مستشفى سانت توماس الساعة 9:00 بريطانيا.
كانت الأجواء في مستشفى سانت توماس هادئةً على نحوٍ يوحي بالانضباط، حيث تسير الأمور بانسيابية تحت إيقاعٍ محسوب بدقة أروقة المستشفى الواسعة تتردد فيها أصداء خطوات الأطباء والممرضين، ممتزجةً بهمسات أجهزة المراقبة الطبية وأصوات تسجيل البيانات على الشاشات الرقمية.
في قسم الطوارئ كانت الممرضات يتنقلن بخفة بين الأسرّة، يفحصن العلامات الحيوية للمرضى، ويقمن بتحديث ملفاتهم الإلكترونية ببيانات دقيقة عن معدل ضربات القلب ضغط الدم، ومستوى الأكسجين في الدم أصوات أجهزة تخطيط القلب ترسم إيقاعًا منتظمًا، بينما يراقب الأطباء شاشات الأشعة المقطعية، يتبادلون التحليلات السريرية مستخدمين مصطلحات معقدة تعكس خبرتهم في التشخيص التفريقي والقرارات العلاجية الطارئة.
في الممرات تتحرك عربات الأدوية بعناية تُدفع بأيدٍ خبيرة ترتدي قفازات معقمة، حيث تُوزَّع الجرعات بعناية فائقة وفقًا للبروتوكولات العلاجية المعتمدة. رائحة المطهرات الطبية تمتزج برائحة القهوة المنبعثة من استراحة الأطباء، حيث يجلس بعضهم يناقشون حالات سريرية معقدة، يتصفحون صور الأشعة السينية ويتبادلون وجهات النظر حول الخطط الجراحية القادمة.
كل فرد هنا جزءٌ من منظومة دقيقة، حيث يتداخل الطب مع التكنولوجيا، والخبرة مع الحدس الطبي خلف كل قناعٍ جراحيّ، تكمن عيون يقظة تقرأ التفاصيل الخفية وراء الأعراض تلاحق المؤشرات الحيوية، وتبحث عن أي اضطرابٍ قد ينذر بخطر. إنه نظامٌ دقيقٌ لا يقبل الخطأ حيث الحياة والموت يفصل بينهما قرارٌ واحدٌ محسوب.
كان النظام يسود المستشفى كالمعتاد كل فرد يؤدي دوره بدقة متناهية، إلى أن اخترقت صفارات سيارات الإسعاف الصاخبة هدوء المكان، تبعث في الأروقة توترًا خفيًا يشبه دقات إنذار طارئة أمام المدخل الرئيسي، توقفت ثلاث سيارات إسعاف دفعة واحدة، أبوابها تُفتح بعنف، ويخرج منها المسعفون بسرعة تعلو وجوههم ملامح القلق والاستنفار.
ركض أحد المسعفين إلى طاقم الاستقبال الطبي وهو يهتف بصوت مرتفع:
"لدينا حالة طارئة! حادث تصادم بين حافلة ومركبة صغيرة، الإصابات حرجة، لدينا نزيف داخلي، صدمة نزفية، وكسور مفتوحة! نحتاج إلى تدخل فوري!"
في لحظة، تحوّلت الأجواء إلى ساحة عمليات متنقلة حيث انطلق الممرضون إلى سيارات الإسعاف، يحملون نقالات الطوارئ بعناية بينما كانت فرق التمريض تبدأ التقييم الأولي للحالات.
وضع التقييم الأولي المصابيين
مريض في منتصف العمر فاقد للوعي، تظهر عليه علامات الصدمة النزفية، الجلد شاحب وبارد، معدل التنفس سريع وسطحي، بينما يشير جهاز قياس الضغط إلى انخفاض حاد.
شاب يعاني من كسر مفتوح في عظم الفخذ، طرفه السفلي مشوه والأنسجة ممزقة، الدم يتدفق بغزارة، مما يستدعي تثبيت الكسر مبدئيًا وتطبيق ضمادات ضغط لوقف النزيف.
امرأة في العشرينات تعاني من إصابة في الرأس، وارتجاج دماغي محتمل، وعيها متذبذب، تنظر حولها بارتباك، في حين أن بركة صغيرة من الدم تتجمع أسفل رأسها.
طفل صغير يعاني من كسور في الضلوع وصعوبة في التنفس، مما يشير إلى احتمال وجود استرواح صدري (تجمع الهواء بين الرئتين وجدار الصدر)، وهو أمر قد يكون قاتلًا إن لم يتم التدخل الفوري.
بداية الإجراءات السريعة
بدأ أحد الممرضين بتطبيق مقياس غلاسكو للغيبوبة لتحديد درجة وعي المصاب الفاقد للإدراك، بينما تم تحضير محاليل وريدية عالية التدفق لتعويض السوائل المفقودة ومنع انهيار الدورة الدموية.
ممرضة أخرى قامت بتطبيق ضمادات معقمة وضماد ضاغط على الجرح النازف مع استخدام جهاز قياس التأكسج النبضي لمراقبة تشبع الاكسجين في الدم.
فريق طوارئ جهّز انابيب الأكسجين فيما تم استدعاء فريق الجراحة بسرعة الى قسم الطوارئ تحسبا للحاجة الى بضع الصدر الطارئ أو التدخل الجراحي السريع.
تم نقل المصابين ألى غرفة الإنعاش القليل الرئوي (CRP room) لأجراء الفحوصات العاجلة كالتصوير الطبقي المحوري (CT scan) و تحليل غازات الدم الشريانية (ABG) لضمان عدم وجود اصابات داخلية خفية.
في هذه اللحظات لم يكن هناك اي وقت للتردد كل قرار يجب ان يكون حاسما و دقيقا فكل ثانية تعني الفارق بين الحياة و الموت . في الاروقة كانت اصوات أجهزة المراقبة الطبية تمتزج بتعليمات الاطباء الحازمة وصرير العجلات المعدنية للنقالات في سباقٍ محمومٍ مع الزمن.
غرفة الطوارئ و سباق مع الزمن
دُفِعَت النقالات بسرعة إلى الداخل حيث كان الطاقم الطبي ينتظر بترقب، كل فرد يعرف دوره مسبقًا تم توزيع المصابين وفقًا لخطورة حالاتهم، بينما كانت فرق التمريض تعمل على استقرار الوظائف الحيوية قبل التدخلات العاجلة.
الحالة الأولى ؛ الصدمة النزفية:
وُضع المريض فاقد الوعي مباشرةً على سرير الإنعاش، وتم توصيله بأجهزة المراقبة القلبية. ضغط الدم المنخفض وانخفاض تشبع الأكسجين يشيران إلى نزيف داخلي حاد. قرر الطبيب المناوب إجراء FAST ultrasound (التصوير بالموجات فوق الصوتية المركّز على الصدمات) للكشف عن أي تجمعات دموية في التجويف البطني أو الصدري.
النتيجة: وجود سوائل حرة في التجويف البطني، مما يدل على نزيف داخلي نشط.
الإجراء: تم تحضير المريض لنقل الدم العاجل، في حين تم استدعاء جراح الطوارئ لإجراء فتح بطن استكشافي (Exploratory Laparotomy) للسيطرة على النزيف.
الحالة الثانية ؛ الكسر المفتوح في الفخذ:
تم نقل الشاب المصاب مباشرةً إلى غرفة تثبيت الكسور الطارئة. تم تنظيف الجرح بمحلول السالين المعقم، مع تطبيق ضماد معقم وضغط مباشر لوقف النزيف تم إعطاؤه مضادات حيوية واسعة الطيف لمنع العدوى، إلى جانب جرعة مسكنة أفيونية لتخفيف الألم.
الإجراء التالي: نقل المريض إلى غرفة العمليات لإجراء رد جراحي للكسر وتثبيت داخلي باستخدام صفائح ومسامير جراحية.
الحالة الثالثة ؛ إصابة الرأس وارتجاج الدماغ:
وُضعت المريضة تحت المراقبة العصبية الصارمة، مع فحص حدقات العين باستخدام مقياس استجابة الضوء البؤبي. تم إجراء التصوير الطبقي المحوري (CT Brain)، الذي كشف عن نزيف تحت الجافية بسيط.
الإجراء: قرر الأطباء مراقبتها عن كثب مع إجراء تقييم عصبي دوري، وفي حال تفاقم الأعراض، سيتم التدخل جراحيًا لإجراء تفريغ جراحي للنزيف.
الحالة الرابعة ؛ الطفل المصاب باسترواح صدري:
أظهر الفحص السريري صوت قرقعة ضعيفًا على الجانب المصاب من الصدر، مع صعوبة في التنفس وزرقة في الشفتين. أظهر تصوير الصدر بالأشعة السينية (X-ray Chest) وجود انكماش جزئي في الرئة بسبب تجمع الهواء في التجويف الجنبي.
الإجراء الفوري: تم إدخال أنبوب صدري (Chest Tube) لتصريف الهواء المحبوس، مما أدى إلى تحسن فوري في التنفس وارتفاع مستويات الأكسجين.
غرفة العمليات و القرارات الحاسمة
تم نقل المرضى الذين يحتاجون إلى جراحة فورية إلى غرف العمليات، بينما بقي آخرون تحت المراقبة المشددة في وحدة العناية المركزة.
في الخارج كانت عائلات المصابين تتوافد بوجوه يكسوها الذعر، تملأ الاستعلامات بأسئلتها الملحة بينما كان الأطباء والممرضون يواصلون عملهم دون أن يسمحوا للعاطفة أن تؤثر على قراراتهم الحاسمة.
في مستشفى سانت توماس كانت هذه مجرد بداية ليوم طويل، حيث تستمر الحياة والموت في خوض صراعهما الأبدي، بينما يقف الأطباء والممرضون في الخط الفاصل بينهما يقاتلون بكل ما أوتوا من علمٍ وإرادة.
غرفة الطوارئ – حالة استنفار قصوى:
تحولت أروقة المستشفى إلى خلية نحل مضطربة كل فرد يعمل بأقصى سرعة وكفاءة، فالوقت لم يعد رفاهية بل خط فاصل بين الحياة والموت. أصوات الأجهزة الطبية تمتزج بأوامر الأطباء، وأصوات عجلات النقالات تصطدم بالأرضية اللامعة في سباق محموم مع الزمن.
في خضم الفوضى المنضبطة صدح صوت طبيب الطوارئ الرئيسي بنبرة حازمة، عينيه تشتعلان بالقلق والغضب:
"أين فريق المعجزة؟!"
التفت أحد الممرضين بسرعة محاولًا التقاط أنفاسه بينما كان يُثبّت كيس المحلول الوريدي لأحد المصابين، وأجاب بلهجة سريعة:
"إنهم في مستشفى رويال مارسدن، يجرون العمليات الأخيرة التي يحتاجون إليهم فيها!"
تصلبت ملامح الطبيب قبض على سماعته الطبية بقوة وكأنها أداة يفرّغ فيها إحباطه، قبل أن يضرب سطح المنضدة المعدنية بيده قائلاً بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب:
"اللعنة... سنفقد الكثير في هذه الحالة!"
نظر حوله إلى الطاقم المرهق لكنه مصمم، ثم أخذ نفسًا عميقًا واستعاد سيطرته على الموقف لم يكن هناك وقت للغضب، بل فقط للقرارات السريعة والدقيقة. التفت إلى أحد الجراحين قائلاً:
"سنضطر إلى إعادة توزيع الفرق. استدعوا الأطباء المناوبين في وحدة الجراحة، جهّزوا غرفة العمليات الثالثة، واطلبوا دعمًا إضافيًا من وحدة العناية المركزة. لا مجال للأخطاء!"
على الفور انتشرت الأوامر كالنار في الهشيم، وبدأ كل فرد في الطاقم بالتحرك بدقة جراحية تم استدعاء الأطباء المناوبين.
وبدأ تجهيز غرفة العمليات الثالثة بمعدات الطوارئ: أدوات تثبيت الكسور، أنابيب الصدر، وحدات الدم المتوافقة، وأجهزة التنفس الاصطناعي.
رغم الضغط الهائل لم يكن أمام الطاقم سوى خيار واحد، القتال حتى آخر لحظة لإنقاذ كل روح بين أيديهم.
غرفة الطوارئ – سباق مع الموت
لم يكن هناك مجال للتردد، كل ثانية تعني فارقًا حاسمًا بين الحياة والموت. بعد أوامر الطبيب الحازمة، انطلق الطاقم الطبي في سباق محموم ضد الزمن، حيث تم توزيع الأدوار بدقة جراحية.
قسم الجراحة الطارئة:
داخل غرفة العمليات الثالثة كان الأطباء يجهزون الأدوات بحركة دقيقة وسريعة. أجهزة التخدير تعمل وحدات الدم المتوافقة مُحضّرة، ومشرط الجراح الأول يُرفع لبدء العمليات المنقذة للحياة.
أحد المصابين وهو الشاب الذي يعاني من كسر مفتوح في عظم الفخذ، كان مستلقيًا تحت تأثير التخدير، بينما قام الجراح الرئيسي بإجراء رد جراحي للكسر وتثبيت داخلي باستخدام صفائح ومسامير جراحية، مستعينًا بصور الأشعة المقطعية لضمان المحاذاة الدقيقة للعظم.
قسم العناية المركزة – إنقاذ المصاب بالنزيف الداخلي:
في الوقت نفسه، داخل وحدة العناية المركزة كان المريض فاقد الوعي بسبب الصدمة النزفية يخضع لعملية فتح بطن استكشافي (Exploratory Laparotomy). الأطباء اكتشفوا تمزقًا في الطحال، وهو السبب الرئيسي للنزيف الداخلي الحاد. من دون تردد تم اتخاذ القرار باستئصال الطحال للحفاظ على استقرار المريض، بينما كانت وحدات الدم تُضخ بسرعة لتعويض الفقد الكبير.
غرفة الطوارئ – التعامل مع استرواح الصدر
الطفل المصاب بـ استرواح صدري كان لا يزال في وضع خطر، تنخفض مستويات الأكسجين لديه رغم إدخال أنبوب الصدر (Chest Tube). الطبيب المسؤول أمر بإجراء تصوير بالأشعة السينية (X-ray Chest) فورًا للتأكد من نجاح تصريف الهواء، بينما قام فريق التمريض بتعديل معدلات تدفق الأكسجين بدقة للحفاظ على استقرار حالته.
قسم الأعصاب – المريضة المصابة بإصابة الرأس
في هذه الأثناء، كانت الفتاة المصابة بنزيف تحت الجافية تحت مراقبة مكثفة بعد إجراء فحص مقياس غلاسكو للغيبوبة (GCS)، لاحظ الأطباء تراجعًا في درجة وعيها، مما يشير إلى تفاقم النزيف. على الفور تم تحضير غرفة العمليات العصبية لإجراء تفريغ جراحي للنزيف (Craniotomy)، حيث قام جراح الأعصاب بفتح جزء من الجمجمة لتخفيف الضغط المتزايد على الدماغ.
اللحظات الحرجة – أمل يتجدد
في الخارج كانت أصوات خطوات الأطباء تتسارع، أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متواصلة، وفرق الإسعاف تتابع إدخال الحالات الحرجة القادمة من موقع الحادث. كان الجميع يعمل بأقصى طاقتهم، كل حركة محسوبة، كل قرار قد يعني إنقاذ حياة.
وبينما كانت الدقائق تمر كأنها ساعات، بدأت بعض الحالات في الاستقرار أحد المصابين استعاد وعيه، وتمكنت الفرق الطبية من السيطرة على أكثر الإصابات خطورة لم يكن اليوم قد انتهى بعد، لكن الأمل بدأ يتسلل وسط كل هذا الضغط.
في مستشفى سانت توماس، المعركة ضد الموت لم تتوقف أبدًا، لكنها اليوم... كانت معركة انتصر فيها الأطباء.
غرفة الطوارئ – ما بعد العاصفة
بدأت الأوضاع تستقر تدريجيًا بعد ساعات من العمل المتواصل. الأطباء أنهوا عملياتهم الحرجة، والمرضى الذين كانوا على حافة الموت بدأوا يظهرون استجابة للعلاج رغم الإرهاق البادي على وجوه الجميع، إلا أن الشعور بالإنجاز كان أقوى من التعب.
قسم العناية المركزة – بين الحياة والموت
في غرفة العناية المركزة جلس أحد الأطباء يراقب المؤشرات الحيوية للمصاب بالنزيف الداخلي، بينما كانت الممرضة تعدل مستويات المحاليل الوريدية. رغم أن الجراحة نجحت إلا أن المريض لا يزال تحت الخطر، فكل دقيقة تمر تحدد مصيره. فجأة، بدأ جهاز مراقبة القلب يصدر إنذارًا حادًا، معدّل ضربات القلب انخفض بشكل خطير.
صرخ الطبيب:
"إحضار الأدرينالين فورًا! جهّزوا جهاز الصدمات الكهربائية!"
بسرعة خاطفة، قامت إحدى الممرضات بحقن الأدرينالين مباشرةً في الوريد، بينما أمسك الطبيب بالمزيل الرجفاني (Defibrillator) واضعًا الأقطاب على صدر المريض
"شحن إلى 200 جول... صدمة!"
ارتفع جسد المريض للحظة مع تأثير الصدمة الكهربائية ثم ساد الصمت... الجميع يترقب. وبعد ثوانٍ بدت وكأنها أبدية ظهر إيقاع قلبيّ منتظم على الشاشة. تنفس الطبيب الصعداء وقال:
"لقد عاد، استمروا في المراقبة الدقيقة!"
قسم الجراحة – لحظة حاسمة
في غرفة العمليات، أنهى الجراح العصبي عملية تفريغ النزيف الدماغي بنجاح، وبدأت المريضة تُظهر علامات استجابة طفيفة أصابعها تحركت وحدقتا عينيها بدأتا تتفاعل مع الضوء ابتسم الجراح قليلاً وقال:
"إنها قوية، ستنجو."
قسم التجبير والعظام – النهاية لم تكن سهلة
الشاب الذي كان يعاني من كسر الفخذ المفتوح استيقظ أخيرًا بعد الجراحة، ألقى نظرة حوله بعينين مرهقتين، حاول تحريك قدمه لكنه شعر بألم حاد فقال الطبيب الجراح بهدوء:
"لقد نجحنا في تثبيت الكسر، لكن عليك الخضوع للعلاج الفيزيائي لاحقًا."
أغمض المريض عينيه متنهداً شعر أخيرًا أنه قد نجا من الكابوس.
خارج غرف الطوارئ – انتظار وأمل
في الخارج كانت عائلات المصابين تترقب الأخبار بقلق مع خروج الأطباء واحدًا تلو الآخر لإبلاغهم بحالة أحبائهم، تعالت أصوات البكاء بعضها كان حزينًا، لكن معظمها كان بكاء ارتياح.
وقف الطبيب الرئيسي وسط الممر، نظر إلى فريقه المرهق، ثم قال بصوت هادئ لكن مليء بالفخر:
"لقد قاتلنا اليوم... وانتصرنا."
ورغم كل شيء، لم يكن هذا سوى يوم آخر في حياة العاملين في الخطوط الأمامية... حيث تتكرر هذه المعركة كل يوم، ومع كل مريض جديد، تبدأ معركة أخرى.
ما بعد الطوارئ – العودة إلى الواقع
بعد ليلة طويلة من العمل الشاق بدأ الأطباء والممرضون بالخروج من غرف العمليات والعناية المركزة واحدًا تلو الآخر. أصوات الأجهزة الطبية ما زالت تملأ الأروقة، لكن وقع الخطوات كان أكثر هدوءًا الآن.
غرفة الأطباء – استراحة محارب
في غرفة الاستراحة جلس بعض الأطباء والممرضين منهكين، بعضهم بالكاد استطاع خلع قفازاته الطبية قبل أن يسقط على الأريكة، بينما اكتفى آخرون بشرب القهوة الباردة التي لم يجدوا وقتًا لتناولها خلال ساعات الطوارئ.
أحد الأطباء الذي كان مسؤولًا عن حالة النزيف الداخلي، ألقى رأسه إلى الخلف وتنهد قائلاً:
"لو تأخرنا دقيقة أخرى، لكنا فقدناه."
ردّت عليه طبيبة التخدير وهي تفرك عينيها المتعبتين:
"هذا واقعنا... نحن دائمًا على الحافة."
العودة إلى المصابين – بداية جديدة
في أجنحة التنويم كان المرضى يبدؤون بالتعافي. المريضة التي خضعت لجراحة الدماغ استيقظت جزئيًا، نظر إليها الطبيب العصبي وسألها بهدوء:
"هل تسمعينني؟ هل يمكنك رفع يدك؟"
استغرقت لحظات قبل أن ترفع أصابعها قليلاً، فابتسم الطبيب وقال:
"أنتِ بأمان الآن."
في غرفة أخرى، كان الشاب المصاب بكسر الفخذ يحاول تحريك ساقه، بينما وقف بجانبه اختصاصي العلاج الطبيعي قائلاً:
"ستحتاج إلى جلسات مكثفة، لكنك ستتمكن من المشي من جديد."
ابتسم الشاب رغم الألم وهو يدرك أنه حصل على فرصة ثانية للحياة.
غرفة المدير – محاسبة وتقرير
في مكتب إدارة المستشفى اجتمع كبار الأطباء لمناقشة الاستجابة للحادث، فتح المدير العام ملف الحادث وقال بلهجة جادة:
"لقد تعاملنا مع الموقف بكفاءة لكن غياب فريق المعجزة كاد يكلفنا الكثير."
أجابه الطبيب الرئيسي بحزم:
"نحن بحاجة إلى وضع بروتوكول جديد للطوارئ، لا يمكن أن نعتمد على فريق واحد فقط."
هز المدير رأسه موافقًا، ثم قال:
"حسنًا، سنتخذ الإجراءات اللازمة أما الآن، فليأخذ الجميع قسطًا من الراحة، لأننا نعلم أن الطوارئ لن تهدأ طويلًا."
ختام اليوم – المعركة لم تنتهِ بعد
في نهاية اليوم، خرجت الشمس على مستشفى سانت توماس، لكن العاملين فيه يعلمون جيدًا أن الليل سيحمل معه حوادث جديدة وحالات طارئة أخرى.
هنا، حيث تدور معارك الحياة والموت كل يوم لا يوجد وقت للراحة الحقيقية... فقط لحظات قصيرة لالتقاط الأنفاس، قبل أن يدق جرس الطوارئ من جديد.
الهدوء الذي يسبق العاصفة
بعد ساعات من التوتر والإنقاذ، بدأ الليل يُلقي ستاره على المستشفى، لكن الهدوء هنا لم يكن يعني السكون. في قسم الطوارئ، كان الأطباء والممرضون لا يزالون في حالة استعداد، يعرفون جيدًا أن الأزمات لا تأتي وفق جدول زمني.
قسم العناية المركزة – مراقبة مستمرة
في إحدى الغرف المضيئة، كانت المريضة التي خضعت لجراحة الدماغ تفتح عينيها ببطء. نظر إليها الطبيب المناوب وفحص حدقاتها مجددًا باستخدام مقياس الاستجابة العصبية. كانت استجابتها أفضل من ذي قبل، مما أعطى بصيص أمل لفريقها الطبي.
"كيف تشعرين؟"
سأل الطبيب بلطف.
حاولت تحريك شفتيها بصعوبة، لكن صوتها لم يخرج بعد. ابتسم الطبيب وقال:
"لا بأس، خذي وقتك. المهم أنكِ معنا الآن."
في غرفة أخرى كان المصاب بالنزيف الداخلي قد تجاوز المرحلة الحرجة، لكنه ما زال تحت مراقبة دقيقة كانت شاشة جهاز المراقبة تعرض معدلات مستقرة لضغط دمه، لكن أي تغيير بسيط قد يكون مؤشرًا خطرًا. وقفت ممرضة بجانبه، تدقق في ملفه قبل أن تعدّل تدفق السوائل الوريدية، متأكدة من أن كل تفصيل يسير وفق البروتوكول العلاجي.
قسم الجراحة – مراجعة العمليات
داخل قسم الجراحة، جلس الجراحون في اجتماع موجز لمراجعة تفاصيل العمليات التي أجروها خلال اليوم.
فتح أحدهم ملف المريض المصاب بكسر الفخذ، ثم قال وهو ينظر إلى زملائه:
"التثبيت الداخلي نجح، لكنه سيحتاج إلى متابعة طويلة مع العلاج الطبيعي."
رد جراح آخر وهو يراجع صور الأشعة:
"حسنًا، سنضعه تحت الملاحظة لـ48 ساعة أخرى، ثم نقرر متى يمكنه بدء التأهيل الحركي."
المدخل الرئيسي – طارئ جديد؟
في الخارج كانت سيارات الإسعاف تصطف بهدوء لكن فجأة، اقتحم الصمت صوت جهاز اللاسلكي في مكتب الاستقبال:
"لدينا حادث جديد في الطريق، احتمال إصابات متعددة!"
تبادل الأطباء النظرات بسرعة ثم وقف الطبيب الرئيسي وقال:
"إلى مواقعكم... يبدو أن ليلتنا لم تنتهِ بعد!"
وبهذا، استعد الجميع لمواجهة موجة جديدة من الحالات الطارئة، لأن في مستشفى سانت توماس المعركة ضد الموت لا تتوقف أبدًا.
Virgin