانت عينٌ واحدة تُراقبها أكثر من اللازم

ليو

النظرة الأولى لم تكن عابرة… بل كانت تلك النظرة التي تسبق النطق، التي تهمس"هذه... ليست مثل الأخريات"

لاما لبثت الأيام أن نطقت بها

ذكرها في الحديث، مرة عرضا، وأخرى مقصودة، وثالثة بضحكة، ورابعة بصوت خافت حين وصف عزفها أمام المحاضِر

ولم تكن مالوري غافلة

بل كانت تراقب بصمت لا يخلو من توجّس

كل ابتسامة قالها عنها، كل حركة عين نحو مكان جلوسها، كل مرة يُبطئ خطاه حين تمر أمامهم، كانت تُكتب داخلها كخدوش

ثم جاء ذات يوم راكضا بملامح تشع سعادة ناطقا

"صادقتها أخيرا مالوري!، سيلين… فتاة مدهشة حقا"

قالها وهو يضحك، يمسك بيدي رفيقته و يدور بها

وهناك، في أعماق لا يصلها الضوء، بدأ شيءٌ ما في مالوري يتآكل،عندها، انقسمت الأشياء

ما عادت مالوري تسمع الموسيقى بذات النقاء

وما عاد الحديث بينهما خفيفًا كما السابق

كأنّ الحياة توقفت عن الميل نحوها،حتى الشمس، بدت وكأنها اختارت أن تنحاز لطرف واحد

تغير كل شيء بعد ذلك بدأت تجلس معهما في الكافتيريا

تشاركهما طريق العودة،تضحك بصوت مليء بالفرح، تمزح بنفس حماسة، تلوح له بمرح، وتضرب على كتفه كما تفعل مالوري تمامًا...

و ذات يوم كانت مالوري في غرفته كعادتهم، تتدرب على مقطعٍ صعب من إحدى المقطوعات،أخطأت، ولم تُفلح بضبط النغمة،رفعت نظرها إليه تلقائيا،لكنه لم يضحك،بل لم ينظر نحوها،كان منشغلاً بهاتفه، يبتسم لنص ما، وربما كانت سيلين تكتب في الجهة الأخرى من الشاشة

شيءٌ بداخلها أنكسر لكنها أخفته

وضعت الكمان جانبا، وقالت بانزعاج

"هل لك أن تنتبه؟ أخطأت ولم أسمع ضحكتك التي تُصلح أخطائي"

رفع رأسه، ابتسم كأن شيئًا لم يكن، وألقى الهاتف

"آسف... معكِ الآن، أقسم!"

ضحك، كأنه يظنها دعابة، لكنها لم تضحك

نَظرت إليه، وفي صوتها غيظٌ لم تُخفيه

"في يوم ما... سأجعلُك تعزف لي وحدي أمام الجميع على المسرح، على الملأ ستعزف لي فقط"

ثم خرجت تضرب الأرض بغيظ واضح

"ما زلتُ أذكر تلك اللحظة"

عندما خرجتُ من غرفته يومها كأيّ مرة، لكن شيئا صغيرا... شيء لا يُرى، تكسر بداخلي بهدوء، وكأنني فقدتُ امتيازي دون أن يُقال لي

لا أعلم متى بدأ بالضبط ذلك التآكل،لكنني أذكر جيدًا كيف شعرتُ، للمرة الأولى،أنني أصبحتُ هامشا في عيون أخضري

سيلين لم تكن فقط فتاة جديدة في محيطنا،

كانت النسخة المحسّنة من كلّ شيء كنتُ أُجيده

صاخبة، محبوبة، موسيقية…

مضيئة بطريقة لا تحتمل

وما كنتُ أنا؟

موسيقى مرتجفة، وضحكة تبحث عن نفسها

بدأ ليو يذكر اسمها في أحاديثنا

لا مباشرة… بل كما يُذكر اللحن العالق في الذهن

بدأت تظهر في طريق العودة،في كراسي الكافتيريا،

في نكاته القديمة التي صار يشاركها معها بدلاً مني

كنتُ أراقب، ولا أُظهر شيئا لكني من الداخل،كنتُ أنزلقُ شيئا فشيئا خارج المشهد،كأنّني ضوء خافت في فيلم قرروا إعادة تصويره بإضاءة أفضل

كنتُ ما زلتُ أضحك،لكن تلك الضحكة لم تكن كاملة

كنتُ ما زلتُ أتدرّب،لكن يداي بدأت ترتجف أكثر، من الخذلان،و ما عدتُ أعلم إن كنتُ صديقته،أم مجرد شاهد عيان على قصة لم يُكتب لي أن أكون بطلتها.

"لقد قدمت تلك الطفلة حلواها المفضلة لظيف منزلها.."

في نهاية السنة الأولى، تلقّت مالوري دعوة لم تكن تتوقعها،اختيرت مع ليو لتقديم مقطوعة ثنائية في الأمسية الختامية للعام الدراسي

"سيعزف لي أمام الجميع!"

هكذا فكرت، وتذكرت وعدا قديما قالته ذات مرة، بعينين غاضبتين وصوتٍ حاد

"سأجعلك يومًا تعزف لي وحدي، أمام الناس"

وها هي اللحظة تقترب، رغبة تتشكل على المسرح

لكن التدريب لم يكن كما توقعت..

كان ليو… عائب الذهن،يجلس أمام البيانو، أطرافه تتحرك، أنامله تبحث عن المفاتيح، لكن عينيه شاردتان في مكان آخر يخطئ النغمة تلو الأخرى، يتوقف، يعتذر، يضحك لنفسه، يعتذر مجددا، ويعود للشرود

كانت تشعر به، تشعر بأنه ليس هنا

سألته، بابتسامة مكسوة بمرهم الصداقة

"أظنّك تُخفي عنّي شيئا يا وجه الحصان، اسكب لي من دَلوِك"

همهم لها،ثم تنهد

"تشاجرت مع سيلين لم تعد تتحدث إلي… وأنا لا أدري ماذا أفعل"

أومأت برأسها تطرد أفكارها المتداخله،كانت تُنصت له وكأنها تُنصت لأغنيةٍ حزينة تعرف نهايتها مع ذلك تسمعها

حتى قاطعته بصوت خافت ينسجم مع هدوء الغرفة

"هل... تحبها؟"

جاء السؤال من مكان ما داخلها…مكان هش ومشتعل

ارتبك ليو، ارتبك حتى اختنقت أنفاسه، أخفض عينيه… حرك كتفيه بطريقة مترددة و اشتعلت خدية

ثم قال نافيا هارب النظر

"ابدا!،هي صديقتي فقط!"

ضحكت معه،ضحكت لأنها فهمت

فهمت كلّ شيء

انها قد زرعت زهرة لن تُزهِر،في حلم لن يتحقق

في تلك الليلة، جلست وحدها، تتأمل النوتات على الورق، ثم نظرت إلى يديها،أصابعه لن تعزف لها، لأن سيلين… كانت هي اللحن الذي يبحث عنه ليو، لا عزف مالوري

وفي لحظة ضعف لم تعترف بها إلا بعد زمن، ذهبت إلى مدير القسم قالت إنها ترغب في الانسحاب من العرض، وأقنعتهم أن سيلين هي البديل الأنسب،ثم قادتها قدامها نحو سيلين،تطلق سراح كلماتها

"هو... يهمكِ، صحيح؟ لا أعرف سبب شجاركما لكن،لا يعجبني تشتت ليو هذا… أعتقد أنه يستحق أن تُنهي خصامكِ معه،ستعزفين معه في الأمسية، وأنا متأكدة أنكِ ستضيئين المسرح أعتبريها دفعه بسيطة مني لمصالحتكما"

سيلين حاولت الرفض كثيرا برأيها ان مالوري ستكون أفضل،لكنها استسلمت لإصرارها و وافقت في النهاية

..

ارتفعت أضواء المسرح بهالة دافئة، تلوّن المساء بألوانٍ ذهبية ونيليّة، وكأن السماء نفسها قررت أن تُزهر فوقهم بهجة خجولة،الستائر المخملية الحمراء انسدلت ببطء، كأنها تحبس أنفاس الجمهور في لحظة انتظار مهيبة، ثم ارتفعت على وقع تصفيق مشتعل يشبه دقّات قلوب الفتيان المحتفلين بنهاية عامهم الأول في الكليّة

كانت سيلين تقف في المنتصف، حُلّتها بيضاء كأنها شُذيت من نورٍ لا يُطفأ،فستانها ينسدل برقة على جسدها، تتطاير أطرافه الخفيفة مع النسيم الذي تحمله المراوح الكبيرة في أعلى القاعة، وشعرها مربوط إلى الخلف بإحكام

ليو جلس إلى جانبها خلف البيانو، مظهره أنيق على نحوٍ استثنائي، نظراته لها محمّلة بنوعٍ جديد من الدفء... دفءٌ لا تملك مالوري له اسماً، لكنها شعرت بصفعة وجوده على روحها

ثم...انطلقت الألحان،انبعثت من الكمان رقةٌ تُشبه همس الوداع، ومن البيانو نبضٌ يتسلّل إلى العظام،امتزج صوت الآلتين حتى بدا كما لو أن الأرواح ذاتها ترقص في الفراغ، تهمس للقلوب أنها ما زالت قادرة على الحياة

الجمهور صمت

بعضهم أغلق عينيه

البعض الآخر تبسّم بعفوية

وفي طرف القاعة..

في الزاوية التي لا يبلغها الضوء، جلست مالوري في المقعد الأخير، يديها معقودتان في حجرها، عيناها لا تفارقان انسجامهما،لم يكن في عينيها دموع فحسب…

كان فيهما احتراقٌ هادئ، كأنها كانت تتبخّر من الداخل

وحين استدار الحاضرون ينثرون تصفيقهم على الثنائي النجم، لم ينتبه أحد لاختفاءها،انسلت كطيفٍ مُهمل، متجهة إلى إحدى القاعات الخالية في الطابق العلوي

وهناك…

في الصمت المكتوم بين الجدران الباردة…

جلست على الأرض، وشهقت

شهقة أولى… ثم ثانية…

ثم بكاءٌ يشبه بكاء الأطفال حين تُنتزع منهم ألعابهم المفضّلة، لكنها لم تكن دمية من قماش… كان قلبها هو من خُطف منها

لقد فاض الكأس من كتمانها،و أنهمرت دموعها كالشلال

بصوتٍ غصّ فيه الألم ولم يتسع له صدر،حتى باتت لا تعلم لما تبكي على والدتها التي لم تتخطاها ام احلامها التي يدهسها القدر دايما لتمحى من قائمتها، ام على قلبها و حب حياتها وهي تراه لغيرها،انفجرت و مع كل صوت ضحكة في الحفل تُرفع صوت شهقات مختنقة

كأنها عادت تلك المراهقة ذات الثانية عشر، التي كانت تنتظر عناقا… فصدمتها سيارة

لكن هذه المرة، لم يكن هناك أحد ليمد يده

"ماذا عنّي..؟"

أذكر تلك الليلة كما لو كانت حفرة في قلبي، لم تُردم قط

كانت ليلة الحفل… وكان يفترض أن أكون هناك، بجواره، أتشاطر معه النغمة، كما تشاطرنا الضحك والألم والحلم

لكنني كنت في آخر الصفوف في الهامش حيث لا تضيء الأنوار

لقد عزف...لكن ليس لي

وكنت أنا من أعاد لها صوته، من منحها لحنه، من رسم لها الطريق إليه…كنتُ الوسيطة، الحجرة الصمّاء التي عبروا فوقها دون أن يلتفتوا،ضحك في وجهها، نفس الضحكة التي حلمت بها لنفسي،نظر في عينيها، تلك النظرة التي كنت أظنّها لي وحدي

ولم أُرد سوى أن أُرى، أن أُؤخذ بالحسبان،لكن، شيئا فشيئا… بدأت أتلاشى،صرت أبدو كظل،يُرافقهم، لا يلمسهم، رفيقة جيدة، نعم لكن دائما 'رفيقة'

ذاك اليوم… كان مفترقا

من بعده تغيّر كل شيء

كأن الزمن قرر أن يسير في اتجاهٍ لا مكان لي فيه

ومنذ تلك الليلة، بدأتُ أعتاد الطفو،أن أكون الحاضرة الغائبة،التي تبتسم في وجه من لا يشعر بها،

وتصفق لمن مزّق قلبها دون أن يدري

وأتساءل الآن، بعد كل تلك السنوات،بعد أن هدأ كل شيء،

وبعد أن خبا الحفل، ونام المسرح، وخمد التصفيق…

ماذا عني؟

أنا الذي كنت أبحث عن نفسي في تفاصيلك،أبني أحلامي على هامش حضورك، هل كنتُ يوما حاضرة في بالك كما كنت أنت تملأ عالمي؟

أم أنني كنت مجرد عابرة في رحلتك الطويلة؟

أتساءل هل شعرت يوما بثقل انتظاري، أم أن صمتي كان خفيفا لدرجة أنه لم يترك فيك أثرا؟

أنا التي أرهقتها الأسئلة، وكسرت نفسي في محاولات الاقتراب، هل كنت ترى جهدي، أم أن وجودي كان ظلا باهتا في الخلفية لا يبصره أحد؟

ماذا عني؟

أنا الذي أحببتك بصمت يفيض باليقين، بينما كنتَ أنتَ تمنح مشاعرك لمن لا يرونك كما رأيتك أنا،لمن لم يعرفوا قيمتك كما عرفتها أنا

أحقا كنت لا شيء بالنسبة لك، أم أنني كنتُ الشيء الذي لا ترغب في مواجهته؟

لقد فقدت نفسي مجددا....

"كانت أجراس الكنيسة تقرع فرحا له… ونذيرا لي"

تخرّجوا منذ شهرٍ تقريبا،أربعة أعوام مرّت كصفحة دُفعت بالريح، وكان ليو قد بدأ يستعد للخطوة القادمة

"هل أطلب يدها من والدها أم منها مباشرة؟"

كان يسأل مالوري بخجل غريب لم تعتده منه

وكانت تضحك، تخفي اختناقها بالضحك، تمدّه بالنصائح كأنها ليست تُذبح بكلماته

"من والدها أولًا، كن نبيلا يا وجه الباندا،وسلها بعده، كُن حنونا"

أخذ بكلامها

الكنيسة مزينة بالزهور البيضاء والذهبية، أنغام موسيقية خفيفة تعزف في الخلفية الناس يتجمعون بملابس أنيقة، وتغمرهم أجواء من البهجة والتهنئة،و في غرفة العروس صوت سيلين المتذمر دمر هدوءها

"مالوري، بالله عليكِ، لا تضيّقي الطرحة أكثر من اللازم، أريد أن أبدو عروسًا لا راهبة!"

و المقصودة تضحك بشر وهي تصلح الطرحة

"بل تبدين كقدّيسة هاربة من إحدى الأيقونات، لكن لا بأس، سنضيف قليلاً من السحر الدنيوي على قدسيتك"

أمسكت سيلين معدتها"إلهي،مالوري!كفاكِ ،صدقا معدتي تكاد تتشقلب لفرط التوتر!"

"ما أسوأ هذا التشبيه… دعينا نمضِ!"

سحبتها بلطف إلى باب القاعة الكبيرة لحظة صمت تسبق دخولهم يتقدم والد سيلين ببدلته الرمادية، عينيه دامعتان وهو يسلّم يد ابنته إلى ليو قائلا ببسمة

"اعتنِ بها يا بني إنها كنزي الوحيد"

و المعني يشع حبا لها

"إنها شمعتي… ولن أدع ريحا تطفئها يا عمي"

ضحكات خفيفة بين المدعوين لرومنسيته، وتصفيق فرحا لهم بينما كانت مالوري تقف خلفهم مباشرة تنظر لهما بنظرات فارغة،تبلل شفتاها

تلك العبارة…

"شمعتي ولن أدع ريحًا تطفئها"…

كانت هي الريح، وهي الليل، وهي الظلّ الذي لم يُرَ أبدًا،عينيها الخضراء تسأل

هل هذا هو العمى العاطفي؟

كانت تصفق، تصفق بحرارة حين أعلن الكاهن زواجهم لكن نظرتها ظلت جامدة، ومخنوقة كمن يبتلع سكاكين حادة حاضرة جسديا و غائبة ذهنيا...

..

أضواء خافتة، حلبة رقص دائرية، ضحكات، كؤوس تُرفع، موسيقى تعزف… ومالوري، وسط الجميع، مشعة تمشي بخفة، توزع التهاني، تضحك بمرح حتى استوقفها صوت إحدى اصدقاء العروس

"مالوري! أيتها العجيبة، كيف تكونين بهذا النشاط؟ أنتِ أكثر حماسا من العروسين!"

و ما كان ردها سوا ضحكة رنانة ثم تصرخ، وهي تقف على منصة صغيرة

"أيها الحاضرون!،لأنني أول من آمنت بحبهما، ولأنني أول من صدّق النهايات السعيدة…سأمنحهما عزفا خاصًا، مني… لهما!"

تتجه نحو الكمان، تقف بثبات، عينيها تلمع

هي متماسكة… لأنها اعتادت أن تكون الصخرة في النهر،

أن تتلقى الماء ولا تذوب

تعزف لحنا راقصا، مبهجا، لكن من يعرفها… يعرف أن أناملها كانت ترتجف

تُنهي العزف، ثم تقفز فجأة، تتمسك بكفّيهما

"هيا! لنرقص!"

تسحبهم إلى منتصف الساحة، يرقصون تضحك سيلين، يضحك ليو… وتضحك مالوري معهم

كانت ترقص، وتضحك، وتدور معهم…

وفي كل دورة، كانت تودّع شيئًا فيها

طفولتها، حلمها، أملها… وربما حياتها .

"تلك الليلة، قدمتُ كل شيء… رقصي، عزفي، حتى ضحكتي،وما تبقى مني…كنت قد دفنته تحت الركام"

كنت أصفّق لهم… حتى تهشّم قلبي بين كفّي

وبينما كانوا يبدؤون فصلهم الأول… كنت أطوي صفحتي الأخيرة

مالوري...

اسمٌ يعني سوء الحظ

مفارقة، أليس كذلك؟

أن يولد اسمك كفألٍ، ويصير مصيرا

أن تمشي طوال حياتك كظل لا يُرى… كفاصلة لا يُنطق بها،كأنني كتبتُ دوري بنفسي… ومزّقتُه بعد العرض مباشرة

فليظل هذا العالم الذي أغرقني في بحار الألم، صامتا، عابسا لا يعرف للابتسامة طريقا، كما لم يعرف للرحمة موضعا، علّمني أن الحياة قاسية، علّمني أن الطيبة سلاح ذو حدين، إما أن تضيء لك الدرب، أو أن تكون السبب في نزيفك حتى الموت

هل كانت طيبتي مقبولة في ميزان هذا العالم؟ أعلم أن الخير لا يضيع، لكنه يستهلك، يُستنزف، يُنحر في قلوب كانت نقية كنقاء الثلج، ثم تشققت، ثم صدات، حتى أصبحت مجرد أطلال من ذكريات الطهر الذي كان

كم من قلب كان يستحق الحياة، لكنه قتل بنصل الخير نفسه؟

كم من روح كانت تستحق الرحمة، لكن العالم حكم عليها بالسقوط، فقط لأنها لم تتعلم كيف تجرح قبل أن تُجرح؟

لقد جف الحبر و ما عاد في القلب حديثٌ يُذكر.

__________________________

أمام قبر منسيّ في آخر المقبرة، جلس شاب في منتصف العشرين، يضمّ إلى صدره دفترًا رماديًا تآكلت حوافه

هو يحفظه عن ظهر قلب

كل مساء، كان يعود إلى هنا،يمسح بحذرٍ حجارة القبر، ويجلس بصمتٍ كأن روحا تسكنه، لا صوت لها

لقد مرّت أربعة أشهر على رحيلها

انتحرت، بهدوء يشبه ابتسامتها في الأيام الأخيرة، ووجعٍ يشبه حروفها في الصفحات المطوية

لم تكن البطلة التي دوّى اسمها في الردهات،

لم تكن ضوء المسرح،

ولا ضجيج التصفيق

كانت في الهامش

تُراقب

تكتب

وتنطفئ كل يوم أكثر من ذي قبله

هو الوحيد الذي لاحظ ذلك،هو من سمع شهقتها الوحيدة تلك الليلة،حين بكى الجميع فرحا،وكانت هي تبكي كطفلة سُرقت منها حلواها المفضلة

هو… من رآها تختفي ليلة الزفاف،ومن بحث عنها، دون أن يملك الجرأة ليقترب،وهو أول من عرف،حين غابت دون وداع، دون رسالة، دون حتى أن توصد الباب

كان أول من استلم المذكرات

قرأها بتؤدة… ببطء…

كمن يقرأ وصيّة كُتبت بحبر القلب

كانت تحبّ، تشتاق، تنهار، وتبني نفسها من جديد… كل ذلك دون أن يلاحظ أحد،دون أن يُبادر أحد

سوى هو… متأخرا جدا

اليوم، جلس أمام قبرها، وأصابع يده ترتعش فوق الورقة الأخيرة

لم يجرؤ على غلق المذكرة

كأن غلقها سيكون ختم النهاية،

وأمله الوحيد أن يظل الباب مواربًا…

ربما، إن تركها مفتوحة

تعود

كانت المقطوعة الأخيرة في الدفتر بلا عنوان

حروف مبعثرة، ونقاط كثيرة،كأنها بدأت شيئا… ثم غابت يدها عن الورقة،رفع رأسه نحو التربة المزهّرة حديثا، وتمتم بصوت مرتجف

"لو كنتِ فقط… نظرتِ خلفكِ مرة،كنتُ سأقولها"

ثم، أطبق جفنيه، وانهالت دموعه كمن لم يبكِ منذ قرون،

الأرض لم تُجبه

والسماء كانت زرقاء على غير العادة

والدفتر… بقي مفتوحًا

كقلب لم يُغلق

كحب لم يُعلن

كنهاية… لم يفهمها الجميع.

النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مالوري

المؤلف batool ali
2025/08/30 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة