كانت الشمس تميل قليلاً نحو الغروب، وتغمر المدينة بلونٍ ذهبيّ دافئ، كأنها تبارك ما سيحدث.
الزغاريد تنطلق من قلب البيت الكبير، وأصوات النساء تتعالى ما بين ضحكٍ ودموع، وأصابع ترتّب الطرحة الأخيرة على رأس العروس التي بدت... صامتة.
مارينا جلست على كرسي مزخرف بالورد الأبيض، جسدها ساكن، ووجهها هادئ أكثر مما ينبغي.
تُمسك باقة الورد بين يديها كما تُمسك الحياة لأول مرة — أو ربما كما تُسلّم نفسها للقدر.
كان الفرح كبيرًا، والزينة معلّقة على الجدران والقلوب، والكل يبتسم.
لكن مارينا لم تكن تبتسم... لم تكن حزينة، لا. لكنها لم تكن "هناك" تمامًا.
---
مارينا
"قالوا لي: ستكونين سعيدة.
قالوا: الزواج ستر، راحة، بداية جديدة.
لكن لا أحد سألني... إن كنتُ أريده فعلاً."
منذ أن تمّت الخطبة، كانت تسير كأنها تؤدي دورًا في مسرحية، الكلّ كتبها عنها، والكلّ أخرج مشاهدها...
أما هي، فكانت تؤدي الدور بصمت.
فهد كان وسيمًا، محترمًا، من عائلة معروفة...
لم يكن حُبّها، لكنه أيضًا لم يكن كريهًا.
كان "الخيار المناسب"، كما قالت والدتها.
وفي يوم الزفاف، وهي ترتدي الأبيض، أحسّت بشيء غريب في صدرها.
ليس فرحًا، وليس حزنًا...
بل شعور بأن هناك شيئًا ناقصًا، وكأن قلبها لم يُدعَ إلى الزفاف.
كل من حولها كان يبتسم، حتى المرآة.
لكن نظراتها لنفسها لم تكن مليئة بالدهشة أو الحب...
بل بالشك.
"هل سأعتاد عليه؟
هل سيشعر بي؟
هل سأكون له امرأة… أم مجرد أنثى مناسبة في التوقيت المناسب؟"
---
🤵 فهد
كان فهد واقفًا عند باب القاعة، ببدلته السوداء، وربطة عنق زرقاء داكنة.
يحاول أن يتماسك، أن يبدو واثقًا، لكنه في داخله... لم يكن كذلك.
"لست خائفًا من الزواج... بل مما بعده.
من الاستمرار. من الرتابة.
من أن أستيقظ بعد عام ولا أجد نفسي."
لم يكن يحب مارينا، لكنه أيضًا لم يكرهها.
أعجبته في البداية، أعجبته بساطتها، هدوؤها، طريقة حديثها.
لكن الحب؟
ذلك الشيء المجنون الذي يطرق القلب دون استئذان؟
لم يحدث.
وافق على الزواج بها لأنه... تعب من البحث.
كل من حوله ضغط عليه: "مارينا بنت ناس، متعلمة، رزينة، مؤدبة."
وكأنه يختار سيارة، لا زوجة.
حين نظر إلى الباب، ورآها تدخل... ارتجف قلبه للحظة.
كانت جميلة، نعم، تشبه لوحةً قديمة — نقية، وباردة بعض الشيء.
ابتسم حين اقتربت منه، لكنها لم تنظر في عينيه مباشرة.
وربما لذلك، شعر بوخزة غريبة... كأنها لا تراه فعلاً.
---
والدة مارينا
كانت السيدة واقفة خلف الستار، تذرف دموعًا حارّة.
دموعًا لم تكن كلها فرحًا.
"يا رب، أسعدها... إنها ابنتي الوحيدة. صبرت كثيرًا، وخذلها كثيرون."
كانت تخشى أن لا يكون فهد هو الرجل المناسب... لكنها كانت تخاف أكثر من أن تبقى مارينا وحيدة.
الناس لا يرحمون، والعمر يمضي.
فهد يبدو رجلًا جيدًا، حتى لو بدا باردًا بعض الشيء.
"ربما تسخّنه العشرة..." قالتها في سرّها.
---
أخت فهد
في زاوية من القاعة، كانت شقيقة فهد،تراقب المشهد بعينين نصف مبتسمتين، نصف ساخرتين.
"زواج تقليدي آخر... مسرحية جديدة."
هي لم تؤمن يومًا بفكرة الزواج المُرتّب.
فهد شقيقها، وهي تعرفه جيدًا.
"لن ينجح هذا... سيملّ بعد سنة، وربما أقل."
لكنها لم تقل شيئًا.
فكل كلمة تُقال ضد "العروس" تُعدّ غيرة أو حقدًا.
لذلك اكتفت بالنظر...
وبصمتٍ داخليّ يقول: "لن تدوم هذه الوعود."
---
⏳– بعد الزفاف
في الغرفة البيضاء، في ليلةٍ يُفترض أن تكون دافئة...
جلسا معًا، يواجهان الصمت لأول مرة، دون جمهور، دون موسيقى، دون زغاريد.
مارينا جلست على طرف السرير، تنظر إلى المرآة.
وفهد... كان يخلع سترته، ويحاول أن يجد شيئًا ليقوله.
أي شيء.
— "تبدين... جميلة."
قالها بنبرة باهتة.
ابتسمت بخجل، لكنها لم تجبه.
اقترب منها، جلس إلى جانبها، لمس يدها.
يدها كانت باردة، كأنها تخاف أن تذوب في يده.
قالت بصوتٍ خافت:
— "هل تعتقد أننا سنتفاهم؟"
فاجأه السؤال، لكنه تمالك نفسه:
— "سنتعلم كيف."
ابتسمت، لكنها لم تقتنع.
وفي تلك الليلة، كانا جسدين يتقابلان، لكن الأرواح... لم تلتقِ.
‐‐‐
في مساء اليوم التالي، كانت رائحة الطعام تفوح من المطبخ، والضجيج الخافت في الصالة يدل على اجتماع العائلتين، كما هو متوقّع بعد أي زواج حديث.
الكل أراد أن يظهر بأفضل حال... أن يقول: نحن عائلة واحدة الآن.
مارينا ترتدي فستانًا بسيطًا بلون العاج، شعرها مرفوع نصف رفعة، وابتسامة هادئة مرسومة على وجهها.
تتحرك بخفة، تستقبل الضيوف، تملأ الصحون، تصغي للمجاملات.
أما فهد، فكان يجلس بجانب والده، يشارك في الأحاديث، لكنه لا يندمج.
كان واضحًا أنه موجود بجسده فقط.
عينا مارينا كانت تراقبه دون أن يبدو ذلك، ترى انعزاله، نَفَسه القصير، نظراته التي تسرح إلى مكانٍ بعيد.
بينما والدتها تضحك مع خالتها، وأبيه يروي طرفة، كانت مارينا تقف عند الباب المؤدي للمطبخ، تضع يدها على بطنها دون أن تشعر... كأنها تحاول أن تتخيل مستقبلاً.
لكنها لم تكن تعرف أن الحقيقة ستضرب في هذه الليلة... لا بعد سنوات، بل بعد دقائق.
---
بعد العشاء، خرج فهد إلى الشرفة الصغيرة، يتحجّج بتدخين سيجارة.
كان الجو باردًا، والمدينة تلمع بأضواءها، لكن وجهه لا يُضيء.
أخرج هاتفه، وتردد قليلًا، ثم نظر إلى الشاشة التي تومض: "نارين تتصل".
أجاب، بصوتٍ منخفض، لكنه واضح بما يكفي:
— "نارين... ما كان يجب أن تتصلي."
صمت...
— "نعم، تزوجت."
صمت أطول...
— "أنا آسف... كان يجب أن أخبرك من قبل، لكن... لم أكن أملك الشجاعة."
ثم قالها، وهو يدوس على جمر قلبه:
— "ما بيننا انتهى. لا يجوز أن نستمر. أنا الآن رجل متزوج."
كانت الجملة ثقيلة... عليه، وعليها...
وعلى من كانت تقف خلف الباب نصف المفتوح، تتنفس بهدوء وتسمع.
مارينا.
كانت قد لحقت به لتحضر له معطفه، لكنها توقفت حين سمعت اسم "نارين".
لم تتحرك، لم تسعل، لم تصدر صوتًا واحدًا.
فقط استمعت.
صوته كان متوترًا، لكنه صادق...
لم يدافع عن نفسه، لم يكذب، لم يتهرّب.
أنهى المكالمة بجملة خافتة:
— "سامحيني."
ثم أغلق الخط، ووضع الهاتف في جيبه، وتنهد طويلًا.
مارينا، في تلك اللحظة، شعرت كأن شيئًا ما سُحب من تحت قدميها.
حبيبة؟ اسمها نارين؟
يعني أنه لم يدخل هذا الزواج خالي القلب.
يعني أن هناك وعدًا آخر قد كُسر... قبل وعودها.
لكنها لم تُظهر شيئًا.
عادت أدراجها إلى الداخل، دخلت المطبخ كأنها لم تسمع شيئًا، أمسكت بالمنديل، وأخذت تنظف الطاولة.
حين عاد فهد، وجدها تضحك مع عمته، وتنقل الحلوى من طبق إلى آخر.
لم تتكلم، لم تسأله، لم تواجهه.
فقط كانت هناك... تؤدي دورها بإتقان، كما فعلت دائمًا.
لكن في داخلها، شيء ما تبدّل.
---
حين غادر الضيوف، وأغلق الباب، جلس هو على الأريكة وأطلق تنهيدة طويلة.
قال وهو يفك زر قميصه:
— "الحمد لله... انتهت الزيارة على خير."
قالتها دون أن تلتفت:
— "نعم، على خير."
ثم دخلت غرفتها بهدوء، خلعت فستانها ببطء، وانزلقت إلى الفراش دون كلمة.
وفي عينيها...
لم تكن دموع.
كانت بداية وعي.
‐‐‐
صباح اليوم التالي، استيقظت مارينا قبل أن يرنّ المنبّه.
عيناها كانتا مفتوحتين منذ الفجر، لكن جسدها كان ساكنًا كما لو أنه لا يرغب في النهوض.
في الخارج، كان صوت الملاعق يأتي من المطبخ.
فهد يُعدّ القهوة لنفسه.
لم يكن مشهدًا مألوفًا... لكنه لم يكن مفاجئًا أيضًا.
هو رجل يحب أن يبدأ يومه وحده، ولا يطلب شيئًا منها.
حتى الحنان... لا يطلبه.
وقفت عند باب الغرفة، تنظر إليه من بعيد، دون أن تتقدم.
حاولت أن ترى فيه شيئًا... ربما ندمًا، توترًا، شعورًا بالذنب بعد المكالمة التي سمعَتها.
لكن لا شيء بدا واضحًا.
كان وجهه عاديًا، يضع السكر في فنجانه، يشرب نصفه واقفًا، ثم يرتدي ساعته كمن يتهيأ للهرب.
قالت بهدوء:
— "هل ستتأخر الليلة؟"
أجاب دون أن يلتفت:
— "ربما... لدي اجتماع."
ثم خرج.
بهذه البساطة.
مارينا عادت وجلست على الكرسي الصغير قرب النافذة، تمسك فنجان قهوة لم تضع فيه سكّرًا.
كانت تفكر... وتحفر.
"كيف كانت علاقتهما؟
هل كان يحبها فعلًا؟
هل ما زال؟
هل أنا البديل؟ أم مجرد التوقيت الخطأ في المكان المناسب؟"
شعرت أن قلبها يضيق.
تذكرت كيف صمتت البارحة، وكيف خبأت تلك اللحظة داخلها كجمرٍ في قطن.
لكنها أقسمت بشيءٍ صامت أن لا تنسى.
---
فهد
قاد السيارة بصمت، يده على المقود، وأغنيته المفضلة لا تُشعره بشيء.
لم يكن نادمًا... لكنه لم يكن مرتاحًا أيضًا.
"ما فعلته كان صحيحًا... كان عليّ أن أُنهي كل شيء مع نارين.
أنا الآن رجل متزوج."
لكن لماذا يشعر أن كل شيء ثقيل؟
أن البيت كالغرفة المغلقة؟
أن مارينا تبتسم بأدب... لكن لا شيء حقيقي في نظرتها؟
حين تذكر صوت نارين في المكالمة، شعر بوخزة.
قالت له:
— "أعرف أنك ستتزوج يومًا... لكن لم أتخيّل أن تقولها لي بهذا البرود."
ثم أضافت:
— "لم تكن صادقًا يا فهد، لا معها، ولا معي، ولا حتى مع نفسك."
هو لم يجب.
لأنها كانت محقّة.
نارين كانت أكثر من حبيبة.
كانت صديقته، رفيقته، مرآته.
لكنه... خاف أن يخبر أهله عنها.
خاف أن يواجه الرفض.
واختار مارينا، لأنها "آمنة".
وفي تلك اللحظة، وهو يوقف السيارة أمام مكتبه، سأل نفسه:
"هل أخطأت؟
أم أن الزواج لا يشبه الحب فعلاً؟
أم أنني ببساطة... لست رجلًا صالحًا لأي شيء؟"
---
نارين
كانت نارين في غرفتها، تجلس على الأرض، تحمل هاتفها وتنظر إلى الشاشة التي لا تضيء.
آخر مرة تحدث معها، قال بصوت ثابت:
— "أنا متزوج... وما بيننا انتهى."
كانت تعرف أنه سيتزوج، لكنها لم تكن تعرف أنه سيختار "مارينا".
كم مرّة أخبرها أنه يريد امرأة تفهمه، تصغي إليه، تشاركه الحياة خارج القيود؟
ألم تكن هي كل ذلك؟
"مارينا... تعرفها. رأتها من قبل في مناسبةٍ عائلية. امرأة تقليدية، أنيقة، هادئة، لكن باهتة... بلا ملامح."
وفي عقلها، كان السؤال يصرخ:
"هل اخترتَها لأنك تريد السلام؟ أم لأنك لم تملك الشجاعة لتحبني علنًا؟"
نارين لم تبكِ.
لكنها أيضًا لم تتحرّك.
جلست هناك، كما لو أنها تنتظر شيئًا آخر...
ربما نداء أخير؟
أو ذنبًا يطرق الباب؟
---
كانت مارينا تلاحظ كل التفاصيل الصغيرة:
غياب فهد المتكرر، غرقه في العمل، إجاباته المقتضبة، وحتى نبرة صوته حين ينطق اسمها وكأنه يؤدي واجبًا.
لم تكن تشتكي.
لكنها كانت تسجّل، بصمت.
كل ليلة، كانت تخلع حذاءها بهدوء، تدخل الحمام، تنظف وجهها، وتحدّق في المرأة.
— "هل أصبحتُ ثقيلة عليه؟
أم لم أكن يومًا خفيفة؟"
في أحد الأيام، عاد فهد متأخرًا، وكان ثملًا.
رائحة الويسكي سبقت خطاه، وكان صوته غير متزن.
قال لها وهو يخلع سترته:
— "لماذا لا تسألينني أين كنتِ؟"
أجابته بهدوء:
— "لأني أعرف أنك لن تقول الحقيقة."
نظر إليها بدهشة، لكنه لم يرد.
دخل غرفته، وأغلق الباب خلفه.
ومارينا؟
أخذت منشفة صغيرة، وبدأت تنظف الكؤوس المتّسخة فوق الطاولة.
كما تفعل دائمًا.
---
مارينا:
"لم أعد أخاف من خيانته... بل من خوفي أنا من الرحيل."
فهد:
"كلما أردت أن أحبها، شعرت أن بيننا حاجزًا من زجاج.
أراها، لكن لا ألمسها."
نارين:
"سأرحل، لكنني سأترك شيئًا منك في قلبي... يجرحني كلما ظننتُ أنني شُفيت."