ديــــســـمـــــبــــر | كــــالـيـــنـــيــنــــــــغـــــــراد
في زاويةٍ معتمة من الزنزانة
تكوَّرت رهوامير تحتمي من العالم بذراعيها
سكونٌ ثقيل يلفُّ المكان
لكنّه لم يكن أكثر ثِقَلًا من رأسها
المُثقل بأسئلةٍ لا إجابة لها
كانت تحدّق بثباتٍ في لا شيء كأن الجدران تحكي لها عن زمنٍ تاهت تفاصيله لا تدري كم مضى عليها هنا
ولا متى انطفأت شمس حياتها هناك
عيناها نصف مغلقتين
تُفاوض النوم على لحظةِ راحةٍ واحدة
لكن صدرها كان يعلو ويهبط بأنفاسٍ مختنقة
تختنق أكثر كلما داعبها السؤال
"لِمَ أنا هنا؟!"
مرت يدها المرتجفة على ذراعها
كأنها تحاول الإمساك بنفسها كي لا تنهار
لكن الجسد خذلها
تمامًا كما خذلتها دموعها في الأيام الماضية
ثم، كسيلٍ أُمسكَ طويلاً، انفجرت
صوتُ بكائها كسر الصمتَ
لم تعبأ بعينٍ تراقبها
ولا بجدارٍ يسمع اعترافها
ضاقت بها الأرض وضاقت بها نفسها
لو أن الزمن يُرتق كما يُرتق الثوب الممزق…
لأعادت خطاها قبل تلك الليلة
قبل أن تتهادى قدماها إلى الملهى
تُغويها الأضواء، ويغريها صخب الموسيقى
أول رشفة خمرٍ مرّت على شفتيها كغُصة لكنها ابتلعتها
لم تعلم أن ابتلاعها سيكون أوّل خيطٍ في حبل الاتهام
وحين فتحت عينيها في الصباح…
لم يكن أمامها إلا الظلام
زنزانةٌ ضيّقة…رائحةٌ عفنة..اسمها مدوَّن في ملفِّ جريمة قتل
ڤالريان دراغونوف… اسمٌ تردّده الجدران
تهمةٌ تلفّ عنقها كقيدٍ حديدي
لا تعلم من زرعه ولا لِمَ اختارها
بكت… بكت حتى جفَّ الدمع..
...
صبــــاحُ اليــــوم الــــتالي
استيقظت ببطء في زنزانتها الضيّقة
بينما كان الضوء الخافت يتسلّل
من شقوق النافذة الصغيرة يرسم
خطوطًا باهتة على جدران باردة
من بعيد
تردّد صوت الأبواب المعدنية الثقيلة
يعلن بداية وقت الإفطار في السجن
فتحت عينيها المُثقلتين
تدرك تمامًا أنّه لا مهرب من هذا اليوم الجديد
ولا من الإفطار البسيط الذي ينتظرها الذي بالكاد يسد جوع إِنسي
خطوات الحُرّاس تقترب
ويد الحديد تعود لتزيح قفل الباب
دخلت صينية صغيرة لا تحمل سوى قطعة خبز جافة وكوب شاي فاتر
ومع ذلك
بدا كلّ شيء أثقل من المعتاد
وكأنّ هذه الوجبة الضئيلة تحمل في طيّاتها طَعمَ الحرية المفقودة أو بقايا أملٍ مُتَعب
جلست على حافة السرير البارد
تراقب الصمت وهو يملأ المكان
والظلّ الطويل الذي أسقطه الباب المفتوح على أرض الزنزانة
تنفّست ببطء
ثم غمست الخبز في الشاي وتناولته على عجل فساعة التحقيق تقترب
وأيّ لحظة تأخير قد تُثقل قيودها أكثر
...
غُــــرفة التــــحـقـــيـق
كانت تفرك يديها ببعضهما
كأنّ الدفء الهارب منهما قد يخفّف
وطأة القلق الذي ينهش قلبها
لا تعلم ما ينتظرها سوى ما أُبلغت به قبل قليل سيتم نقلها إلى سجنٍ آخر منشأة إصلاحية مخصّصة للنساء
اكتفت بهزّ رأسها
علامة الفهم فلم
تعد تملك طاقة للكلمات
الإرهاق يثقل جسدها حتى العظم والعجز
يخيّم على أنفاسها كانت
تشعر بالسوء والجوع لكن أكثر
ما كانت تشتهيه في تلك اللحظة… أن تنهي حياتها وكأن الموت وحده هو باب النجاة الأخير
________________________________________