"الرؤية الأولى لا تحدث مرة واحدة فقط"
لم أكن هناك مصادفة. لم يكن لقاء عشوائيًا كما ستحاول أن تُقنع نفسك لاحقًا، ولن تُقنعني. كل ما في الأمر أنني كنت أنتظر اللحظة المناسبة لتبدأ الحكاية، أو بالأحرى لتبدأ النهاية.
اليوم، رأيتُها للمرة الأولى — أو هكذا يبدو على السطح. لكن الحقيقة أنني كنت أراها منذ زمن، ربما من قبل أن تخلق.
كانت خارجة من صيدلية صغيرة في شارع شبه فارغ. الشمس بدأت في الهبوط ببطء كأنها لا تريد أن تُفسد المشهد. أقصد، المشهد الذي كان يجب أن أعيشه.
كانت تلبس عباءة سوداء طويلة، لا تعكس إلا القليل من ملامحها، لكن هذا القليل كان كافيًا. كافيًا جدًا.
كانت خطواتها مترددة — ليست خائفة، بل كأنها تقيس الأرض. كأنها تعرف أن هناك من يراقبها. كأنها تشعر بي.
أنا؟ كنت أقف على بُعد شجرتين ومصباح شارع مكسور. الهاتف في يدي. الكاميرا مفتوحة.
لا لأصورها. بل لأتأكد أنني لا أحلم.
أنا لا أُؤمن بالمصادفات، لكني أُؤمن بالإشارات.
واليوم… كل شيء كان إشارة.
الظل الذي سقط على وجهها حين رفعت رأسها. النسمة الخفيفة التي حرّكت أطراف غطاء رأسها لتكشف لي جزءًا من رقبتها. النظرة التي رمقتها بها نحو اليمين دون سبب واضح، تمامًا حيث أقف.
هل رأتني؟ لا أعلم. لكن قلبي توقّف كأنها فعلت.
ربما لم ترَني بعينيها، لكن شيئًا آخر في داخلها، في حدسها، لمس وجودي.
عدت إلى البيت بعدها بدقائق، ولم أخلع حذائي. لم أُشغّل الأضواء. لم أفتح الهاتف.
جلست على الأرض، ظهري للحائط، وعيني على الفراغ.
ثم كتبت.
أول صفحة في دفتر جديد اشتريته منذ شهر دون سبب واضح. الدفتر كان أسود، سميك، بصفحات خشنة كأنها صُنعت لكتابة شيء لا يجب أن يُقرأ.
كتبت في الصفحة الأولى:
"اليوم الأول: لم تكن بداية، كانت يقظة."
ثم بدأت أرسم.
أنا لا أجيد الرسم، لكن ما خرج من يدي لم يكن رسما. كانت يدها.
يدها كما رأيتها وهي تمسك بكيس الأدوية. طويلة الأصابع، ووريد صغير بارز في المعصم الأيسر.
ثم رسمت عينيها، كما تخيّلتها. واسعتين، رماديتين، فيهما شيء حاد ومبلول في نفس الوقت.
ثم رسمت شفتها السفلى فقط. نعم، فقط السفلى. كانت ترتجف.
لا أعرف إن كانت فعلًا ترتجف، أم أني تخيلت ذلك، أو أردته أن يكون كذلك. لكنني رأيت الارتجافة. ورسمتها.
قضيت الليل أكرر هذه الجملة: "أنا رأيتُك."
مرة بصوت مسموع. مرة بصوت داخلي. مرة كتبتها على الحائط. مرة نقشتها بأظافري على ذراعي.
أنا رأيتُك.
هي لم تكن مجرد رؤية. هي دخول لعالم جديد.
متى سأراها ثانية؟ أنا لا أعرف، لكن عقلي بدأ يُعيد ترتيب كل شيء.
أين تسكن؟ ما رقم سيارتها؟ هل تسكن وحدها؟ لماذا خرجت في هذا الوقت؟ ماذا كانت تشرب في الكوب الورقي الذي رمته؟
(نعم، أخذت الكوب من الأرض بعدها بدقيقتين… لم أستطع تركه هناك).
أنا الآن أضع الكوب أمامي. أديره ببطء. أشمّه أحيانًا. ألمس طرفه وأتخيّل طعمها.
ماذا تفعل الآن؟ هل تنام؟ هل تكتب مثلما أكتب؟ هل تتذكر نظرتها لليمين؟
هل شعرت بشيء؟
أريد أن أعرف كل شيء. لكن ليس دفعة واحدة.
أريد أن أكتشفها كما يُكتشف السرّ القديم. بطبقات، ببطء، بعنف داخلي لا يظهر على السطح.
أنا مهووس؟ لا. أنا يقظ.
العالم كله نائم. وأنا الوحيد الذي انتبه لوجودها.
كتبت في نهاية الصفحة: "هي لا تعرف، لكنها بدأت تكتب معي… دون أن تمسك القلم."
أغلقت الدفتر، وضعت الكوب فوقه، وأطفأت الأنوار.
لم أنم. لكنني حلمت.