"حين يطرق الماضي أبوابنا، يظل كابوسه يلاحقنا حتى في أوقات يقظتنا."
.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.
كانت الغابة مغمورة في سوادٍ كثيف، أشجارها العتيقة تمتد كالأصابع العظمى، تلتفّ حول بعضها كأنها تتآمر لإخفاء ما لا يجب أن يُرى. لا صوت يُسمع سوى همسات الريح، تجرّ معها رائحة الأرض الرطبة، وتلامس خدود الأشجار بأصابع باردة، كأنها تواسيها على شيء مجهول.
من بين الأغصان المتشابكة، كان ضوء القمر ينسلّ كخنجرٍ شاحب، يرسم أشكالًا متراقصة من الظلال التي بدت وكأنها تتنفس، تتحرك، تراقب.
هناك، في قلب هذا السكون المخيف، وقفت هي.
جسدها الهزيل كان يختضّ تحت لمسات البرد القاسي، أنفاسها تتكسر داخل صدرها وكأنها تخشى أن يُسمع صوتها. فستانها الحريري الأبيض، الذي كان يومًا ما رمزًا للنقاء، بات مُلطّخًا بحمرةٍ قاتمة، تتشبث بأقمشته كذكرى لا تزول. دماءٌ لا تزال دافئة، تفوح منها رائحة الموت القريبة، تُشعرها بأن الأحشاء التي تمزّقت منذ قليل، لا تزال تصرخ في أنسجة القماش.
عينان مذعورتان، تتسعان بحثًا عن مأوى، عن مخرج، عن أي شيء يمكن أن يمنحها يقينًا بأنها لم تغرق بعد في الجحيم. لكن الغابة كانت خرساء، لا تجيب إلا بالصمت، وكأنها تبتلع الكلمات قبل أن تولد.
ثم جاء الصوت.
لم يكن زفير الريح هذه المرة، بل كان شيئًا آخر، أثقل، أعمق. وقعُ خطوات، ثقيلة، واثقة، تشقّ طريقها نحوها ببطء كأنها تأتي من قاع الأرض. كانت الخطوات تحمل بين أنفاسها رائحة دخان، رائحة نارٍ مشتعلة حديثًا. أغمضت عينيها للحظة، جسدها تجمّد، وكل شيء بداخلها كان يصرخ: اركضي....!!
لكنها لم تستطع.
الظلُّ انبثق من العتمة، يتجسّد شيئًا فشيئًا حتى اكتمل أمامها. رجل طويل، مُغلف بالسواد، معطفه يتراقص مع الريح، وسيجار مشتعل بين أصابعه، يتوهج كعين جمرٍ في ليلة خالية من الضوء.
وقف أمامها تمامًا.
رفع رأسه قليلًا، عيناه ظهرتا تحت الظلال القاتمة، سوداوان كالحفرة التي لا نهاية لها، تتلألآن ببريقٍ جامد، بارد، مُتفحّص، كأنهما قرأتاها حتى نخاعها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، لم تكن لطيفة، بل كانت تحمل في ثناياها وعدًا، أو ربما تهديدًا لا يحتاج إلى كلمات.
ثم همس، صوته عميق، هادئ، لكنه حمل بين نبراته شيئًا أشد رعبًا من العواء في الليالي القاحلة:
"وجدتكِ أخيرًا... صغيرتي."
كلماته سقطت عليها كالمطر الأسود، ثقيلة، مشبعة بشيءٍ أكثر رعبًا من الموت نفسه. شيء لم تفهمه بعد، لكنه زحف ببطء إلى عظامها، جاعلًا إياها تدرك أن ما حدث لم يكن سوى بداية... وأن الكابوس الذي حاولت الفرار منه، كان قد أحكم قبضته عليها أخيرًا.
...........................................
استفاقت مارتينا فجأة، أنفاسها متقطعة، وجسدها يرتجف كما لو أن الكابوس لا يزال يطوقها بأشواكه. كان قلبها يضرب صدرها بقوة، كأنها تهوي من مكان شاهق، بينما قطرات العرق الباردة انزلقت على جبينها، تشهد على الفوضى التي خلفها الحلم في داخلها.
عيناها اتسعتا في الظلام، لم تكن متأكدة بعد إن كانت قد استيقظت بالفعل أم أن الكابوس امتد إلى يقظتها.
حاولت أن تتنفس ببطء، أن تستعيد السيطرة على أفكارها، لكنها كانت تشعر وكأن ظلًّا خفيًّا يقف وراءها، ينتظر اللحظة المناسبة ليبتلعها من جديد. ذلك الحلم لم يكن مجرد تهيؤات، لم يكن مجرد كابوس عابر يمكنها نسيانه عند شروق الشمس، بل كان ذاكرة حقيقية، ماضٍ ينبض في أعماقها كجرح لم يندمل.
كل شيء كان واضحًا... الدماء، الصرخات، الوجوه التي تلاشت تحت ظلال الموت. الماضي لم يترك لها مهربًا، كان يطاردها حتى في أكثر اللحظات التي كانت تتوق فيها إلى السكون.
رفعت رأسها ببطء، تُدرك أخيرًا أين هي. داخل طائرتها الخاصة، محاطة بالجلد الفاخر واللمعان الصامت للمقتنيات الثمينة. ورغم كل هذا البذخ، شعرت كأنها سجينة في قفص ذهبي، محبوسة بين السماء والمجهول.
ألقت نظرة على النافذة، حيث كانت الطائرة تشق طريقها بين السحب البيضاء المتناثرة، والظلام يلف الأفق بأسواره الغامضة. المحركات تهمس بموسيقى رتيبة، صوت مألوف لكنه لم يكن قادرًا على تهدئتها. كانت تشعر أن السماء حولها واسعة بلا نهاية، ومع ذلك، كانت تختنق.
اليونان... هذه الرحلة ليست مجرد اجتماع ممل كما أخبرت الجميع. هي خطوة أخرى في لعبة لم تتوقف عن خوضها منذ سنوات. الصفقة التي تنتظرها هناك قد تغير الكثير، قد تدفعها إلى منعطف جديد أو تعيدها إلى أعماق الجحيم الذي ظنت أنها غادرته.
لكنها لم تعد تخشى الجحيم، فقد عاشت فيه طويلًا حتى باتت تعرف جميع طرقاته.
أغمضت عينيها للحظة، حاولت أن تغلق الأبواب على الذكريات التي تريد التسلل مجددًا، لكنها تعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد. الماضي لا يترك ضحاياه بسهولة، وهو الآن يراقبها بصمت، ينتظر اللحظة المناسبة لينقض عليها من جديد.
_________________
هبطت الطائرة الخاصة في مطار أثينا، حيث كانت المدينة تتلألأ بأضوائها العاكسة على سطح البحر الأبيض المتوسط، تروي قصة مدينة عريقة صنعتها الحروب والتحالفات والدماء. كانت أثينا تعرف معنى الصراع، كما تعرفه مارتينا سوليفار جيدًا.
عندما نزلت من الطائرة، بدت خطواتها واثقة، كما لو أنها اعتادت السير فوق الجمر دون أن تحترق. ارتدت بدلة سوداء مصممة بإتقان، تبرز مكانتها دون حاجة للكلمات، ووشاح حريري بلون النبيذ ينساب على كتفيها كختم من الفخامة الممزوجة بالهيمنة. شعرها الأسود الفحمي انسدل بحرية، يتراقص مع الهواء، بينما عيناها الداكنتان، العميقتان كقاع بحر مظلم، عكستا نظراتٍ لا يمكن سبر أغوارها بسهولة..
رغم نسمات المساء المنعشة، لم تستطع تبديد البرودة التي تجذّرت في أعماقها. لم تكن غريبة عن هذه الأرض، لكنها اليوم جاءت لتُعيد رسم موازين القوى. هذه الليلة لن تكون مجرد اجتماع رسمي، بل إعلانًا بأن مافيا السوليفار لم تعد مجرد اسم، بل قوة تفرض قوانينها حيثما حلت.
في الجهة الأخرى من مدرج الهبوط، وقف كارلوس كينار، زعيم المافيا السويسرية ، ينتظرها. كان رجلاً في أواخر الأربعينات من عمره، بملامح صارمة تخفي خلفها أعوامًا من المناورات والصفقات القذرة. تحرك بخطوات محسوبة، يبتسم ابتسامة خافتة تكاد لا تُرى، ومد يده لمصافحتها.
"أهلًا وسهلًا بالأميرة الإيطالية من عشيرة سوليفار، سويسرا تتشرف باستقبالك."
لم تتردد مارتينا في مصافحته، لكن أصابعها لم تتشبث بكفه سوى للحظة وجيزة، كأنها مجرد إجراء بروتوكولي لا أكثر. ثم ردت بصوت هادئ، لكنه مشحون بتهديد دفين:
"ومن قال إنني هنا للزيارة؟ لا أحد يشتاق لرجلٍ مثلك يا كينار. سأسألك مباشرة، هل اتفاقنا لا يزال قائمًا؟ أم سأجعل سماء أثينا تمطر رصاصًا، وأرضها ترتوي بالدماء؟"
لم تهتز نبرتها، لم ترمش حتى. كان تهديدها مباشرًا، بلا مجاملة، بلا مجال للمراوغة.
كارلوس، رغم محاولته الحفاظ على هدوئه، شعر بالضغط يثقل على أنفاسه. ابتلع ريقه وأجاب بخفوت:
"لا تقلقي، كل شيء جاهز... عشيرة كينار تعلن ولاءها الكامل لعشيرة سوليفار."
لم يكن لديه خيار آخر. فالوقوف في وجه السوليفار يعني نهاية محتمة. شعارهم بسيط: "إما أن تنحني... أو تُمحى." وكارلوس لم يكن غبيًا ليختار الخيار الثاني.
خلفها، وقف جايكوب، الحارس الشخصي والمقرب منها، بملامحه الآسيوية الهادئة، لكنه كان أشبه بقنبلة مؤجلة الانفجار. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه لم يكن بحاجة لذلك.
___________
في قلب نابولي،حيث يهمس الحجر بأصداء الماضي، انتصب قصر العشيرة كرمزٍ للسطوة والهيبة، تحرسه جدران طالما احتضنت أسرارًا لا يدركها إلا من نُقشت أسماؤهم في ذاكرة السلطة. بين حدائقه، افترشت الأرض زهورٌ قرمزية، كأنها بصمات الزمن على سجادة من العزّة، فيما تسلّقت الأغصان العتيقة الشرفات، تشهد على ما كان وما سيكون.
عند البوابة الكبرى، وقفت تماثيل الرخام كحُرّاس الزمن، وجوههم تنطق بالصمت المهيب، كأنهم شهودٌ على تاريخٍ لا يُمحى. وما إن عَبَر الداخلون، حتى انفسح أمامهم بهو القصر، تتلألأ ثرياته كنجومٍ تدلت من قبة السماء، تنثر أضواءً تتراقص على جدرانٍ كسيت بزخارف تنبض بالفخامة.
امتد السقف عاليًا كفضاءٍ يعجّ بأصداء العصور، فيما انتظمت الطاولات بمهابة، تكلّلها شموعٌ خافتة وكؤوسٌ من فضة يعكس بريقها ملامح الحاضرين.
هذه الليلة لم تكن ليلة زفاف، بل نذير عهدٍ جديد. في عالمٍ تُحسم فيه المصائر بلحظة، لم يكن الحفل مجرد لقاء، بل كان ميثاقًا، خطوة على طريقٍ لا عودة فيه. هناك، عند المذبح الذهبي، وقف العريس، ثوبه الأسود يُشبه ظلًا ممتدًا في آخر النهار، نظراته ليست نظرات عاشقٍ ينتظر، بل رجلٍ يرقب القادم بعين المُتحفّز.
وحين أطلت العروس، فستانها الأبيض لم يكن انعكاسًا للنقاء بقدر ما كان رايةً تُرفع في ميدانٍ جديد. خطواتها لم تكن خفيفة، بل كانت لها ثقل الأيام التي مضت، وصدى الأيام التي لم تأتِ بعد.
في الأرجاء، تصاعدت الهمسات، بعضها يكسوه الإعجاب، وبعضها يغلفه الحذر، فهنا، لا تُقال الكلمات كما يُراد لها، بل كما يُراد منها. كان هذا الزفاف أشبه برقصة على حدّ السيف، حيث كل ابتسامة قد تخفي خلفها نية، وكل مصافحة قد تكون خنجرًا يُغمد في الوقت المناسب.
وحين اقتربت اللحظة الفاصلة، كان الصمت أكثر وقعًا من الضجيج، وكأن المكان بأسره يحبس أنفاسه... ينتظر.
_
____________
في ظلال القصر، حيث تسكن الهيبة ويختبئ السر، قامت غرفة عالية الجدران، مزخرفة السقف، تطل على بساتين مترامية. كانت في حسنها آية، وفي صمتها لغزًا. ستائرها الثقيلة ترد عن نوافذها ضياء النهار، كأنها تخفي خلفها أنفاسًا حبيسة، أو أسرارًا لا ينبغي أن تُكشف.
في القاعة الكبرى، علت أصوات الطبول وتعالت الزغاريد، فاليوم يوم زفاف، والفرح ملأ الأرجاء. غير أن في طرف القصر، حيث الصمت سيد المكان، تسللت امرأة، كأنها ظلٌّ لا يُرى، جسدها يلتف برداء بسيط، وخطواتها لا تُسمع، غير أن عينيها كانتا تشعّان قلقًا ودهاءً.
دخلت الغرفة بخفة، تنظر حولها كمن يترقّب فخًا مخفيًّا بين الأركان. الأرفف تزدحم بالكتب، والمكاتب تفيض بالأوراق، غير أن يديها كانت تبحث عن شيء واحد، شيء تخبئه هذه الجدران منذ زمن بعيد. لم يطل بحثها حتى وقعت عيناها على صندوق خشبي، مركون في الزاوية كأنه نُسي عمدًا.
مدّت يدها إليه، كأنها تلامس سرًّا لا يجرؤ غيرها على الاقتراب منه. قلبها كان يدق كطبل الحرب، وخلف أضلاعها تردد السؤال: هل هذا ما تبحث عنه؟
بأنفاس متلاحقة، فتحت الصندوق، فإذا به... فراغٌ، فراغ لا تسكنه إلا ذرات الغبار وبعض أوراق قديمة، لا تحوي شيئًا سوى صمت التاريخ. تجمدت يدها، وحدّقت في الفراغ بدهشة، كأن الأرض قد سحبتها من تحت قدميها.
أيعقل أن يكون هذا الصندوق خاليًا؟ أم أن الفراغ نفسه يحمل في طياته رسالة لم تفهمها بعد؟
لكنها لم تكن ساذجة، فالأمور في هذا القصر لا تجري هكذا عبثًا. ما رأته لم يكن مجرد خيبة، بل كان فخًّا نُصب بذكاء.
إنها لم تجد السر، لأن السر لم يكن هنا أبدًا. أرون سيزار، سيّد هذا القصر، لا يترك ثغرات، ولا يخطئ في إخفاء ما لا يريد كشفه. كل شيء كان محكمًا، كأنها دخلت في متاهة لا مخرج منها، كأن القصر نفسه يسخر منها وهي تبحث عن سراب.
بهدوء، أغلقت الصندوق، ثم رفعت رأسها تنظر حولها من جديد، لكن هذه المرة بعينين مختلفتين. لم تعد ترى الغرفة كما كانت، بل صارت ترى لعبة أكبر، شِباكًا حيكت حولها، وربما حول كل من يحاول أن يعرف أكثر مما يجب.
شعرت ببرودة تزحف في عروقها، وهمست لنفسها: 'إن كان هذا المكان يحمل سرًّا، فهو ليس هنا... بل في مكان لم أفكر فيه بعد.'
استدارت خارجة، لكن هذه المرة لم تكن مجرد متسللة تبحث عن إجابة، بل كانت شخصًا أدرك أنه بات جزءًا من لغز أكبر مما ظنت، وأن الوقت يمضي، بينما اللعبة لم تبدأ بعد... بل بدأت الآن.
............
بينما كانت الأضواء تسلط على القاعة الفاخرة، خطت العروس أولى خطواتها، كأنها قادمة من حكايات الشرق القديمة، حيث كانت الممالك تُروى بأناقة الكلمات، وكانت الأساطير تُخلّد بنقوش من ذهب. بدت وكأنها انعكاسٌ لنقشٍ عربي عتيق، تفاصيله محفورة بدقة في ذاكرة الزمن، تحمل بين ملامحها عبق الحكايات التي تناقلتها الألسنة عبر الأجيال.
شعرها المنسدل، بلونه الفاتح الذي يحاكي دفء الرمال تحت ضوء القمر، انساب على كتفيها برقة. فستانها الأبيض لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان قصيدة صامتة، نسجت خيوطها من نورٍ خفيّ، فبدت وكأنها حلمٌ يسير على الأرض، خفيف الخطى، عميق الأثر.
لكن أكثر ما أسر القلوب لم يكن جمالها الفاتن، بل تلك العينان اللتان حملتا بين طياتهما إرثًا لم يبح به أحد. عينان بلون الرماد، متداخلة بأطياف الأزرق، كسماء تسبق عاصفة، تحمل في بريقهما سرًّا لم يُكشف بعد. لم تكن نظراتها مجرد عبورٍ بين الوجوه، بل كانت تراقب، ترصد، تحكي قصصًا لا تُقال، وكأنها تدرك أن كل لحظة هي جزءٌ من قدرٍ مرسومٍ منذ الأزل.
وفي تلك اللحظة التي تلاقت فيها أعينهما، لم يعد المكان سوى مسرحٍ لقدرٍ قد كُتب بين السطور منذ زمن بعيد. لم يكن مجرد لقاء، بل كان اكتشافًا جديدًا للحب، ذلك الشعور الذي خُلق في البداية بلغة غير منطوقة، لغة النظرات والنبضات.
وقف جان بيكوف بثبات، وكأن العالم كله قد ضاق إلا من هذه اللحظة. قلبه، الذي لم يعرف التوقف أبدًا، ارتجف للحظة وهو يراها أمامه، كأنها الإجابة التي بحث عنها طويلًا دون أن يدرك السؤال. أما هي، فبينما كانت تحدق في عينيه، لم تكن ترى رجلًا وحسب، بل كانت ترى تاريخًا ممتدًا، طريقًا مجهولًا، وعهدًا لم يُكتب بعد، لكنه كان محفورًا في النجوم.
حين أعلن الكاهن اسميهما، شعرت القاعة وكأنها تشهد مولد حكاية، ليست ككل الحكايات، بل حكاية ستحفر اسمها في ذاكرة كل من شهدها. وعندما قال بصوته المتهدج: "يمكنك تقبيل العروس."، لم يكن ذلك مجرد إعلان، بل كان لحظة فاصلة، كأنها بداية فصلٍ جديد في رواية كتبتها الأقدار..
اقترب جان منها بهدوء، كمن يقترب من كنز يخشى أن يبدده. رفع يده، ولمس خصلات شعرها المتناثرة برقة، وكأنه يتحسس الحرير ذاته. نظرت إليه صوفيا بنظرة لا تحمل سوى الصدق المطلق، وكأنها تُخبره بلا كلمات: "أنا لك، كما كنت دائمًا، حتى وإن لم تكن تعرف."
التقت شفاههما، لم تكن مجرد قبلة. كانت قصيدة لم تُكتب، كانت قسمًا لم يُنطق، كانت وعدًا لا يحتاج إلى شاهد. لم يكن العالم يتوقف، بل كان يتوسع، يفتح أمامهما أبوابًا جديدة، حيث لا شيء سوى الحب، وحيث لا لغة تُجيد وصف ما حدث.
وفي الخلفية، وبين أصوات التصفيق، كانت هناك همساتٌ تتحدث عن هذه اللحظة، عن الجمال الذي لا يمكن تفسيره، وعن السرّ الذي تحمله هذه العروس ذات العيون الرمادية، والذي ربما سيظل لغزًا لا يعرفه سوى من قرأ الأساطير، وأدرك أن بعض الحكايات تُكتب ليس بالحبر، بل بنبض القلب.
"""""""""""
صفق الجميع بحرارة لهذا الثنائي الفريد من نوعه
فصوفيا وجان لهما قصة فريدة من نوعها وبداية حبهما غريبة ومضحكة
اما ارون فرسم ابتسامة حنونة على وجهه وتقدم نحو ابنة عمه التي يعتبرها كااخت صغرى له عانقها بقوة وهمس نحو انذنها بصوته مبحوح :
" تبدين فاتنة الليلة صغيرتي "
ضحكت صوفيا على قوله واردفت
" تعلم أنني دائما فاتنة صحيح... "
" أجل صحيح " اردف بهدوءه
تم اقترب أرون من ابنة عمه، ونظر إليها بعينيه رماديتين كظلال باهتة تتراقص فيها تدرجات من ضوء وظلام تحمل في عمقها غموضا لا يفهم
ثم همس في أذنها بصوتٍ منخفض، يكاد لا يسمعه أحد: 'إذا أساء إليك زوجك، سأجعله طعامًا للقروش في ثانية. تذكري أنني دائمًا هنا، أراقب الجميع.
أغمضت صوفيا عينيها بقلة حيلة ، فبين كلمات أرون الصامتة كان يكمن تهديد خفي، يضعها أمام خيارٍ صعب. لم يكن مجرد تهديد عابر، بل وعدٌ بالانتقام في حال تعرضت لأي ضرر، مهما كان صغيرًا. كان وجهها يتسم بالهدوء، لكن في داخلها كانت العواصف تدور.
ثم، بعدما شعر أن رسالته قد وصلت، ابتسم أرون ابتسامة صغيرة، كأنما يُطمئنها بأن لا شيء سيخرج عن السيطرة. عاد للخلف خطوة واحدة، لكنه بقي يراقبها بعينين لا تتركان شيء دون ملاحظة. 'احتفظي بهذا في ذهنك،' همس في سره بينما ابتعد نحو جماعة من سلالة مختلفة من مافيا
تهديداته توحي وكأن القتل عنده مجرد لعبة يتسلى بها وهي حقا بالفعل .
رغم أن صوفيا تحمل وجهها الملائكي يشع بالبراءة، إلا أن ذلك الجمال كان يخفي سرًا مظلمًا. لا أحد يستطيع أن يتخيل أن هذه الفتاة ذات العيون الهادئة والشفتين المبتسمتين تحمل دم عشيرة إجرامية في عروقها.
كانت وحشًا ساكنًا في قلبها، لا ترحم ولا تشفق، تعرف كيف تخفي قسوتها خلف ملامح بريئة. عجز الجميع عن فك رموز أساليبها، كانت تسير بينهم كالشبح، تخطط بحذر، وتنفذ بحرفية، وتترك وراءها آثارًا لا تُرى إلا لمن يعرف كيف يراقب الظلال. كان سر قوتها يكمن في قدرتها على إخفاء الوحش الذي بداخلها، بينما تواصل تحريك خيوط اللعبة دون أن يلاحظها أحد.
مر الزفاف على خير كانت أجواء راقية تدل على أن أصحاب هذا القصر يمتلكون ذوقها خاصا برقي
صوفيا وجان لم يتركوا بعضهما ابداا .يشكلان ثنائيا لطيف ومضحك
...............................................
غادر الجميع إلى مهامهم، هذا يتفنن في عقد الصفقات، وذاك ينغمس في مهمة اغتيال، أما هو، فأغلق باب غرفته على عزلته.
دخل أرون تحت الماء الساخن، يحاول أن يغسل ما لا يُغسل، يطفئ جمرة تتأجج في صدره منذ ثمانية عشر عامًا. خرج بعدها، وشعره الفضي يتناثر على جبينه كأشباح الماضي، جسده المتناسق تشوبه ندوب حربه الطويلة، لكنه لم يرتدِ سوى شورتٍ رياضي. لم يكن يحتاج إلى أكثر من ذلك، فقد كانت نيرانه داخلية، لا تُطفأ بثوب.
في يده كأسٌ من الفودكا، وفي الأخرى سيجارة تتلوى خيوطها كأفكاره المتشابكة. جلس إلى مكتبه، ألقى نظرة على ظلاله الممتدة فوق الطاولة، كأنها أشباحٌ تراقبه، تذكره بأنها لم تغادره أبدًا. شرد بصره في السائل الذهبي أمامه، كأن أسرار قلبه الغارق تختبئ في أعماقه، كأنها الحقيقة التي يخشى الاعتراف بها.
"مارتينا سوليفار..."
تلك المرأة التي كانت كل تناقضاته، عدوته، هوسه، عشقه، انتقامه... قدره. كان حبها مرضًا مستعصيًا، كلما حاول استئصاله، نما من جديد، متشبثًا بروحه كجذرٍ ضارب في أعماق الأرض. عيناها... لعنة قديمة، قهوة مُرة في صباحٍ بلا شمس. نظراتها كانت سيفًا، وحديثها معركة، وقلبها حصنٌ مغلق.
ومع ذلك، لم يكن هناك باب لم يحاول اقتحامه، ولا جدار لم يحاول إسقاطه، فكيف تُترك امرأة مثيلة لها للقدر دون أن تُمتلك؟!
أشعل سيجارته بأصابع مرتجفة، سحب نفسًا عميقًا، دخّن معه ذلك السؤال القاتل: كيف يمكن أن يحبها وهو يكرهها؟ كيف يمكن أن يكرهها وهو يعشقها؟
رفع بصره إلى صورةٍ باهتة لها، تآكلت أطرافها بفعل الزمن، لكن عينيها ظلتا ثابتتين، كما كانتا في لقائهما الأول. كان يرى في لونهما سرًّا لم يفهمه أبدًا، كما لو أن روحه قد تاهت هناك، منذ أول مرة، ولم تستطع الهرب بعدها.
مرّت ثوانٍ ثقيلة، ثم همس لنفسه وكأن السرّ لا يجب أن يسمعه أحد:
"خمسة وسبعون يومًا، وثلاث وعشرون ساعة..."
الزمن الذي مرّ منذ أن رآها آخر مرة، منذ أن وقفت أمامه في ذلك الحفل، تضع كأس النبيذ على شفتيها دون أن تكترث بحروبهما. كانت ضحكتها تفيض بالسخرية، لكنه لم يرَ فيها إلا الفتنة، كانت عيناها تتحدى، لكنه لم يرَ فيها إلا الإغواء، كانت تتلاعب به، لكنه كان سجينها منذ البداية.
ترك الصورة على الطاولة، ثم رفع رأسه، ليكشف عن رقبته، حيث وشمٌ محفور بحروفٍ روسية، لا يراه أحد، لكنه هناك، دائمًا هناك... "МАРТИНА".
كان ذلك الاسم لعنة، وكان بركة، وكان كل شيء بينهما مكتوبًا بالحبر ذاته: بالكبرياء، بالدم، بالشوق، وبالحرب التي لم تنتهِ بعد.
وفجأة، انتزعته الحقيقة من وهمه...
رنّ الهاتف، شقّ الصمت كحدِّ سيف، نظر إلى الاسم المتوهج على الشاشة.
ابن عمه، كلار.
أجاب بصوتٍ هادئ، لكنه مشبع بتوترٍ دفين.
- "أرون، هناك مشكلة كبيرة!"
لم يكن هناك وقت للضعف، ولا مكانٌ للأشباح. انكمشت مشاعره في زاوية من روحه، وتلاشى وهج مارتينا أمام نداء الحرب.
- "مصنع الأسلحة تعرض لهجوم، لا نعرف من أين جاءوا، لكنهم كانوا مسلحين بشكلٍ غير طبيعي. يهاجموننا بشكلٍ منسّق."
لم يكن هناك وقت للشكوى، ولا فرصة للتردد. استنشق أنفاسه الأخيرة من السيجارة، ثم أطفأها بعنف. وضع الكأس جانبًا، كما لو أنه ترك ضعفه هناك.
- "أرسل رجالك إلى الموقع، أنا قادم الآن. ولا تترك لهم أثرًا."
أغلق الهاتف، رفع يده إلى الوشم على رقبته، مرّر أصابعه عليه للحظة، كأنها وداعٌ مؤقت لماضيه، ثم ارتدى قميصه الأسود، واستعد للمعركة.
فالحبّ قد يشتعل كنار، لكن الحرب... هي التي تُقرر من يحترق.
____________
عادت من اليونان في نفس اليوم الذي غادرت فيه. لم تكن قادرة على البقاء هناك، ليس بجوار ذلك العاهر، الذي لم تتركها عيناه ولو للحظة. نظراته كانت كالسكاكين، تمزق ثيابها في صمت، تطالبها بخضوع لم يكن يومًا جزءًا من قاموسها. ارتجفت أصابعها من الغضب وهي تستعيد تلك اللحظة، كيف سمح لنفسه أن يتعامل معها وكأنها مجرد غنيمة؟ كم احتقرت وقاحته، وكم ازداد في قلبها نيران غضب لا تهدأ.
لم تقتله، ليس ضعفًا، وليس خوفًا. فقط لأن عقدها اللعين منعه، واحترامها للزعيم الذي أقسمت الولاء له قيد يديها عن تمزيقه إربًا، وإلا لكانت جثته الآن طعامًا لكلابها. كان يمكنها فعلها بسهولة، يمكنها أن تجعله يتوسل لأجل حياته، لكنها تعرف جيدًا أن قوتها لا تكمن في رد الفعل اللحظي، بل في التخطيط الهادئ، في القدرة على ضبط النفس حتى يحين الوقت المناسب. عليها أن تبقى صامدة، أن تحافظ على هدوئها. خطتها تسير كما تريد، لا مجال للفشل.
وها هو انتقامها، الذي طهته على نار باردة طوال هذه السنوات، على وشك أن يُقدَّم لهم واحدًا تلو الآخر. لا، لن يكون انتقامًا سريعًا، لن يكون مجرد طلقة تنهي حياة أحدهم، بل جحيمًا ممتدًا، متغلغلًا في أعماقهم، جحيمًا سيذوقون مرارته كما ذاقت هي مرارة فقدها، وحدتها، وألمها المتجذر في روحها منذ سنوات.
"ستنالون الويل، يا سيزار..." همست بصوتها الأنثوي البارد، كأنها تلقي لعنة على كل من حمل هذا الاسم. "كل واحد منكم سيذوق طعم جحيم مارتينا سوليفار..."
نيرانها لن ترحم، انتقامها لن يكون مجرد درس، بل نهاية. وكل من تسبب في معاناتها سيتذوق الطعم ذاته، بلا استثناء. طعم الجحيم الذي صنعته لهم بيديها....
...............
داخل قصر سوليفار، حيث يتمازج الجنون مع العبقرية، والفوضى مع النظام، كانت الحياة تمضي بإيقاع غريب، لا ينتمي إلى الواقع تمامًا، وكأنه بُني في فجوة بين الأزمنة.
كان القصر أشبه بكيان حي يتنفس الصخب في النهار ويغرق في هدوء خادع عند حلول الليل. جدرانه المليئة بالنقوش العتيقة تحمل أسرار العائلة، أرضياته الرخامية تشهد على الخطوات الثقيلة والمخططات السرية، بينما النوافذ الزجاجية تطل على حدائق مترامية، يتراقص فيها النسيم على وقع الحكايات الدموية التي شهدها هذا المكان.
عندما دخلت مارتينا إلى القصر، لم تشعر وكأنها عادت إلى منزل، بل وكأنها عادت إلى ساحة معركة، حيث المثالية المطلقة والجنون المطلق يتشاركان الطاولة نفسها. جميع أفراد عائلتها كانوا إما مجانين بالمعنى الحرفي، يعيشون على حافة الهاوية في عالم الجريمة، أو مثاليين إلى حد لا يُحتمل، كأنهم تماثيل نرجسية تحكم العالم من أبراج عاجية. لو اجتمع فيهم طبيب نفسي، لاعتزل المهنة من فرط تناقضاتهم وصعوبة تحليلهم.
في زاوية القصر، حيث كان الجنون يتخذ أشكالًا مختلفة، وجدت أطفال سوليفار يجلسون بهدوء يلعبون الشطرنج، سكينة مطلقة تعكس وجوههم البريئة، وكأنهم لم يكونوا ذاتهم الذين، في صباح اليوم نفسه، أمطروا الحراس بوابل من القنابل الصغيرة من سطح القصر، بينما كانوا يتدحرجون من الضحك لرؤية رعبهم. كانوا الآن يخططون لجريمتهم القادمة ببراءة مخيفة، عقلهم الإجرامي يحتاج إلى استراحة، وكان الشطرنج وسيلتهم لتصفية أذهانهم الشيطانية.
"متقلبو المزاج..." تمتمت مارتينا وهي تراقبهم بعينين نصف مغمضتين. "بدأت أخاف منكم، مزاجكم يتغير في ثانية واحدة. أنتم أغرب من أن أتمكن من تصنيفكم."
ألقت بجسدها المتعب على الأريكة الفاخرة في منتصف الصالة، محاولة التخلص من الإرهاق الذي خلفه السفر. بجانبها تمامًا، جلس ابن خالتها، لوكا، الشاب الذي لا يشبه أحدًا في العائلة، لا في جنونه الطاغي ولا في مثاليته المزعجة، بل في شيء مختلف تمامًا... في عبقريته الصامتة.
كان شعره الأملس متموجًا بخفة، كأمواج بحر هادئ يخفي تحته أعاصير لا تُرى. عيناه، مزيج غريب بين زرقة مياه المالديف العميقة وسواد السماء في ليلة بلا قمر، كأنهما مرآة تعكس أبعادًا لا يدركها سوى القليل. كان فيهما بريق من الذكاء الخارق، ذلك النوع الذي يجعلك تشعر وكأنه يراك بوضوح أكثر مما ترى نفسك. لم يكن مجرد شخص ذكي، بل كان أشبه بمُحلل بارع، تفكيره أشبه بشبكة معقدة تتشابك خيوطها بسرعة تفوق استيعاب الآخرين.
عندما ينظر إليك، لا يكون مجرد نظر عابر، بل تحليل كامل لكل تعابير وجهك، لحركاتك اللاواعية، لطريقة وقوفك وحتى لأنفاسك. كأنه يرسم خريطة لذاتك دون أن تدرك ذلك.
كان قليل الكلام، كثير الأفعال، يراقب كل شيء بصمت، ثم يتحرك حين يحين الوقت المناسب، لا قبل ذلك ولا بعده. لم يكن أحد يجرؤ على العبث معه، فهو الشخص الذي قد يحولك من صياد إلى فريسة في لحظة واحدة، دون أن تدرك كيف فعلها.
كان يجلس إلى جانبها، يرتدي نظارته الطبية التي لم تزده إلا جاذبية ورهبة، بينما تنعكس أضواء الشاشة على عدساتها. أصابعه تتحرك بخفة على لوحة المفاتيح، يحاول اختراق أنظمة مراقبة مخزن الكوكايين الخاص بمافيا الكيزول. بدا غارقًا في عمله، حتى كادت مارتينا تظن أنه لا يدرك وجودها، لكنه أثبت العكس بعد لحظات.
"ماري..." نطق بصوته العميق الهادئ، ذلك النوع من الأصوات التي تملك قدرة غريبة على جعلك تنصت رغمًا عنك. لم يرفع عينيه عن شاشته، لكن مارتينا شعرت بثقل كلماته وكأنها موجات تخترق الهواء بدقة. "كيف كانت صفقتك مع كارلوس كينار؟"
لم تفتح عينيها، فقط استندت برأسها إلى ظهر الأريكة وردّت بنبرة واثقة: "صفقاتي دائمًا تنجح، لا تقلق. في النهاية، لم يكن مجرد حثالة، بل شخص يملك عقلًا يُستخدم. سنستفيد من المافيا اليونانية عن طريق تهريب الأسلحة من خلالها. سأحتاج منك فقط أن تعطل كاميرات المراقبة ريثما نبدأ التهريب عبر الميناء الغربي."
هز رأسه بخفة، كأنه لم يكن بحاجة لسماع التفاصيل، فقد كان عقله قد بدأ بالفعل في التخطيط للتنفيذ. "أمرك."
نهض بصمت، حمل جهازه وصعد إلى غرفته لإكمال عمله، تاركًا خلفه صمتًا غريبًا، وكأن المكان فقد عقله المدبر للحظات. أما مارتينا، فبقيت في مكانها، تحدق في السقف، تفكر في خطوتها التالية. دخول عرين العدو وكسب ثقته لن يكون سهلًا، لكنها عرفت دائمًا أن الصبر هو سلاحها الأقوى. لا بأس ببعض الانتظار، مادام جحيمها سيحرقهم واحدًا تلو الآخر.
..................
في قلب ليلة ملعونة، تخلّى القمر عن دوره كحارس للسماء، واختبأ خلف سُحب داكنة، كأنه خشي أن يشهد على المذبحة التي ستُخط بدماء المعذبين. الصمت المخيف كان يلف المكان... لكنه لم يكن صمتًا حقيقيًا، بل كان أشبه بشهيق الموتى قبل لفظ أنفاسهم الأخيرة.
ثم جاء الانفجار الأول-لم يكن صوت الرصاص مجرد دوّي، بل كان أشبه بطبول الحرب تُعلن بدء وليمة الدماء. الرائحة الحارقة للبارود اختلطت بأنفاس المرتعشين، وتسللت إلى الحناجر كطعم معدني يوشك أن يختنق به أصحابها.
وفي وسط هذا الجحيم، وقفتا هما... كلوي وزوي، توأمان خُلقتا من ضدّين، النور والظلام، الهدوء والجنون، الملائكية والشيطانية.
كلوي، تلك التي يسكن في مقلتيها زرقة بحر هادئ، لكن تحت سكونه يكمن الغرق المحتوم، تحركت كظلّ منحوت من الموت، خطواتها وئيدة، مدروسة، لا يسبقها صوت ولا يتبعها ظلّ. كانت البندقية بين يديها امتدادًا لروحها، والرصاصات التي تخرج منها لم تكن تخطئ، بل كانت تبحث عن موضعها الحتمي في جسد الضحية.
أطلقت أول رصاصة، فاخترقت الجبهة كما لو أن الموت يوقع اسمه على جبين ضحيته. الرجل لم يصرخ، لم يدرك حتى أنه قد مات، فقط شعر ببرودة تتسلل إلى رأسه قبل أن تهوي جثته على الأرض التي ارتوت بدمائه كما يرتوي الظمآن بعد سنين التيه.
أما زوي... فقد كانت النقيض الوحشي، السيف الذي لا يعرف التردد، والعاصفة التي تبتلع كل ما يعترض طريقها. كانت تمسك بسيفها المعقوف كما لو أنه امتداد لذراعها، تمزق به الهواء قبل أن يمزق اللحم، وكل ضربة كانت تُحدث صوتًا كصرخة الأرض وهي تبتلع أبناءها.
لم تكن تقتل لمجرد القتل، بل كانت تنحت الألم في أجساد ضحاياها، تجزّ اللحم ببطء، كأنها تُمارس طقوسها على مذبح الانتقام. حين غرس أحد الرجال سلاحه باتجاهها، لم تتراجع، بل أمسكت يده قبل أن يصل إليها، وأدارت معصمه حتى سُمِع صوت العظام وهي تتكسر كالخشب الجاف، ثم طعنته في بطنه، غاص النصل حتى قبضت يدها على قلبه النابض، وانتزعت منه آخر نبضة.
ضحكت-ضحكة لم تكن بشرية، بل كانت صوتًا انبعث من عمق الجحيم نفسه، ضحكة حملت رائحة الدم والبارود والموت المحتّم.
وفي النهاية، لم يبقَ شيء... سوى الصمت الذي عاد، لكن هذه المرة كان صمتًا حقيقيًا، صمتًا أبديًا، حيث لم يعد هناك من يتنفس.
عبرتا فوق الجثث بخطوات هادئة، كأنهما تسيران فوق سجادة حمراء مفروشة بدماء أعدائهما. عيونهما لم تكن تحمل سوى شيء واحد... احتقارًا للعالم الذي جعلهما وحوشًا في هيئة بشر.
لم تكن معركة، بل كانت طقوسًا شيطانية منقوشة في سفر الرعب، احتفل بها الموت وباركها إبليس نفسه.
---------
داخل سيارة البورش السوداء، حيث امتزجت رائحة البارود مع عبق عطرٍ فرنسي فاخر، جلست كلوي خلف المقود، وعيناها تحدقان في الطريق أمامها بملل، بينما زوي تكأت على النافذة، تفحص أظافرها المطلية بالأبيض التي لم تعد بيضاء إطلاقًا.
كانت الإضاءة الخافتة في السيارة تلقي بظلال غامضة على ملامحهما المتناقضة، كلوي بابتسامتها الساحرة التي تبدو كما لو أنها تستعد لحفل عشاء فاخر، وزوي بملامحها التي توحي بأن الموت نفسه قد ملّ من مرافقتها.
"هذا مزعج..." تنهدت كلوي وهي ترفع فستانها الممزق قليلاً بيدها، تحاول ترتيب الخراب الذي حل به. "لا أصدق أنني اضطررت إلى القتال بهذا الفستان الرائع. كنت أخطط للظهور كملكة الليلة، وليس كمصارعة في حلبة دموية."
زوي، التي بالكاد أبدت اهتمامًا، أمالت رأسها نحو أختها، ثم نظرت إلى الطريق مجددًا. "أنا من مزّق الفستان، لذا لا تتصرفي وكأنه حادث مؤسف. لم أكن أريدك أن تقعي وأنتِ تتعثرين به أثناء القتال."
"أتعتقدين أنني كنت سأقع؟!" صاحت كلوي وهي تنظر إلى أختها بحدة، ثم عادت إلى الطريق، عبست، ثم تمتمت: "كنت سأبدو كإلهة قاتلة... والآن، أبدو كمتشردة نجت من كارثة طبيعية."
زوي أطلقت ضحكة قصيرة وساخرة، وهي تتأمل الدماء المتناثرة على يدها. "لا تقلقي، ما زلتِ تبدين قاتلة، لكن فقط بطريقةٍ أقرب لذئبٍ متشرد جائع."
"أنا لا أتعامل مع الإهانات المجانية، أيتها الكابوس الليلي." تمتمت كلوي وهي تزيد من سرعة السيارة، مما جعل زوي تتمسك بالمقعد قليلاً، قبل أن تستعيد هدوءها المعتاد.
"على الأقل تعلمي القيادة كإنسان طبيعي، قبل أن تحاولي قتلنا بحادثٍ مروري."
كلوي رفعت حاجبها، ثم نظرت إلى زوي بطرف عينها بخبث. "أوه، هل تشعرين بالخوف؟ هذا لطيف جدًا منكِ، أختي العزيزة."
"أنا لا أشعر بالخوف، بل أشعر بالملل. هل يمكننا على الأقل تشغيل الموسيقى؟"
"فكرة جيدة!" ضغطت كلوي على زر تشغيل الأغاني، ثم ما لبثت أن انفجرت مكبرات الصوت بموسيقى "كلاسيكية هادئة" جعلت زوي تغلق عينيها للحظة وكأنها تحاول استيعاب الكارثة.
"...هل تمزحين؟" سألت زوي ببرود وهي تنظر إلى أختها.
"ما بكِ؟ موزارت عظيم، أعتقد أنه مناسب لأجواء ما بعد المجازر." أجابت كلوي بمرح، وهي تنقر بأصابعها على المقود.
زوي حدقت بها للحظة طويلة، ثم فجأة، ضغطت على زر تغيير الأغنية، لتتحول الموسيقى إلى "هارد روك صاخب"، مما جعل كلوي تنتفض في مقعدها.
"هذا هجوم شخصي!" صاحت كلوي وهي تحاول إعادة الموسيقى الكلاسيكية.
"وأنتِ من بدأ الحرب الموسيقية." ردت زوي وهي تعبر ذراعيها باستمتاع.
كانتا تتشاجران على الأغاني كأنهما في نزهة مدرسية، بينما السيارة تشق طريقها بسرعة جنونية نحو قصر السيزار، والمطر بدأ يتساقط، كأنه يغسل الشوارع التي خلفتاها غارقة بالدماء.
"بالمناسبة..." قالت زوي فجأة بعد لحظة صمت، وهي تحدق من النافذة. "من تظنين أرسل هؤلاء الأغبياء لقتلنا؟"
كلوي فكرت قليلاً، ثم رفعت كتفيها بلا مبالاة. "لا أعلم... لكنني آمل أن يكون شخصًا مهمًا، لقد كان هذا ممتعًا. أشعر أننا لم نطلق سراح وحشيتنا منذ فترة طويلة."
زوي ابتسمت ابتسامة قاتمة، ثم تمتمت: "على الأقل، الدماء على أظافري تذكرني بأننا ما زلنا في القمة."
كلوي ابتسمت، وأكملت طريقها، بينما القصر بدأ يظهر في الأفق، يلوح لهما كعش شياطين ينتظر عودة سفاحتَيه.
التوأم كلوي وزوي كانتا تجسيدًا حيًا للتناقض. كلوي بوجهها الملائكي، عيونها الواسعة البريئة، وشعرها الذهبي، تبدو كفتاة رقيقة، لكنها كانت الأكثر خبثًا ودهاءً، تستغل مظهرها لخداع الجميع، تُخطط بدقة ولا تتردد في الإطاحة بمن يقف في طريقها.
على النقيض، زوي كانت مباشرة وواضحة، ذات ملامح حادة ونظرة مشتعلة بالتحدي. لم تلجأ للخداع، بل بثّت الرعب بوجودها وحده. قوية، صلبة، وقاتلة دون الحاجة إلى تمثيل.
كلوي تخطط، وزوي تنفذ. رغم اختلافهما، كانتا ثنائيًا مثاليًا، متكاملتين في كل شيء، مما جعلهما من أخطر الأسماء في عالم الجريمة.
________________
في مكانٍ ناءٍ، بعيدًا عن أعين القانون، يقع هذا الملاذ الذي لا يشبه أي مكان آخر في العالم. هو مكان مجنون لا يعترف بالقوانين سوى بقوة المال والسلطة. في زاوية مظلمة على أطراف المدينة، تقع مستودع قديم مهدم تتناثر فيه بقايا الأثاث المكسور والبراميل المليئة بالزيوت القديمة. الجدران مغطاة بالخراب، مع نوافذ محطمة تسمح للهواء البارد بالتسلل داخل المكان. الأرضية متسخة، تغطيها بقع زيتية وأوساخ لا تترك سوى آثار الأقدام الثقيلة.
في هذا المكان الموحش، يلتقي الذين لا يتوانون عن بيع أرواح الآخرين. رجال بملامح غامضة، يتبادلون النظرات بنظرات مغرية ومريبة، بينما يجلسون على أطراف الأثاث المهدم في صمت مشؤوم. هناك صفقات تجرى تحت الطاولة، والأنفاس الثقيلة تتصاعد في هذه الأجواء المتسخة. هذا هو المكان الذي يقرر فيه المجرمون كيف سيتحكمون بمصير آخرين، كما لو كانت الأرواح مجرد سلعة قابلة للبيع.
كان الهواء في الغرفة خانقًا، كأن الجدران نفسها تحتضر، وكأن الموت يلوح في الأفق. شعرت إيما بذلك بينما كانت تستفيق لتجد نفسها مقيدة إلى كرسي بارد، جسدها يئن من الألم، وعقلها في حالة ضبابية شديدة. كانت جفناها ثقيلة، وكأنها لا تستطيع فتح عينيها تمامًا. رأسها كان يؤلمها بشدة، والشريط اللاصق على شفتيها كان يعيق تنفسها. رغم ذلك، لم يكن هذا هو أسوأ ما في الوضع.
الأصوات...
تلك الهمسات الرجولية المتناثرة من حولها، الضحكات المكتومة التي كانت تحمل في طياتها تهديدًا خفيًا، صوت سحب سلاح من غمده - كل شيء حولها كان يوحي بأن شيئًا مرعبًا على وشك الحدوث. كانت تعلم أن لحظاتها قد تكون معدودة، لكنها حاولت أن تظل هادئة، رغم أن قلبها كان ينبض بعنف، وكأنها تسمعه يملأ أذنيها.
ثم، بخطوات ثقيلة، اقترب أحد الرجال. كان صوته خشنًا وهو يقول، بينما يقترب منها:
"اسمك؟
تسارعت نبضات قلبها في صدرها، وصمت يحيط بها لثوانٍ، بينما كانت تحاول السيطرة على نفسها. همست بصوت مرتعش ولكن حازم:
"إيما... ديميتري."
ضحك أحد الرجال في الخلف، ضحكة قاسية وكأن اسمها لا يعني شيئًا، مجرد حروف ستختفي بمجرد أن يفقدوا حياتها.
"وماذا عنك؟" سألته بحدة، رغم أن إدراكها أن الأسئلة لا تُطرح على الأسرى، بل على آسريهم. "ماذا أفعل هنا؟"
لكن ردّه لم يكن كما توقعت. اكتفى بنظرة مختصرة إلى الرجال المحيطين به، قبل أن يتحرك مبتعدًا، فاتحًا بابًا معدنيًا صدئًا.
وهناك... دخل الوحش.
دخل رودريغو سوليفار.
لم يكن بحاجة إلى أحد ليقدّمه، كان حضوره وحده كافيًا لفرض الرعب على الجميع. جسد ضخم، عضلات مشدودة، الذي كان يكاد لا يحتمل عرض كتفيه العريضين. وندبة وردية تمتد من حاجبه الأيسر إلى أسفل خده، تروي قصة من الجحيم لا ترغب إيما في معرفتها.
لكن الأسوأ لم يكن في ملامحه أو جسده، بل في عينيه.
ذهبيتان، حادتان، تلمعان ببرود لا يخص البشر، بل الوحوش. كانت تلك العيون التي تتأمل ضحاياها قبل أن يهوي السكين على رقابهم، وتحكم قبضتها عليهم قبل أن تتركهم في العدم..
سمعته قبل أن تراه. كان صوته يسبق خطواته الثقيلة:
"مجنون بالفطرة... وحش بالاختيار."
كانت إيما مجرد قطعة لحم في نظره، استثمارًا جديدًا، صفقة قذرة لأحد زبائنه المتعطشين لشراء الأعضاء البشرية.
وقف أمامها، أطراف أصابعه تطرق على الطاولة المعدنية بجانبها بإيقاع ثابت، وكأنه يدرسها كما يدرس صيادٌ فريسته قبل أن يتخذ قرار الطعنة القاتلة. كانت هي على حافة الهاوية، لكنه لم يكترث. كان يهتم فقط بما سيحققه من هذه الصفقة.
"لا بأس بها." قال أخيرًا، بصوته العميق المتخم باللامبالاة. ثم مد يده إلى أحد رجاله.
شيء بارد لمع في الضوء، سكين.....!!!!!
إيما لم تفكر، بل تحركت بفطرتها، وعفويتها ملتهبة. دفعت بقدميها الكرسي للخلف ليسقط أرضًا، مما منحها فرصة لتفك قيد يديها بالقوة. لكن...
كان رودريغو أسرع.
قبل أن تصل إلى السكين، كان قد التقطها بالفعل، ووجهها مباشرة إلى حلقها. جسده الضخم كان يحاصرها، كظل قاتل يقف بين الحياة والموت.
أنفاسها تسارعت، عينيها تمسكان بعينيه بشجاعة عميقة. لم ترغب في أن تُظهر خوفها، رغم أن جسدها كان يصرخ بذلك. كان التوتر يسكن كل عصب في جسدها، لكنها حاولت قدر الإمكان أن تبقى ثابتة، كما لو أن أعصابها لا تسمح له بالكشف عن الضعف.
"كنتُ على وشك قتلك." همس بصوت ناعم ولكن مرعب.
ابتلعت ريقها بصعوبة، لكنها أجابت بشجاعة:
"إذن لماذا لم تفعل؟"
كان الصمت يهيمن على وجهه لحظة، قبل أن تندفع ضحكة خافتة، ضحكة خالية من أي مرح، ضحكة محمّلة بالتهديد.
رفع رأسها بطرف السكين، ليرى تلك الشجاعة الجامحة في عينيها عن قرب، ثم قال ببطء:
"لأن توب الموت لا يليق بك."
ثم، بخطوة واحدة إلى الوراء، خفض سلاحه.
"لو كنتِ سترتدين بقاء حية..."
تابع وهو يضيق عينيه بتفكير عميق. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، ذات طابع غامض، تكاد تكون مرعبة أكثر من أي تهديد.
"تزوجيني."
----------------------------
يتبع.....
--------------------------
أهلاً كيف حالكم؟ وصلنا إلى نهاية الفصل الأول، وأتمنى أن يكون قد نال إعجابكم 💓💓
الشخصيات التي ذكرتها في هذا الفصل هي مجرد قليل منها، لا يزال هناك العديد من الشخصيات الفريدة والممتعة التي ستظهر لاحقاً.فهذا فصل كان مجرد تمهيد صغير اعدكم بالاقضل احدات دائما💌
الآن، أريد تقييمكم للفصل الأول من عشرة 💚
رأيكم في الشخصيات؟ 😁
مارتينا وكوابيسها، من برأيكم هو ذلك الرجل الذي ظهر في حلمها؟ 🤔
آرون وهوسه بمارتينا منذ الطفولة؟ 😭
لوكا وسيم عشيرة سوليفار 🙂
التوأم المتناقض، كلوي وزوي 😇😈
وأخيراً رودريغو وإيما 🦋💀
قفلة الفصل 🕷
............
علقوا بين الفقرات والفصول، وإذا أعجبكم الفصل، لا تنسوا وضع نجمة ⭐
إيدي تشنجت وأنا أكتب 😅
نتقابل في الفصل القادم هذا الأسبوع، سيتم تنزيله مرة واحدة في كل أسبوع.
أحبكم جميعاً، إلى اللقاء 💕
كاتبة: إينيل
inesse soukehal