رتوش من حلم

رتوش من حلم

17 0

جلست في زاوية الغرفة، يحيطها الظلام، تلمع عيناها بدموع تأبى السقوط.

أمسكت القلم بعنف، لينساب حبره كالنهر الجاري فوق الورقة، يتحرك بحرية

مظهراً انهيارها.. صامتة لا تتحدث، لكنها تعبر بقلمها عن الأعاصير داخلها

وبدون شعور، رسمت صراخها الداخلي. ألقت القلم، ليتعلق نظرها بالنافذة، حيث

القمر يضيء السماء .

تحدث نفسها: "كلانا وحيدان، أيها القمر. تحوم حولنا النجوم، لكنها لا تقترب منا. لا يقترب منا سوى النيازك لتدمر جزءًا منا."

نظرت إلى جدران غرفتها، التي بدت كحصن منعزل، تشعر وكأنها منفصلة عن

باقي المنزل. الجدران باردة، رغم دفء الجدران الأخرى، والضوء خافت، في ظل

الأنوار الساطعة خارجه. تشعر وكأن غرفتها كوكب، وباقي المنزل كوكب آخر.

تسللت إلى مسامعها ضحكات عائلتها من غرفة الطعام، تلتها أصوات المعالق وهي

تصطدم بالأطباق. لم يكلف أحدهم نفسه عناء دعوتها لتشاركهم الوجبة. شعرت

بوخزة في قلبها، وتساءلت بصمت: "هل أنا حقًا جزء من هذه العائلة، أم مجرد

شبح يتجول بينهم؟" في تلك اللحظة، أدركت أن عزلتها ليست فقط في غرفتها، بل هي حالة تعيشها داخل نفسها، بعيدًا عن عالم لا يشعر بوجودها.

أغمضت عينيها مستسلمةً للظلام، تتمنى لو يأخذها لعالم آخر ليست وحيدة به.

ظل القمر ظاهرًا ينير ظلامها طيلة الليل، حتى أشرقت الشمس بنورها الدافئ. وقفت أمام مرآتها مرتديةً

زيها المدرسي، تبتسم لانعكاسها بأمل.

محدثةً نفسها قائلة: "لن تدوم الوحدة يا جود، إنه أول يوم."

خرجت من حصنها لحرب لا تعلم نهايتها، تتأمل في الطريق من نافذة السيارة.

غارقة في بحر الخوف داخلها، عاصفة تزيد الأمواج قوة، لكن وسط عاصفتها ظهر شعاع شمس يفيض بدفئه على قلبها.

نظرت بجانبها لهذا الصوت الحنون الصادر

من أخيها ذو السبع سنوات، ابتسم لها قائلاً: "سعيد أن

مدرستي بالقرب منك."

ردت جود بهدوء عكس ترددها: "وأنا أيضاً."

"دخلت لهذا الحصن لا أعلم ما سيحدث لي داخله، هل به ستنتهي وحدتي؟ أم ما تبقى من أمل داخلي؟"

وقفت أمام فصلها، يجور في رأسها أفكار عن الهرب بعيداً. دخلت بعيون تائهة

مرتبكة لتجلس في آخر مقعد. نظرت حولها بهدوء تتأمل الفتيات، تمنت لو تتكلم مع

أحداهن لكن لم تكن بداخلها تلك الشجاعة.

لفت انتباهها فتاة تقترب منها وتحدثت قائلة: "مرحباً.. ما اسمك؟" ردت : "جود."

تحدثت الفتاة قائلة: "أنا ريم.. إذن لما تجلسين هنا وحيدة؟"

ردت جود بتردد: "ليس لي أصدقاء.. لا أعرف أحداً هنا.

" تكلمت ريم: "إذن هيا لتجلسي معنا."

جلست جود معهم لم تكن تعلم عن ماذا تحدثهم، رأت أنهم يتحدثون عن هواياتهم،

إحدى الفتيات قالت الغناء والأخرى القراءة. حتى أتى دورها، نظرت لهم بتوتر

وأردفت بصوت خجول: "الرسم." نظرت لها ريم قائلة: "أرينا رسوماتك إذن."

أخرجت جود من حقيبتها مذكرة صغيرة، أعطتها لريم. شعرت بالبرودة تحتل أوصالها، وانتشرت الحمرة في وجنتيها أثر توترها من ضحكات ريم، التي تزداد بين كل رسمة وأخرى.

نفذ الأكسجين من جسدها عند سماع تلك الريم تعلق بصوت

متهكم يغلفة الأستهزاء : حقاً ؟

أتظنين أن هذا ما يسمي رسماً ؟

دت جود بصوت منخفض يحمل في طياته إحراجاً: "لماذا ما بها رسوماتي؟"

أردفت ريم: "إنها رتوش بلا قيمة على صفحة بيضاء."

انغمرت عينا جود بدموع تحاول إخفاءها، بينما عقبت

ريم قائلة: "أفضل أن تتركي تلك الهواية للموهوبين يا جود."

أخذت جود دفترها بانكسار، صامتة وكأن الكلمات لا تقوى على الخروج من حنجرتها، جلست بينهم كالدمية، تستمع لأحاديثهم لكن لا تتحدث. مرت الأيام عليها

متشابهة، لا تختلف عن سخريتهم من هوايتها إذا تحدثت، فكانت تكتفي بالصمت،

مستمعةً لهم. لكن هناك ما تلاشى بداخلها، بدأ قلبها ينجذب إلى أحاديثهم الغريبة.

هي التي كانت هاوية الرسم، محبة للألحان الموسيقية الهادئة، هي من كانت تُحادث

القمر ليلاً، أصبحت تستمع الآن إلى أنغام الأغاني التي تفتقر إلى التناغم، وكلمات تفتقر للمعنى، بلا قيمة تذكر. تركت محادثة القمر لتدخل في أحاديث مع من ظنتهم

أصدقاء، حول أمور لم تكن يوماً جزءاً منها.

تخلت عن جزء من هويتها لتصبح أكثر قبولًا في أعينهم، حتى لا تبقى وحيدة.

كانت شبحًا بينهم، والآن أصبحت كالصلصال، كلماتهم تشكلها كما يحلو لهم.

جلست على مكتبها، ملتقطةً نفس القلم الذي عبرت به عن ما بداخلها، لكن الآن

يتناثر هذا الحبر على الورق لتنجز واجباتها المدرسية، تتمنى لو تحصل على تلك الدرجات العالية في سنتها الأخيرة من الإعدادية، تعلق نظرها بالنافذة، كان القمر بدراً، لم يفارقها يوماً منذ رحيلها عنه، ظل ينير ظلام غرفتها حتى وإن

أضاءتها، شعرت بفيض نهر الأمل في قلبها اليابس. تعلم في داخلها مدى جهدها في تحقيق النجاح لهذا العام، لكن ما زالت تشعر بمدى تقصيرها، بالرغم من تلك الدرجات المرتفعة لم تلقَ أي ردة فعل من والديها، تشعر بأن واجباتها كالكثبان

الرملية، كلما هدمتها تأتي الرياح لتكون أخرى.

أمالت رأسها على الطاولة، وهمست لضميرها بأنها ستستريح فقط لخمس دقائق...

شردت في خيالها وتلاشت أفكارها، حتى أصبحت الخمس دقائق كأنها ساعات،

لتجد نفسها تغرق ببطء في نومٍ هادئ بعيد عن الواقع.

"ود القمر لو أطال ليلته على تلك النائمة، لكن لا مفر من شروق الشمس."

ارتدت زيها المدرسي بقلق , تحدث نفسها بصوت مرتجف مليء بالتساؤلات : هل

كانت ساعات المذاكرة كافية لاجتياز اختباري اليوم؟ ها هي الآن أمام الاختبار، منحت لقلمها الحرية ليجوب بين السطور، يعبر عن ما في ذهنها، ويواجه الأسئلة الخبيثة ببراعة، ليحسم معركة الاختبار في وقت قياسي، معلنًا انتصاره.

عند عودتها إلى المنزل، اندفعت نحو والدتها، محاولةً أن تفتح قلبها لها. لكنها وجدتها مشغولة بمساعدة أخيها الصغير. نادت عليها، لكن والدتها لم تسمعها وكأن الصوت لم يصل لها.

جلست على أرضية غرفتها، بيدها القلم ينشر خيوطه السوداء بعنف، يجري فوق الورقة كالنهر محدثاً طرقًا عشوائية تتداخل ببعضها، حتى ظهرت تلك

الملامح وسط خيوطها المتشابكة.

تأملت رسمتها بابتسامة مشرقة تتناقض مع دموع عينيها. أدركت داخلها أن هذه الرتوش إن لم تكن رسمًا، فهي ما بداخلها، هي كلماتٍ تقولها بقلبها. وضعت رأسها

على وسادتها، واحتضنها سريرها يمدها ببعض الأمان لتغوص في نوم عميق، متجهةً لعالمها الخاص. أشرقت الشمس مع إشراقة وجهها، تطلّعت إلى مرآتها بعيون تشعّ أملاً، تتأمّل انعكست ابتسامتها الخفيفة، كأنها تواسي نفسها بهذا القرار

البسيط الذي ينبض في قلبها بالحياة: لن تتخلى عن حلمها، قررت الانضمام إلى قسم الرسم في مدرستها.

شعرت وكأنها تقترب من ذاتها الحقيقية، وخرجت لمواجهة والديها، لكن نظرات الذهول على وجهيهما جعلتها تتساءل بمزاح بين نفسها: ألم أبتسم يومًا حتى يفاجئهم الأمر هكذا؟

مرّت ساعات المدرسة ببطء متثاقل، وكأن الزمن يعارض قرارها، كأنه يهمس لها بأن تتراجع... لكنها لم تعر هذا الهمس اهتمامًا، وها هي الآن تقف أمام معلمها، تمسك بدفترها بأطراف أصابعها المرتجفة، تحاول أن تحافظ على ثباتها رغم

تسارع نبضها، مدّت يدها بتوتر: هل يمكنني الانضمام إلى قسم الرسم؟ هذه

رسوماتي... ثم أردفت بتردد: إنها موهبتي منذ الطفولة.

وقف المعلم يتصفح الدفتر بوجه جامد، لم تلمح في عينيه أي لمحة إعجاب أو حتى تشجيع، بل كان صمته ثقيلاً كأنه يزن كلماته القاسية قبل أن ينطق بها.

رفع بصره وقال بسخرية: هل تعتبرين نفسك موهوبة بهذه الخطوط المتداخلة؟

هل تمزحين يا جود؟... قهقه بصوتٍ جاف، ثم علّق ببرود: أنصحكِ بأن تبحثي عن موهبة أخرى، لأن ما أراه هنا ليس سوى حبر متناثر على ورق.

ارتجف قلبها، كأن كلماته كانت سهامًا مسمومة اخترقت روحها.

نظرت نحوه بعينين مغرورقتين بالدموع، تحاول الدفاع عن نفسها، عن حلمها الذي كان يشكّل جزءًا من كيانها، قالت بصوت مرتجف: لكن... للرسم أنواع...

قاطَعها بصوت حاسم، غالقاً أبواب أملها: لا يوجد نوع يندرج تحته "رتوش عبثية"

يا جود، إمّا أن تتعلمي قواعده أو تتركيه لمن يملكون الموهبة الحقيقية... والاختيار

الثاني يبدو أفضل لكِ.

شعرت بحرارة تسري في أوصالها، برغبة في أن تجيبه، أن تثبت له أنه مخطئ،

لكن قبل أن تفتح فمها، كان قد أدار ظهره وغادر، تاركًا دفترها على المكتب

بإهمال . مدّت يدها المرتعشة والتقطت الدفتر، قلبت صفحاته بعينين زائغتين .

نظرت إلى لوحات الطلاب الآخرين المعلقة على الجدران، وقلبها يخفق بخيبة مريرة. كان محقًا... أليس كذلك؟ هل كانت تخدع نفسها طوال هذا الوقت؟

خرجت من الغرفة بخطوات ثقيلة، تحمل قلبًا محطماً. جلست في مقعدها داخل الفصل تحدّق في الفراغ بشرود. كم تمنت لو تهرع إلى غرفتها، تهرب من هذا الشعور القاسي، لكن أين المفر من صوت المعلم الذي لا يزال يرنّ في ذهنها كحكم

نهائي لا رجعة فيه.

كم تمنت لو تبوح لصديقاتها بما تشعر به، لكنهن سيصنعن من

ألمها مادة جديدة للسخرية... فاختارت الصمت، وابتلعت وجعها في أعماقها، كما اعتادت دائمًا.

مع غروب الشمس، لازالت تسير في الشوارع كـسفينة تائهة عن مرساها، تلمع عيناها بالدموع. بداخلها أسئلة عالقة لا تخرج ولم تجد لها إجابة. تحدث نفسها

قائلة: إن لم تكن هذه موهبتي، إن لم أتعامل مع أصدقائي بطبيعتي، إذًا من أنا؟

وأين أضعت كياني؟ أكان أمان قلبي في عزلته؟ أكانت الوحدة أفضل لي؟

عادت لمنزلها منكسره، دخلت حصنها. كادت أن تفقد توازنها من ثقل ما في قلبها.

جلست في زاوية غرفتها، لم يكتفِ الظلام بأن يحيطها، بل اخترق قلبها. حدقت في الفراغ بعيون زائغة، يتردد في مسمعها كلمات معلمها. انهار حصنها، وهوت الدموع من عينيها كالشلال، تقف الكلمات في حلقها كالجمر، تشعر أنها غريبة عن

نفسها... فاقدة للهوية... اسم من دون كيان.

أشرقت الشمس وسط الغيوم القاتمة، تحجب نورها عن الأرض وكأنها ترفض أن تمنح اليوم إشراقة جديدة.

كانت المعلمة مستمرة في شرح الدرس، بينما غابت جود عن الواقع، تحدق في كتابها المفتوح دون أن ترى ما بداخله. عقلها لم يكن في الفصل، بل في عالم

آخر حيث الوقت متوقف وكل شيء باهت. لم تشعر بمن حولها حتى هزتها يد بقوة.

رفعت رأسها بذهول لتجد زميلتها تهمس لها: "المعلمة تناديك منذ مدة، قفي!"

بخطوات مترددة وقفت، يكسوها حرج لم تستطع إخفاءه، وواجهت نظرات

معلمتها المتعجبة بعيون زائغة. تكلمت المعلمة بهدوء، نبرة صوتها تحمل القلق: "جود، هل أنتِ بخير؟"

أومأت سريعًا وهي تردف بصوت خافت: "أجل، أنا بخير."

لكن المعلمة لم تبدُ مقتنعة تمامًا، فتحدثت بنبرة جادة، يغلفها شيء

من الحنان: "اجلسي، وركزي معنا يا جود."

جلست في محاولة للتركيز، لكن عقلها لم يستجب. أصبحت كلمات معلمتها كأنها

تتوه داخل متاهة معقدة في ذهنها، تضيع بين أسوار أفكارها المتشابكة، فلا تصل إلى إدراكها بسهولة. وكأن عقلها يبني جدارًا بينه وبين كل ما حولها، تاركًا إياها

غارقة في شرودها، غريبة عن واقعها. في الأيام التالية، ظل عقلها شاردًا وقلبها مثقلًا، لم تعد تملك طاقة للحياة من حولها. كانت منكسرة العيون، صامتة في أغلب الأوقات، أصبح تغيرها ظاهرًا لمعلميها وزملائها. حاولت إحدى المعلمات

أن تكلمها، وكان ردها الوحيد: "أنا بخير."

فضلت صمتها على أن تفيض بماء حزنها في وعاء مثقوب، تدرك جيدًا

أن لا شيء سيتغير، فحتى إن وصلت كلماتها، لن تجد صدى يُعيد ما فُقد.

مرت أيامها متشابهة بين المدرسة والنوم... لم تجد مهربًا من يأسها سوى أن تغرق

في سبات متواصل، كأنها تحاول الهروب من واقعها. حتى جاء يوم ميلادها

الخامس عشر...ذلك اليوم الذي اعتادت انتظاره عامًا بعد عام، ليس حبًا في

الاحتفال، بل لتسرق منه بضع لحظات دافئة مع عائلتها قبل أن يعودوا لنسيانها

مجددًا. لكنها لم تكن تعلم أن هذا العام سيحمل لها هدية مختلفة... جهاز صغير،

نافذتها إلى عالم لم تره من قبل . لم تترك لها وحدتها خيارًا سوى الانغماس في تلك

التطبيقات الغريبة التي يسمونها بالسوشيال ميديا، حيث يختبئ الجميع خلف أقنعة

الحسابات المزيفة. لطالما أخفت مشاعرها في الواقع، خوفًا من السخرية التي

اعتادتها، وترددت في التعبير عن رأيها. لكن هنا، حيث لا أحد يعرف هويتها،

وجدت نفسها تتكلم بحرية لأول مرة. أصبح لهذا الجهاز قيمة لم تتوقعها... منحها

مهربًا من واقعها، لكنه في المقابل سرق منها هذا الواقع. باتت أسيرة لهذا الخيال، تتنقل من منصة إلى أخرى بلا هدف، تبحث عن ذاتها وسط ضوضاء لا تنتهي.

وجدت في تلك الألحان الفارغة راحة، وفي أولئك الغرباء رفقة، حتى غفلت عن

روحها تمامًا... ووقعت في فخ عالمها الجديد....

"عالم يشبه نبتة الأقونيطن، يخفي سمه القاتل خلف جماله وألوانه الزاهية ".

أدمنت هذه الحياة، وأهملت دراستها وحياتها الواقعية. لم تجد من يرشدها، فضاعت

في محيط من الظلام يزهو بنورٍ زائف. تتنقل بين القنوات، يتلقى قلبها الصدمة قبل

عقلها مما تراه. عالم آخر بلا حدود، حيث تُمحى الخطوط الحمراء تحت مسمى الحرية.

ترى فتاة ترقص، وأخرى تعرض حياتها الشخصية دون تردد، لتصبح مجالًا مفتوحًا لكل من يريد التدخل.

هنا تعليق جارح، وهناك كلمات لم تسمعها من قبل، ليتضح مدى فظاعتها من سيل الهجوم عليها.

لا خجل هنا، لا حدود، لا قيود...

ترقد على فراشها، تتنقل بين الفيديوهات في هاتفها، ابتسامات مشرقة، حياة مثالية، أصدقاء لا تشوبهم شائبة، والاختلاف الوحيد هو ملامحهم. يدور في عقلها سؤال

ملحّ: كم تبدو الحياة خلف هذه الشاشة مثالية؟

ترى فتاة تنسّق ثيابها بعناية، وأخرى تستعرض اهتمامها بشعرها. هنا فتاة تمارس

الرياضة، وهناك أخرى ناجحة في مجالها. ترفع عينيها نحو انعكاسها في المرآة،

تتفحص مظهرها؛ نفس تسريحتها المعتادة، ملابس لم تكلف نفسها عناء تنسيقها،

وجه شاحب تفضح ملامحه الإرهاق. تنظر إلى كتبها الملقاة بإهمال، ثم تعود

بنظرها إلى انعكاسها لتحدث نفسها: "لم يكن هذا ما تمنيتُه لنفسي..."

لتمسح دموعها الهاربة، وتتخذ قرارًا حاسمًا "بتغيير لأجل نفسها".

أصبحت تقف أمام خزانتها طويلًا، تختار ملابسها بعناية، تجلس أمام مرآتها،

تسرّح خصلاتها برفق، ثم تبتسم لانعكاسها ابتسامة مشرقة... مختلفة. لكن التغيير لم يكن في مظهرها فحسب، بل في نظرات من حولها أيضًا. نظرات الإعجاب،

الاهتمام المفاجئ، حتى تقرّب زميلاتها منها لم يكن سوى بسبب مظهرها الجديد.

تذكرت جيدًا نظرات السخرية التي كانت تتلقاها منهم في السابق. أدركت حينها أن

هؤلاء لا يهتمون إلا بالمظهر، حتى لو كان زائفًا. عادت إلى عزلتها بإرادتها،

مفضّلةً ذلك على مرافقة مزيفين.

"ما أجمل حديث القمر، وما أتعس تركه لمناقشة بعض الممثلين البارعين..."

جلست على أرضية غرفتها بهدوء، تتصفح هاتفها بلا اهتمام، حتى ظهر لها فيديو

لفتاة ذات ملامح بسيطة، تبتسم بعفوية، بعينين تشعّان بالحياة. كانت تضحك مع

عائلتها، تتحدث بطلاقة دون تصنّع، كأنها ترسل مقاطعها إلى أصدقائها، لا إلى عالم غريب.

جذبتها بساطتها، وجدت نفسها تنتقل بين فيديوهاتها واحدًا تلو الآخر، تبتسم دون أن تشعر، وكأن ضحكة تلك الفتاة قد تسللت إلى قلبها.

تمنت لو كانت تشبهها، لكنها تعلم أنها بعيدة عن عائلتها كثيرًا، حتى أخاها الوحيد لم تعد تشعر بقربه كما في الماضي.

تنهدت، أغلقت هاتفها، وأغمضت عينيها... تسافر إلى عالم أحلامها، حيث لا حاجة للتزييف، ولا مكان للأقنعة، لتغرق في نومٍ عميق.

مضت لياليها وهي ترى نفس الفتاة بكثرة... شعرت باختلافها، شعرت بذلك الدفء في فيديوهاتها مع عائلتها، حتى أتى ذلك اليوم...

لم تتوقع جود أن ترى وجهًا مألوفًا في مدرستها، لكنها لم تخطئ حين وقعت عيناها على تلك الفتاة التي اعتادت رؤيتها عبر الشاشة، الفتاة التي لفتتها بعفويتها

وضحكاتها الصادقة، قد انتقلت إلى هنا.

لم تكن جود بحاجة إلى أن تسأل أحدًا، فقد رأت كيف أحاطت بها الفتيات منذ اليوم الأول، وكأنها تعرفهن منذ زمن. كانت مختلفة، طبيعية وسط عالم مليء بالتصنّع، ورغم أن جود اعتادت الوحدة، وجدت نفسها تراقبها دون وعي.

لم تتجرأ يومًا على الحديث معها، فكم من ابتسامات بدت صادقة ثم تحولت إلى خناجر غدر؟ وما أكثر البراءة، وما أبدع من يمثّلونها! فاكتفت بمراقبتها بصمت...

جلست في ركن الفصل، تقلب في هاتفها كعادتها، غير آبهة بالهمسات التي تتردد حولها، تصفها بالغرور. ابتسمت بسخرية وهي تحدث نفسها: "ما أغباهم... ليظنوا بعزلتي غرورًا". وبينما كانت تغوص في أفكارها، رفعت عينيها عن الشاشة...

لتلتقي نظراتها بعيني تلك الفتاة. لم تكن تتوقع أن تبتسم لها، لكنها فعلت، بصدقٍ وهدوء، كما لو أنها تراها حقًا، لا كما يراها الآخرون.

وقبل أن تستوعب، وجدت أُمنية تقترب منها بخطوات واثقة، تحمل معها تلك الابتسامة الودودة.

ـ "مرحبًا،

كيف حالك؟"

ارتبكت جود للحظة قبل أن ترد بجفاء معتاد: "بخير."

ـ "ما اسمك؟"

ـ "جود."

ابتسمت الفتاة وأردفت : "اسمكِ جميل، أنا أمنية. هل لي أن أسألك سؤالًا؟"

نظرت إليها جود بريبة لتومأ بصمت

ـ "لماذا تجلسين هنا وحدك؟ لا أقصد التطفل، لكنك تبدين دائمًا منعزلة."

ترددت جود قبل أن تجيب بصوت خافت: "ليس لدي أصدقاء، أو ربما... لا أحب الرفقة المزيفة."

رفعت أمنية حاجبيها باهتمام: "رفقة مزيفة؟"

أومأت جود ببطء: "أجل، معظم من هنا لا يبحثون عن صديق، بل عن شخص

يشكلونه كما يريدون."

تنهدت أمنية برفق: "ربما معكِ حق، لكن... ليس الجميع كذلك. لماذا لا تحاولين؟"

لم ترد جود، اكتفت بالنظر إليها بصمت، بعينين مثقلتين بالخذلان، وكأنها لم تعد تؤمن بأن هناك شيئًا يستحق المحاولة. شعرت أمنية بذلك، لكنها لم تبتعد، بل قالت بنبرة دافئة: "لا تدعي اليأس يسرق منك الفرصة. ما رأيك أن نصبح

أصدقاء؟ لا مزيفين، بل حقيقيين..

حدقت بها جود للحظات، تتساءل في أعماقها إن كانت مثل الآخرين... أم أنها مختلفة حقًا؟ هل هذه مجرد كلمات عابرة، أم أن هناك صدقًا يختبئ خلفها؟ لم تعرف الإجابة، لكن شيئًا ما في قلبها أخبرها أن هذه المرة... قد تكون مختلفة ..لتبتسم لأمنية قائلة : حسناً , موافقة

رمقتها أمنية ببتسامه وأردفت : أتفقنا يا صديقتي

مرت الأيام على جود بهدوء غريب، وكأن شيئًا غير مرئي يسحبها بعيدًا عن عالمها القديم.

دون أن تشعر، بدأت تترك هاتفها لساعات، تخرج للقاء أُمنية،

التي سرعان ما أصبحت أقرب إليها من أي شخص آخر. وجدت فيها دفئًا لم تجربه من قبل، كأنها الأخت التي لم تنجبها لها الحياة.

لم يكن هناك وقت دون أُمنية بجانبها؛ في لحظات الحزن، كانت تجلس أمامها، تهمس بكلمات بسيطة لكنها كفيلة بانتزاع الضحكة من شفتيها، وفي لحظات الخوف، كانت تمسك

بيدها، تبني جدارًا من الطمأنينة حولها.

وبمرور الوقت، لم يعد هناك ما تخفيه جود عن أُمنية، فسكبت أمامها كل ما كان يثقل صدرها.

تحولت الدموع إلى جسر بينهما، وحين بكت، لم تسمع سوى

صوت أنفاسها المختنقة وذراعي أُمنية التي احتضنتها بصمت، وكأنها تمنحها حق البكاء دون خجل.

لكن أُمنية لم تكن مجرد مستمعة، بل حملت بين كلماتها

تجربة مشابهة، ماضٍ أخفته كما أخفت جود ألمها. أخبرتها أنها كانت وحيدة، لا شيء أخرجها من تلك العزلة سوى شغفها، فتمسكت به رغم نظرات النقد والتشكيك.

علّمتها أن تفعل ما تحب، أن تستمر رغم اعتراض العالم كله، فما دامت لا تؤذي أحدًا، فلن يحق لأحد أن يمنعها.

وفي لحظة، أدركت جود أنها تخلّت عن حلمها فقط لأنه كان مختلفًا.

استمعت لكلمات الآخرين، ونسيت أنه جزء من كيانها.

لكنها الآن، وبعد رحلة طويلة من الضياع، بدأت أخيرًا في العثور على نفسها. عادت لحلمها دون أن تغيّره، وكلما

شعرت بالتردد، كانت أُمنية تقف بجانبها لتستمر، تاركةً لها تلك الملاحظات فوق كتبها ورسوماتها.

أصبحت أُمنية كالنور الذي يرشدها في طريقها دون أن تضل،

فبدأت جود تخطو خطواتها بثقة، تؤمن بنفسها، وتتمسك بما تحب... دون تردد.

جلست جود في ساحة المدرسة، بيدها دفترها، ترسم بابتسامة هادئة بينما تستمع إلى

الألحان الناعمة. كانت الشمس تنثر ضوءها من حولها، يغمرها دفء يدفعها

للاستمرار، وكأنها انفصلت عن الواقع... لكن صوتًا حنونًا قطع استغراقها، ناداها

برقة. رفعت نظرها لتجد أُمنية تتقدم نحوها، وعلى وجهها ابتسامة تنافس الشمس

في إشراقها. احتضنتها وهي تضحك بعفوية، قائلة: "جود! سجلت اسمكِ في مسابقة

للرسم!" ... اتسعت عينا جود في صدمة، تمتمت بتردد: "ماذا؟ لكن... رسمي... لن

يفهموه يا أُمنية."

أجابت أُمنية، بنفس ابتسامتها الواثقة: "أنا أفهمه، وهذا يكفي! يجب أن تخاطري، لن

تبقي في قوقعتكِ للأبد... إلى متى ستُخفين فنكِ؟"

همست جود بخوف: "وماذا إن لم يُعجبهم؟"

ابتسمت أُمنية بحنان: "وما أدراكِ؟ لا تتعجلي الأحكام."

مرت الليالي، وجود تتدرب بجدية، تحاول تحسين رسمها، وتستعد للمسابقة بتوتر،

لكن وجود أُمنية إلى جانبها كان يطمئنها. ما لم تحسبه أبدًا، هو أن تُسرق منها

أُمنيتها دون سابق إنذار. وصلها الخبر كصفعة مفاجئة: حادث سير. لم تصدق حتى

رأت الجثمان في المشرحة، وحينها فقط، انهارت كل ذرة صبر بقيت في قلبها.

صدى كلمات أُمنية كان يرن في عقلها، وصورتها لم تفارق مخيلتها. لماذا تركتها

وحدها في هذا العالم؟ لماذا كانت هذه المرة مزحة لم تستيقظ منها؟

باتت تزور قبرها كلما شعرت بالوحدة، لكن وحدتها كانت تزداد أكثر. عائلتها

أخيرًا لاحظت حزنها، رأوا انعزالها الذي ازداد بعد رحيل أُمنية، وأدركوا الدموع

التي لا تنفد من عينيها، وكأنهما باتتا منفذًا لنهر لا يجف. حاولوا احتواءها،

ومنحوها ذلك الدفء العائلي الذي كانت تفتقده دائمًا.

"لكن ما فائدته الآن، بعدما فقدت أملها؟"

جلست جود أمام نافذتها، تشعر وكأن العالم أصبح ضيقًا عليها، وكأن الهواء من حولها لا يكفيها لتتنفس. كان قلبها مثقلًا بحزنٍ لا يوصف، ودموعها تنساب كأنها

تحاول إفراغ ما بداخلها من ألم. كانت تمسك بهاتفها بيد مرتجفة، تستمع إلى تسجيل

قديم لها مع أُمنية، فتتردد ضحكاتهما في أذنها كصدى بعيد من حياةٍ لم تعد لها.

كلما سمعت صوت أُمنية، شعرت بوخزة في قلبها، وكأن روحها تتمزق ببطء، وكأنها تُسحب نحو هاوية من الوحدة والاشتياق اقتربت والدتها منها ببطء، ثم جلست بجانبها على الفراش واحتضنتها برفق، وكأنها تحاول جمع شتاتها. همست بصوت

دافئ، مليء بالندم: "لنتحدث يا جود، أخبريني بكل ما بداخلكِ... أنا هنا، أعدكِ أنني

سأسمعكِ."

رفعت جود عينيها، تحدّق في والدتها بنظرة مشوشة بين الغضب والخذلان، قبل أن

تهمس بصوت متحشرج: "بماذا أخبركِ يا أمي؟ هل أحكي لكِ عن وحدتي؟ عن

شعوري بأنني غريبة وسطكم؟ عن كل مرة نظرتِ إليّ ولم تريني حقًا؟ عن السخرية

التي تعرضتُ لها، أم عن الاستهانة بأحلامي؟ عن أُمنية التي كانت صديقتي الوحيدة؟

أم عن كونها الوحيدة التي جعلتني أشعر أنني مرئية؟"

توقفت للحظة، تأخذ نفسًا مرتجفًا، ثم تابعت بصوت خافت: "أخبركِ أنها كانت سندي

الوحيد... والآن، لم يتبقَ لي شيء؟"

ارتعشت يد والدتها وهي تمسح دموع جود بلطف، قبل أن تقول بحزن: "لم أكن أعلم

يا جود... لم أدرك أنكِ كنتِ بحاجة إليّ بهذا الشكل. ربما كنت منشغلة، ربما ظننت

أنكِ بخير... لكنني أخطأت. سامحيني، صغيرتي، وأعدكِ أنني لن أبتعد عنكِ مجددًا."

تنهدت، ثم شدّت على يدي ابنتها بحنان: "لكن لا تدفني نفسكِ في هذا الحزن، حبيبتي.

أتظنين أن أُمنية كانت ستسعد برؤيتكِ هكذا؟"

حاولت جود الرد، لكن الكلمات كانت عالقة في حلقها، وكأن جمرة تشتعل بداخلها.

لم تصدق بعد أنها رحلت، أن كل شيء أصبح ذكرى. كل ما استطاعت فعله هو

ترك دموعها تنهمر بصمت...

مرت أيامها دون صباح، تنير الشمس غرفتها في ظل قلبها المعتم. اعتاد أخوها

الجلوس معها، يحاول إضحاكها أو يكتفي باحتضانها إن بكت، حتى اقترب موعد

مسابقتها.

لم تشأ الذهاب، لكن كلما رفضت، تذكرت فرحة أُمنية بها، تذكرت كلماتها التي كانت تحثها على الاستمرار.

ثم جاءت والدتها لتشجعها، فقررت أن تكمل، أن تخاطر، أن تكسر هذا الحاجز أمام ثقتها.

حلَّ يوم المسابقة، امتلأت القاعة بالتوتر، إلا هي.

بدأت الرسم، تاركة روحها تفيض بكل ما يحدث بداخلها. تذكرت كلمات أُمنية، فاغرقت عيناها بالدموع،

لكنها سرعان ما عادت إلى لوحتها، تاركة القلم ينثر حبره، تتشكل تلك الرتوش التي وصفوها بأنها بلا معنى و خطوط متداخلة، عشوائية... حتى ظهرت من بينهم ملامح فتاة شديدة الجمال، تبتسم بهدوء. صنعت من كل ما قالوا عنه بلا معنى، لوحة ذات معنى... على الأقل بالنسبة لها، لقلبها.

وقفت في القاعة أمام لجنة الحكام برأس مرفوع، بجانبها لوحتها.

لم تكن مهتمة برأيهم، لم تنتظر حكمهم عليها، فهم لم يمروا معها بمراحل رسمها، لم يشعروا بمدى تعبها.

لم ولن يدركوا أهمية هذه اللوحة، والآن لم تعد تحتاج إلى آرائهم حول ما تحب.

حتى لو خسرت، يكفيها أنها خرجت من قوقعتها، وأنها أخيرًا تثق بنفسها وبما تحب. سارت على كلمات رفيقتها العزيزة...نظرت إلى أعين الحكام، فرأت نظرات الانبهار.

ثم التفتت إلى فتيات فصلها، لتجد نظرات مماثلة.

شعرت أخيرًا بالدفء... حتى لمحت تلك الفتاة تقف في منتصف القاعة، تبتسم ابتسامة تنافس الشمس في إشراقها، وأعينها مملوءة بالفخر.

بادلتها جود بابتسامة أمل وعيون دامعة، وهمست بهدوء:

"شكرًا لوجودكِ بجانبي يا أُمنيتي..."

عمل الكاتبة: بسملة حجاج جاد الرب

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رتوش من حلم

المؤلف Basmala hagag
2025/08/30 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة