الفصل الثاني:
تحت سماء موسكو الرمادية، حيث يلفّ الثلجُ كلّ شيءٍ بسكونٍ بارد، كان هناك رجلٌ يمشي بخطى ثابتة، لا يرفّ له جفن، ولا يُظهر للناس إلا ظلّه الممدود بين مباني المدينة العتيقة.
رينجي كيوجورو، ذلك الشاب ذي العيون السوداء العميقة، التي تحكي آلاف القصص التي لا تبوح بها الكلمات، كان يمسك في يده ملفًا سريًا يحمل صورًا، رسائلًا، وأسرارًا عن فتاة واحدة... ناري إيفانوف.
في رأسه، تتكرر دائمًا جملته المفضلة، تلك التي تردّدها بينه وبين نفسه، حتى أصبحت كعباءة لا تفارقه:
> "عندما تغيب الحقيقة، يبقى الهوس هو الملك."
ما بين أيامه العادية كطالب جامعي يمشي بين صفوف الجامعة، وليلته التي يمضيها في الظلال، كان رينجي يعيش صراعًا داخليًا لا ينتهي.
نظراته الباردة تُخبئ في أعماقها نارًا مشتعلة، نارٌ لا تهدأ إلا بنظرة واحدة، همس واحد، أو حتى مجرد همسة من صوت ناري.
في تلك اللحظة، وبينما كانت أنفاسه تتسارع، وصل إلى باب منزل صغير مهجور في حي قديم من المدينة. فتح الملف، وأخرج صورة لناري بابتسامة خفيفة لم تظهر على وجهه إلا في حضرة تلك الصورة.
مع كل خطوة يقترب بها منها، كل سرٍ يكشفه، كل ظلام يتغلغل في عالمه... كان يزداد هوسه، إلى حدّ أن:
> "ناري ليست فقط اسمي... هي حريتي المسروقة، وحكايتي التي لا تكتمل."
في اليوم التالي
في أحد المقاهي الصغيرة في قلب موسكو، حيث يختلط رائحة القهوة بعبق الشتاء، جلست ناري إيفانوف مع صديقتها تاليا ميلنيكوفا. كان الضوء الخافت يلقي بظلاله على ملامح ناري الهادئة، التي تبدو كما لو أنها جزء من هذا المكان، رغم كل ما تختبئه خلف تلك العينين السوداوين.
ابتسمت تاليا بنبرة مرحة، وقالت:
— هل سمعتِ ما يقال في الجامعة؟ يقولون إن البروفيسور وقع في حبك، وأن ذلك هو سبب تغيبه عن المحاضرات.
ضحكت ناري برقة، وكأن الأمر لا يعنيها:
— هذه مجرد شائعات لا أكثر. البروفيسور؟ لا أظن أنه يعرف حتى اسمي الحقيقي.
همست تاليا:
— لكنك تعلمين أن الناس تحب أن تصنع قصصاً، خاصةً عندما يكون هناك شخص غامض مثلك. الفتاة التي تبدو بريئة على السطح، لكنها تخفي وراءها أسراراً كثيرة.
نظرت ناري إلى النافذة، وأجابت بصوت هادئ:
— ربما، لكني لا أهتم بما يعتقده الآخرون. ما يهمني هو أنني أعرف حقيقتي فقط.
في جامعة موسكو، كان رينجي كيوجورو يجلس في إحدى زوايا المكتبة مع صديقيه، رين و يوجي . كانت نظراتهم تترقب كل حركة، وأحاديثهم خافتة تحمل ثقل التخطيط.
قال رينجي بجدية:
— نحتاج أن نعرف مكان سكن ناري بدقة. البيت الذي تذهب إليه بعد المحاضرات هو نقطة البداية.
أجاب يوجي بابتسامة خبيثة:
— الحي الذي تسكن فيه مراقب بالكاميرات، لكن هناك مداخل جانبية يمكننا استغلالها.
أضاف رين وهو يمد خريطة صغيرة على الطاولة:
— إذا دخلنا من المدخل الخلفي للجامعة، يمكننا الوصول سريعاً إلى الشارع الذي تسكن فيه. يجب أن نكون حذرين للغاية. أي خطأ بسيط قد يفسد كل شيء.
التفت رينجي إليهما، وعيناه تلمعان بحماس وحذر:
— هذه ليست مجرد مهمة، إنها البداية. ولن أسمح لأحد أن يبعدني عنها مهما كانت التكلفة.
ابتسم أصدقاؤه، وهم يعلمون أن رينجي ليس كأي شخص. هوسه بناري يدفعه لتحدي كل المخاطر...
و لكن ندرك ان قلة معرفتهم تتمحور حول تلك الحقيقة الصغيرة التي يجهلها رينجي و هي حقيقة :
ناري إيفانوف، تلك الفتاة التي لا تثير انتباه أحد في الجامعة، تبدو كنسمة هواء رقيقة تعبر الممرات بهدوء، عيناها السوداوان تحملان عمقاً من الأسرار، وشعرها الأسود ينساب كالليل الهادئ على كتفيها. ملامحها الجميلة التي تزينها شفاه وردية متوسطة الطول، براءة تخدع كل من يلتقيها، إذ لا يظن أحد أنها ليست مجرد طالبة حقوق عادية.
لكن الحقيقة أعمق، فهي لا تعلم تماماً حجم دورها في شبكة المافيا التي تنشط في ظلال المدينة. لم تكن ناري تعرف أنها جزء من هذا العالم الخطير، وأن عليها أن تلعب أدواراً متعددة، بين الفتاة الهادئة التي يراها الجميع، والذئبة البيضاء التي يخشاها الجميع في السوق السوداء.
رغم هذه الحياة المزدوجة، كان الحب بالنسبة لناري فكرة بعيدة المنال، هبة من القدر لم تكن من أولوياتها. كانت تعتقد أن عملها والظلال التي تحيط بها ستمنعها من أن تجد قلباً يحنّ إليها دون خوف أو تردد. لكن نقطة ضعفها الحقيقية كانت تلك الرغبة الصامتة، ذلك الشعور الخفي الذي لم تعترف به حتى لنفسها.
وفي هذا العالم المعقد، كان ماهر ليون، صديق الطفولة وكفيلها في كل خطواتها، هو الحامي والمرشد. يدير استوديو الموسيقى الخاص به، لكنه خلف الستار كان سكيناً حاداً يُنفّذ ما يُطلب منه بدقة، دون أن يترك أثراً. كان ماهر الظل الذي يحمي ناري، صديقها الذي يعرف أسرارها دون أن يطرح سؤالاً، والمفتاح الذي يعبر بهما هذا العالم المظلم...
...يتبع..