الفصلـ¹ / امرأة السيف

الفصلـ¹ / امرأة السيف

20 0

السُفن الَّتي تبقى في المرسَى تظلُ آمِنة يا عزيزي لكن لَيس لهذا الغرضِ تُبنى السُفن .

.* . *. *. * .* . *.

كان جسده يتحرك بانزعاج، يتلوى تحت وطأة حلم ثقيل... يلهث كمن يخوض حربًا لا يراها أحد، أو كأنّه يركض آلاف الأميال دون أن يبلغ وجهته أبدًا.

ثم، فجأة... فتح عينيه.

شهقة حادة خرجت من صدره، وكأنها تحاول انتزاعه من بين أنياب كابوس قديم حاول أن ينظم أنفاسه المضطربة، لكنها لم تطاوعه... لم تطاوعه منذ الطفولة  تلك الأحلام، أو لعلها الذكريات، تطارده منذ أن عرف معنى أن يُولد في الظلال.

اعتدل في جلسته على الفراش، مسح جبينه الذي تبلل بالعرق، ونهض متجهًا نحو الشرفة فتحها ليتسلل الهواء البارد إلى صدره... لعله ينعشه، أو يطفئ شيئًا من اللهيب المشتعل بداخله.

وقف هناك للحظة، صامتًا، يحدّق في السماء ثم تنهد بعمق، وعاد إلى الداخل توجه إلى الحمّام بخطوات سريعة، مياه باردة صبها على جسده كأنها تطرد آثار الحلم، توقظه من ذلك الضباب الكثيف الذي يحاصر عقله كلما تذكّرها... امرأة السيف.

ما إن انتهى حتى ارتدى ملابس رياضية داكنة، بسيطة، تناسب حالته التي لا تسمح له بالبقاء ساكنًا هبط درجات القصر دون أن يصدر أي صوت، وخرج إلى الباحة الخارجية.

ركض دون وجهة... دون هدف.

ركض فقط، ليفرّ من صوته الداخلي، من تلك العيون التي لا تفارقه حتى في نومه.

وحين أشرقت الشمس، عاد إلى القصر وصعد إلى غرفته.

أخذ حمامًا سريعًا آخر كأنه يحاول غسل ما تبقى من آثار الليل بعدها، ارتدى قميصًا أبيض ناصعًا وبنطالًا أسود، وانتعل حذاءً رياضيًا بسيطًا، ثم وضع ساعته في يده اليسرى.

توقّف لحظة أمام المرآة...

كان يشبه والده بشكل يكاد يكون مرعبًا؛ نفس الملامح الحادة، العينان العسليتان، الشعر البني الفاتح  مرّر يده في شعره ليصففه إلى الخلف، لكن بعض الخصلات تمردت وانزلقت فوق عينيه تنهد، التقط سترته، ثم نزل إلى الطابق السفلي.

وما إن جلس على مقعده المخصص في مائدة الإفطار حتى سأله والده:

– "هل كل شيء بخير؟"

أومأ جابرييل بصمت، ثم نقل نظره إلى إخوته ليرى أنهم أنهوا طعامهم كذلك.

فنهض أولًا، تبعه الباقون بهدوء.

– "سفرة هنيئة لكم، علينا الذهاب، لديهم محاضرات صباحية."

قالها جابرييل، نبرة صوته تدل على الجدية التي اعتاد الجميع سماعها منه كل صباح.

فهو الأكبر، يبلغ من العمر عشرين عامًا، يتولى مهمة إيصال شقيقته كاميلا ذات التسعة عشر عامًا، وابن عمهم ليونيل ذو الواحد والعشرين عامًا إلى جامعتهم... قبل أن يتوجه هو إلى جامعته.

كانت الجامعة تقع خارج حدود مملكتهم، في أرض البشر لأول مرة، يُسمح لأبناء مملكة الخوارق بالدراسة هناك، وكان جابرييل هو من اختار تلك الجامعة بعناية فائقة.

صعدوا جميعًا إلى سيارة جابرييل. الطريق كان مألوفًا، مليئًا بالأحاديث المعتادة والضحكات الخافتة.

وبعد بضع ساعات، وقفوا أمام بوابة الجامعة.

توقفت الأنظار عليهم كالمعتاد.

جابرييل... بملامحه الحادة، حضوره القوي.

كاميلا... بشعرها الأسود الطويل الكثيف، وعينيها الزرقاوين اللافتتين، ترتدي زيًّا كلاسيكيًا يليق بشخصيتها الواثقة.

أما ليونيل، فكان يقف بهدوئه المعتاد، يشبه كاميلا إلى حدّ يثير الدهشة، حتى أن من لا يعرفهما يظنهما توأمًا لا أبناء عم.

كان جابرييل يحمل حقائب كاميلا وليونيل، وكعادته ألقى عليهم التعليمات اليومية كأنهم أطفال في الرابعة، لكنه لم يملّ أبدًا من تكرارها، وهم بدورهم لم يتضايقوا قط كانوا يعرفون أن تلك التعليمات ليست مجرد كلمات... بل قلبه الذي يخاف عليهم ويتولى حمايتهم دائمًا.

جابرييل لم يترك أمرهم للصدفة لقد اختار لهم الجامعة بنفسه يتابع تقاريرهم الأكاديمية والأمنية شخصيًا حتى يعلم اذا واجه احدهم منهم مشكله فهو يحمل نفسه مسؤلية ذلك على عاتقه كونه او من تمرد و قرر الدراسه في ارض البشر وهما دائما يفعلوا كما يفعل هو تاكد من دخولهم  ليتجاهل الانظار حوله ويصعد الى سيارته ويقود حيث جامعته

شعر بصداع داخل راسه  حاول تجاهله  ولكن حين اشتد عليه الصداع، أوقف السيارة إلى جانب الطريق، أغمض عينيه ببطء، محاولًا تهدئة الألم الذي خفق في رأسه بلا رحمة... لكن ما إن فتح عينيه، حتى شعر بشيء غريب.

لم يكن داخل السيارة كان في مكان آخر تمامًا... غريب، ساكن، ومغطى بالثلوج البيضاء.

نظر حوله، متسائلًا إن كان يحلم، لكن البرودة التي تسللت إلى جلده أكدت له أنه ليس كذلك. لا شيء هنا سوى الأبيض... الأبيض فقط. الأشجار، الأرض، حتى السماء نفسها كانت ملبدة بالغيوم الرمادية، وكأن الشتاء نزل مبكرًا قبل أوانه.

لكن هذا مستحيل... ما زال الخريف لم يغادر بعد مملكته.

إذن، أين هو؟

تقدّم قليلًا، حذِرًا من كل خطوة، لكنّ قدميه غاصتا في الثلج الكثيف. الهواء كان بارداً بشكل غريب، مشبعًا بشيء غير مألوف، شيء يُشبه السكون الذي يسبق العواصف.

وفجأة... توقّف.

كانت تقف أمامه.

صامتة. جامدة.

نظراتها مصدومة، وكأنها تراه لأول مرة... أو كأنها لا تصدّق أنه واقف أمامها.

كانت ترتدي ثوبًا أبيضَ طويلًا مزخرفًا بالخيوط الذهبية، شعرها الأبيض مصفوفٌ بكعكة مثالية تعكس انضباطًا ملكيًّا. نظراتها كانت قاسية، رغم خلوّ ملامحها من أي مشاعر.

ثم انتبه إلى يدها...

أخرجت سيفًا رفيعًا، مرّرت يدها عليه، فاشتعل بطاقة زرقاء متوهجة.

خطت نحوه، بحذر... وكأنها تتهيأ لمهاجمته.

لكن الصداع عاد أقوى هذه المرة تراجع خطوة، أغمض عينيه بقوة، وعندما فتحهما مجددًا...كان جالسًا في سيارته.

يتنفس بثقل قلبه ينبض بجنون ماذا حدث؟ هل كان يحلم؟ لكن البرد ما زال عالقًا في أطرافه، والثلج... وكأن أثره لم يغادر.

من كانت تلك؟ ولماذا أرادت مهاجمته؟وأين كانت تلك المملكة المغطاة بالجليد؟لم يجد إجابة فقط غيّر طريقه، عائدًا إلى مملكته، يحاول استيعاب ما جرى.

في ذات اللحظة، وفي مكان بعيد تمامًا...كانت هي تقف وسط الثلج، تحاول تهدئة أنفاسها الهواء بارد، لكنه منعش... وكأنها تحتاج هذا السكون قبل أن يتغيّر كل شيء قريبًا، سيتغيّر كل شيء فعلًا حين يوضع التاج على رأسها، لن تعود فقط أميرة... بل حاملة اللقب.

لكن سؤالًا واحدًا ظل يؤرقها...هل تستحقه حقًا؟هل تستطيع إنقاذ شعبها من الظلام الذي يزحف على أبواب مملكتها؟هل ستجد حلاً؟ أم ستكون مجرد ظل لحاكمة سابقة، بلا أثر يُذكر؟لكن تلك الأسئلة انطفأت فجأة، حين شعرت بشيء غريب...

هالة غير مألوفة، طاقة خارقة... ليست من عالمها.

استدارت ببطء هناك، على بعد خطوات... كان يقف رجلٌ مغمض العينين، يقف وسط الثلج وكأن المكان لا يخصّه.

غريب الملامح، مختلف عن كل من عرفتهم لكنها لم تركز على مظهره عيناها علقت بوجهه، بشيء ما تعرفه جيدًا فيه

وحين فتح عينيه ونظر إليها...تجمّد قلبها.

"لا يمكن... إنه هو!"همست في عقلها، فزعة لا تعرف كيف دخل إلى هنا، فذلك مستحيل... مملكتها محمية، لا أحد يمكنه اختراق حدودها اندفعت بإرادة غريزية، أخرجت سيفها، مررت يدها عليه لتنشط قوته، لكن قبل أن تخطو نحوه...

اختفى كما ظهر، اختفى. وكأنه لم يكن لكنها تعرف ما رأته. تعرف تلك العينين جيدًا.

"أميرة أندريا."

قطع شرودها صوت مألوف، نظرت خلفها دون أن تستدير تمامًا.

كانت إحدى الوصيفات.

"حان وقت المراسم، سيدتي."

أومأت لها أندريا بصمت كنها لم تتحرك فورًا نظرت للمكان الذي وقف فيه، قبل ثوانٍ فقط... ثم التفتت وغادرت، وهي تشعر بأن تلك اللحظة الصغيرة، قد غيّرت كل شيء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحبًا، هذا هو الفصل الأول من الرواية.

أحداث هذه الرواية تحدث قبل أحداث الكاميليا، لذلك ستلاحظون اختلافًا في الأعمار والظروف.

لا تنسوا مشاركتكم وظهوركم هنا، فهما الحافز الوحيد لي للاستمرار.

– ليليث

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بوابة الصفر| المنسيين

المؤلف lilith🍒
2025/07/31 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة