حفل التأسيس

حفل التأسيس

35 0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنام

و أشرف الأنبياء والمرس

لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو أيضا ترك قلب و الاشتراك في الحساب

☆ يا نجومي ☆

══════⊱❀⊰══════

إمبراطورية درافينفال، التي تأسست قبل أكثر من ثلاثة قرون على يد الإمبراطور ألكسندر الأول، تعد واحدة من أعظم الممالك في التاريخ.

منذ تأسيسها في عام 1575، شهدت درافينفال نهضة اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، حيث توسعت حدودها لتشمل أربع دوقيات رئيسية، كل منها تحكمها عائلة نبيلة ذات جذور عميقة.

شهدت الإمبراطورية العديد من الإنجازات، من تطوير شبكات التجارة إلى بناء القلاع الحصينة التي صمدت أمام غزوات الوحوش التي تهاجم أراضيها بين الحين والآخر.

كما لعبت درافينفال دورًا محوريًا في الحفاظ على توازن القوى في العالم المحيط، من خلال تحالفات زواج استراتيجية وحروب محسوبة.

- آنسة كلاريس، هل أنت معي؟

-نعم.. نعم، ليدي غتنبارغ.

كانت تلك الكلمات بداية فاصل في شرح ليدي غتنبارغ، معلمة الإتيكيت التي تولت تعليم كلاريس كل تفاصيل الحياة في القصور والنبل، بما في ذلك تاريخ الإمبراطورية العريق.

لكن في تلك اللحظة، كانت كلاريس تائهة في عالمها الخاص، تنظر خارج النافذة، تغوص في أفكارها حول حياتها الجديدة.

من فتاة من عامة الشعب إلى نبيلة في قلب إمبراطورية تعج بالأسرار والصراعات.

-آنسة كلاريس، الحفل الذي سيقام بعد أربعة أيام ليس حفلاً عادياً، بل هو حفل تأسيس إمبراطوريتنا العظيمة في القصر الإمبراطوري.

ستكونين محاطة بأناس يحتقرونك ويدوسون عليك بأنوفهم المرفوعة التي لا تنخفض أبداً.

لذلك، عزيزتي، كوني حذرة في تعاملك، وتجنبي كل من ينتمي إلى الدوقيات العظمى، خاصة الدوق لوسيان غابرييل آشبورن، والآنسة فيكتوريا بلاكثورن مع مجموعتها.

هم أكثر من سيؤذونك، وسيقفون في انتظار أي خطأ ترتكبينه ليهشموا الأرض من تحت قدميك.

-سأكون بخير ... لا تقلقي .

لكن داخلها كان صوت كذبتها يصرخ بصخب، قلبها يركض في صدرها كعاصفة لا تهدأ ، و الرهبة تتسلل في أعماق روحها...

رغم ذلك، أبقيت على مظهرها الواثق القوي أمام معلمتها .

وقفت الليدي غوتنبارغ أمام كلاريس، نظراتها مليئة بالجدية والحزم، ثم قالت بصوت هادئ ورزين:

-آنسة كلاريس، أتمنى لكِ كل التوفيق في خطواتك القادمة. تذكري أن الطريق أمامك مليء بالتحديات، لكنني أثق أنكِ ستواجهينها بشجاعة وحكمة.

ردّت كلاريس التحية بانحناءة متقنة، وقالت بثقة:

-شكرًا لكِ، ليدي غوتنبارغ. لن أنسى ما علمتنيه، وسأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنك.

أمالت الليدي غوتنبارغ جسدها بانحناءة رشيقة، تعبيرًا عن الاحترام والوداع المهذب، قبل أن تختم بعبارة:

-وداعًا، آنسة كلاريس. كوني حذرة، وعليكِ دائمًا أن تحافظي على قوتك وكرامتك.

ردت كلاريس بانحناءة أخيرة، وقالت بوضوح:

-وداعًا، ليدي غوتنبارغ.

تبادلت النظرات بينهما للحظة قصيرة، قبل أن تهم الليدي غوتنبارغ بالابتعاد، تاركة وراءها صمت القاعة وثقل الكلمات التي لم تُقال.

بعد خروج الليدي غوتنبارغ، أرخت كلاريس كتفيها المشدودين للأمام ، و خلعت الكعب العالي الذي سبب لها تورمات و كدمات واضحة ، ضمت أذرعها النحيلة خلف رأسها و تراجعت ببطء للخلف، تتأمل الثرية الكرستالية الفخمة فوقها:

-اللعنة كم هي ثرثارة لازال صوتها يخدش طبلة أذني.

و بينما هي بتلك الوضعية ، صفع باب جناحها بقوة جعلها تقفز من مكانها كالكنغر المستعد للهجوم، حيث اقتحم غرفتها أخوها جيمس الذي يصغرها بعام واحد .

-أيها الوغد... ألا تعرف معنى الخصوصية.

-عندما تتعلميها أنت.

-أنا؟ متى اقتحمت غرفتك دون طرق الباب .

تقدم نحوها و قد عقد أذرعه على صدره :

- قبل يومين، عندما كنت غائبا دخلتي و أخذني أقلامي الجديدة .

وضعت كلاريس يدها على صدرها و باليد الأخرى تمسح دموعا وهمية على خدها :

- لقد طرقت الباب، و لأنني لم أجد ردا دخلت، ظننت مكروها قد أصابك.

-لا تتصرفي كأخت جيدة ...

دفعت نفسها عن الاريكة الجلدية و سارت نحوه حتى أصبحت أمامه مباشرة.

كان أطول منها لكن هذا لم يمنعها من سحب شعره ما جعل رأسه يميل حتى اصبحت نظراتهما بنفس المستوى، و لم يتردد هو أيضا في سحب شعرها:

-إعتذر، أيها الوغد لأختك الكبيرة.

-أنت أكبر مني بعام فقط لا تتكبري.

- من يسبقك بليلة يسبقك بحيلة و انا أكبر منك ب 383 ليلة أي أسبقك ب 383 حيلة.

1

-آآخ لا تسحبي بقوة ... أفلتيني أيتها العاهرة.

1

-ششش اللغة!! .. اللغة! اي جرأة لديك ل__ آآآآخ.

شد جيمس شعرها للخلف بقوة ما جعل رقبتها تتشنج.

-أفلتيني كي أفلتك .

-أنت الذي أفلتني أولا.

-قلت أنت أولا .

-سأعد لثلاثة و لنفلت شعر بعضنا البعض في نفس الوقت... واحد .. اثنان.. ثلاثة.

عند رقم ثلاثة سحبا أيديهما من شعر بعضهما و بدأت كلاريس بإلقاء محاضرات عن كونه أصغر منها و يجب عليه احترامها . و هو يصم أذانه بأصابعه و يغني بمرح بينما يتجول في الجناح كأنه يخصه.

-لالالالالالالالالالالالا.

-عندما أتكلم أنت تصمت .

-لالالالا انا لا اسمعك .

رفعت كعبها المهمل على الأرض و رمته عليه...

و لحسن حظه أخفقت التصويب... رفعت الكعب الثاني و عندما صوبته انفتح الباب و كاد يصيب الخادمة المسكينة التي تسمرت مكانها و جف الدم في عروقها...

عندما أدركت كلاريس ما فعلته سارت نحو الخادمة بسرعة ... :

-ليلى هل أنت بخير ... هل اصبتك في أي مكان.

-لا آنستي... أنا بخير ، فقط قلبي توقف للحظة.

-كم مرة قلت لكي ناديني "ريس" فقط .

- لكن آنستي الرسميات واجبة ...

- هذا لا يغير أننا صديقات منذ الطفولة .

- و لا يغير كونك نبيلة.

صفر جيمس من خلف كلاريس و رحب بليلى:

-مرحبا ليلى، كيف حالك؟

-بخير ،سيدي.

ارتسمت ابتسامة حمقاء شفاه جيمس، إبتسامة رجل مغرم ، و فعلت ليلى المثل بحمرة خجل كست خدودها ...

2

مررت كلاريس عيونها بين اخيها و صديقتها التي صارت خادمة تحت إمرتها.

لقد لاحظت نظرات إعجاب متبادلة، يرمون نظرات غرامية كالسهام ، شهقت بصوت عالي و غطت ثغرها بيدها لتكتم ضحكة أفلتت منها... همست في نفسها :

-وغدان مغرمان .

صفت كلاريس حلقها لجذب الانتباه بدل سهام الحب المتطايرة ، و عندما استعادا وعيهما توجهت أبصارهما لكلاريس :

- إذن ليلى هل أتيت لندردش أو لتقفي أمام الباب.

-صراحة لدي الكثير من العمل ... لقد أمرتني السيدة إليانا بدعوتكما لقاعة الطعام .. العشاء جاهز .

إنحنت لهما بخفة و احترام قبل أن تنصرف بهدوء.

════════⊱❀⊰════════

كانت قاعة الطعام خليط بين الفخامة و البساطة ، مزيج من الألوان الفاتحة و السادة ما جعل المنظر لوحة فنية متكملة، ستائر بقماش أحمر قاتم مخملي ، تحجب رؤية الحديقة المزهرة من النوافذ الزجاحية الضخمة ، فيما كُسيت الجدران بالطلاء كان بلون أخضر نعناعي فاتح، و مع كل ركن وُضع أصيص Jardinière شامخًا كقطعة فنية. قاعدته البرونزية ترتكز على أرجل منحنية أنيقة، وجسمه البورسليني يلمع بلون عاجي تزدان أطرافه بورود مذهّبة وأوراق عنب متشابكة. من أعلاه تتدلى أوراق السرخس الكثيفة، تلامس بخفة ضوء النافذة، ناشرة عبق الطبيعة في أجواء الغرفة المترفة. و بالحديث عن الرائحة التي تجعل أنفك يرقص فرحا و بطنك تصفر شوقا لوضع لقيمة من ذلك الطعام المبثوث باتقان فوق الطاولة الزجاجية.

على رأس الطاولة جلس رجل وسيم رغم تقدم عمره، و في الطرف المقابل تماما ، استقرت مرأة بدت كأنها تحتفظ بظل من فتنة الصبا ، رغم أن ملامح النضج أحاطتها بايطار ذهبي عتيق .

كانا يبدوان كزوجين عبرا دروبا طويلة ، من أيام البساطة في الريف إلى قاعات النبلاء المكسوة بالمخمل .

كان طيف إبتسامة حنونة و محبة على وجهيهما ، عندما دخل كل من جيمس و كلاريس، و هوما في مشادة كلامية كعادتهما .

-أخبرتك أن البيضة قبل الدجاجة .

- من أين لك بهذا أيتها المعتوهة ، الدجاجة قبل البيضة .

- لا أدري لماذا أناقش أحمقا، أبي من أولا الدجاجة ام البيضة.

فلتت ضحكة عذبة من ثغر الأم ،و هي تهز رأسها يأسا من مشاحنات طفليها ، أشار الأب بإصبعه لهما كي يجلسا كل من هما في جنبه من الطاولة ، جيمس على اليمين ، بينما كلاريس على اليسار ، ثم يجيب على سؤال كلاريس بابتسامة جانبية ساخرة :

- صدقاني سواء جاءت البيضة أولا او الدجاجة ، فمصيرهما واحد ، مقلاة الطبخ ، هلما لمكانكما.

إنساب الولدان إلى مقاعدهما بهدوء، شبك الجميع اصابعه فوق الطاولة الزجاجية ، و إنحنت رؤوسهم نحو الاصابع المتشابكة، من بين الشفاه، انسابت أدعية شكر و تقدير على النعمة . ما إن فرغوا من الدعاء ، بدأت أصوات الملاعق الذهبية و هي تطرق بالاطباق الراقية برفق ، و بخار الحساء الدافئ يتصاعد ، ملامسا الوجوه بحنية، تردد في القاعة صدى الضحكات المرحة و تقلب الجو بين الجدية و المرح ، جعلها تبدو الصورة المثالية للعائلة السعيدة .

- إذن حبيبتي ، هل أنهيتِ كل الترتيبات لحفل التأسيس.

- نعم، لقد أرسلت البارحة الرد الرسمي إلى ديوان القصر، وحجزت موعدًا مع الخياطة غدًا لتعديل فستاني الجديد، كما حجزت مصففة شعر لي ولكلاريس، حتى يكون كل شيء جاهزًا قبل حفل التأسيس.

زفر جيمس بملل ، بينما تنقر سبابته الزجاج المصقول و إبتسامة متهكمة تلوح على شفتيه:

-لحسن الحظ أنني رجل أستحم و أرتدي ملابس رسمية ، و انتهى الأمر

خرجت تنهيدة عميقة من رئتي كلاريس ، تومئ برأسها مأيدةً رأي أخيها قبل أن تستأنف الحديث:

- لأول مرة أوافقك الرأي .

ساد الصمت للحظة على المائدة، قبل أن يتبادل الأبوان نظرة عابرة، لكنها محمّلة بما يكفي ليشعر بها كل من كان حاضرًا. وضعت الأم الشوكة برفق، وأخفضت صوتها قليلًا:

– علينا أن نكون على أتم الاستعداد، فهذه أول مرة نحضر فيها حدثًا بهذا المستوى… ولا أريد أن نكون مادة لأحاديث القصر.

أومأ الأب موافقًا، عينيه تلمعان بحدة لا تخلو من القلق:

– في عالم النبلاء، يا أعزائي، لا تكفي الملابس الفاخرة… بل يجب أن نتقن اللعبة.

جيمس، الذي بدا وكأنه لا يعير الأمر اهتمامًا، أدار الملعقة بين أصابعه بلا مبالاة، بينما كلاريس كانت تتابع كلمات والدها بعينين لامعتين، خليط من الحماس والخوف.

════════⊱❀⊰════════

انقضت الأيام كصفحات كتاب تتساقط سريعا ، حتى طرق اليوم الموعود أبواب القصر.

في جناحها، كانت كلاريس تنعم بلمسات المصففة، بينما الأم تتفقد فستانها أمام المرآة الطويلة. أما جيمس، فاكتفى بتعديل ربطة عنقه على عجل، تحت أنظار الأب الذي كان يراقبهم جميعًا بابتسامة متفحصة.

- سيد ريتشارد ،العربة جاهزة.

كان رئيس الخدم كايل من تحدث ، رجل مقبل على الستينات من عمره ، تلمع الحكمة و خبرة سنوات في عيونه الزرقاء العميقة و وقفته الأنيقة و المحترمة تزيد من هيبته.

أومئ ريتشارد برأسه بابتسامة حانية ، قبل أن يلوح بيده إشارة رقيقة للانصراف .

توقفت العربة السوداء الفاخرة أمام بوابة القصر، يلمع معدنها تحت أضواء المصابيح الحديدية.

انفتح الباب على مهل، فكانت كلاريس أول من تقدّم بخفة نحو الدرج الصغير، ترفع تنورتها قليلًا حتى لا تعيقها، وتجلس بأناقة على المقعد الجلدي اللامع.

لم يكد جيمس يخطو نحو العربة حتى قطّب حاجبيه ساخطًا:

– دائمًا السيدات أولًا… إلا عندما أكون أنا!

دخل أخيرًا، وهو يلوّح بيده في إيماءة مسرحية، لتكتفي كلاريس بابتسامة جانبية تتوقع ما سيلي.

تبعهم ريتشارد، خطواته ثابتة، وعيناه تلمعان بهدوء الرجل الواثق.

صعد إلى العربة ثم التفت نحو زوجته، يمد يده بثبات مهيب.

وضعت يدها في يده، فطبع قبلة خفيفة على مفاصل أصابعها، قبل أن يسحبها برفق إلى الداخل.

في الزاوية، تبادل جيمس وكلاريس نظرات ماكرة. همست كلاريس وهي تكتم ضحكة:

– رومانسية أبي لا تعرف حدودًا.

أجابها جيمس ساخرًا:

– المهم ألا يبدأ بقراءة الشعر قبل أن نصل.

أغلق السائق باب العربة برفق، ثم اعتلى مقعد القيادة.

ارتفع صوت حوافر الخيول على حجارة الطريق، مصحوبًا بأزيز العجلات وهي تشق طريقها عبر الممر المرصوف بالأشجار. على جانبي الدرب، كانت الحقول المكسوة بالندى تتلألأ تحت ضوء القمر، وتطل بينها أضواء نوافذ متفرقة لبيوت ريفية نائمة.

مع امتداد المسافة، غمر السكون الركاب، حتى تسلل النعاس إليهم واحدًا تلو الآخر، لتغفو العائلة على اهتزازات العربة المنتظمة.

حين أشرقت الشمس في صباح اليوم التالي، كانت العربة تعبر الجسر الحجري المؤدي إلى قلب العاصمة "ألدرهافن"، حيث القباب المذهّبة والمآذن العالية تلمع في الضوء الباكر. تثاءب جيمس بكسل وهو يحرك كتفيه المتصلبتين:

– يا إلهي… أشعر وكأن ظهري تحول إلى لوح خشبي.

أجابت كلاريس وهي تفرك رقبتها بتأفف:

– وأنا أحس وكأنني نمت على صخور… من اخترع النوم في العربة يجب أن يُعاقب.

ضحكت الأم بخفة وهي تصحح جلستها، بينما كان ريتشارد يطالع المنظر من النافذة بابتسامة متأملة.

العربة طريقها عبر شوارع ألدرهافن المرصوفة بالرخام حتى توقفت أمام البوابات الضخمة للقصر الإمبراطوري. ارتفعت المصاريع الحديدية المزخرفة بنقوش ذهبية، لتكشف عن ممر واسع تحفّه تماثيل من المرمر الأبيض لملوك وأباطرة تعاقبوا على حكم المملكة.

تقدمت العربة ببطء عبر حدائق مترامية الأطراف، تتناثر فيها نوافير كريستالية ترش الماء في أقواس متلألئة تحت ضوء الشمس. كان الطريق المؤدي إلى المدخل الرئيسي مفروشًا بسجاد قرمزي يمتد حتى الدرج الرخامي العريض، حيث انتصبت أعمدة شاهقة يعلوها تيجان مذهّبة.

عند توقف العربة، فتح الخدم الأبواب بانحناءة دقيقة، لتجد العائلة نفسها أمام بهو فسيح تزين سقفه جداريات مرسومة يدويًا تحكي تاريخ المملكة، بينما تتدلى من أعلاه ثريا هائلة من الكريستال النقي، ترسل آلاف الانعكاسات اللامعة على الجدران المكسوة بالمخمل الأزرق والذهب المحفور.

عند عتبة البهو الإمبراطوري، اصطفّ صفّان من الحرس بوقفة عسكرية صارمة، دروعهم المصقولة تلمع تحت وهج الثريات، ورماحهم تعانق السقف الشاهق. وفي قلب الممر القرمزي الموشّى بخيوط الذهب، كان ولي العهد واقفًا كأنه تجسيد حي لمهابة العرش.

كان كايلم أورستين درافينفال أطول من جميع من حوله، قامته الممشوقة تكسوها حلّة إمبراطورية بلون أزرق ليلي، تتخللها تطريزات ذهبية متقنة، وعلى كتفه وشاح مخملي قرمزي ينسدل بثقل وقار، تعلوه شارة العُقاب المزدوج رمز الإمبراطورية. بشرته المضيئة أضفت على عينيه الفضيتين بريقًا هادئًا، بينما تزيّن رأسه تاجٌ صغير بصف من الأحجار الزرقاء، ليس دلالة على التباهي، بل علامة على واجب القيادة.

إلى جانبه وقفت الأميرة أليسندرا فيورين درافينفال، آية من آيات الجمال الإمبراطوري؛ بشرتها كخزف أبيض ناعم، وعيناها بلون الزمرد النقي، يحيط بهما هالة من الرموش السوداء الطويلة، أما شعرها الذهبي الكثيف فانسدل على كتفيها في خيوط متلألئة كأشعة الفجر، يزيد من فتنتها ثوب عاجي ينساب كالماء، تتخلله تطريزات من خيوط الفضة والبلور.

خطا كايلم إلى الأمام بخطوات موزونة، وانحنى انحناءة رسمية قصيرة، لكن عميقة الاحترام، وصوته حين تكلّم كان مزيجًا من الصرامة المهيبة والدفء النبيل:

— أهلًا بعائلة كاروث… إن حضوركم يُشرّف البلاط الإمبراطوري.

أشار بيده بحركة واثقة ليتراجع الحرس جانبًا، ثم تابع بصوت خفيض:

— تفضلوا، سأرافقكم إلى جناحكم بنفسي.

سار أمامهم بخطوات محسوبة، يصف لهم المعالم المهيبة للممرات وقاعات الاستقبال، دون أن يتسلل إلى حديثه أي ظل للتعالي. ومع ذلك، في لحظة عابرة، التفتت عيناه إلى كلاريس، ليستوقفه شيء ما في ملامحها؛ تلك النظرات الثاقبة والواثقة التي تحمل ذكاءً مكتومًا، وكأنها تُقيم وزناً لكل ما تراه وتسمعه، دون أن تنطق بكلمة. للحظة وجيزة، تعلّق بصره بها، ثم أعاد وجهه إلى الأمام، بينما استقر في ذهنه أثر ذلك المشهد، كوميض لا يُمحى بسهولة.

════════⊱❀⊰════════

كانت قاعة الحفلات الكبرى في القصر الإمبراطوري تحفةً معمارية تتجاوز حدود الخيال؛ قباب شاهقة يرصعها الذهب الخالص، وجدران مرصوفة بالرخام الأبيض تتخللها أعمدة من العقيق الأحمر، تتلألأ بين أضوائها مئات الشمعدانات الكريستالية التي تعكس وهج آلاف الشموع.

في الوسط، امتدت موائد المأدبة بطول القاعة، مكسوة بأقمشة من الديباج القرمزي، تعلوها أطباق من الفضة الخالصة تعج بأطايب المطبخ الإمبراطوري: طيور محمّرة تتبخر منها روائح الأعشاب النادرة، أطباق بحرية مزينة بلآلئ الليمون الذهبي، وحلويات مكوّنة من طبقات من الكريمة والعسل المستورد من جزر بعيدة.

تحت قباب القاعة، ارتفع لحن الأوركسترا الإمبراطورية، يتماوج بين الأوتار النحاسية والكمانات، في نسج موسيقي يليق بجلال المناسبة.

وفجأة، شقّ الصمت صوت جندي من حرس الشرف، يرتدي درعه المذهّب ويقف عند المدخل العظيم، صوته جهوري يتردد بين الجدران المهيبة:

– البارون ريتشارد كاروث… البارونة إليانا كاروث… الآنسة كلاريس إيلانور كاروث… والسيد جيمس كاروث!

توقفت الأحاديث لبرهة، والتفتت أنظار القاعة نحو الداخل، حيث تقدمت العائلة بخطوات موزونة.

كان دخولهم أنيقًا، لكنه لم يخلُ من تلك الهالة التي تحيط بالوجوه الجديدة في دوائر النبلاء العليا.

همست إحدى الشابات، وهي تخفي فمها بمروحة حريرية:

– من ذلك الشاب؟ يا إلهي، عيناه كحجارة الياقوت الأزرق…

أجابتها أخرى بنبرة تجمع بين الإعجاب والدهشة:

– جيمس كاروث… لم أظنه بهذه الوسامة.

في ناحية أخرى، قالت سيدة مسنّة بصوت منخفض:

– أما الفتاة… كلاريس، أظن؟… فستانها بسيط مقارنة بفتيات البلاط، لكنه مصمم بذكاء… تبدو وكأنها تعرف كيف تجذب الأنظار دون بهرجة.

ضحكت أخرى بخفة:

– مؤسف أنهما من عائلة في أدنى مراتب الأرستقراطية… لو كان حظهما أفضل لربما نافسا كبرى العائلات.

ورغم الهمسات، ظلّت خطواتهم ثابتة، وعيونهم تلمع بتصميم خفي، وكأنهم يدركون أن هذه الليلة قد تكون بداية فصل جديد في حياتهم .

تفرّق أفراد عائلة كاروث بين الحضور، وكأنهم قطرات ماء انسكبت على أرض من المرايا.

البارون ريتشارد والبارونة إليانا انشغلا بتبادل التحيات مع النبلاء وأصحاب الألقاب، بانحناءات مدروسة وكلمات أنيقة، ينسجان بها خيوط التعارف في نسيج المجتمع الإمبراطوري.

أما جيمس، فقد سرعان ما وجد نفسه محاطًا بدائرة من الفتيات، تتصاعد ضحكاتهن الرقيقة مع كل كلمة يلقيها.

كانت إحداهن تعبث بريشة مروحتها، وأخرى تضع خصلة شعر خلف أذنها ببطء متعمد، وثالثة تبتسم بخجل وهي تصغي لمزاحه. كان يتنقل بينهن بخفة لاعب شطرنج بارع، يدرك أن وسامته سلاحه الأمضى في هذه الحلبة الناعمة.

وفي الجانب الآخر من القاعة، جلست كلاريس في مقعد قريب من الشرفة، يحيطها ظل هادئ بعيد عن الصخب. كانت ترتشف ببطء من كأس نبيذ فاخر بلون أحمر قانٍ، تراقب انعكاس الأضواء على السائل وكأنها تستحضر أفكارًا بعيدة.لم تشعر إلا بصوت عميق ورزين يقطع عزلتها:

– آنسة كاروث.

رفعت بصرها، فإذا أمامها ولي العهد كايلم أورستين درافينفال، طويل القامة، يفيض حضوره بهيبة لا تحتاج إلى إعلان. كانت عيناه بلون الفضة الموشّحة بالليل، تلمعان بنظرة ثابتة كأنها تخترق الطبقات الخارجية للشخص لتصل إلى جوهره.بادرت بالوقوف، تنحني برشاقة في تحية رسمية:

– صاحب السمو.

ردّ بانحناءة طفيفة، نبرته هادئة لكنها مشبعة بثقل المكانة:

– يشرفني أن أرحب بكِ في قصر درافينفال.

صمت لحظة، وكأن الموسيقى قد انسحبت من خلفية القاعة لتتركهما في جزيرة زمنية صغيرة، ثم مد يده نحوها بثبات مهيب:

– هل تمنحينني شرف هذه الرقصة؟

شعرت كلاريس بتيار خفي يعبر المدى بينهما، لكنه لم يكن من النوع الذي يفقدها توازنها… بل ذاك الذي يجعل المرء أكثر وعيًا بنفسه، وبمن يقف أمامه. وضعت يدها في يده، لتقودهما الخطوات الأولى نحو وسط القاعة، حيث بدأ العالم من حولهما يذوب في أنغام الموسيقى.

كانت أنغام الأوركسترا تتصاعد في القاعة كأمواج مخملية، تداعب السمع وتدعو الأرواح إلى الانسياب معها.

قاد كايلم كلاريس إلى قلب ساحة الرقص، حيث انفتح أمامهما البحر البشري من الأزواج المتمايلين، وكأن القاعة بأكملها انحنت لتمنحهما المساحة.

انزلقت يدها بخفة على كتفه، بينما استقرت يده الأخرى على خصرها في حركة محسوبة لا تحمل إلا ما تسمح به أصول البروتوكول الإمبراطوري.

بدأ الإيقاع، فتقدّم خطوة، وتراجعت هي بخفة، تنسجم قدماها مع خطواته كأنهما ظلّان لرقصة أزلية.

الأضواء الذهبية المنعكسة من الثريات الضخمة انسكبت فوق شعرها البني الكستنائي، فبدت خصلاته كأنها شرارات من نبيذ أحمر في كأس كريستالي.

في كل التفافة، كانت أقمشة فستانها الحريري تتبع حركتها كوشاح من الليل، بينما تتألق عيناها تحت نظراته الصافية التي لا تفلت منها أي تفصيلة.همس بصوت يكاد يمتزج مع الموسيقى:

– لا أظن أن هذه أول مرة ترقصين فيها في قاعة كبيرة.

ابتسمت، نبرتها هادئة:

– قد لا تكون الأولى… لكنها بالتأكيد الأهم.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، تلمع فيها لمحة إعجاب يصعب إخفاؤها:

– من بين كل الحاضرين الليلة… أنتِ الوحيدة التي تجيدين فن التحدث بثقة دون أن تنطقي الكثير.

تبدلت الخطوة، فدارت حوله دورة كاملة، قبل أن تعود لتجد نفسها قريبة بما يكفي لترى بوضوح انعكاس وجهها في عينيه الفضيتين.

لم يكن هناك حاجة لقول المزيد؛ فالإيقاع، والأنفاس، ونبض اللحظة، تكفّلوا بإكمال الحوار.حين انتهت المقطوعة، انحنى لها برقي، وأفلت يدها ببطء، وكأنه يطلق سراح سرّ صغير لن يبوح به .

حين انحنى ولي العهد كايلم مودّعًا كلاريس وسط القاعة، عمّ الصمت للحظة كأن الموسيقى نفسها حبسَت أنفاسها.

1

تبادلت العيون الأرستقراطية النظرات المتسائلة، وارتفعت الحواجب في دهشة ظاهرة.

في أطراف القاعة، مالت سيدات المجتمع الكبيرات على مقاعدهن المخملية، يهمسن خلف مراوحهن المطرّزة بعبارات قصيرة لا تخلو من التحفّظ:

– فتاة حديثة النبل؟… يختارها ولي العهد من بين كل العائلات العريقة؟

– هناك من تنتظر هذه اللحظة منذ أعوام… وها هي تذهب لفتاة لا أصل لها يُذكر.

أما الآنسات، فتفرّقن بين من تراقب المشهد بعينين لامعتين من الغيرة، ومن تعض شفتها السفلى وهي تحاول كتم امتعاضها.

في إحدى الزوايا، شهقت شابة شقراء وهي تقول لصديقتها:

– كان من المفترض أن تكون هذه رقصتي معه الليلة.

لكن كايلم، الذي بدا وكأنه لا يسمع شيئًا، انسحب بهدوء إلى حيث تنتظره أخته الأميرة أليسندرا، فيما كانت كلاريس تعود إلى مكانها، تضع كأس النبيذ على الطاولة، غير مدركة تمامًا للعاصفة الصغيرة التي أثارتها بخطواتها على أرضية القاعة المذهّبة.

════════⊱❀⊰════════

ارتفع صوت المنادي الجهوري مجددًا، ليشق الهمسات التي ما زالت تتردد بين النبلاء:

– دوق آشبورن، صاحب السمو إدوارد آشبورن… الدوقة إليزابيث آشبورن… ووريث الدوقية، اللورد لوسيان غابرييل آشبورن.

اتجهت جميع الأنظار نحو المدخل الكبير، وكأن تيارًا غير مرئي شدّ الرقاب إلى الأمام.

دخل الدوق والدوقة بخطوات رزينة تعكس مكانتهما، لكن الأنفاس الحقيقية انحبست حين ظهر خلفهما… لوسيان.

كان طويل القامة على نحو يكاد يلامس معه التيجان المذهبة للأقواس العالية.

بشرته شاحبة كالرخام المصقول، تزيد حدة ملامحه الفاخرة بريقًا آسرًا. وجنتاه محددتان بوضوح، وأنفه مستقيم، أما شفتاه فمرسومتان بدقة وكأنهما وُجدتا ليكتمتا الأسرار.

شعره أسود داكن، يلمع تحت الأضواء كقطع من الفحم الرطب، وقد انسدل بخيوط منضبطة خلف كتفيه، في حين أن عينَيه… كانتا أعجب ما فيه، سواد مطبق بلا حدود، حتى يصعب التمييز بين القزحية والبؤبؤ، نظرة عميقة لا تُقرأ، لكنها توحي بأنها تستطيع قراءة كل ما أمامها.

ارتدى لوسيان سترة سهرة من المخمل الأسود المطرز بخيوط فضية متشابكة على هيئة أغصان ليلية، تعانق كتفيه وصدره بإتقان. وعلى عنقه عقد حريري بلون العاج، تعلوه بروش معدني على هيئة غراب مجنّح، رمز آل آشبورن العريق.

عند دخوله، بدا وكأن القاعة بأسرها أُعيد ترتيب إيقاعها على وقع خطواته.

همست بعض الآنسات وهن يتبادلن نظرات مشبوبة:

– إنه… أشبه بكابوس جميل.

– تلك العينان… يا إلهي، أشعر وكأنني سأفقد توازني.

إحداهن وضعت يدها على صدرها، كما لو تحاول ضبط خفقان قلبها، فيما أخرى أمالت رأسها لتراه بزاوية أوضح، وكأنها تريد حفظ كل تفصيلة من ملامحه في ذاكرتها.

حتى بعض النبلاء الرجال، رغم وقارهم، لم يخفوا انطباعهم عن الهيبة التي يفرضها حضوره.

كانت نظرات لوسيان ثابتة، جادة، غير مقروءة، وهو يمسح القاعة بعينيه السوداوين كمن يزن كل من فيها بميزان خفي. لم يتغير تعبير وجهه قيد أنملة، حتى كاد الحاضرون يظنون أن الرخام أكثر دفئًا من ملامحه.

لكن ما إن التقت عيناه بوجه ولي العهد كايلم، الذي كان يقترب بخطوات مهيبة، حتى انفرجت شفتاه في ابتسامة نادرة، كسرت حدّة الجدية بقدر ما أكدت هيبته.

في تلك اللحظة، وميض من ذكريات الطفولة والرفقة الوثيقة لمع في أعينهما معًا.

اقترب كايلم، ومد يده في تحية أخوية، وصوته يحمل مزيجًا من الاحترام والمودة القديمة:

– لم تتغير يا لوسيان… ما زلت تدخل القاعة وكأنك السيد الذي يختبر مملكته.

ارتفع طرف فم لوسيان بابتسامة أخف، وأجاب بنبرة منخفضة وهادئة:

– وأنت ما زلت تسرق الأضواء قبل أن أصل إليها.

وقبل أن يكتمل الحديث بين ولي العهد ولوسيان، انشقّ صف النبلاء على جانبيه كالموج حين يفسح الطريق لسفينة فاخرة.

تقدّمت الآنسة فيكتوريا بلاكثورن، ابنة دوقية بلاكثورن، صاحبة النفوذ المهيب الذي لا يفوقه إلا نفوذ آل آشبورن.

كانت فيكتوريا لوحة متقنة من الكمال المصقول: فستانها من الحرير القرمزي المطرّز بخيوط ذهبية، ينساب على جسدها بانسجام مع خطواتها الواثقة، بينما يلمع عقد من الياقوت الدموي عند عنقها، كأنه استُخرج خصيصًا ليحاكي لون شفتيها.

شعرها الأشقر الداكن مرفوع بتاج من الماس، وعيناها الزرقاوتان تحملان بريقًا متقدًا، أشبه بوميض لا يهدأ.

ما إن وقع بصرها على لوسيان، حتى انحنى حاجباها بخفة في تحية أنيقة، لكنها لم تمهل أحدًا لحظة، إذ تقدمت بخطوات رشيقة حتى بلغت جانبه، ثم وضعت يدها برفق –لكن بثبات– على ذراعه.

– دوق آشبورن…

نطقت اسمه وكأنها تتذوقه، بنبرة تنضح بالامتلاك.

التفت إليها بابتسامة خفيفة، مهذّبة، لكنها لم تصل إلى عينيه السوداوين.

– آنسة بلاكثورن… من دواعي سروري رؤيتك.

شدّت قبضتها قليلًا على ذراعه، وكأنها تخشى أن يتبخر بين لحظة وأخرى، ثم التفتت إلى ولي العهد في انحناءة مدروسة، قبل أن تعيد بصرها سريعًا إلى لوسيان، متجاهلة ما حولها، وكأن القاعة وكل من فيها مجرد خلفية لصورتها معه.

النظرات في القاعة التقطت المشهد فورًا… البعض ابتسم بخبث، والبعض تبادل همسات عن "الآنسة التي لا تكف عن مطاردة الدوق".

أما لوسيان، فاكتفى بملازمة الصمت، تاركًا ابتسامته الخفيفة تعمل كجدار يحجب ما يجول في خاطره

وفجأة، ارتفع صوت المارش الإمبراطوري من فرقة موسيقية في الشرفة العلوية، لتنقلب أجواء القاعة إلى صمت مهيب.

تحولت الأنظار جميعها نحو الدرج الرخامي العظيم، حيث بدأت الظلال الطويلة لخطوات ملكية ترتسم على الجدران المكسوة بالذهب.

ظهر الإمبراطور فالريان أوريستين درافينفال، شامخًا كالجبال التي تحمي حدود الإمبراطورية، مرتديًا عباءة ملكية من المخمل الأسود المطرّز بخيوط ذهبية، تتدلى من كتفيه حتى تلامس الأرض.

فوق رأسه تاج إمبراطوري من البلاتين والياقوت الأزرق، يلتقط أنفاس الضوء ويرسلها في أرجاء القاعة. إلى جانبه، تسير الإمبراطورة سيرافينا إليريس درافينفال، أنيقة الحضور، متوجة بتاج أخفّ لكنه لا يقل روعة، وعيناها تحملان ذلك المزيج النادر من الرقة والحزم.

بمجرد أن بلغ الزوجان منتصف الدرج، انحنى الحضور أجمع –من أعلى النبلاء إلى أدناهم– في انحناءة احترام وإجلال، حتى كأن القاعة بأكملها انحنت أمام ثقل السلطة. ارتفع صوت قائد الحفل معلنًا:

– جلالة الإمبراطور، جلالة الإمبراطورة.

وصل الإمبراطور إلى قاعدة الدرج، وتقدّم بخطوات بطيئة ومدروسة نحو المنصة الرخامية المهيأة له. وقف مستقيمًا، يضع يديه خلف ظهره، قبل أن يطلق صوته العميق، الذي كان يملأ القاعة كما يملأ الرعد الأفق:

– 《أيها السادة والسيدات من أبناء الإمبراطورية… نحن نقف اليوم أمامكم، لا كحاكم بين شعبه، بل كصوتٍ لجذور هذه الأرض العريقة، ودرعها الذي لا ينكسر. نحن الإمبراطورية التي لم تخضع يومًا لراية غير رايتها، نحن السيف الذي يردع الطامعين، ونحن اليد التي تزرع الرخاء والسلام.منذ قرون ونحن نكتب التاريخ بمداد العظمة، نرسمه فوق صفحات الزمن بدماء الأبطال وعزم الأجيال. ومن هنا، من قلب قصرنا الإمبراطوري، نؤكد أن قوتنا لم تكن قط في السيوف وحدها، بل في اتحادنا، في ولاء النبلاء، وفي إيمان الشعب برايته الخالدة.فليكن هذا الحفل ذكرى تتجدد فيها العزيمة، ونقطة بداية لعام آخر من المجد الذي لا يزول… نحن الإمبراطورية، ونحن العظمة، ونحن المستقبل.》

اختتم كلماته ورفع ذراعه في إيماءة مهيبة، فارتفعت أصوات التصفيق والهتاف تعانق سقف القاعة المزخرف، بينما ظل الحاضرون ينظرون إليه وكأنهم يشاهدون تجسيدًا حيًا لقوة لا تزول.

2

استقر الإمبراطور والإمبراطورة على عرشيهما المهيبين، يطلان من منصتهما العالية على القاعة المزدحمة كما يطل القمران على بحر من البشر.

ومع عودة الموسيقى الناعمة إلى العزف، تنفّس الحاضرون الصعداء، وعاد كل شيء إلى سابقه وكأن اللحظة المهيبة كانت موجة عابرة في بحر الاحتفال.

عند الجانب الشرقي من القاعة، كان لوسيان واقفًا إلى جانب ولي العهد كايلم ، بينما تتشبث فكتوريا بذراعه الأيسر بحركات محسوبة، وابتسامة مدروسة لا تفارق شفتيها.

بدأ الاثنان يتبادلان أطراف الحديث، إلا أن ملامح لوسيان الجادة كانت تُخفي ضيقًا مكتومًا، إذ كان حديثه منصبًا على آخر ابتكارات الأسلحة الحربية واستراتيجيات الدفاع عن الحدود، وهو ما جعل بريق الاهتمام يخفت تدريجيًا في عيني فكتوريا.

في الجهة المقابلة، كان البارون كاروث والبارونة يتبادلان التحايا مع مجموعة من النبلاء، بينما يسطع ضحكهم وسط جمل المجاملة الرسمية.

بالقرب منهم، كان جيمس كاروث لا يزال محاصرًا بدائرة صغيرة من الفتيات اللواتي يتسابقن إلى لفت انتباهه، تتطاير ضحكاتهن ورشفات مروحاتهن مع كل تعليق منه.

أما كلاريس، فكانت تجلس عند طاولة جانبية قرب أحد الأعمدة المزخرفة، تحتسي كأسًا من النبيذ الأحمر القاني بهدوء، تراقب الحفل بعينين تلتقطان التفاصيل الصغيرة، بعيدة كل البعد عن دوامة الحوارات المزدحمة.

وبعد دقائق، انسحبت فكتوريا أخيرًا من جانب لوسيان، وقد غلب عليها الملل من نقاشاته العسكرية، متجهة بخطوات أنيقة نحو ركن آخر من القاعة، حيث كانت تنتظرها دائرتها الخاصة المكوّنة من ثلاث نبيلات:

الليدي أريانا فاليمونت، ابنة ماركيز ذائع الصيت بثروته التجارية، ذات حضور متأنق واهتمام شديد بأحدث صيحات الموضة

الليدي إيزولدا مارشوين، ابنة كونت يملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، شغوفة بالموسيقى الكلاسيكية وحضور حفلات الأوبرا.

الليدي ميرابيل روينكاستل، ابنة فيكونت صاحب نفوذ عسكري، معروفة بحدة ذكائها وسرعة بديهتها في الحوارات الاجتماعية.

استقبلن فكتوريا بابتسامات واسعة وهمسات خافتة، قبل أن تنخرط معهن في ثرثرة أنيقة عن آخر أحداث الموسم الاجتماعي .

وبينما كانت الأكواب الكريستالية تتصادم في أرجاء القاعة على إيقاع الموسيقى، أخذت دائرة فكتوريا بلاكثورن تتبادل الأحاديث المألوفة…

إلى أن لفت نظرها، وهي ترفع كأس الشمبانيا إلى شفتيها، مشهد كلاريس كاروث جالسة بمفردها في ركن شبه معزول.

مالت فكتوريا برأسها قليلًا، تتأمل المشهد بعيني صقر يراقب فريسة، قبل أن تبتسم ابتسامة لا دفء فيها.

– أترين ذلك؟

همست بفحيح خافت للّيدي أريانا.

– هكذا يجلس الجرذ عندما يجد نفسه في قصر لا يليق به.

ضحكت أريانا بخفة، تخفي فمها بمروحة مزخرفة، بينما أضافت إيزولدا وهي تميل للأمام:

– أتعجب كيف سُمح لها بدخول القاعة أصلًا… دماء عامية تختلط بالدم الأزرق؟ إنه تشويه للجمال النبيل.

أما ميرابيل، فقد اكتفت برفع حاجبها، وعينيها تلمعان بسخرية:

– ربما أرادت أن تشاهد بنفسها ما لن تمتلكه أبدًا.

قادتهن فكتوريا بخطوات محسوبة نحو الطاولة الجانبية حيث تجلس كلاريس. وقفت أمامها مباشرة، مائلة قليلًا إلى الأمام حتى تفرض ظلها عليها، وقالت بصوت مغطى بالعسل لكنه يقطر سمًّا:

– يا لجرأتك، آنسة كاروث… اخترتِ أبهى الزوايا لتجلسي وحدك، وكأنك تنتظرين من يبحث عنك. لكن… هل تظنين أن أحدًا سيفعل؟

تبادلت النبيلات الثلاث نظرات جانبية، وبعضهن كتم ضحكة خافتة، بينما نظرات الاحتقار في عيونهن تنبش كرامة كلاريس ببطء، كأنهن يعاملنها لا كإنسانة، بل كشيء دخيل على هذا العالم المذهب.

ظلت كلاريس جالسة، ظهرها مستقيم وعيناها معلقتان في البعيد، كأن وجود فكتوريا ومجموعتها أمامها لا يتعدى ظلًّا عابرًا على الجدار.

لم تنطق بكلمة، ولم تغيّر ملامحها، الأمر الذي جعل عضلات فك فكتوريا تتصلب.

ابتسامة تلك الدوقة الشابة تحولت إلى قناع بارد وهي ترفع كأس الشمبانيا الرقيق، ثم بخطوة محسوبة أقرب إلى الرقص، أفرغت محتواه على رأس كلاريس.

انسكب السائل الفوّار بلمعانه الذهبي الممزوج بحمرة النبيذ على شعرها الكستنائي، فامتزجت خصلاته بحلاوة المشروب، وتسللت خيوط لزجة بلون العقيق عبر فستانها الأخضر الليموني، ترسم عليه خطوطًا فوضوية كأنها لوحة أفسدها رسّام غاضب.

شهقة واحدة، عميقة ومكتومة، صدرت عن القاعة بأكملها. توقفت الأحاديث، وتباطأت أنغام الوترية في الخلفية حتى كادت تختفي.

لكن أحدًا، لا ماركيز ولا كونت، تجرأ على التدخل في مواجهة وريثة عرش الدوقية الثانية نفوذًا بعد آل آشبورن.

ببطء مهيب، نهضت كلاريس من مقعدها، تنفض قطرات النبيذ من كتفها بحركة دقيقة.

رفعت رأسها حتى التقت عيناها بعيني فكتوريا… لم تكن هناك غضب، ولا إهانة، بل برودة صقيع يخترق العظم.

وفي لحظة خاطفة، امتدت يدها إلى كأسها نصف الممتلئ، وأفرغته فوق شعر فكتوريا الأشقر الحريري.

لم تتغير ملامحها، ولم تنبس ببنت شفة، لكن السائل الأحمر القاني انحدر عبر خصلات فكتوريا مثل شلال دموي يلطخ فستانها القرمزي المذهب.

1

القاعة جمدت في صمت مذهول… قبل أن تبدأ الهمسات بالتسلل، مثل نار باردة تنتشر بين الحاضرين.

قبل أن تنتشر الهمسات أكثر، انشق الحشد أمام خطوات ثابتة ووقفة مهيبة.

كان ولي العهد كايلم أورستين درافينفال يتقدم، كتفيه المنتصبين يكسوهما رداؤه الأسود المطرز بخيوط فضية، وعيناه الفضيتان تلمعان ببرق حازم.

توقفت الموسيقى تمامًا هذه المرة، وانحنى الحضور جزئيًا، إدراكًا لمكانة القادم.

توقف أمام المشهد، نظرته أولًا إلى فكتوريا وقد تجمدت ابتسامتها، ثم إلى كلاريس المبللة بالنبيذ.

لم يعلُ صوته، لكنه حمل ثقلًا جعل كلمات قليلة تكفي:

– يا آنسة بلاكثورن… هذا ليس ما ننتظره من نخبة الإمبراطورية.

أطرقت فكتوريا رأسها ببطء، كمن تذوق الهزيمة أمام الملأ، بينما ارتفعت في القاعة نظرات الاستغراب من جرأة ولي العهد في إهانة ابنة دوقية عريقة.

التفت كايلم نحو كلاريس، ومد يده ممسكًا بمنديل أبيض من حرير فاخر، حوافّه مطرزة بشعار الإمبراطورية.

قال بنبرة هادئة، يكسر بها حدة الموقف:

– جلالة الأميرة أليسندرا ستسعد بأن تعيرك فستانًا يليق بكِ… حتى تكملي الحفل كما يجب.

أخذت كلاريس المنديل، أصابعها تلامس يده في لحظة عابرة، لكنها شعرت بالدفء في نبرته أكثر من أي كلمة.

انحنى قليلًا أمامها، ثم أشار بخفة إلى أحد الخدم ليقودها نحو الجناح المخصص لها، بينما بقيت فكتوريا واقفة، محاطة بعيون تمعن النظر فيها وكأنها فقدت شيئًا من بريقها .

قاد الخادم كلاريس عبر ممرات القصر المكسوّة بالسجاد القرمزي والجداريات المذهبة، حتى توقّف أمام جناح بديع الأناقة.

فتح الباب بانحناءة صامتة، لتجد نفسها أمام الأميرة أليسندرا فيورين درافينفال، التي كانت واقفة قرب خزانة ملابس هائلة، أضواؤها تعكس لمعان الفساتين المصفوفة بعناية.ابتسمت أليسندرا ابتسامة هادئة، لكن عينيها الثاقبتين عكستا ذكاءً وجرأة لا تخفى.

– أنتِ الآنسة كلاريس كاروث، أليس كذلك؟ لقد رأيت ما حدث في القاعة.

بادلتها كلاريس انحناءة خفيفة:

– نعم، يا صاحبة السمو.

فتحت أليسندرا باب الخزانة على مصراعيه، وأشارت إلى فستان من الحرير السماوي، مطرز بخيوط ذهبية عند الخصر والياقة.

– جربي هذا… أظن اللون سيليق ببشرتك الحنطية ..

ابتسمت كلاريس امتنانًا، وأخذت الفستان، ثم عادت بعد لحظات مرتدية إياه. كانت أليسندرا تراقبها بعين خبيرة، ثم أومأت برضا:

– ممتاز. لكن قبل أن نعود… ما رأيك بجولة قصيرة في الحديقة؟ القاعة خانقة أحيانًا.

خرجتا معًا عبر باب جانبي يفضي إلى حدائق القصر الإمبراطوري، حيث كانت النوافير الكريستالية ترسل خيوط الماء في أقواس فضية تحت ضوء القمر، وأشجار الورد تتعطر بالندى الليلي.

سارتا جنبًا إلى جنب على الممشى الحجري، أحذيتهما الرقيقة تصدر وقعًا خافتًا، بينما تبادلتا الأحاديث الأولى: عن السفر، والموسيقى، وأطراف من طفولتيهما رغم اختلاف العالمين اللذين نشأتا فيهما إلا أن شعور بالألفة تسلل لروحهما.

شعرت كلاريس أن الأميرة، رغم وقارها الملوكي، قريبة من سنّها وقلبها، وكأنها لم تعد أمام صاحبة السمو الإمبراطوري، بل أمام صديقة محتملة… وسط عالم تكسوه أعين المراقبين.

توقفت أليسندرا قرب نافورة رخاميّة تتخذ شكل تنين مهيب، تتقافز خيوط الماء من فمه في قوس براق تحت ضوء القمر. أسندت كفيها على حافة الرخام البارد، ورفعت عينيها إلى السماء المرصعة بالنجوم.

– منذ ولادتي، وأنا أعيش خلف هذه الجدران، محاطة بالقواعد والآداب والوصايا التي لا تنتهي. طفولتي؟ كانت جدولاً صارمًا من الدروس، وحصص الآداب الملكية، والبروتوكولات. لم أركض حافية القدمين على العشب يومًا… لم أختبئ خلف الأشجار من ضحكات المطاردة.

ابتسمت كلاريس بهدوء وهي تسير على الممشى الحجري، ثم التفتت إليها:

– طفولتي كانت على النقيض تمامًا. جيمس وأنا كنّا نقيم حرب ثلج كل شتاء، نخرج من المعركة بملابس مبتلة وضحكات عالية، وفي الخريف أرافق والدي للصيد في الغابات البعيدة، أعود مع الوحل على حذائي والرائحة العطرة للهواء البارد في رئتي.

سارتا بين صفوف الورد الأحمر القاتم، وكلاريس تواصل:

– في الصيف نسافر إلى السواحل، نمشي حفاة على الرمال ونقفز في الأمواج، وفي الربيع… آه، في الربيع كنا نقطف الفراولة من الحقول الكبيرة حتى تتلطخ أصابعنا بالعصير الحلو.

توقفت، ونظرت نحو أليسندرا بعينين صادقتين:

– كنت أظن حياة النبلاء جنة، لكن الآن… أراها جحيمًا مغلفًا بالذهب.

رفعت أليسندرا حاجبيها قليلًا، لكن لم يظهر على وجهها إلا مزيج غريب من الإعجاب والامتنان، وكأن كلمات كلاريس لامست وترًا دفينًا في قلبها.

– أتمنى أن أعيش يومًا واحدًا هكذا… أن أركض تحت المطر، أن ألتقط الفراولة حتى تتلطخ أصابعي… أن أكون حرة ولو لساعة.

تقدمت كلاريس خطوة، ومدّت يديها لتغلف أصابع أليسندرا بين كفيها الدافئتين، وقالت بابتسامة حازمة:

– سنفعل ذلك يومًا ما، بلا شك… سأريك بنفسك كيف يكون طعم الحرية.ضحكتا بخفة، صدى ضحكهما يتماوج بين الأشجار المزهرة.

ثم مالت أليسندرا نحوها، وعيناها تحملان ودًا غير مألوف في عالمها المليء بالمظاهر:

– ناديني أليس فقط.

أجابت كلاريس بابتسامة ماكرة:

– إذن ناديني ريس فقط.

تبادلتا نظرة صداقة وليدة، كأنها وعد غير مكتوب ببدء حكاية خاصة بينهما، قبل أن تواصلا السير وسط أزقة الحديقة .

عادت كلاريس وأليسندرا إلى القاعة بخطوات متناسقة، ثوب أليسندرا الجديد ينساب على جسد كلاريس برقي، بينما كانت الأميرة تمسك بذراعها وكأنها ترافق صديقة قديمة لا ضيفة عابرة.

توقفت الهمسات بين النبلاء لثوانٍ، ليتبعهم سيل من النظرات الفضولية.

كانت فكتوريا، التي عادت لتقف قرب مجموعة صديقاتها، تشاهد المشهد وشفتيها تنكمشان ببطء، وكأن ابتسامتها المصطنعة تتصدع.

– لا أصدق…

همست إحدى النبيلات بجانبها، اريانا :

– الأميرة بنفسها… تمسك بتلك الفتاة؟

أجابت فكتوريا ببرود مسموم:

– بالطبع… يبدو أن العائلة الإمبراطورية بدأت تُعجب بالحكايات الريفية.

أما إزولدا ، فقد غمزت بسخرية:

– أو ربما ولي العهد ليس وحده الذي فُتن بها.

شدّت فكتوريا كفها على كأسها حتى كاد البلور ينكسر، وابتسامتها تحولت إلى قناع صلب يخفي نارًا مشتعلة.

في نظرها، لم يكن ما تراه مجرد مجاملة من أميرة، بل إهانة صريحة لكل الطبقة الأرستقراطية التي تنتمي إليها.

أما كلاريس، فكانت غافلة عن تلك النيران، وهي تتبادل مع أليسندرا ضحكة صغيرة، تتردد أصداؤها كطعنة في كبرياء فكتوريا.

– أيها السادة والسيدات… من أجل ضمان رفاهية إمبراطوريتنا واستقرارها، سنجري بعض الترتيبات الجديدة التي ستعزز التوازن بين النبلاء العريقين وأولئك المنضمين حديثًا إلى دوائرنا أو الذين على حافة السقوط .

توقف لحظة، وعيناه تتجولان بين الصفوف، قبل أن يتابع:

– لهذا الغرض، سيتم الإعداد لعدد من الزيجات السياسية الهامة…همسات انتشرت كشرارة وسط القاعة، قبل أن يبدأ بتلاوة الأسماء:

● أولًا… زواج السير ألدريك ماريستون من الليدي سيلينا روفان.

● ثانيًا… زواج الليدي فيرينا هاستينغز من اللورد غريغور فاليمونت.

● ثالثًا… زواج اللورد داريوس فينتربورن من الليدي إيزولت كراونويل.

كان الحضور يتابع باهتمام، إلى أن نطق الإمبراطور بالخبر الذي قلب القاعة رأسًا على عقب:

– وأخيرًا… زواج اللورد لوسيان غابرييل آشبورن… من الآنسة كلاريس إيلانور كاروث.

لثوانٍ، خيّم الصمت على القاعة، ثم انطلقت شهقات متقطعة هنا وهناك.

انزلقت كأس الشمبانيا من يد فكتوريا لتصطدم بالأرض وتنثر البلور والفقاعات على السجاد القرمزي.

اتسعت عيناها بذهول ووجهها يتوهج بالغضب، قبل أن تتقدم بخطوات سريعة نحو العرش الإمبراطوري.

– هل ما سمعته للتو… صحيح؟!

صاحت بصوت مرتفع، متجاهلة الصمت المطبق من حولها.

تراجعت عدة رؤوس دهشة من جرأتها وهي تتابع بصوت يرتجف من الانفعال:

– لا، لا، لا! من المفترض أن أكون أنا زوجة لوسيان! وليس… جرذًا دخل النبل حديثًا!

شهقت بعض السيدات من فظاظة كلماتها، بينما جمدت كلاريس في مكانها، يدها الملفوفة حول مرفق أليسندرا تتصلب حتى شعرت الأميرة ببرودتها، وعيناها متسعتان بصدمة تكاد تخلو من أي تعبير.

لكن الإمبراطور لم يرفع حاجبه حتى. بصوت عميق وهيبة لا تُقاوم، قال:

– آنسة بلاكثورن… نحن لا نعيد النظر في قراراتنا.

ساد الصمت التام، وانكمشت فكتوريا في مكانها، تدرك أن أي كلمة إضافية قد تكون نهايتها في بلاط الإمبراطورية.

أما لوسيان… فقد اتسعت عيناه السوداوان النقية والبؤبؤ على السواء، وانحنت زاوية فمه قليلًا، لكن من دون أن تنطق شفتاه بأي كلمة.

كان صمته أثقل من أي رد.

الإمبراطور ظل ثابتًا، يراقب فكتوريا كما يراقب صياد طائرًا جريحًا يرفرف في الفخ، فيما الهمسات تتصاعد مجددًا في أرجاء القاعة، حاملة معها خليطًا من الدهشة والفضول والغيرة.

وسط صمت القاعة المذهول، كان كايلم، ولي العهد، يقف على مقربة من العرش، وعيناه تتنقلان بين لوسيان وكلاريس.

وبرغم ملامحه التي بقيت واثقة وملكية، تسللت إلى قلبه غصّة لم يستطع إنكارها… إحساس ضئيل لكنه لاذع، أشبه بومضة غيرة حارقة، إذ كيف للقدر أن يمنح صديقه القديم يد الفتاة التي أثارت فضوله واهتمامه منذ اللحظة الأولى؟

على الطرف الآخر من القاعة، كان جيمس يرفع كأسه إلى شفتيه في لا مبالاة ظاهرية، إلى أن وصل اسم عائلته مقترنًا باسم "آشبورن".

في تلك اللحظة بالذات، بصق النبيذ الأحمر الفاخر بعنف، حتى كاد يلوث أكمام أحد النبلاء الواقفين بجواره، مما جلب عليه نظرات متفاجئة ومستنكرة.

أما البارون ريتشارد كاروث والبارونة إليانا، فقد كان وقع الصدمة عليهما كصاعقة انشقت فوق سقف القاعة.

تجمدت ملامحهما تمامًا، وفغر البارون فاه للحظات دون أن يخرج منه أي صوت، فيما غطت إليانا فمها بكفها وكأنها تحاول كبح شهقة صاخبة.

لم يكن أيٌّ منهما يتصور أن تتشابك خيوط مصير ابنتهما بهذا الشكل مع أكثر عائلات الإمبراطورية نفوذًا بعد العرش نفسه.

وفي قلب هذا المشهد المتشابك من الدهشة والغيرة والانبهار، بقيت كلاريس واقفة كتمثال حجري، تتأرجح أنفاسها بصعوبة، بينما لوسيان لا يزال يراقبها ببرود غامض، وعيناه السوداوان أشبه بليل بلا قمر.

على العرش، اكتفى الإمبراطور بابتسامة باهتة، ثم اعتدل في جلسته كمن يعلن انتهاء المشهد. ومع ذلك، كانت النظرات المتبادلة بين ولي العهد، ولوسيان، وكلاريس، تَعِد بأن ما بدأ الليلة… لن ينتهي بسهولة.

-نهاية الفصل الاول-

▪إلى كل من عاش معي أحداث الفصل الأول، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم…

1

▪ شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.

▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.

1

والآن أخبروني… من أسر قلوبكم أكثر:

كلاريس بقوة روحها ؟

أم كايلم برزانته؟

أم لوسيان بغموضه؟

أم جيمس بروحه المرحة؟

2

ومن الشخصية التي أثارت فضولكم أو ربما غضبكم؟

وكيف رأيتم الإمبراطورية بكل ما فيها من مجد وبذخ وصراعات طبقية؟

_عدد الكلمات هو :6297 كلمة

وتذكروا دائمًا… "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكن تنبض سطورها "

▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆

-كاتبتكم آريا♤-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدوق الأزلي

المؤلف ar._ya
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة