بيتنا الذي غنى

بيتنا الذي غنى

18 0

[{"insert":"\nأحيانًا ليس كل الجحيم مرًّا، فثمة عذاب تتلذذ بمرارته حتى تكاد ترجوه أن يستمر، لا لجماله، بل لأنه يُشبه تلك الفطرة التي جُبلت عليها، كأن الروح لا ترتوي إلا من كأسه. \n\nفي لحظةٍ، يغدو كل الألم السابق مجرد خيال بعيد، وفي لحظةٍ أخرى تصبح السعادة الصغيرة سرابًا يتراءى ولا يُمسك.\n\nحين تتلاشى تلك الضحكات الصغيرة من بين يدي، أُطارد صداها عبر شاشات باردة، صمّاء، لا حياة فيها.\n\n مهما استنطقتها بلهفةٍ، ما نبست بحرف، وما ردّت بومضة. \n\nأمد أصابعي المرتعشة نحوها، أرجو أن يعلق بجلدي شيء من ذلك الدفء الذي تلاشى، لكن لا يعود سوى فراغ باهت يزيدني عطشًا.\n\nالأقسى من كل هذا، أن الصور التي أمامي ليست ميتة، بل نابضة بالحياة، تحاصرني بملامح أطفالي:\n بريق عيونهم، \nالتفاف أصابعهم الصغيرة،\n حتى تلك الشقاوة البريئة التي كانت تُتعبني وتُنعشني في آن. \n\nأستطيع أن أرفع صوتي فيصل إليهم، أن أمد يدي فتلامسهم، ومع ذلك... كأن مسافةً خفية أُقيمت بيننا، مسافة لا تُقاس بالخطوات، بل تُقاس بألم الغياب.\n\nيزدادون في البعد كأنهم عابرون في سماءٍ لا تُدركها يداي. \n\nوأبقى هنا، وحيدةً في مواجهة هذا الفراغ، أُراود صورهم وأستعطف الذكرى، علّها تُبقي لي شيئًا من دفء لم يزل يحترق في صدري.\n\nأتمنى لو أزيح تلك الأعين الصغيرة عن الشاشات السوداء التي سرقت ملامحهم وأطفأت بريق الطفولة فيهم. \n\nتلك المستطيلات المضيئة لم تعد مجرد أدوات، بل غدت جدارًا صلبًا يفصلني عنهم، يسلب عقولهم ويمتص أنفاسهم.\n\nحين أناديهم، كأن صوتي يُلقى في هواءٍ فارغ، لا يلامس آذانهم ولا يتردّد في قلوبهم.\n\n يمر بجوارهم، يتلاشى كأنه لم يكن.\n\n أتساءل أحيانًا: هل صار صوتي أثقل من أن يُحتمل، أم أنهم تعلّموا الإصغاء لغيري حتى فقدت كلماتي سحرها؟\n\nمر وقت طويل... طويل جدًا، على آخر مرة التقت فيها أعيننا. تلك النظرة التي كانت تختصر العالم، التي كانت تُعيدني إلى الحياة مهما تكاثر فوق صدري التعب.\n\n الآن صرت أبحث عنها فلا أجد سوى انعكاسٍ بارد يحدّق في صور وألعاب لا وجود لها.\n\nأتذكّر يومًا كنت فيه \"جهان\"، إنسانة لها حياة واسم وقصص تخصها، لكن حين غدوت أمًّا، انمحت كل الحروف أمام اسمٍ واحد: \"أمي\". \n\nكانوا حياتي الجديدة ومسماي الذي به أُعرف. \n\nلم أعد أطلب من الدنيا أكثر من أن أراهم يكبرون بين يدي.\nورغم ذلك... كيف لي أن أحتمل أن أظل أنا، الأم التي حملت وجاعت وسهرت، أقف عند العتبة وحيدة، أطرق باب قلوبهم فلا يُفتح؟\n\nلم أعد أطيق الأمر، وكأن شيئًا داخلي انكسر. \n\nلذا اندفعت مسرعة نحو غرفة ابني الأكبر، أستجمع ما تبقى من صبرٍ مُهترئ.\n\n طرقت الباب كما اعتدت أن أفعل، فقد علمتهم منذ صغرهم أن للخصوصية حرمة.\n\n لكنني صرت أعلم أن طرقي وصمتي بعده أمران منفصلان، لا يحملان أي معنى عندهم.\n\nتلاحقت طرَقاتي، ثم لم أتمالك نفسي، فدفعت الباب بسرعة، فانتفض سليم الجالس على السرير، عيناه متسعتان ويده ما زالت متشبثة بجهازه.\n\n شعرت للحظة بالأسى، كأنني اقتحمت عالماً لم يعد لي فيه مكان، لكنّ قلبي كان يعرف أن هذه الطريقة الوحيدة لأسترد انتباهه.\n\n لو دخلت بهدوء، لما كلّف نفسه حتى أن يرفع رأسه نحوي.\n\nلكنه الآن ينظر نحوي، لا بدهشة فحسب، بل بغضبٍ دفين. \n\nيرفع صوته عليّ، وأنا واقفة أمامه، كلماته تصطدم بصدري لا بأذني. \n\nومع ذلك، لم تتح لي الفرصة للرد، إذ انشغلت بتغطية أنفي من رائحة الغرفة الثقيلة. \n\nهواء خانق، علب فارغة مبعثرة على الأرض، ملابس متكومة على الكرسي، كأنها حظيرة لا غرفة. \n\nزفرت بصوتٍ مسموع، وكأنني أطرد الغضب مع الهواء، ثم رفعت صوتي:\n\nــ \"سليم! انهض ونظّف غرفتك الآن.\"\n\nكان صوتي حادًا، لم أتعمده، لكنه خرج ممزوجًا بكل ما راكمته الأيام من خيبة واشتياق.\n\nتنهد طفلي وكأني أزعجه بكلماتي، ثم عاد ببصره نحو الشاشة من جديد وقال بصوت لامبالٍ:\n\n\"لاحقًا أنا مشغول الآن.\"\n\nاشتدت الحرارة في صدري، وقبضت يداي محاولة احتواء ثوراني.\n\n أعدت كلماتي بصوت أكثر حدة:\n\n\"سليم!\"\n\nأزاح الهاتف بعيدًا، وعيناه تحدقان بي بشرر:\n\n\"لقد أخبرتك سأفعل!\"\n\nثم استلقى من جديد محتضنًا جهازه، ظهره إلى الجدار، وكأنه يعلن أنني انتهيت بالنسبة له.\n\nوقفت للحظات أحدّق به، أبحث عن أي بادرة ندم أو تردد، لكن وجهه كان صلبًا، مغلقًا.\n\nلم يكن بيدي حيلة، سوى أن أغلق هذا الباب وأبتعد.\nسرت باتجاه غرفة ابنتي الثانية.\n\nفتحت الباب، فوجدتها تلبس سماعات وتتمايل محدقة بالشاشة.\n\n مرت لحظات قبل أن تلاحظ وجودي.\n\nسرعان ما أزاحت السماعات من أذنيها، والتفتت نحوي، ثم راحت تصيح بوجهي:\n\n\"ألا تطرقين الباب؟!\"\n\nأوبخ هنا وهناك، وكأن ليس لي من الأمومة نصيب إلا شقاها وهمها.\n\nقلت ببرود أخفي خلفه انكساري:\n\n\"لقد طرقت، لكنك لم تسمعي.\"\n\nأشرت بطرف عيني نحو سماعتها، فخبأتها خلف ظهرها بتردد، وراحت تسعل منظفة حلقها قبل أن تتكلم. \n\n\"حسنًا، ما الذي تريدينه؟\"\n\n\"فلنتحدث قليلًا.\"\n\nرفعت حاجبيها باستغراب:\n\n\"هل هناك مشكلة؟\"\n\nتجمدت مكاني.\n\n لم أستوعب للحظة ما دخل أذني.\n\nفي هذا المنزل، ألا يمكننا الحديث إلا حين توجد مشكلة؟\n\n ألا يعد هذا بحد ذاته مشكلة؟\n\n\"لا، فقط...\"\n\nقاطعتني بحدة:\n\n\"إذًا ألا يمكننا لاحقًا؟ فقد بدأ الحفل الآن.\"\n\nلم تدعني أكمل كلماتي حتى، دفعت بي نحو الخارج بلا رحمة، وأغلقت الباب في وجهي.\n\nبقيت واقفة عند العتبة أستمع إلى أصوات صاخبة تتسرب من خلف الخشب، تختلط بضحكاتها العالية، وكأنني لم أكن هنا منذ لحظات.\n\nرفعت يدي لأطرق مرة أخرى، ثم تركتها تسقط بجانبي. لم يعد لدي ما أقول.\n\nلذا رحت أسير عائدة أحمل خيباتي، كل باب أوصد في وجهي... أعني بذلك ...قلوبهم.\n\nبدأت خطواتي تصبح أثقل وأثقل، كأن الأرض تمتص قدميّ، والعالم يدور من حولي.\n\n صدري ينقبض، وكل نفس يدخل رئتي كأنه حجر يسحق صدري.\n\nعند كل غرفة أمرّ بها، أرى الأشياء صغيرة تتذمر من غيابهم: \n\nلعبة ملقاة على الأرض، ملابس مطوية بشكل عشوائي، كتاب لم يُفتح.\n\n أصابع قدميّ تدوس على شيء هش لم أره، يقرص جلدي، يذكرني بأنهم لم يلتفتوا خلفي. \n\nكل شيء يصرخ بغيابهم عن حضوري.\n\nألقيت بجسدي المنهك على الأريكة، شعرت بالنسيج البارد يضغط على ظهري، تعانقت جفوني، ورحت أتحسس ملمس الوسادة كأنها تواسيني.\n\nالضجيج في رأسي يطنّ، وقلبي لا يتوقف عن الصراخ، كل نبضة منه تكاد تشتعل في عروقي.\n\nحين أنظر لأطفالي بأي حال كانوا، وكيفما عوملت حينذاك، كل خلية في جسدي تعلم أنه الحب.\n\nغضبي، حزني واستيائي، وأنّاتي كلها... الحب.\n\nبدأ جسدي يرتخي وعقلي يهدأ على صور الماضي التي رسمها خيالي. \n\nلكن، وفي تلك اللحظة، لمسة دافئة صغيرة أيقظتني. فتحت عيناي بتثاقل وأملت رأسي.\n\nلم يسعني إلا أن أبتسم لما رأته عيناي، طفلي الصغير يداعب يدي برفق، أصابعه تداعب جلدي بحذر، وكأنها تكتشف ملامسه بعد غياب طويل.\n\nفؤادي، وقد سعد، راح يضاعف الدم في شراييني، ليتلاشى كل تعبي السابق. \n\nرفعت يدي ورحت أقربها منه، أداعب رأسه، لأشعر بالملمس الناعم لشعره، وحرارة يده على كفي،\n\nغير أنها ..... باتت معلقة في الفراغ بلا هدف.\n\nتوقف عقلي لحظات، ولعل قلبي تبعه في ذلك.\n\nلم يكن طفلي يداعب يداي، بل يبعدها.\n\nلم يكن يبحث عني، بل عن الهاتف.\n\nوقتها، سمعت صوت شيء يتحطم. \n\nما عدت أدري، أكان قلبي أم هي روحي التي انفرطت.\n\nجلست للحظة، أشعر ببرودة الأرض من تحت قدميّ، أصابع قدميّ تدب في السجاد، يدي ترتعش. \n\nأنفاسي تتقطع، كل جزء مني يصرخ، وقلبي يكاد يخرج من صدري. \n\nشعرت بالفراغ يعانق صدري، بالوحدة التي تثقل كل حركة، بكل المسافة التي لا يمكن تجاوزها.\n\nإلا أنني كنت متأكدة من شيء واحد، هذا الحال لا يمكن أن يستمر للأبد.\n\nقبضت يدي الممدودة للحظات، شعرت بالعضلات تتصلب بعزم خفي، ثم أعدتها إلى جواري، تنهدت ببطء، وأشعر بكل مفصل في جسدي يعود إلى حالته الطبيعية. \n\nنهضت، أقدامي تثقل على الأرض، جسدي يهتز من التعب، لكن عيني تلمع بعزم صغير.\n\nنظرت حولي، إلى الغرف الصامتة التي تكاد تتنفس بعد رحيلهم عنّي، إلى الأصوات البعيدة التي تنساب من الأجهزة، وقررت أن أبدأ من جديد، من حيث انتهى الصمت، من حيث يبدأ الحضور.\n\nنهضت من مكاني سريعًا، ثم اتجهت نحو غرفة أغلقتها منذ زمن.\n\nوقفت أمام الباب لحظات أتأمله، شعرت ببرودة المقبض تحت يدي قبل أن أدفعه.\n\nاندفعت نحوي موجة من الغبار الخانق تحيط بي، رحت أسعل، وأتنفس بصعوبة قبل أن أستجمع نفسي.\n\nكان في الغرفة عشرات الصناديق المتكدسة، بعضها يعلو الآخر، بعضها يئن تحت وزنه.\n\nبدأت أزيحها واحدة تلو الأخرى، أرفعها، أحركها، حتى وصلت إلى صدر الغرفة. \n\nهناك، في زاوية مخفية، كان صندوق صغير عليه شريط أحمر.\n\nرحت أمرر أصابعي فوقه أنفض الغبار عنه، أشعر بحبيباته تسقط على كفّي، قبل أن أحمله وأخذته إلى غرفتي.\n\nفتحت الصندوق وبدأت أخرج ما بداخله، أستعرض كل قطعة، أتحسسها، أضغط عليها بين يدي، حتى وقع بصري على حاسوب قديم لم أستخدمه منذ وقت طويل.\n\nمررت أصابعي على سطحه، شعرت بالبرودة المعدنية للوحة المفاتيح، واستعدت شيئًا من ذكريات الماضي.\n\nمن ثمّ عدت للصندوق أبحث عن شيء صغير، وجدت جهازًا أسود، أصغر حجمًا من كفي، شعرت بوزنه في يدي، برد معدني خفيف، ووضعته جانبًا للحظات.\n\nأغلقت الباب خلفي بإحكام، نظرت حولي، جهزت الأجواء، وجلست أمام الحاسوب.\n\nكان قلبي ينبض بلهفة، يرفرف في صدري كأنه يعلم أن شيئًا مهمًا على وشك الحدوث.\n\nطُلب مني إدخال كلمة السر، لم أتردد لثوانٍ، رغم مرور سنوات. كتبتها بسرعة، شعرت بحروفها تحت أصابعي كما لو كانت جزءًا مني.\n\n\"Error\" \n\nظهرت على الشاشة، ابتسمت، أصابعي لم تفقد براعتها.\n\nبدأت عملي، أضغط، أكتب، أعدّل، أتحسس كل ضغطة على المفاتيح، كل صوت يصدر من الجهاز يشبه صدى خطوة نحو تحقيق خطتي.\n\nأمضيت أمام الشاشة يومين وليلة كاملة، بينما كان زوجي يتزَوَّرُني بين الحين والآخر، وأطفالي في عالمهم، غائبين عن حضوري.\n\nوأخيرًا، بعد عمل طويل، اكتمل كل شيء، لم يتبقَّ إلا الخطوة الأخيرة.\n\nالتفت نحو الجهاز الأسود بجانبي، ضغطت الزر الصغير في وسطه، شعرت بالاهتزاز الضعيف تحت أصابعي، وبعد لحظات اندفع كل أبنائي نحو غرفتي.\n\nلم يأتوا شوقًا لي، بل لهفة لغنائي.\n\nأمسكت الجهاز، بدأت أغني بشغف:\n\n\"كذبك حلووووووو شو حلوو لمّا كنت كذبة بحيااااتك!\"\n\n(لمزيد من الواقعية اطلبو من شخص سيء بالغناؤ تعرفو يغنيها)\n\nانغمست في الغناء، لم أدرك ما حولي، شعرت بدمائي تتسارع، يداي تتحركان مع الإيقاع، جسدي يهتز قليلاً، كان شيئًا أهواه منذ زمن، حلمًا ظل ينتظر أن يتحقق.\n\nلكن هناك حقيقة واحدة منعتني عن تحقيق هذا الحلم.\n\nلا ليس المال...ولا والدي...بل كان صوتي ذاته.\n\nقال لي أحدهم أن صوتي يذكره بزمور سيارة الإسعاف.\n\nوآخر قال إن كذبه جميل، لكن صوتي لا، ردًا على أغنيتي السابقة.\n\nورغم ذلك، كنت مستمتعة بما أفعل، أطفالي يهزون رؤوسهم، معتقدين أني فقدت عقلي، يغطون آذانهم بأصابعهم، لألّا يسمعوا غنائي.\n\nلكني كنت سعيدة، شعرت بالسيطرة على اللحظة، خطتي قد اكتملت الآن، وكل ثانية من الصبر واليأس صارت تستحق.\n\n.............\n\nفي اليوم التالي، استيقظت منتعشة في صباح جميل.\n\nأشعة الشمس دخلت من النافذة لتداعب وجهي، بينما كنت أدندن بسعادة وأنا أنظف الغرف، أرفع الغبار.\n\nمر الوقت سريعًا حتى عاد أطفالي من مدارسهم وتناولوا طعامهم.\n\nاليوم لم أوبخهم، لم أطلب منهم شيء، فقط... تركتهم يفعلون ما يريدون.\n\nذهبت نحو الأريكة، شعرت بالنسيج الدافئ تحت جسدي وأنا أجلس، وشغلت التلفاز.\n\nاسترخيت أثناء مشاهدة فلمي المفضل، شعور الراحة يمتد في صدري، كل شيء حولي يبدو سلسًا، حتى الأصوات البعيدة من المطبخ تتلاشى في خلفية هادئة.\n\nوبعد لحظات بدأت أسمعها، الصرخات تأتي من كل مكان.\n\nابتسمت بلا مبالاة، شعرت بنشوة صغيرة لأنني كنت على علم بما سيحدث.\n\nاندفع سليم نحوّي وهو يناديني:\n\n\"أمي!!\"\n\nمددت يدي نحو كأس العصير أمامي، ارتشفت منه شيئًا ببطء، وعيناي مثبتتان على الشاشة.\n\nأجبته بلا مبالاة:\n\n\"ماذا؟\"\n\nارتجف جسده وشد قبضته، حاجباه يتقوسان، وصوته يرتفع:\n\n\"ما الذي فعلته بهاتفي!!\"\n\nالتفت إليه، عيناي متسعتان، أميل رأسي وكأنني لم أفهم:\n\n\"هاتفك؟ أنا؟ لم أقترب منه، لم، هل حدث شيء؟\"\n\nالتعبير على وجهي في هذه اللحظة كان من أكثر التعابير براءة في حياتي،\nلكن سليم لم يستسلم، دفع بشاشة هاتفه نحوي ليُريني، وقد فصل السماعة عنه، لينطلق صوتي ويزين المكان بجماله.\n\nرحت أدندن مع نفسي مستمتعة بهذه اللحظة، أتحرك قليلًا على الأريكة، أضغط على زر، أصابع يدي تتحرك برشاقة فوق الجهاز، شعرت بحرارة صغيرة تتسلل من الإثارة.\n\nثم أفسد سليم مزاجي وأعاد وصل السماعات من جديد.\nنظرت إليه بتأثر وحنية:\n\n\"بني، لا أصدق أنك تحب سماع صوتي، لهذا يجب أن ينجب الناس أطفالًا.\"\n\nكل هذا جعل سليم يفقد صبره أخيرًا، انفجر بوجهي:\n\n\"أرجوكِ أوقفيه!\"\n\n\"أنا؟\"\n\n\"أجل!\"\n\n\"لم؟\"\n\n\"إن الهاتف لا يتوقف عن تشغيل غناءك يا أمي، ويرفض تشغيل شيء آخر!\"\n\nهززت كتفاي، ولوحت بيداي:\n\n\n\"لا أعلم عمّ تتحدث، أريد مشاهدة فلمي، اذهب الآن.\"\n\nبعد أن صاح سليم وزفر، ابتعد عن المكان بخطى هائجة، وأنا انقلبت على ظهري وأضحك، شعور بالانتصار يتدفق في صدري، كل جزء مني ممتلئ بالمرح والدهشة من نجاح خطتي الصغيرة.\n\nلم يضع عمل يومين في ابتكار برنامج خبيث سدى.\n\nآه، لم أتوقع أن أستعمل شهادتي لمثل هذا الغرض، لهذا يجب أن تتعلم الأم جيدًا.\nهاهاهاهاها.\n\nشعور الانتصار الصغير يملأ جسدي، حتى أني شعرت بحرارة في وجهي من الضحك، وارتجف صدري من الفرح، وكل شيء حولي أصبح أكثر حيوية.\n\n.............\n\nمرت بضعة أيام على هذه الحال، كلما اقترب أطفالي من هواتفهم، بدأت الأغنية تعمل بشكل مستمر، تملأ المكان من كل زاوية، حتى مع محاولة خفض الصوت، لم يتوقف الغناء.\n\nكل محاولة لتجاهل الهاتف أو إبعاده كانت عبثًا، كما لو أن الجهاز أصبح تابعًا لصوتي وحده.\n\nفي البداية، شعرت بالشفق

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بيتنا الذي غنى

المؤلف hind
2025/08/24 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة